من اجل سوسيولوجيالمجتمع الاتصالpdf

الإذاعة المحلية في الجزائر، ذات أوموضوع ؟

 

د/بن عيسى محمد المهدي 

جامعة قاصدي مرباح ورقلة(الجزائر)

 

Résumé :

Aprés  l’adoption de la loi organique sur l’information en Algérie  les médias  sont   retrouvé devant l’exigence  d’exercés  leurs  activités  toutes en respectant deux principes essentiels ; la présarvavation  des  valeurs  de l’identité nationale d’une part et la promotion  des valeurs  universels  de la démocratie, de la citoyenneté et de liberté  ect…  D’autre part.

La Radio régionale par sa définition C son champs de médiatisation ne cible q’une population locale, donc un espace social spécifique par son modèle culturel particulier et propre à cette population. Cette localité de la Radio  régionale est-elle uniquement  territoriale ou bien elle est culturelle ?...autrement dit, cette Radio par l’exercice de ses activités médiatique ne fait que produire et reproduire le modèle culturel de l’espace social local.

Si c’est le dernier cas qui en pratique ceci nous conduira directement à :

-L’effritement de l’identité nationale.

- Repliement aussi sur l’identité anthropologique de cette population autochtone.

-cet article pose aussi la problématique  par quelle approche scientifique peut-on étudier la relation média/société? S’agit-il d’une relation cause à effet  ou bien est  d’une relation d’un système à son sous système etc... ?

Donc on propose une ébauche à cette question.

 

الكلمات الدلالية : الإعلام والاتصال –المجال الاجتماعي – الإذاعة المحلية –النموذج الثقافي – الهوية

مقدمة:

عرف المجتمع الجزائري منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينات حركة كبيرة وانتشار واسع في وسائل الإعلام والاتصال كما ونوعا، بحيث تعدد الصحف العمومية والخاصة وتوسع نطاق التغطية لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتنوع ظهور وتوزيع الإذاعات المسموعة المحلية على كافة أنحاء القطر الجزائري بعدد التنوع  الثقافي الذي يتضمنه المجتمع حيث أصبح لكل دائرة ثقافية واجتماعية نوعية محطة إذاعية عمومية محلية خاصة بها، هذا بالإضافة إلى التطور الحاصل في تعدد وسائط الإعلام والاتصال الجماهير الحديثة الأخرى، فكل هذا التنوع المتنامي و التنافس الحاصل بين مختلف هذه الوسائل يؤشر وبكل وضوح أن المجتمع الجزائري كغيره من باقي المجتمعات العربية والإفريقية أصبح موضوع لما يعرف بمجتمع الأعلام والاتصال .

القضية المطروحة:

أصبح لزاما على السلطة العمومية، في ظل هذه الظروف والمعطى الحضاري الجديد أن تبني إستراتيجية جديدة عن طريق وسائط الإعلام والاتصال العمومية، وعن طريق الإذاعة بالخصوص، كون أنها الوسيلة الأكثر انتشارا زمنيا ومكانيا، هذه الإستراتيجية تقوم على مبدأين أو قيمتين،يجب على هذه الوسائط الاتصالية والإعلامية أن توجد لها التوليفة المناسبة في كل برامجها ووسائلها حتى يتشكل منها مشروع ثقافي متكامل ومنسجم، هذين المبدأين أو القيمتين هما قيم المحافظة (أي المحافظة على المضمون الثقافي للمجتمع الجزائري حتى لا ينسلخ عن هويته ومورثه الحضري من جهة )، وقيم التطوير والتنمية (أي تنمية وتطوير هذا الموروث الثقافي بما يتوافق مع متطلباتهم الحضارية والمجتمعية الآنية والمستقبلية ) من قيم الحداثة من وطنية ومواطنة والديمقراطية. فحول هذين القيمتين الأساسيتين تتمحور أحكام المادة الخامسة من القانون العضوي المتعلق بالإعلام بحيث أن أحكام هذه المادة تنص بكل وضوح أن ممارسة أنشطة الإعلام عليها أن تساهم '(1)على وجه الخصوص فيما يلي:

1.   الاستجابة لحاجات المواطن في مجال الإعلام والثقافة والتربية والترفيه والمعارف العلمية والتقنية.

2.   ترقية مبادئ النظام الجمهوري وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان و التسامح ونبذ العنف والعنصرية.

3.   رقية روح المواطنة وثقافة الحوار.

4.   ترقية الثقافة الوطنية وإشعاعها في  ظل احترام التنوع اللغوي والثقافي الذي يميز المجتمع الجزائري.

5.   المساهمة في الحوار بين ثقافات العالم القائمة على مبادئ الرقي والعدالة والسلم.

فالتحليل الدلالي لمفردات هذه الأحكام الخمسة يبين لنا جليا أنها تكرس هذين القيمتين (قيمتي المحافظة والتطوير والتنمية،) وهذا ما يتطلب من وسائل الإعلام والاتصال بصفة عامة والعمومية على وجه الخصوص بمختلف أشكالها أن تبني مجموعة من البرامج في تواصلها وتفاعلها اليومي مع الفرد الجزائري يجسد مشروع ثقافي منسجم ومتكامل يعمل على تحقيق  قيم المحافظة والتطوير وتعمل على إنتاج وإعادة إنتاج هوية نموذجية بهذه القيم فالإذاعات المحلية أو الجهوية كون أن تغطيتها الإعلامية تخص مجال عمراني محدود حدودية انتهاء امتداد المجال الاجتماعي بخصوصيته الثقافية، هذه التغطية الإعلامية عليها أن تجعل من جهويتها ومحليتها جواريه عمرانية وليست ثقافية اجتماعية تكرس الانغلاق على الذات، ذات الخصوصية الثقافية الضيقة والمتناقضة رأسا مع القيم الحضارية من مواطنة وديمقراطية وبالتالي تسقط بدون وعي منها في الاستجابة البهافيورية للحاجات الثقافية والتربوية للمجال الاجتماعي و الثقافي المتفاعلة معه مباشرة،هذا ما يؤدي إلى إعادة إنتاج هوية منغلقة تتمحور حول ذاتها ،من هذا المنطلق أردنا أن نقوم بهذه الدراسة الميدانية عن الإذاعة المحلية أو الجهوية متسائلين هل استطاعت هذه الإذاعات المحلية في ظل الزخم الإعلامي وتنوعه أن تحدث التفاعل المطلوب بينها وبين المستمع الموجه إليه من جهة؟ وهل استطاعت أن تثير التفاعل والنقاش بين المستمعين المتفاعلين في نفس هذا المجال الاجتماعي من خلال المضمون الثقافي لرسالتها الإعلامية من جهة ثانية؟ وهل استطاعت أن تنتج فعلا هويات حاملة لقيم الوطنية والمواطنة المراد صياغتها؟ أم أن هذه الإذاعات أصبحت مجرد وسيلة ترفيهية تدغدغ غرائز الكائن البيولوجي لا غير؟

أولا: دراسة الإعلام و الاتصال في المجتمع : بأي مقاربة سوسيولوجية ؟

تطرح دراسة العلاقة بين وسائل الإعلام والاتصال من جهة والمجتمع كالمجتمع الجزائري من جهة ثانية إشكالية كبيرة من الناحية السوسيولوجية على مستوى المقاربة النظرية والمنهجية، بحيث يتوجب على الباحث أن يحدد طبيعة هذه العلاقة حتى يستطيع أن يبني الجهاز المفهوماتي الذي سيشتغل عليه، فهل هذه العلاقة هي علاقة تأثير وتأثر؟ وهنا يصبح المجتمع مجرد متغير تابع ومنفعل لممارسات الغير عليه عن طريق هذه الوسائط الإعلامية. وهل هذا التأثير هو تأثير يمس البنية الاجتماعية بكاملها أو تأثير على المستوى الفردي بصورة منعزلة؟...... الخ وغير ذلك من الأسئلة غير المتناهية، أم طبيعة هذه العلاقة هي علاقة وظيفة ودور أي وظيفة ودور النسق الفرعي بالنسق الكلي؟ وهنا ندخل في توجه نظري مغاير يفرض على الباحث منهجية تفكيرية معينة، وجهاز مفهوماتي من نوع خاص يمكن أن لا يخدم موضوع الدراسة بما يطمح إليه الباحث، وقبل أن يحدد موقفه من هذه الأسئلة وغيرها لا بد أن نستنطق التراث السوسيولوجي للوقوف إلى ما توصل إليه في مثل هذه الدراسات السوسيولوجية

1-1الدراسات في الدول الغربية: كان أول ظهور لدراسات الاتصال والإعلام الغربية بداية من الحرب العالمية الأولى، فالمقاربات والإشكاليات التي كانت تدور حولها هذه الدراسات منذ تلك الفترة إلى نهاية منتصف القرن الماضي تتلخص في اتجاهين رئيسيين(2)هما:

الاتجاه الأول: كان ينظر للاتصال على انه حالة سيكولوجية فردية لم تخرج عن نطاق المقاربات العلمية لعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي وخاصة المدرسة الشرطية من تأثير واستجابة بحيث كانت هذه البحوث تدرس مدى تأثير وسائل الإعلام على العواطف والانفعالات والسلوكيات والآراء والمواقف الفردية، والبحث كذالك عن الفروق في الاستجابات بين مختلف المبحوثين مرتبين مصنفين وفق مؤشرات الجنس العمر، التجارب الشخصية، الانتماء الطبقي ......الخ، فالعلاقة بين وسائل الإعلام والاتصال كمنبه خارجي والاستجابات التي تترتب عنه هي علاقة سببية حتمية، وان حدث وحصل خلل ما، في هذه العلاقة كان لا يتم اعازه للمرسل بل للرسالة ومضمونها (كان المرسل منزه من الخطأ ) - وبالتالي في فترات متأخرة من هذه المرحلة كان يهتم بدراسة مضمون الرسالة عن طريق تحليل المضمون ، من اجل تطوير مقاربات التأثير على الجمهور .

الاتجاه الثاني : كان ينظر للاتصال ووسائله نظرة وظيفية والتي كانت مسيطرة على الفكر السوسيولوجي في تلك الفترة،بحيث كان الباحثين ينظرون لوسائل الإعلام والاتصال على أنها نسق فرعي من المجتمع تتلخص أدواره في تحقيق ثلاثة وظائف كما حددها لازويل وأضاف لها و للازرسفنلد(3) الوظيفة الرابعة وهذه الوظائف هي:

1.   وظيفة المراقبة للتهديدات والمخاطر المحيطة بالمجتمع و التنبيه بها لزيادة التضامن في المجتمع.

2.   وظيفة التنسيق الداخلي بين انساق المجتمع عن طريق توصل و التبادل للمعلومات .

3.   وظيفة نقل المخزون الثقافي والاجتماعي

4.  الوظيفة الرابعة هي الوظيفة الترفيهية التي أضافها الوظيفيون الجدد لازوسفيلد و ميرتون كوظيفة خفية تعمل على منع حدث خلل وظيفي من جراء الاندفاع وبدون قصد يؤدي إلى حدوث أزمة داخل النسق الكلي، وعلى العموم أن هذا التوجه ينظر لوسائل الإعلام كأداة وظيفتها الأساسية هو تجنيب المجتمع من الأزمات وقيادته باتجاه الحياة الديمقراطية فالدراسات السوسيولوجية كلها في تلك الفترة وحسب هذا التوجه كانت تبحث في مدى فاعلية وقدرة وسائل الإعلام والاتصال سواء مباشرة أو عن طريق قادة الرأي من تقديم الدعم للنسق السياسي من اجل المحافظة على النسق الكلي الذي هو المجتمع كما قلنا ثم انتقلت البحوث السوسيولوجية حول الإعلام والاتصال من دراسة الأثر والتأثير ودراسة الدور والوظيفة إلى دراسة جهاز مفهوماتي وإشكاليات أخرى مناقضة  للتوجه السابق، اهتم النقديون على مختلف مشاربهم والاختلافات الجزئية بينهم من ادرنوا إلى هابرماس لمفاهيم أخرى وهي الاغتراب، الوعي العقلنة، المثقف العضوي، قادة الرأي......الخ وأصبح النقديون يبحثون وينطلقون من إشكالية كيف أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري أصبحت وسائط لـ:

-      إنتاج روح الانهزامية أو السلبية عوض النقدية.

-      إنتاج التبعية لقوى السوق العمياء والروح الاستهلاكية.

-      إنتاج التفكير الأحادي يقوده السعي وراء تحقيق المنفعة.

-      إنتاج السعي الدائم وراء وظيفة الشيء دون طرح السؤال عن حقيقة وماهية هذا الشيء.

وبالتالي أصبح النقديون ينظرون لوسائل الإعلام والاتصال نظرة ريبة وتوجس من كون أنها أصبحت اليد الناعمة للديكتاتورية والهيمنة سواء السياسية أو الاقتصادية، أما البنيويون فكانت بحوثهم في مجال الإعلام والاتصال تتميز بالامتداد وفي نفس الوقت القطيعة مع التوجه النقدي السابق، الامتداد يكمن في تبني نفس الجهاز المفهوماتي السابق تقريبا مثل السيطرة والهيمنة والتبعية، الوعي و الايديولوجيا وهذا الاتجاه يتزعمه كل من ألتيسور،بياربورديو، والقطيعة تكمن في كون أن نظرتها لوسائل الإعلام والاتصال تمثلت في أن هذه الأداة ليست في يد قوى السوق (القوى الرأسمالية)، بل هي أداة  في يد النخبة السياسية أو الطبقة السياسية المهيمنة على الدولة هذا من جهة وان السيطرة ليست مادية اقتصادية وإنما هي رمزية وثقافية من جهة ثانية وبالتالي إن نظرتها كانت أعمق كون أن هذه السيطرة تستهدف الذات والهوية الثقافية .

2-1الدراسات في البلدان الإفريقية والعربية :

إذا كان علم الاجتماع الإعلام والاتصال في الغرب أعطى لنا دراسات وتوجهات نظرية واضحة ومتعددة كما رأينا، فإن علم الاجتماع في البلدان الإفريقية والعربية على وجه الخصوص في نظرته لوسائل الإعلام والاتصال، كانت له نظرة مختلفة بسبب السياق الاجتماعي والسياسي والتاريخي لهده البلدان (4) لكن من خلال  تتبع الدراسات السوسيولوجية التي حدثت في هذه البلدان على الإعلام والاتصال يمكن أن نستخلص أن اهتمام هذه الدراسات كان يتمحور حول الإشكاليات التالية في فترات متعاقبة :

_ الفترة الممتدة من الخمسينيات حتى الستينيات : أن الدراسات الأولى حول الإعلام والاتصال الجماهيري كانت لها توجه وظيفي يكمن في النظر له على انه أداة لنقل قيم الحداثة من الخارج الذي هو الغرب المتطور إلى الداخل أي المجتمع المحلي التقليدي،فمن هذا المنطلق ينظر للإعلام والاتصال الجماهيري على انه أداة وظيفته تطوير وتنمية  وتحديث المجتمع ،وينظر لرجال الإعلام والاتصال بوصفهم قادة ووسطاء هذه العملية أي بصفتهم نخبة المجتمع الذي يقع على عاتقهم نقل قيم التنوير و تحديث من الغرب إلى مجتمعاتهم المحلية المتخلفة والتقليدية .

_  مرحلة السبعينيات إلى غاية الثمانينات: وهي المرحلة التي بدا فيها قادة دولة العالم الثالث وعلى رأسهم الجزائر يطالبون بنظام عالمي جديد للإعلام وذلك في مؤتمر نيروبي 1974 الذي نظمته اليونسكو بحيث طالب قادة هؤلاء الدول بنظام عالمي جديد للإعلام والاتصال NOMIC، ففي خضم هذه الظروف كانت الدراسات والبحوث في سوسيولوجية الإعلام تتبنى منهج سوسيولوجي نقدي من الهيمنة الإعلامية لدول الشمال على دول الجنوب هذه الهيمنة المنتجة حسبهم للاستعمار الجديد(5) وهو الاستعمار الثقافي الناعم . والجهاز المفهوماتي لهؤلاء الباحثين هو الهيمنة الإعلامية، التحرر الإعلامي والسياسي من الايديولوجيا الغربية وإنتاج التبعية .

_ فترة التسعينيات : هي المرحلة التي عرفت فيها كثيرا من الدول الإفريقية والعربية حراك سياسي كبير أدى إلي التعددية الحزبية والسياسية و الإعلامية وظهور القطاع الخاص في سائل الإعلام والاتصال الجماهيري ، كما انه في هذه المرحلة شهدت هذه البلدان صراعات بين قواها الداخلية ونزاعات إقليمية بين دولة وأخرى وبالتالي إن الدراسات والبحوث في سوسيولوجيا الإعلام والاتصال أو غيرها من العلوم الاجتماعية والإنسانية تدور كلها حول إشكاليات أساسية هي:

*بحوث حول المنشغلين في مجتمع الإعلام والاتصال بصفتهم النخبة والشريحة الجديدة التي أخذت مكانة ودور المجتمع المدني في المجتمعات الغربية المتقدمة

*بحوث اهتمت بدراسة الاستقلالية والتبعية ، أي دراسة الصراع بين القطاع الخاص والقطاع العام في مجال وسائل الإعلام والاتصال ورجالاته .

*بحوث اهتمت بدراسة دور الإعلام ووسائله في سياق السلم والحرب ومجراها ومدى تورط هذه الوسائل فيها (6) وهذه الفترات ليست بالضرورة فترات نوعية متعاقبة بل يمكن أن تكون متزامنة أو مجتمعة في مجال اجتماعي معين.

وعلى العموم نستطيع أن نحصر إشكاليات هذه البحوث والدراسات في مقاربتين سوسيولوجيين رئيسيتين وهما :

-مقاربة يورغونهبرماس للفضاء العام كون أن هذه المقاربة أخذت وسائل الإعلام والاتصال على أنها تشكل فضاء للنقاش العام والعقلاني القائم على الحجج والبراهين وبالتالي انطلقت من فرضية مؤداها أنها أداة لتحديث المجتمع المحلي .

-المقاربة البنيوية لكل من لويس التوسر  بيربورديو على اعتبار أنها وسائل لإنتاج إيديولوجية الهيمنة السياسية و الاجتماعية أي سيطرة طبقة أو شريحة اجتماعية  على أخرى عن طريق ما يطلق عليه بالعنف الرمزي (7). هذا ما أنتجه التراث السوسيولوجي في مجال دراسة ظاهرة الإعلام والاتصال، فالسؤال الذي يطرح نفسه علينا ألان  انطلاقا من الإشكالية التي طرحناها في البداية ماذا نريد أن ندرس؟أو ما هو الجهاز المفوماتي الذي نريد أن نتبناه؟  وما هي المنهجية التي نريد أن نتتبعها ؟أي هل نريد أن ندرس الأثر والاستجابة ، المكانة والدور والوظيفة ،الهيمنة والتبعية ، الايديولوجيا والعنف الرمزي إلى غير ذلك من الأسئلة الأخرى.

ثانيا : دراسة الإذاعة المحلية بأي مقاربة و بأي منهجية ؟

تعتبر الإذاعة مقارنة بوسائل الاتصال الجماهيرية الأخرى أقدم وسيلة عرفها الإنسان في حياته اليومية وأكثر ملازمة له في حله وترحاله وأكثر جواريه كذلك من باقي الوسائل الأخرى ففي ظل هذه المعطيات الخاصة بالإذاعة بصفتها مرسل من جهة و الخاصة بالشريحة الموجهة إليها بصفتها مرسل إليه من جهة ثانية،ما هي المقاربة التي يمكن أن نعالجها بها من خلال الإشكالية المطروحة في البداية؟

إن تناول العلاقة بين الإعلام والمجتمع وفق المقاربة البهافيورية الشرطية أي تأثير واستجابة يجعل من الشريحة الاجتماعية الموجهة إليها هذه الإذاعة على مختلف تنوعها الثقافي وثرائه مجرد وعاء خالي من كل هوية ثقافية، وهذا ما يتناقض مع الواقع المعاش ومع الأهداف الإستراتيجية التي حددها القانون العضوي الذي ينص على ترقيه الهوية الوطنية والمحافظة على التنوع الثقافي الكائن وإذا أخذنا الموضوع كذلك من وجهة نظر المقاربة الوظيفية على أن الإذاعة المحلية هي نسق فرعي من النسق الكلي الذي هو الإذاعة الوطنية يجعل وجود هذه الإذاعة  المحلية تحصيل حاصل لأنها ستقوم بنفس الدور والوظيفة التي ستقوم بها القنوات الوطنية الثلاثة وهذه الوضعية تكفي أن تؤدي إلى اختلال وظيفي سواء من جراء التضارب في البرامج بين هذه القنوات المحلية أو من جراء تشتت المستمعين بين هذه القنوات، وأما إذ أخذنا الموضوع من وجهة نظر المقاربة النقدية و البنيوية فإننا سنضطر لتبني الجهاز المفهوماتي لهذين المقاربتين وبالتالي سنأخذ هذه الإذاعة على أنها أداة للهيمنة والسيطرة والاستلاب ومسخ الهوية وإنتاج الاغتراب...الخ، وعلينا إذا أن ننطلق من افتراض نظري وضمني مؤداه بان هذه الوسيلة الإعلامية الجماهيرية بيد نخبة أو شريحة اجتماعية مهيمنة أو مسيطرة وتعمل على إنتاج وإعادة إنتاج هيمنتها وسيطرتها من خلال هذه الوسيلة. لا أقول أن هذا الافتراض غير ممكن وليس وارد، ولكن لكي يكون أكثر واقعية وموضوعية في وسيلة إعلامية جماهيرية ذات الإشعاع الوطني أو الدولي المرتبطة بقوى اجتماعية اقتصادية خاصة، أما في حالة الوسيلة الإعلامية ذات الإشعاع المحلي تقودها إطارات بيروقراطية أنكل ما يجب أن تقوم به هو العمل على إعادة إنتاج مكانتها ضمن هذه الوسيلة الإعلامية فرهاناتها هي زبوناتية، سلطتية(10)لا غير كما رأينا ذلك في عمل أخر(؟) _ ما العمل إذا؟_

نلاحظ من خلال الإشكالية التي طرحناها أننا نريد أن نفهم شيئين أساسيين هما:هل حصل التفاعل الثقافي بين الإذاعة المحلية ومستمعيها المحليين هذا من جهة، وهل هذا التفاعل إذا حصل اثأر تفاعل بين المستمعين فيما بينهم من جهة ثانية؟، فالمقاربة التي نريد أن نشتغل من خلالها لا تركز لا على المرسل ولا على مضمون الرسالة،وإنما على المرسل إليه ولكن لا نأخذه بصفته الفردية المنعزلة ككيان سيكولوجي يعمل على إشباع حاجاته السيكولوجية،إنما كفرد اجتماعي ثقافي يتمتع بذات فاعلة وهوية لها خصوصياتها ونموذجها الثقافي التي تقوم من خلالها بالتفاعل مع محيطها من ضمنها وسائل الإعلام المتواجدة فيه، وفق المعاني الثقافية ليس فق الحاجات البيولوجية والسيكولوجية ، فعملية التفاعل هنا تقتضي أن يشكل كل من المرسل والمرسل له مشروعه الثقافي،والعلاقة بينهما هي علاقة ثقافية اجتماعية حضارية وليست سيبرنطقية و سيكولوجية فقط ،فالتفاعل ومن وجهة نظر المرسل إليه في هذه الحالة تقتضي الفاعلية و درجة معينة من الحرية و القدرة والإرادة على الرفض والقبول والاختيار وليس سلبية والتأثر بصورة آلية شرطية فالإشكالية هنا ماذا يفعل المستقبل برسالة ووسيلة إعلامية معينة وليس ماذا يفعل المرسل بالمرسل إليه عن طريق مضمون الرسالة .

استعملت الكاتبة (8)-SylvieCapitantفي دراستها حول وسائل الإعلام في إفريقيا وفي دراستها لإذاعة بوركينافاسو مقاربة جديدة أطلقت عليها Terme d’usage هذه المقاربة مستوحاة من الإعمال التي قام بها كل منGurvitch و   Katzفي التسعينيات من القرن الماضي، هذه الدراسات حول الإعلام تقوم على عنصرين هما:

* اعتبار المستقبل ذات فاعلة وهي التي تأخذ وتختار من الإعلام وفق إرادتها وليست موضوع له.

* اعتبار الإعلام وسيلة لإشباع الحاجات الاجتماعية من بينها الحاجة للاستعلام عن نشاطات الحكومة والحاجة للترفيه ، هذه المقاربة مستوحاة كذاك من كتابات كل من D çerfaiوPasquierوDOMIQUE(9) في كتاب بعنوان معاني الجمهور تقوم بمتابعة كيف يفسر الجمهور الرسائل المرسلة إليه وكيف يترجمها في تفاعلاته اليومية كيف تتحول هذه التفاعلات إلى مواقف جماعية وعلى العموم إن هذه المقاربة تقوم على المبادئ التالية :

*إن موضوع الدراسة و مركز التحليل لا يكون مرسل ولا رسالة إنما هو الجمهور الموجه إليهالرسالة.

*إن استقبال الرسالة لا يتحدد بمجرد إرسالها وتلقي المرسل إليه لها، بل يتحدد بالاستعمالات التي حققها أوأنجزها هذا الأخير من جراء الرسالة التي تلقاها .

*   الأدواتالإعلامية المختلفة في هذه المقاربة موجودات في حالة تنافسية فيما بينها .

*إن هذه المقاربة تهتم أكثر بالسياق والمجال الذي يتزامن فيه استعمال الرسالة الإعلامية.

نلاحظ أن المقاربة السابقة لم تركز على الفرد ولا على المرسل ولا على الرسالة بل ركزت كما رأينا على الجماعة بصفتها جمهور، كما أنها لم تركز على الرسالة واستقبالها لها ،بل ركزت على ترجمة هذه الرسالة المستقبلة في شكل أفعال وتفاعلات كما اهتمت بسياق الفعل والتفاعل ولم تهتم لا بالبنية ولا العوامل الخارجية على الفرد، كل هذه العوامل تعتبر قفزة نوعية في اتجاه سوسيولوجيا مغايرة ومتطورة عن السوسيولوجيات الكلاسيكية القائمة على الحتميات الاجتماعية أو الاقتصادية أو محددات البنية الكلية والعوامل التاريخية، لكن في اعتقادنا أن نظرتها للجماعة والمرسل إليه بصفته مجرد جمهور دون تحديد جوهر ثقافي محدد واضح يجعلنا نتساءل ماذا يدرس علم الاجتماع في الجمهور؟ هذا يمكن أن يرجع بنا إلى دراسات وقياسات الرأي لبدايات علم الاجتماع الاتصال من جديد .

ثالثا: من سوسيولوجيا الجمهور إلى سوسيولوجيا المجال الاجتماعي :

من وجهة نظرنا انه لا وجود لعلم الاجتماع بدون جماعة متفاعلة مهما كان عددها  ولا وجود لتفاعل بدون معاني مشتركة، ولا وجود لمعاني مشتركة بدون ثقافة، ولا وجود لثقافة بدون تفاعل جماعي في مجال عمراني معين، ولا وجود لجماعة خاصة بدون خصوصية ثقافية، ولا وجود لخصوصية ثقافية دون هوية، فدراسة الفرد المتفاعل في الجماعة لا يعني أننا ندرس سيكولوجيته بل يعني أننا ندرس الفرد الحامل لخصوصية ثقافية التي بها وعلى أساسها يتفاعل مع مجاله الاجتماعي والعمراني، وانطلاقا من هذه الخصوصية يغير ويتغير، يقبل ويرفض، يخضع ويقاوم، وغيرها من باقي العمليات الاجتماعية الأخرى، فمن هذا المنطلق إن العلاقة بين الإذاعة المحلية والمستمعين لها هي علاقة تفاعل بين وسيلة إعلام حاملة لخصوصية ثقافية في مشروعها وجماعة أو مجموعات حاملين كذلك لخصوصية ثقافية، فالعلاقة التفاعلية هي أعمق من علاقة مرسل بمرسل إليه، واعقد من علاقة اثر باستجابة واكبر من مجرد رسالة مرسلة فهي تبادل مستمر للأطراف المتواصلة للخصوصية الثقافية المشتركة، ومشاركة كل واحد منهم للخصوصية الثقافية للطرف الأخر، فمن هذا المنطلق أن الإذاعة المحلية ليست مجرد ناقل لرسالة حيادية فهي وعاء تواصلي لمشروع ثقافي بكل خصوصياته وهذه الخصوصية الثقافية تحددها إحكام المادة الخامسة من القانون العضوي المتعلق بالإعلام، فهذه الخصوصية هي مشرع ثقافي لهوية نموذجية مراد تحقيق سيماتها متمثلة في العناصر التالية :

*هوية محافظة على قيمها اللغوية والثقافية الخاصة .

*هوية تقودها و تأطرها قيم الثقافة الوطنية .

*هوية متشبعة لقيم الحداثة والعصرنة التي هي الديمقراطية ، احترام حقوق الإنسان ، الحوار ونبذ العنف .

*هوية متضمنة لقيم المواطنة وحقوق المشاركة السياسية.

انطلاقا من السمات لهذه الهوية النموذجية تتواصل الإذاعة المحلية وتتفاعل مع مجالها الاجتماعي الذي هو بدوره يتميز بخصوصيته الثقافية التي بها ومن خلالها يتفاعل أفراده مع مجالهم الاجتماعي والذي من ضمنه هذه الإذاعة المحلية، فمن هذا المنطلق إن سوسيولوجيا المجال الاجتماعي تنطلق من جهاز مفهوماتي يتمثل في الهوية سواء فردية أو جماعية، التفاعل الاجتماعي بكل عملياته، النموذج الثقافي الذي يميز المجال الاجتماعي ويميز الفرد الحامل لهوية معينة .

رابعا:  الجهاز المفهوماتي المتبنى في الدراسة :

1 –المجالات الاجتماعية:هو الحقل الذي تتم فيه عملية التفاعل بين المعني ومحيطه الاجتماعي، و المجال الاجتماعي لا يعني المجال العمراني، فالمجال العمراني هو كل معطى جغرافي بكل مقوماته الطبيعية والاقتصادية، كما يتضمن كذلك المنتوج العمراني للتفاعلات التي تتم في المجال الاجتماعي، ثم يصبح بعد ذلك نتاجا لها. المجال الاجتماعي لا يمكن تحديده نظريا من طرف الباحث بل يتحدد وفق المعاني التي يعطيها المبحوث له، فهو المعنى الثقافي الذي من خلاله يتفاعل المعنيين ويعملون عن طريق تفاعلاتهم اليومية على إنتاجه وإعادة إنتاجه، فمفهوم المجال يتجاوز المفاهيم السوسيولوجية الكلاسيكية مثل المجتمع ،الضمير الجمعي ،النسق الاجتماعي، لأنه في اعتقادنا إن مضمون هذا المفهوم عملي يتحدد من طرف المعني نفسه، فالمعني هو الذي يحدد المجال أو المجالات التي يتفاعل فيها ومعها ويحدد كذلك شدة ومدة التفاعل، من خلال تحديد أو فهم النموذج الثقافي لهذا المجال تتحدد الهوية التي يعمل على إنتاجها وإعادة إنتاجها من خلال ممارساته وتفاعلاته اليومية في هذا المجال الاجتماعي والمجال العمراني .والإذاعة كوسيلة تواصل تعرف حالة تنافسية مع باقي الوسائط الأخرى إلا أن هذه الحالة التنافسية ليست نفسها بل تختلف باختلاف النموذج الثقافي للمجال الاجتماعي، ولذا قمنا بتصنيف المجالات الاجتماعية وفق متغيرات سوسيولوجية للوقوف على عدة تصنيفات من جهة وتحديد المكانة التنافسية للإذاعة داخل كل مجال من هذه المجالات التنافسية وفق المعايير التي افترضتها الدراسة من جهة ثانية.

2_النموذج الثقافي: النموذج الثقافي من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع، فإذا كانت المقاربة الوظيفية ترى أن النموذج الثقافي يتمثل في النسق الثقافي الذي هو حسبها مجموعة من قيم ومعايير وليدة النسق الاجتماعي ونسق التفاعلات والذي تكمن وظيفته في المحافظة على النمط وضبط الفعل حتى لا ينحرف يخرج عن متطلبات هذا النمط، فان مفهوم النموذج الثقافي في المجتمع الصناعي عند ألان توران يشتمل على قدرة مجتمع ما على الفعل والخلق والإبداع وبذلك يتضمن على مختلف التصورات والتمثلات التي تحقق هذه القدرة، وبطريقة أخرى يمكن فهمه على انه قدرة مجتمع ما على الفعل الحضاري، فالنموذج الثقافي حسبه يعتبر احد المكونات الثلاثة الأساسية لمفهوم التاريخانيه(11)والتي تشتمل بالإضافة له على أسلوب المعرفة ونعني به القراءة التي يقوم بها مجتمع معين لعالمه وينتج عنها صورة معرفية عن هذا العالم وعن العلاقات التي تربطه به، كذلك يشتمل أيضا على سيرورة التراكم التي هي مجمل الوسائل والإمكانيات التي يضعها ويحددها المجتمع من اجل تحديد توجهاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذا العالم وانطلاقا من هذه الصورة التي شكلها  من المكون الثاني الذي هو  أسلوب المعرفة، إن ما يمكن أن نأخذه على هذا المفهوم للنموذج الثقافي هو أن ألان توران ربط النموذج الثقافي بمجتمع معين وهو المجتمع الصناعي الذي يتشكل تاريخا وخلال حقبة تاريخية معينة نتيجة العمل الذي يقم به هذا المجتمع وبالتالي يتشكل لنا نموذج ثقافي للمجتمع زراعي و صناعي وما بعد صناعي، لكن في المجتمع الحالي ووفق تصورنا النظري والمنهجي فالمجتمع كمفهوم متكامل لم يعد قائما، بل أصبحت هناك مجالات اجتماعية كما حددناها سابقا وبالتالي إن النموذج الثقافي للمجال الاجتماعي هو مجمل التصورات والتمثلات التي يكونها الفرد عن ذاته وعن المجال آو المجالات التي يتفاعل معها سواء كانت اجتماعية أو عمرانية، ويضم كذلك مجمل الموارد والعوائق التي توجه أفعاله وتفاعلاته سواء بعلاقته بالمحيط العمراني الذي يعيش فيه او علاقاته بالمجالات التي يتفاعل معها ومنها تتشكل لديه ولدى الآخرين الهوية الذاتية  والجماعية التي يعمل على إنتاجها وإعادة إنتاجها سواء بوعي أو بدن وعي منه .

 3_مفهوم المواطنة :هناك خلط كبير بين قيم المواطنة وقيم الوطنية لدى كثير من العامة وحتى بعض المتخصصين رغم هذا الفرق لا يوجد تناقض بينهما من وجهة نظرنا بل كلاهما يعتبران وجهين لعملة واحدة وهي القيم الديمقراطية، فإذا كانت الوطنية تدل على انتماء المرء لدولة قومية فقط والتي على أساسها يحصل هذا الفرد على جنسية الدولة القومية فان المواطنة تمنح حق اشتراك الفرد في تسيير المجتمع تسيير مباشر أو غير مباشر عن طريق ممثليه، إذا فالمواطنة تنادي بتحمل كل فرد مسؤولياته السياسية وتدافع بالتالي عن التنظيم الإداري للحياة الاجتماعية ضد كل أنواع التميز في الحقوق السياسية على أساس عوامل أثنية أو اجتماعية خاصة بجماعة أو فئة، وعلية المواطنة تمنح الحقوق السياسية في المشاركة أما الوطنية فهي تخلق تضامن في أداء الوجبات، وبالتالي بالنسبة لمجموعة قومية واحدة لا بد من تواجد الاثنين المواطنة والوطنية حتى تترسخ قيم الحصول على الحقوق والقيام بالواجبات (12)

 4 مفهوم الهوية:الهوية كمفهوم تناوله العديد من الباحثين في ميدان العلوم الإنسانية اختلف باختلاف هذه الاتجاهات، فكل اتجاه حاول إعطاءه تعريفا خاصا يخدمه، فإذا كان علم النفس يعطي له جانب مرضيا كما هو في ضياع الهوية عند الهستيريا، وعلم النفس الاجتماعي يعتبر الهوية عامل من عوامل الشخصية كما هو الحال عند S. FREUD، فان علم الاجتماع ينتقل في دراسته للهوية من وحدة التحليل الكلية إلى الفرد المتعدد، لان الفرد المتعدد أصبح منتوج مجالات التفاعل المتعددة والمتنوعة وحتى المتناقضة، وبالتالي الانسجام في هذه الوحدة لا يأتي من خارج الفرد (خارج الهوية ) بل يأتي من قدرة الفرد على اختيار المعاني والتفاعلات التي تحقق له هذه الوحدة وهذا الانسجام في الذات. يرى G.H.MEAD(13) وهو من رواد التفاعلية الرمزية أن الهوية هي وحدة أو كتلة ذات علاقة ضيقة مع حالات اجتماعية حيث يجد الفرد نفسه في حالة اندماج وسط هذا المجتمع الذي ينتمي إليه، فبالنسبة لنفس الباحث فالفرد يؤثر في نفسه بنفسه، هذا ليس بطريقة مباشرة ولكن يأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر الآخرين – المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها-، وهو لا ينظر إلى ذاته، إلا و جرد نفسه ونظر إليها كأنها شيء معدوم القيمة مستندا في ذلك إلى تصرفات ومواقف الآخرين داخل إطار اجتماعي خاص بالفرد نفسه من جهة، وبتلك التصرفات اتجاهه من جهة أخرى، وهذا ما يساعده على أن يعرف نفسه أو يقيمها(14)، وعلى هذا يولي MEAD اهتماما كبيرا إلى التفاعل الاجتماعي في تكوين الهوية. وانطلاقا من هذه النظرة للعلاقة بين الهوية والتفاعل الاجتماعي  فالهوية من وجهة نظرنا هي ذلك الوعاء الحامل والمتضمن لنسق المعاني في لحظة معينة من تفاعلات الفرد التي تمكنه من ضبط علاقاته بذاته وبالموضوعات الخارجية سواء كانت اجتماعية أو غير اجتماعية وهيكلتها على ضوء ذلك أو هي محصلة مختلف المعاني التي يكونها الفرد عن ذاته وعن الموضوعات الأخرى انطلاقا من خبراته التفاعلية وانطلاقا من هذه المعاني الاجتماعية والثقافية التي تشكلت لديه تحمل الفرد على:

×      إقامة علاقات تفاعلية مع الآخرين على انه ذات مختلفة عنهم.

×      القيام بأفعاله وبناء مشاريعه واستراتيجياته الخاصة به إزاء الآخرين وفي مجاله العمراني.

وعندما نتكلم عن الهوية الذاتية لا نقصد بها السمات الشخصية للفرد كما هو الحال في النظرية السيكولوجية، وإنها نقصد بها بناء نسق من المعاني النموذجية للفرد ذاته والتي تكون أكثر وضوحا له، ويشكل في نفس الوقت القاعدة الأساسية التي ينطلق منها وبها في بناء علاقاته التفاعلية مع الموضوعات الخارجية وحتى مع ذاته نفسها.

فبتبننا لمفهوم الهوية ننتقل في علم الاجتماع من وحدة التحليل الكلية، إلى الفرد المتعدد لأن الفرد المتعدد أصبح منتوج مجالات تفاعل متعدد ومتنوعة وبالتالي الانسجام في هذه الحالة لا يأتي من خارج الفرد وخارج ذاته أي من محيطه الاجتماعي والثقافي كما كان عليه الحال في المجتمعات التقليدية التي تتميز بالتجانس والانسجام القائم على العلاقات الدموية والقرابية والتضامنات الميكانيكية، بل يأتي من قدرة الفرد على اختيار المعاني والتفاعلات التي تحقق له هذه الوحدة وهذا الانسجام في الذات.

خامسا : منهجية الدراسة الميدانية

أجريت هذه الدراسة سنة 2011 معلى وسيلة إعلامية محلية ومجتمع محلي (إذاعة الواحات ورقلة) وهي محطة جهوية تابعة للمؤسسة العمومية للإذاعة المسموعة التي تظم في مجملها ثلاثة قنوات وطنية هي القناة الأولى الناطقة باللغة العربية، والقناة الثانية الناطقة باللغة الأمازيغية والقناة الثالثة الناطقة باللغة الفرنسية، فمحطة ورقلة الجهوية هي واحدة من أكثر من 48 محطة جهوية محلية، ومحليتها الإذاعية تكمن في كون أن بثها محدود يشمل إقليم ولاية ورقلة وبعض المناطق المجاورة لها من ولاية الوادي وغرداية وبسكرة، وبثها موجه إلى تركيبة اجتماعية متنوعة من حيث درجة التحضر وطبيعة النشاط الاقتصادي والصناعي والزراعي والتجاري وحتى الرعوي ومن حيث عامل العلاقة الاجتماعية ذات الرابط القرابي على المستوى الأول إلى علاقة اجتماعية جواريه فقط أي سكان وافدون من ولايات أخرى من الوطن وحتى من الخارج  للعمل في حقل حاسي مسعود البترولي التابع إداريا لهذه الولاية وبالتالي فهي موجهة لبنية اجتماعية مركبة ومعقدة من جميع النواحي الاجتماعية و الثقافية والاقتصادية. واختيرت هذه المدينة للدراسة لتركيبتها المتنوعة والتي تضم كل الشرائح الاجتماعية المقصودة بالبحث،وقد أخذنا خمسة مناطق عمرانية وفقا للافتراض الذي انطلقنا منه وهو أن المجال الاجتماعي يتحدد وفق الخصوصية الثقافية للأطراف المتفاعلة ضمنه،لذا اخترنا مناطق مختلفة من حيث قربها وبعدها من مركز المدينة للتعرف هل هناك تلازم بين المجال الاجتماعي والعمراني من عدمه، وذلك من خلال عدة متغيرات للوقوف على عدة تصنيفات من جهة، وتحديد المكانة التنافسية للإذاعة داخل كل مجال من  هذه المجالات التنافسية وفق المعايير السوسيولوجية التي افترضتها الدراسة من جهة ثانية  وهذه المناطق على التوالي هي :

1/المنطقة (أ ): هي منطقة تقع في أطراف مدينة ورقلة وتسمى (البور)أغلب سكانها من أصل اجتماعي واحد (أهل المنطقة) تتميز افتراضا بعلاقات اجتماعية تقوم على العامل القرابي، النشاط الاقتصادي الغالب فلاحي، التكنولوجيا التي تحكم قدرته ومجاله الاتصالي يحتل فيها المذياع كأداة أكثر انتشارا مقارنة بالوسائط الأخرى. هذا المجتمع يتميز بتجانس اجتماعي وثقافي بين أفراده وفئاته الجزئية من حيث عاداته وتقاليده مستوى تعليمي متوسط، البنايات تكون ذاتية ذات طابع عمراني تقليدي إلى درجة ما.

2/المنطقة (ب):هي منطقة تقع في أطراف ولاية ورقلة، تسمى (سعيد عتب) اغلب سكانها من أصل اجتماعي واحد (أهل المنطقة ) تتميز افتراضا بالعلاقات القرابية هي علاقة قائمة على القرابة الدموية، النشاط الاقتصادي لم يعد النشاط الفلاحي هو النشاط الظاهر، هذه المنطقة يتميز يتجانس اجتماعي تميزه علاقات القرابة، مستوى تعليمي لأغلب السكان يتراوح بين دون المستوى والمتوسط, اغلب الأجهزة التي يمتلكها أهل المنطقة هي المذياع والتلفاز. البيانات غير تقليدية وتعتمد على البناء الذاتي باستخدام المواد الحديثة.

3/المنطقة (ج): هي منطقة تقع في مركز المدينة تسمى (القصر القديم)، اغلب سكانها من أصل اجتماعي واحد أهل المنطقة تتميز افتراضا بعلاقات الاجتماعية تقوم على عوامل القرابة وعوامل أخرى(المصاهرة,جيرة قديمة...),النشاط الاقتصادي الغالب نشاط حر والعمل في قطاع التوظيف العمومي، مستوى تعليمي متنوع، الأجهزة التي يمتلكها سكان هذه المنطقة هي اغلب الأجهزة الحديثة ،البنايات تقليدية موروث عن مجتمع القرون الوسطى باستخدام مواد بنائية تقليدية.

4/المنطقة (د): تقع هذه المنطقة في مركز المدينة تسمى (حي لاسيليس وحي  بأحمد) أغلب سكانها ليسوا من أصل اجتماعي واحد (ليسوا من أهل المنطقة تنوع سكاني)  تتميز افتراضا بعلاقات اجتماعية قائمة على أساس العلاقة العمرانية وبالتالي يغيب الجانب القرابي, طبيعة النشاط الاقتصادي متنوع يتراوح بين الموظف, أعمال حرة والنشاط الحرفي بنسبة قليلة. المستوى التعليمي متنوع، الأجهزة التي يمتلكها أهل المنطقة كل الأجهزة الحديثة بنسب متفاوتة. بناياتها تتميز بالبناء الحديث يدخل في إطار المشاريع المنجزة من طرف الدولة.

5/ المنطقة (هـ):تقع هذه المنطقة في التوسع العمراني الجديد تسمى (حي النصر)اغلب سكانها ليسوا من أصل اجتماعي واحد تنوع سكاني في العادات في الأصل (حتى من خارج الوطن ) تتميز افتراضا بعلاقات اجتماعية غير متجانسة قائمة على العلاقات العمرانية تغيب فيها العلاقات القرابية، النشاط الاقتصادي متنوع, ويمتلكون كل الأجهزة بنسب متفاوتة. المستوى الدراسي متنوع ومرتفع.بناياتها تتميز بالبناء الحديثة .يدخل في إطار المشاريع المنجزة من طرف الدولة، ونظرا لطبيعة موضوعنا فقد اعتمدنا على البحث الميداني  على اعتبار انه يمكننا من وصف تأثير متغير مستقل بأخر تابع  وذلك من اجل جمع اكبر قدر ممكن من المعلومات والحقائق عن أبعاد عمليات التفاعل بين الإذاعة المحلية والمجالات الاجتماعية، وما ينتج عنها من عمليات اجتماعية وصياغة وإعادة صياغة الهويات الفردية والجماعية.

أما عينة الدراسة فقد كانت معاينة احتمالية طبقية حيث قدرة العينة ب1000 مبحوث وتم اختيارهم وفق الخطوات التالية:

1.  تم تحديد الوعاء الاجتماعي والثقافي من خلال المعايير التالية: العلاقة الاجتماعية الغالبة 50% طبيعة النشاط 30% امتلاك الأجهزة الحديثة 05% ،المستوى التعليمي% 15  ،وذلك بغية تحديد  مدى تجانس ولا تجانس أفراد العينة .

2.   تم تحديد نسب مئوية لكل منطقة بدرجات متفاوتة حسب درجة تجانس مجتمع دراسة كل منطقة من عدمه، وهذا وفق الخصائص التي ذكرناها سابقا وعليه تم أخد138 مبحوث من المنطقة (أ) أي ما يمثل نسبة 12% من المجموع الكلي من مفردات العينة الألف والمنطقة (ب) 207 مبحوث أي ما يمثل نسبة 18% من مجموع أفراد العينة، المنطقة (ج) 230 مبحوث أي نسبة  20%من المجموع الكلي لأفراد العينة، المنطقة (د) 230 مبحوث أي نسبة 20% من مجموع أفراد العينة، المنطقة (ه) 354 مبحوث أي يمثل كذلك نسبة 30% من المجموع الكلي من مفردات العينة .

3.  كما يجب الإشارةأن مجتمع الدراسة للمناطق الخمسة المذكورة تقدر ب 230ألف فرد يمثلون فقط الأفراد الذين يبلغ سنهم العشرون سنة فما فوق وذلك الاعتبارات الآتية  درجة الاستقلالية واكتمال نمو الذات حسب هربرت ميدأي المرحلة التي يكون فيها الفاعلون على الأقل على درجة من الإدراك والفهم لعلاقتهم ببعضهم البعض، واخذ الباحث نسبة 5% من مجتمع  الدراسة، وكان عدد أفراد العينة 1150 مفردة فتم تجريب الاستمارة على 150 فرد لتبقى عينة الدراسة 1000 مفردة كما قلنا .

 فيما يخص أداة جمع البيانات الميدانية فقد اعتمدنا على الاستمارة بالمقابلة حيث قمنا بدراسة استطلاعية عمدنا من خلالها إلى توزيع 150 استمارة  لغرض بيان صحة أبعاد الدراسة، والحصول على بيانات أكثر دقة وبعد إتمام عملية التوزيع استرجعت111استمارة هذه الدراسة الاستطلاعية مكنتنا من إعادة ترتيب بعض الأسئلة مثلا السؤال المتعلق بالعرش (القبيلة) الذي  شكل حساسية للمبحوث مما يعيقه من الاستمرار في الإجابة على الاستمارة، إضافة إلى إعادة صياغة بعض الأسئلة الأخرى التي وجدنا فيها غموض بالنسبة للمبحوث .وعليه جاءت الاستمارة النهائية في شكلها الجديد تضم 21 سؤالا  مقسمة محورين  كل محور يعلق ببعد من إبعاد الدراسة.

المحور الأول: تعلق ببعد التحديد السوسيولوجي للمجال الاجتماعي .

المحور الثاني : الاستماع للإذاعة بين المسموعية والاستقطابية.

أولا : عوامل التحديد السوسيولوجي للمجال الاجتماعي :

اشرنا في تحديدنا للمجال الاجتماعي سابقا بان هذا الأخير يختلف على المجال العمراني كون أن المجال العمراني في اعتقادنا هو كل معطى جغرافي بكل مقوماته الطبيعية والجغرافية والاقتصادية، كما يتضمن كذلك المنتوج العمراني المترتب عن التفاعلات الاجتماعية التي تحصل في المجال الاجتماعي أو الذي يأتي من خارجه ثم يصبح بعد ذلك نتاجا لها، فهذا التصور لمفهوم العمران البشري يختلف مع المفهوم الذي أعطاه إياه ابن خلدون حسب عبد الغاني مغربي فالعمران البشري يشكل ظاهرة شاملة روحية مادية موضوعية (14). نلاحظ من هذا التعريف أن العمران البشري يتضمن الجانب الاجتماعي بكل مكوناته وتفاعلاته وكذا الجانب العمراني بكل مقوماته التي اشرنا إليها أعلاه غير أننا في هذه الدراسة انطلقنا من افتراضا مفاده انه لم يعد هناك حالة تلازم حتمي بين الظاهرتين أو المجالين أي المجال الاجتماعي والمجال العمراني، بحيث لكل واحد من هذين المجالين مقوماته الخاصة به تجعل منهما طاهرتين، يمكن أن يتلازما ويصبحا بذلك يشكلان مفهوم واحد وظاهرة واحدة كما يراه ابن خلدون وهذا في حالة المجتمع الجزائري طبعا، ويمكن أن ينفصلا ويصبح المجال العمراني ظاهرة لها مقوماتها الخاصة والمجال الاجتماعي له كذلك مقوماته والآليات الخاصة به، وهذه المقومات تختلف من حيث تشكلها في علاقاتها ببعضها البعض ومن حيث توليفها من مجال اجتماعي إلي آخر وعليه في اعتقادنا أن الباحث بواسطة الدراسة الميدانية المباشرة وباستعمال كل الأدوات والتقنيات التي تمكنه من تحديد هذه المقومات أولا وفهم التوليفة التي تجمعها ثانيا هو الذي يمكنه من تحديد معالم ومقومات المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه المبحوثين والذي يأطر تفاعلاتهم وأفعالهم أو سلوكاتهم وعليه وانطلاقا من هذه الدراسة فإننا قمنا باختيار المؤشرات التالية من اجل الوقوف على معالم المجال الاجتماعي للمبحوثين ومقوماته فهذه المؤشرات الافتراضية هي :

1.   طبيعة العامل أو المقوم الذي يحكم ويؤطر العلاقة الاجتماعية (عامل قرابي، عامل اجتماعي ثقافي، عامل عمراني...الخ ).

2.   طبيعة النشاط الاقتصادي المسيطر للأفراد المتفاعلين في نفس المجال العمراني.

3.    المستوى التعليمي للأفراد المتفاعلين في نفس المجال العمراني .

4.    طبيعة علاقة ارتباط المبحوثين بالمجال العمراني محل الدراسة (سكان أصليين أو وافدين أو غير مستقرين )

5.    التشابه والاختلاف في العادات والتقاليد بين الأفراد المتواجدين في نفس المجال العمراني وسبب ذلك.

6.    امتلاك كل الأجهزة ذات الاستعمال المنزلي الحديثة من عدمها.

-   المؤشر الاول : طبيعة الرابط الاجتماعي للأفراد المتفاعلين في نفس المجال العمراني:  بمعنى هل هذا الرابط قوامه عامل القرابة الدموية او عامل عمراني فقط المتمثل في المجاورة لا غير .

فيما يخص المؤشر الأول المتعلق بالعامل الذي تقوم عليه العلاقة الاجتماعية بين الأفراد المتواجدين في نفس المنطقة العمرانية من المناطق العمرانية الخمسة التي تم تحديدها سابقا انطلاقا من الملاحظات المباشرة مفترضين أن كل منطقة تظم شريحة اجتماعية تتميز بتجانس اجتماعي وثقافي خاص بها مما يجعلها تكون مجال اجتماعي له مقوماته الخاصة به  فإجابة المبحوثين على سؤال التي تضمنته الاستمارة حول: هل جيرانك ينتمون إلي نفس العشيرة أو القبيلة أو نفس الرابط الدموي؟كانت الإجابات موزعة على المناطق الخمسة كما يلي :

 المنطقة أ : 82.23%نعم  و 17.77%لا /     المنطقة ب:79.73%نعم و 20.77%لا

 المنطقة ج : 92.95%نعم و  7.05%لا  /  المنطقة د: 26.43%نعم و 73.57%لا

 المنطقة ه: 24.03%نعم و 75.97%لا

نلاحظ من هذه الإحصائيات إن الترابط الاجتماعي للأفراد في المناطق العمرانية ( أ ، ب،ج) تؤطرها العلاقات الاجتماعية القرابية وذلك بدرجات متفاوتة من منطقة لأخرى من هذه المناطق الثلاثة  فالمنطقة (ج ) رغم أنها تقع عمرانيا في مركز المدينة وكنا نعتقد في بداية الدراسة الاستطلاعية أنها أصبحت اجتماعيا أكثر تنوعا من حيث التركيبة الاجتماعية التي تتضمنها، إلا أن المعطيات الإحصائية للعينة المدروسة بينت أن أكثر من 92,95 %من مجموع أفراد العينة المدروسة الخاصة بهذه المنطقة ينتمون إلي بنية اجتماعية تحكمها الروابط الاجتماعية القرابية،يليها بعد ذلك المنطقة (ا) بنسبة 82.23% من مجموع أفراد العينة الخاصة بهذه المنطقة كذلك، ثم المنطقة (ب) بنسبة 79.73 %، هذا ما يبين انه رغم التباين الموجود بين هذه المناطق العمرانية من حيث قربها وبعدها عن مركز المدينة إلا أن جميعها تأطرها الروابط الاجتماعية القرابية الدموية. فعلى الرغم من أننا انطلقنا في بداية الدراسة من افتراض مؤداه انه كلما اقتربنا من مركز المدينة كلما كانت العلاقات الاجتماعية بين أفراد المنطقة العمرانية تحكمها الرابط الاجتماعي أكثر تنوع وتعدد ولا يأطرها فقط الرابط الاجتماعي القرابي، إلا أن  نتيجة الدراسة الميدانية كانت مناقضا لهذه الفرضية بحيث المنطقة (ا) الموجودة في أقصى أطراف المدينة(تبعد عن مركزها بحوالي 40 إلى 50 كلم) منطقة معزولة على ارض زراعية إلا أن أكثر من 15%من سكانها لا ينتمون لنفس الرابط الدموي لسكان هذه المنطقة، على عكس المنطقة (ج) التي تقع في قلب مركز المدينة إلا انه يوجد بها إلا 7%من سكانها لا ينتمون إلي نفس الرابط الدموي هذا ما يبين انه هناك فصل بين المجال العمراني والمجال الاجتماعي بحيث أن المجال العمراني له مقومات طبيعية وجغرافية والمجال الاجتماعي الموجود في هذا المجال العمراني له مقومات اجتماعية ثقافية،من خلال قراءتنا السوسيولوجية لهذه المعطيات الإحصائية نجد أن المنطقة الأولى والثانية(ا،ب) منطقتان تقعان عمرانيا في أطراف مركز المدينة وتحكم علاقاتها الاجتماعية العامل القرابي الدموي، أما المنطقتان العمرانيتان (ه،د) فيقعان قرب مركز المدينة سواء القديم أو الحديث إلا أنها حسب هذه المعطيات الإحصائية لا يحكم علاقاتها الاجتماعية العامل القربى الدموي كما هو الحال بالنسبة للمنطقتين السابقتين (ا،ب) وهذا يتطابق مع الافتراض الذي مفاده انه هناك حالة تلازم بين المجال العمراني والمجال الاجتماعي بمعنى انه كلما تغير المجال العمراني من حالة المظاهر العمرانية البدوية إلى حالة المظاهر العمرانية الحضرية الحديثة ينتقل بدوره المجتمع أو البنية الاجتماعية وفق ذلك من حالة التجانس إلى حالة اللاتجانس والتنوع من حيث العوامل التي تحكم العلاقة الاجتماعية، هذا فيما يخص المناطق (ا،ب،د،ه)،أما المنطقة الخامسة (ج) وهي منطقة عمرانية تقع في وسط المدينة القديمة ومركزها. فان نسبة 92.95 % من المبحوثين المنتمين لعينة هذه المنطقة العمرانية أجابوا على السؤال السابق ب نعم مقابل 7.05 %أجابوا بلا وهذا يعني أن معظم سكان هذه المنطقة العمرانية التي تقع في مركز المدينة ينتمون إلى رابط دموي عشائري واحد وهذا ما يقطع حالة التلازم بين المجال العمراني والمجال الاجتماعي الذي كان موضوع الافتراض السابق بمعنى انه يمكن أن يكون هناك منطقة عمرانية أو مجال عمراني به كل المرافق العمرانية الحديثة وموجود في مركز المدينة ولكن البنية الاجتماعية تحكمها العلاقات الاجتماعية ذات الرابط القرابي الدموي مما يعطي لنا تشكل اجتماعي متجانس يغيب بدرجة كبيرة فيه التنوع في طبيعة الرابط الاجتماعي الذي يحكم العلاقات الاجتماعية لأفراده.

المؤشر الثاني:علاقة خصائص المجال العمراني بطبيعة النشاط الاقتصادي

أما فيما يخص المؤشر الثاني والمتعلق بالعلاقة بين خصائص المجال العمراني (زراعي، صناعي، إداري ) من جهة وطبيعة النشاط الاقتصادي الغالب للأفراد المتفاعلين فوق هذا المجال العمراني أو فيه من جهة ثانية، فإن المعطيات الإحصائية المتعلقة بهذا المؤشر تبين أن 34.5 %من مجموع أفراد العينة بدون نشاط اقتصادي في فترة إجراء الدراسة سواء لان هن نساء ماكثات في البيت، أو أفراد عاطلين عن العمل أو متقاعدين، وباقي أفراد العينة الذين لديهم نشاط اقتصادي ما يمثلون نسبة 65.50 %حوالي نصف هذه الشريحة الناشطة أي نسبة 50.8 % يعملون في قطاع الوظيفة العمومية وتتوزع شريحة الموظفين على المناطق الخمسة على التوالي، المنطقة (ا) يمثلون 36.55 %من مجموع الناشطين الذين ينتمون لعينة هذه المنطقة، المنطقة (ب) يمثلون نسبة 39.92 %من مجموع الناشطين الذين ينتمون لعينة هذه المنطقة، المنطقة (ج) 61.13 %من مجموع الناشطين الذين ينتمون لعينة هذه المنطقة، المنطقة (د) يمثلون نسبة 53.48 %من مجموع الناشطين الذين ينتمون لعينة هذه المنطقة، أما شريحة الموظفين في المنطقة (ه)يمثلون نسبة 47.75 %من مجموع الناشطين الذين ينتمون لأفراد عينة هذه المنطقة ،فالقراءة السوسيولوجية لهذه المعطيات الإحصائية تين أن النشاط الاقتصادي المسيطر لجميع أفراد العينة وفي جميع المناطق محل الدراسة هو العمل الإداري والخدماتي التابع إلى الوظيفة العمومية التابعة للدولة وهذا حتى في المناطق العمرانية التي تتميز مجالاتها بمقومات النشاط الاقتصادي الريفي (الرعي والزراعة ) وهو ينطبق على المنطقة (ا، ب) فالمعطيات الإحصائية تبين أن نسبة العمال الذين يعملون في النشاط الاقتصادي الفلاحي  لهذين المنطقتين لا يتعدى نسبة 5.37% من مجموع العمال الناشطين المنتمين لعينة هذين القطاعين مجتمعين، هذا ما يتناقض مع مقومات المجال العمراني المتواجد فيه وهذه النقطة تبين الانفصال الموجود بين المجال العمراني والمجال الاجتماعي في هوية الأفراد المتواجدين في هذين المنطقتين على الأقل لكون هذا المجال العمراني المتواجدين فيه لم يعد هو المجال الوحيد الذي يعملون فيه على إنتاج وإعادة إنتاج حياتهم الاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية بل أصبح لديهم مجال اجتماعي أخر يعمل على إنتاج ثقافة أخرى وتفاعلات أخرى مغايرة لمقومات الاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية للمجال العمراني المتواجدين فيه، هذا المجال الاجتماعي الجديد تحكمه مقومات ارتباطهم بالأجر الدائم والراتب الشهري على المستوى الاقتصادي عوض الدخل الفصلي أو السنوي غير معلوم القيمة مسبقا الذي هو مقوم من مقومات العمل الفلاحي، كذلك مقوم ارتباطهم بثقافة الترتيب الاجتماعي القائم على المكانة الإدارية و المكانة في السلم الإداري. عوض ثقافة المكانة الاجتماعية التقليدية القائمة على الترتيب الاجتماعي التقليدي، أو ثقافة الترتيب الاجتماعي القائم على الملكية المادية الموروثة والعائلية الذي يغيب فيه في اغلب الأحيان الفصل بين ثقافة المقابل المادي الذي يعتمد على العمل والجهد المبذول  وتكرس فيه ثقافة المقابل القائم أو المتأتي من المكانة العائلية والاجتماعية فهو (ريع اجتماعي )  كما أن هذا المجال الاجتماعي الجديد، التفاعلات الاجتماعية الأفقية تحكمها فيه إلى درجة ما الانتماء إلى نفس الهيئات الإدارية عوض تفاعلات العلاقة الاجتماعية التي يحكمها الرابط القرابي أو الدموي، فهذه العوامل التي تحكم ثقافة تفاعلات المجال الاجتماعي الجديد تجعل هذه الشريحة من الناشطين في هذا القطاع الإداري ألخدماتي أن تكون لديهم ثقافة مغايرة وتفاعلات أخرى مما يؤدي إلى إنتاج هوية أخرى غير تلك التي كانت قبل التحاقهم بهذا النشاط الجديد والمجال التفاعلي الأخر الذي له مقومات تختلف عن مقومات المجال العمراني المتواجد فيه .

المؤشر الثالث : المجال العمراني و المستوى التعليمي

إن التعليم النظامي الذي تمنحه الدولة الجزائرية مجانا لمواطنيها في جميع الأطوار ولجميع الفئات الاجتماعية على كامل التراب الوطني يعتبر مقوم أساسي من مقومات إنتاج ثقافة تعليمية حديثة من شانها أن تترك آثارها على الثقافة والتفاعلات الاجتماعية لدى جميع المواطنين مما يخلق الانسجام والتقارب وتوحيد الرؤى لديه فمن المعطيات الإحصائية التي يقدمها الجدول الموالي:

جدول يبن المستوى التعليمي لكل المناطق العمرانية محل الدراسة

 

دون مستوى%

ابتدائي%

متوسط%

ثانوي%

جامعي %

دون اجابة%

مجموع

المنطقة

أ

9.44

17

7.22

13

20

36

22.78

41

29.44

53

11.11

20

99.99

180

المنطقة  ب

1.35

1

8.11

6

32.43

24

25.67

19

32.43

24

0

0

99.99

74

المنطقة  ج

3.69

11

6.37

19

26.17

78

34.9

104

27.52

82

1.34

4

99.99

298

المنطقة   د

3.57

5

9.28

13

22.86

32

35

49

27.86

39

1.42

2

99.99

140

المنطقة   هـ

7.79

24

9.09

28

22.08

68

26.29

81

34.09

105

0.64

2

99.99

308

مجموع

78

79

238

249

303

28

1000

يبين لنا الجدول السابق إن المستوى التعليمي العالي في منحى تصاعدي لدى جميع أفراد العينة وعلى مستوى كل المجالات العمرانية  محل الدراسة، وحتى تلك المناطق العمرانية الموجودة في أطراف مركز المدينة، كما يلاحظ كذلك أن اكبر نسبة في المستوى التعليمي لدى كل منطقة عمرانية من المناطق الخمسة محل الدراسة هي نسبة المستوى الجامعي، واخفض نسبة في كل المناطق العمرانية هي نسبة غياب المستوى التعليمي وهذا يرجع إلي أن الحصول على الشهادة الجامعية الأكاديمية تمكن حاملها من الحصول على العمل وتضمن لصاحبها راتب شهري ولهذا فان الدراسة الجامعية لم تعد مجرد آلية حديثة من اجل الثقافة والحصول على المعرفة العلمية لحد ذاتها، بل أصبحت الشهادة الجامعية رافعة اجتماعية وآلية من آليات الحراك الاجتماعية  تعني أن الحاصل عليها يتمكن من الهروب آو الخروج من المجال الاجتماعي ومقومات ثقافة المجال العمراني الريفي والدخول على الأقل في مجال اجتماعي آخر تحكمه مقومات ثقافة المجال العمراني الحضري وبهذا يعتبر ارتفاع نسبة الجامعيين من أفراد عينة المنطقة (ا،ب ) كما هو مبين في الجدول مقارنة بنسبة الجامعيين من أفراد عينة المنطقة (ج) فحسب مقوماتها العمرانية .تعتبر منطقة شبه ريفية، أما منطقة (د) حسب مقوماتها العمرانية كذلك تعتبر منطقة حضارية .

المؤشر الرابع : الموطن الاصلي _التجانس و اللا تجانس في المجالات العمرانية

يعتبر مؤشر الموطن الأصلي من المؤشرات التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة من اجل تحديدي الفروق الموجودة بين منطقة وأخرى من المناطق العمرانية الخمسة التي افترضتها الدراسة للوقوف على الاختلاف النوعي في التركيبة الاجتماعية لكل منطقة عمرانية واثر ذلك على النموذج الثقافي وطبيعة التفاعلات التي تحكم الأفراد في هذا المجال مما يعطي لنا في نهاية المطاف مجال اجتماعي نوعي  مختلف عن المجالات الموجودة في المناطق العمرانية الأخرى، فإجابة المبحوثين عن سؤال الاستمارة الذي مفاده هل هم من المواطنين الأصليين للمنطقة المتواجدين فيها؟ أم هم من ولايات أو دول أخرى؟ فكانت إجاباتهم موزعة عبر المناطق الخمسة بالنسب الإحصائية التالية:

·   المنطقة العمرانية (ا) نجد أن 98.88% من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا بان أصولهم الاجتماعية من المنطقة المتواجدين فيها مقابل 1.11%من خارج المنطقة .

·   المنطقة العمرانية (ب) نجد 75.67% من أفراد عينة هذه المنطقة كانت إجابتهم بأنهم من الأصول الاجتماعية للمنطقة المتواجدين فيها ، مقابل 24.33% أجابوا بأنهم من خارج المنطقة.

·   المنطقة (ج) 91.95% من أفراد عينة هذه المنطقة كانت إجاباتهم بان أصولهم الاجتماعية من المنطقة المتواجدين فيها ، مقابل 8.05% أجابوا أن أصولهم الاجتماعية من خارج المنطقة.

·   المنطقة (د) 47.86 %من أفراد عينة هذه المنطقة كانت إجاباتهم بان أصولهم الاجتماعية من المنطقة المتواجدين فيها ، مقابل 47.14% أجابوا أن أصولهم الاجتماعية من خارج المنطقة

·   المنطقة (ه) 40.26% من أفراد عينة هذه المنطقة كانت إجاباتهم بان أصولهم الاجتماعية من المنطقة المتواجدين فيها،  مقابل 58.44%أجابوا أن أصولهم الاجتماعية من خارج المنطقة .

إن القراءة السوسيولوجية لهذه المعطيات الإحصائيةتبين انه كلما انتقلنا من المنطقة (ا) باتجاه المنطقة (ه) نجد أن عدد أفراد العينة الذين هم من أصل اجتماعي للمنطقة المتواجدين فيها يتناقص إلا في المنطقة (ج) التي كان عدد الأفراد الدين يعيشون فيها لهم أصول اجتماعية من نفس المنطقة المتواجدين فيها مرتفع جدا أي نسبة تقارب 92%رغم أن هذه المنطقة كما رأينا سابق هي منطقة عمرانية تقع في مركز المدينة، إلا أنها اجتماعيا بقية منغلقة على تركيبتها الاجتماعية الأصلية هذا ما يبن أن هذه المنطقة العمرانية رغم أن لها مميزات ومقومات المنطقة العمرانية الحضرية من حيث وجودها في مركز المدينة وبها كل المرافق العمرانية الحديثة إلا أنها اجتماعيا بقيت تركيبتها الاجتماعية وتفاعلاتها يحكمها النموذج الثقافي  التقليدي من حيث الرابط الدموي كمقوم للعلاقة الاجتماعية كما رأينا  من حيث العادات والتقاليد كما سيتبين فيما بعد وهذا ما يؤكد الافتراض الذي انطلقنا منه حول عدم التلازم الحتمي بين المجال العمراني والمجال الاجتماعي في حالة هذه الدراسة .

المؤشر الخامس : التنوع والاختلاف في العادات والتقاليد

يعتبر الاختلاف والتنوع في العادات والتقاليد من عدمه بين المجالات الاجتماعية للمناطق العمرانية محل الدراسة احد المؤشرات الأساسية لهذه الدراسة للوقوف على مدى ارتباط العادات والتقاليد بطبيعة المجال الاجتماعي من حيث تشكل البنية الاجتماعية من تجانس أو اختلاف من عدمهما،  وارتباط كل هذا بمقومات المناطق أو المجالات العمرانية محل الدراسة ، فالمعطيات الإحصائية لإجابات المبحوثين عن سؤال الاستمارة الذي مفاده هل هناك اختلاف في العادات والتقاليد بينك وبين جيرانك كانت الإجابة كما يلي :

-المنطقة (ا) 83.33% من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب لا ، أي لا توجد هناك اختلاف في العادات والتقاليد.

-المنطقة (ب) 60.5% من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب لا أي لا توجد هناك اختلاف في العادات والتقاليد.

-المنطقة (ج) 70.47%من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب لا أي لا توجد هناك اختلاف في العادات والتقاليد .

-المنطقة (د) كانت إجاباتهم مناقضة لإجابات أفراد عينة المناطق العمرانية السابقة بحيث أجابت نسبة 63.57% ب نعم، أي هناك اختلاف في العادات والتقاليد بينهم وبين جيرانهم ، وحول سؤال ما مرد هذا الاختلاف ؟ فكانت أجابت نسبة 84.27 % منهم أن مرجعه إلي الموطن الأصلي المختلف و 5.62 %إلي العامل المادي وحوالي 10% أرجعوه إلي الفارق في المستوى التعليمي.

-المنطقة (ه) 83.3%كانت إجابتهم كذلك مشابهة للمنطقة السابقة أي أجابوا ب نعم،  بأنه هناك اختلاف في العادات والتقاليد بينهم وبين جيرانهم و75¨% منهم أرجعوه كذلك إلي الاختلاف في ثقافة الموطن الأصلي لكل منهم.

من هذا كله نستنتج بان العادات والتقاليد وكل الممارسات و التفاعلات المرتبطة بها ليست مرتبطة بمقومات المجال العمراني( ريفي أو حضري)، بل مرتبطة بطبيعة العلاقة الاجتماعية والمقومات الثقافية للنموذج الثقافي لكل مجال اجتماعي وهذا ما يؤكد كذلك انفصال المجال الاجتماعي عن المجال العمراني وارتباط الأفعال والتفاعلات ليس بالمجال العمراني بل بالمجال الاجتماعي والنموذج الثقافي الذي يحكمه .

المؤشر السادس :امتلاك كل الأجهزة ذات الاستعمال المنزلي الحديثة من عدمها

كما بينا سابقا إن ما يميز المجال الاجتماعي هو عملية التفاعل والنموذج الثقافي الذي يحكمها ، وان عملية التفاعل تكون سواء مباشرة وجه لوجه كما يرى قوفمان أو عن طريق وسائط اتصال سواء كلاسيكية أو حديثة. فاستخدام وسائل الاتصال الحديثة بالخصوص قد يتوقف على عوامل ثقافية مرتبطة بالنموذج الثقافي الذي هو متبني  من طرف أفراد مجال اجتماعي معين ، وقد تكون مرتبطة كذلك بمقومات المجال العمراني من حيث قربه وبعده عن المنشأة الحديثة التي تسمح بالاستفادة من خدمات هذه الوسائل المعاصرة من عدمها .

فسؤال الاستمارة للمبحوثين عن امتلاك  كل الأجهزة الحديثة من عدمه يسمح لنا بترتيب هذه المجالات العمرانية ومن وراء ذلك المجالات الاجتماعية المتواجدة فيها وفق درجة التحديث الذي تشهده كل منطقة أو كل مجال اجتماعي، كما يسمح لنا كذلك بتحديد هل امتلاك هذه الأجهزة الحديثة مرتبط بالمجال العمراني ومقوماته؟ أم مرتبط بالمجال الاجتماعي ونموذجه التفافي كذلك؟ فإجابات المبحوثين عن سؤال الاستمارة فيما يتعلق بامتلاكهم لكل الأجهزة الكلاسيكية والحديثة من عدمه موزعة إحصائيا على المناطق العمرانية الخمسة كما يلي:

-المنطقة (ا) 4.74% إلا من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب نعم أي أنهم يمتلكون جميع الأجهزة بما فيها الحديثة.

-المنطقة (ب) الا 8.53 %من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب نعم بأنهم يملكون جميع الأجهزة كذلك.

-المنطقة (ج) 23.7 من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب نعم أي أنهم يملكون جميع الأجهزة.

-المنطقة (د) 30.33 من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب نعم أي أنهم يملكون جميع الأجهزة

-المنطقة (ه) 32.7 من أفراد عينة هذه المنطقة أجابوا ب نعم أي أنهم يملكون جميع الأجهزة

ما يلاحظ من هذه المعطيات الإحصائية انه هناك منحى تصاعدي من المنطقة (ا) إلي غاية المنطقة (ه) فيما يخص امتلاك الأجهزة، فرغم الخصوصية التي يتميز بها كل مجال اجتماعي لكل منطقة من هذه المناطق الخمسة، والتفاوت الموجود بينها في درجة الانفتاح والانغلاق كما رأينا سابقا، خاصة فيما يتعلق بالمنطقة (ج) كون أنها عمرانيا منطقة لها مقومات المجال العمراني الحضري إلا أنها من حيث مجالها الاجتماعي بقية منطوية على ذاتها وهويتها الثقافية، رغم ذلك نجد نسبة 23.7 من أفراد عينة هذه المنطقة يمتلكون كل الأجهزة، يفوق بذلك المجالات العمرانية التي بها مجالات اجتماعية أكثر انفتاحا، وهذا ما يبين أن امتلاك الأجهزة ووسائل الاتصال الحديثة مرتبط بالمجال العمراني ومقوماته أكثر من ارتباطه بمقومات المجال الاجتماعي لان المجال العمران تحديثه من عدمه مرتبط بدرجة توفره على منشات وتجهيزات حديثة التي جهزت بها الدولة مناطق معينة أكثر من الأخرى، بمعنى أن حداثة المجال العمراني أصبح مرتبط بفعل أجهزة الدولة والعمل الحكومي وليس مرتبط بفعل وتفاعلات البنية الاجتماعية المتواجدة في كل منطقة من هذه المناطق الخمسة، وهنا نلاحظ أن عامل امتلاك الأجهزة الحديثة من عدمه مرتبط بالمجال العمراني أكثر من ارتباطه بالمجال الاجتماعي لان البحث عن امتلاك هذه الأجهزة من طرف الأفراد متواجدون في مجال عمراني متخلف لا يمكن أن يتحقق لهم ذلك في ظل افتقار هذا المجال لهذه المنشآت الحديثة.

الخلاصة:

يعتبر العمران البشري وفق النظرية الخلدونية ظاهرة اجتماعية شاملة وموحدة وكل ما يطرأ فيها من تطور وتغير ينقلها من حالتها البسيطة إلي حالة أكثر تعقيدا وتطورا، هذه الحالة المتطورة والمعقدة تمس جميع الجوانب لهذه الظاهرة سواء عمرانية أو اجتماعية وحتى الأفعال والتفاعلات المرتبطة بها ....الخ، إلا انه حسب المعطيات الإحصائية والميدانية للدراسة التي قمنا بها، يتبين أن هذه الظاهرة لم تعد شاملة وموحدة كما رآها ابن خلدون، بحيث أصبح هناك انفصال بين المجال العمراني والمجال الاجتماعي، بمعنى أن مجال عمراني ما يمكن أن يعرف حالة تطور وتغير وانتقال من مرحلة بسيطة إلي مرحلة معقدة أو أكثر تطورا دون أن يتبعه في ذلك المجال الاجتماعي بتشكلاته وأفعاله وتفاعلاته، بحيث يبقى تحكمه مقومات النموذج الثقافي الأول. بينت لنا المؤشرات الستة التي استخدمناها في هذه الدراسة وهي طبيعة الرابط الاجتماعي، الأصل الاجتماعي، طبيعة العلاقة بالمجال والعادات والتقاليد، طبيعة العمل والمستوى التعليمي، التجهيزات المنزلية الحديثة في علاقاتها بالمجال الاجتماعي والعمراني، أن حالة الترابط والتلازم والوحدة بين هذين المجالين في ظاهرة العمران البشري لم تعد قائمة، بحيث أكدت لنا الدراسة كما رأينا إن المنطقة (ج) رغم أنها منطقة عمرانيا تتمتع بكل مقومات العمران الحضري من منشاة ومرافق، ووجودها في مركز المدينة إلا أن طبيعة الرابط الاجتماعي، وطبيعة علاقات الأفراد بالمجال العمراني المتواجدين فيه، أي الأصل الاجتماعي والعادات والتقاليد لم تتبع في تطورها وتغيرها تغير وتطور المجال العمراني بل بقية مرتبطة بطبيعة البنية الاجتماعية المحلية والتقليدية، وعليه نستطيع أن نخلص في النهاية إلي الاستنتاج السوسيولوجي التالي :

إن هذه العوامل الثلاثة السابقة الذكر تؤكد حالة انفصال المجال العمراني عن المجال الاجتماع، وتؤكد في نفس الوقت ارتباطها بالبنية الاجتماعية والمجال الاجتماعي الأول، في حين أن المؤشرات الثلاثة الأخرى وهي طبيعة العمل أو النشاط الاقتصادي والمستوى التعليمي والتجهيزات المنزلية الحديثة بينت بدورها حالة الانفصال هذه إلا أنها تختلف من حيث ارتباطها كون أنها لا ترتبط بالبنية الاجتماعية أو المجال الاجتماعي الأول بل ترتبط بطبيعة ومستوى تطور المجال العمراني من عدمه، وبالتالي كما رأينا انه كلما زاد أو ارتفع ...تطور المجال العمراني يرتفع بمنحنى تصاعدي من المنطقة العمرانية الأقل تطورا إلي المنطقة العمرانية الأكثر تطورا، مستوى التعليم العالي فيها ونسبة مالكي كل التجهيزات الحديثة ونسبة العاملين في قطاع الوظيفي العمومي الحكومي عوض قطاع النشاط الزراعي أو ألفلاحي في حالة المنطقة (ا،ب) كما رأينا. إن حالة الانفصال هذه بين المجال العمراني والمجال الاجتماعي يمكن تفسيرها بكون أن المجال العمراني لم يعد وليد التفاعلات والأفعال للمجال الاجتماعي الذي يتضمنه هذا المجال العمراني وإنما تشكل هذا المجال العمراني مرتبط بتدخل الفعل التخطيطي الإداري الحكومي،  فهو منتوج فعل سياسي وليس متنوج النموذج الثقافي للمجال الاجتماع الذي يتضمنه المجال العمراني.

ثالثا: الاستماع للإذاعة بين المسموعية والاستقطابية :

كون الإذاعة المحلية في الجزائر ليست وليدة أو منتوج التفاعلات الاجتماعية للمجال الاجتماعي أو الموجه له، بل هي منتوج الفعل التخطيطي الخارجي عن هذا المجال الاجتماعي بهدف تشكيل نموذج ثقافي متجدد يتجاوز النموذج الثقافي الأول، فمن هذا المنطلق هل استطاعت هذه الإذاعة بواسطة برامجها ومستوى مسموعيتها وطبيعة برامجها أن تحقق هذا الهدف وبذلك تصبح طرف فاعل ومتفاعل في هذا المجال الاجتماعي؟ أم بقيت مجرد مقوم من مقومات المجال العمراني الذي يعيش حالة انفصال عن المجال الاجتماع؟ وفي هذه الحالة تبقى العلاقة بينهما جواريه لا غير تغيب فيها ادني مستويات الهدف التغييري المنشود بسبب غياب العلاقة التفاعلية لان التنوع الإعلامي لوسائط الإعلام والاتصال حاليا تجعل كل وسيلة من هذه الوسائل تعيش حالة تنافسية كبيرة يتطلب منها أن تعمل كل ما في وسعها من اجل استقطاب جمهورها حتى تستطيع أن تتكلم فيما ما بعد عن عمليات اجتماعية تفاعلية من تأثير وتأثر و تأطير وتوجيه مع الطرف الأخر، فالإذاعة بكل بساطة هي شيء أو موضوع موجود في المجال العمراني لفرد أو جماعة ما وحتى تخترق المجال الاجتماعي لهذه الجماعة عليها أن تصبح طرف في عمليات التفاعل لهذه الجماعة لان التفاعل ليس عملية اتصالية بسيطة تدخل في الآلية الحتمية (مؤثر واستجابة) كما يرى السلوكيون على مختلف مشاربهم الفكرية، ولا حتمية اجتماعية كما يراها الوظيفيون في علم الاجتماع، بل هي عملية اجتماعية معقدة يتوسطها فهم المعاني وتأويلها وفق منظومة المعاني المشتركة بين الجماعة أو الأطراف المتفاعلة حول موقف معين، فالمعاني ليست متأصلة في الشيء أو الموضوع الخارجي، و بناء على هذا فإن التفاعليون يرون أن المؤثر قد يأخذ معاني متباينة نتيجة الاختلاف في تأويله، والمعاني المختلفة التي تم افتراضها بناء على المعني الذي يقره الفاعل ويتصوره للمؤثر (16) وبالتالي فالعلاقة بين الإذاعة كشيء أو مؤثر خارجي والمجال الاجتماعي الموجهة إليه لا ترقى إلى العلاقة الاجتماعية التفاعلية بمجرد وجودها في مجالهم العمراني بل لا بد أن تتوفر فيها أركان الفعل والتفاعل الاجتماعي من اتصال عن طريق الرموز، فهم المعاني التي تحملها هذه الرموز، تأويلها النابع من القدرة على قراءتها وفق منظومة معاني خاصة مستقلة لهذه الرموز، ثم بعد ذلك تأتي الاستجابة الفردية سواء كموضوع  أو كأداة أو كذات أو كفاعل (17) ففهم المعاني وتأويلها ليس معطى موضوعي متأصل في الرسالة بل هو شيء ذاتي مرتبط بما اكتسبه الفرد من مستويات التفكير وأنماطه من خلال عمليات التفاعل مع بعضهم البعض أو مع الآخرين وفي نطاق مجال عمراني بما يتضمنه من أشياء ومواضيع وما ينتج عن ذلك من ذات وعقل بالمفهوم السوسيولوجي للكلمة، إذن العلاقة الاتصالية ليست علاقة نمطية وثابتة رغم الاختلاف في مستوى تطور نمو الذات والعقل للأطراف المتفاعلة أو لأحد منهم، بل هي ديناميكية متطورة ومرحلية حسب هيربرت ميد (18)وعليه فأي فعل أو تفاعل لا يعني بأي حال من الأحوال أن يتجاوز مرحلة تطور ونمو هذه الذات وهذا العقل الذي يعرف في تطوره ثلاثة مراحل وهي:

*مرحلة ما قبل اللعب : وهي مرحلة المحاكاة التي يعيب فيها الوعي بالمعنى، أي يكون الفرد غير قادر على فهم المعاني وغير قادر على تأويلها وهي مرحلة تكون فيها العلاقة الاتصالية في أدنى مستواها قريبة من العمل الغريزي في علاقته بالأخرين و بالتالي في هذه الحالة لا نتكلم عن استقطاب وعن علاقة تفاعلية كاملة

*المرحلة الثانية هي مرحلة اللعب: وهي مرحلة يكون فيها وعي الفرد في بداية تشكله ويبدأ بتعلم قواعد التفاعل مع الأخر، فالعلاقة الاتصالية تتخذ شكل أكثر تطور من العلاقة السابقة فمثلا يبدأ يأخذ الفرد الإذاعة مجرد موضوع لسماع الموسيقى فقط لا يرقى فهمه لها على أنها وسيلة حضارية لنشر رسائل وثقافة منورة للفكر والعقل ومطورة له على سبيل المثال.

*المرحلة الثالثة هي مرحلة ما بعد اللعب: وهي مرحلة التفاعل التي يكون فيها الفرد أو الجماعة في مستوى الوعي بالقواعد والمواقف ويكون فيها قادرا على فهم المعاني وتأويلها انطلاقا من فهمه لتوقعات محيطه الاجتماعي منه، وهي مرحلة التفاعل والمرحلة التي تنتقل فيها  المسموعية للإذاعة مثلا من مجرد علاقة اتصالية غريزية خالية من الفهم والتأويل للمعاني والرموز المنبعثة من هذه العلاقة الاتصالية ومن مجرد موضوع ترفيهي فقط إلى علاقة تفاعلية يكون الفعل فيها منطلق من عملية تحليل كاملة للموقف ومكوناته وهي مرحلة الاستقطابية.

بما أن المسموعية للإذاعة أي مستوى العلاقة الاتصالية معها يختلف باختلاف المقومات الذاتية، الاجتماعية والثقافية لان نموذجها الثقافي الخاص بها مختلف في علاقتها الاتصالية بالإذاعة حسب مستوى تطور ونمو هذا النموذج الثقافي ومن هنا أردنا أن نفهم طبيعة هذه العلاقة الاتصالية التي تربط بين الإذاعة بصفتها احد أطراف هذه العملية الاتصالية والمجالات الاجتماعية على مختلف أنواعها كونها تمثل الطرف الثاني لها وفهم كذلك مستوى نمو وتطور النمط التفكري للأطراف المتفاعلة في هذه المجالات الاجتماعية في علاقتها بالإذاعة المحلية ذلك من خلال سؤال الاستمارة عن العلاقة التي تربط المبحوثين بالإذاعة المحلية مقارنة بالإذاعات الأخرى (الدولية ، الوطنية ) فكانت إجابتهم كما يلي :

60,45 %من أفراد العينة المدروسة يستمعون للإذاعة المحلية للمجال العمراني المتواجدين فيه مقابل 32,59 %من أفراد العينة يستمعون للإذاعة الوطنية، 6,94 %فقط من أفراد العينة يستمعون للإذاعات الدولية، 3,15 %من أطراف العينة يستمعون لاذعات محلية أخرى لمجالات عمرانية خارج المجال العمراني المتواجدين فيه. فكما نلاحظ من هذه المعطيات الإحصائية أن نسبة كبيرة من أفراد العينة يستمعون للإذاعة المحلية للمجال العمراني المتواجدين فيه رغم وجود حالة تنافسية مع المحطات الإذاعية الأخرى لكن هذه المسموعية للإذاعة المحلية لا تعتبر مؤشر على مستوى التفاعل يرقى إلى تحقيق الفعل التغير المنشود بل مجرد مؤشر على  العلاقة الاتصالية بين أفراد مجال اجتماعي محلي، واحد مقومات المجال العمراني المحلي المتواجدين فيه المتمثل في الإذاعة المحلية في هذه الحالة، فالوقوف على  طبيعة هذه العلاقة الاتصالية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الوقوف على طبيعة البرامج الأكثر مسموعية من طرف أفراد العينة ومن خلال أي المحطات الإذاعية (محلية، وطنية، دولية) ولتحقيق ذلك قدمت للمبحوثين ثمانية مواضيع على هؤلاء أن يختاروا منها الأكثر استقطاب لهم من خلال البرامج الإذاعية المقدمة لهم وهذه المواضيع تتمثل في البرامج الدينية، الثقافية، الاجتماعية، الصحية، الإخبارية، السياسية، الرياضية، الترفيهية. فمن خلال المعطيات الإحصائية لاختيار المبحوثين عن المفاضلة بين البرامج المذكورة أعلاه نجد ما يلي

21,47 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج الإخبارية

 17,54 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج الاجتماعية

17,25 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج الدينية

17,13 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج الثقافية

10,93 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج الترفيهية

8,63 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج الرياضية

7,56 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج الصحية

4,49 من أفراد العينة يرون أنهم يستمعون أكثر للبرامج السياسية

أما عن الإذاعات التي يتجه إليها المستمع لسماع البرامج المفضلة إليه فإجابات المبحوثين تفرز لنا التصنيفات التالية

1.   البرامج الدينية والثقافية والاجتماعية، وان أكثر من 75 % من المبحوثين يتجهون لسماعها هذه البرامج في الإذاعة المحلية

2.   البرامج الرياضية والإخبارية والسياسية ونسبة سماع المبحوثين لهذه البرامج في الإذاعات المحلية تتناقص إلي مستوى 53% لصالح الإذاعة الوطنية والدولية

3.    البرامج الترفيهية و الصحية أي المعلقة بالصحة النفسية والجسدية يتجه فيها المبحوثين إلى الإذاعة المحلية كذلك

إن التفسير السوسيولوجي لهذه المعطيات يبين لنا أن الإذاعة المحلية لها استقطابية كبيرة مقارنه بالإذاعات الوطنية والدولية، وهذه الاستقطابية تحصل في جميع البرامج المقدمة لكنها بدرجات متفاوتة حيث ترتفع درجة الاستقطابية في البرامج الدينية والثقافية والاجتماعية  وذلك لان هذه البرامج مرتبطة بالهوية الثقافية والاجتماعية للمستمعين وبذلك تعمل على إعادة إنتاج النموذج الثقافي المحلي المتميز بالانغلاق على الذات الاجتماعية والهوية المحلية، في حين أن هذه الاستقطابية تكون بدرجة اقل في البرامج الرياضية والإخبارية والسياسية وهذا راجع لأنها تتناول مواضيع مرتبطة بالمجال العمراني المتواجدين فيه وليست بهويتهم، أم في البرامج الترفيهية والصحية فان الاستقطابية ترتفع لان هذه البرامج تتناول مواضيع من الثقافة المحلية وبالتالي نلاحظ أن هذه الإذاعة المحلية تعمل على إعادة إنتاج هوية محلية تتميز بالانغلاق على نفس النموذج الثقافي المحلي، وهذا ما يتعارض مع الهدف الاستراتيجي الذي أوجدت من اجله هذه الإذاعات في المشروع الثقافي الذي تحدد أحكامه المادة الخامسة من القانون العضوي المتعلق بالأعلام .

إن ما نستنتجه من هذا كله ،أن الجوارية التي تتميز بها الإذاعة المحلية كون أنها موجودة في نفس المجال العمراني المتواجدة فيها المجالات الاجتماعية محل الدراسة والاستقطابية التي تتمتع بها ليست نابعة من كون أنها تمثل ذات اجتماعية فاعلة ،حاملة لمعاني جديدة وحديثة ، ومخاطة لذات مدركة تواقة لقيم المواطنة ،والاستقلالية ،والديمقراطية ،بل بقية الإذاعة مجرد موضوع اتصالي موجود في مجال عمراني محلي يعمل على إنتاج وإعادة إنتاج نفس التفاعلات التي يحكمها النموذج الثقافي للمجالات الاجتماعية المحلية فهي موضوع لهذا المجال وليست ذات فاعلة كما أراد لها أن تكون على الأقل على مستوى الخطاب الرسمي .

 الهوامش

1 -الجريدة الرسمية 02  القانون العضوي للإعلامرقم 12 -05 21 صفر عام 1433 الموافق ل 15 يناير 2012  يتعلق بالإعلام ،  المادة الخامسة ، ص

2- ارماندماتيلاز و ميشليهماتيلاز : نظرية الاتصال ، ترجمة اديب خضور ، المكتبة الاعلامية ، الطبعة الاولى ، دمشق ، 2003، ص ,ص 37،40

3- عبد الله محمد عبد الرحمان : النظرية في علم الاجتماع، النظرية السوسيولوجية المعاصرة ، دار المعرفة الجامعية ، بلد نشر عير مذكور ،2005،ص.ص53،77

4-Sylvie Capitant : les medea en Afrique subsaharieune une approche eu terme d’usagerevues recherche communication ;NO 26 ;2006

5- IDEN :P 66

6- IDEN :P ;68

7-L . Althusser :idéologie et appareil idéologique de L’ETAT in revue la geussee ;n 151 ;1970

8-Sylvie Capitant : les medea en Afrique subsaharieune ;OPCIT ;PP 72.74

9-çerfai Daniel. Pasquier Dominique ;les sens des public politique  et public Médiatique ;puf ;2003

10- محمد المهدي بن عيسى: ازمة العقلنة في التنظيم الصناعي ، رسالة ماجستير ،جامعة الجزائر ، سنة 1996

11- A .Touraine ;Sociologie de l’action ;paris ;éditions du seuil ;1965 ;p :38

12- الان توران : ما هي الديمقراطية كلام الاكثرية ام ضمان الاقلية،ترجمة حسن قبسي ، دار الثقافة ، الطبعة الثانية ، 2001 ،ص.ص96،95

 13- عبد الفتاح دويدار: سيكولوجية العلاقة بين مفهوم الذات والاتجاهات ، بيروت ، دار النهضة العربية  ،1992، ص13.

  14 عبد الغاني مغربي : الفكر الاجتماعي عند ابن خلدون ، ترجمة محمد الشريف بن دالي حسين ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، 1986 ، ص ص 128،129

15- انتوني غدنز بمساعدة كارين بيردمال : ترجمة الدكتور فايز الصياغ: علم الاجتماع مع مدخلات عربية ، الاردن ، مؤسسة ترجمان المنظمة العربية للترجمة ، ط 4 ، بدون سنة نشر ، ص88

16-Vincent de Gauljac 

17- ابراهيم عبس عثمان : النظرية المعاصرة في علم الاجتماع ، دار الشروق للنشر والتوزيع ، الطبعة الاولى ، عمان ، 2007 ، ص115

18- ابراهيم عبس عثمان : مرجع سابق ، ص ,ص122،123