تأرجح المركز القانوني للأطفال أثناء النزاعات المسلحةpdf

بين دور الضحية و موقع الجاني

د. نصر الدين الاخضري

كلية الحقوق والعلوم

السياسية

جامعة قاصدي مرباح – ورقلة- 

ملخص:

تقليديا، من يستطيع على مستوى الأهلية وفقا لمنطق القانون الجنائي، أن يحوز صفة الضحية، يكون بمقدوره أن يلعب دور الجاني من حيث كونه متهما بصفته فاعلا أو شريكا، غير أن الأطفال الذين هم بمنطق القانون الدولي للنزاعات المسلحة، يمكن أن يثور بشأنهم تردد في لعب هذا الدور أو ذاك.

في الوقت الذي تقرر فيه اتفاقية حقوق الطفل و اتفاقية حماية الأطفال من النزاعات المسلحة، إمكانية أن يستفيد هذا الكائن البشري من محاكمة عادلة لدرجة أن يستفيد هذا الأخير من تخفيض في العقوبات بالقياس إلى مستوى الإدراك لديه، فإن القانون الدولي الجنائي في المقابل لا يعقد الاختصاص لمحكمته الجنائية الدولية للنظر في وضعية المجرمين الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، الشيء الذي يجعل الفراغ واضحا في مسألة متابعة الأطفال الذين لم يبلغوا هذه السن، الأمر الذي يستتبع تغليب مركز الضحية على مركز الأطفال بالنسبة لقضايا النزاعات المسلحة التي يكون فيها هؤلاء أطرافا.

Resumé:

LE TATONEMENT DU STATU JURIDIQUE DES ENFANTS PENDANT LES CONFLITS ARMIES ENTRE LE ROLE DE LA VICTIME ET CELUI DE L’HAUTEUR

Dans l’absolus il est concevable que la personne pouvant joues le rôle de la victime ; ont matière pénal ; est et susceptible d’être vue sous l’ongle d’un hauteur ; où d’un complice, sauf que lorsqu’il s’agit des enfants, celons le droit des conflits armé, l’évidence ni pas de mise.

En effet, au moment au la convention sur les droite des enfants ; et seul protégeant les enfants des conflits armés stipulent, et exige un procès équitable au profit des enfants, au point où on réclame des châtiments moins dures, en fonction du leurs perception ; à ce moment là le droit internationale pénale, refuse de statuer sur le sort des personne n’ayant pas atteints 18 ans, ouvrant ainsi une brèche au ceins de l’édifice juridique.

Abstract:

Traditionally, can the civil level according to the logic of criminal law, the possession of victim status, to be able to play the role of the offender being accused as a perpetrator or accomplice, however, children who are in the logic of international law of armed conflict, can revolutionize the hesitation in playing this role.

While the Convention on the rights of the child and the Convention on the protection of children from armed conflicts, the possibility to take advantage of this human organism of a fair trial to the extent that the latter benefit from reduced penalties compared to the level of awareness has, in return, international criminal law does not hold jurisdiction of the International Criminal Court to consider the status of offenders of children under the age of 18, which makes vacuum clear in the question of the follow-up to children who have not attained that age, which implies a primacy of Center The victim status of children for armed conflict issues where these parties.

مقدمة:

لما كان الفيصل في اعتبار الأطفال على مستوى الإدراك و الوعي الذهني، إنما هو التعامل مع ممثلي هذه الشريحة بالرفق و العطف، فإن الطبيعي أن يتصور في مجال النزاعات المسلحة أن هؤلاء الأطفال يكونون ابعد من أن يستحق وصفهم فرادى بالمعتدي أو الجاني، سواءا بالانتساب إلى أفراد القوات المسلحة النظامية، أو الانخراط في هياكل الجماعات المسلحة، بحسب إذا ما كنا بصدد الحديث عن نزاع مسلح دولي أو نزاع مسلح أهلي. و إذا كان لمثل هذا الانطباع من الناحية الإحصائية، ما يمكن أن يؤيده، فإنه من الثابت في الممارسات التي يراقبها العاملون في حقل القانون الدولي الإنساني، أن مسألة ارتباط الأطفال بالحروب قد باتت أمرا ملحوظا، و ماثلا للعيان، بدليل ما تسربه التقارير الصادرة عن اللجنة الدولية لهيئة الصليب الأحمر الدولي التي تقدر بأن أعداد الأطفال المقحمين فيما يعرف بالنزاعات المسلحة، قد فاق الثلاثة ملايين (3000000) في أزيد من 18 دولة .

إن الاقتناع بانغماس الأطفال في ظاهرة النزاعات المسلحة، يفرض علينا أن نبحث في خضم هذه الورقة على الوصف الأكثر معقولية لموقع الأطفال في عالم الحروب، انطلاقا من المسلمة التي تحرم وفقا لقواعد اتفاقيات جنيف الأربعة إقحام الأطفال الذين لم يبلغوا سن الخامسة عشر في نطاق مختلف النزاعات المسلحة على سبيل التجنيد، لنعود فنناقش بمفهوم المخالفة إعادة النظر في من يستحق وصف الطفل. كل ذلك مع مراعاة المخاطبين بالجرائم الدولية من الأطفال طبقا لنص المادة 05 من اتفاقية روما المتعلقة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية.

للخوض في موقع الضحية و دور المتهم أثناء الحروب بالنسبة للأطفال القصر، تقترح الورقة الحالية مناقشة المسألة بعد المقدمة من خلال المبحثين التاليين لينتهي المقال بخاتمة:

المبحث الأول: الأهلية القانونية للطفل بين تلقي الحقوق و تحمل الالتزامات أثناء النزاعات المسلحة.

المطلب الأول: المفهوم الدولي للطفل.

المطلب الثاني:المسؤولية الجنائية الدولية للقصر بين الانعدام و الاتهام .

المبحث الثاني: النزاعات المسلحة كمحيط لإقحام الأطفال فيه.

المطلب الأول: مفهوم النزاعات المسلحة الدولية و الأهلية.

المطلب الثاني: الطبيعة الحمائية لأحكام القانون الدولي الإنساني لدور الأطفال خلال الحروب.

الخاتمة

المبحث الأول: الأهلية القانونية للطفل بين تلقي الحقوق و تحمل الالتزامات أثناء النزاعات المسلحة.

مما لا شك فيه أن موضوع الأهلية القانونية، عندما يتعلق بالطفل، منظورا إليه في ضوء فروع القانون الدولي، و الحديث هنا عن فرع القانون الدولي للنزاعات المسلحة الشديد الارتباط بالقانون الدولي الإنساني، لا يمكن أن يخرج عن البحث عن تعريف يلتصق فيه أمر السن بما يمكن أن يكون متفقا عليه من قبل أعضاء المجموعة الدولية. و إذا كان الحديث المتداول في باب أهلية الأطفال، و فقا لأحكام القانون الداخلي، قد يقبل الاختلاف، بين قانون داخلي و أخر كأن تتم الإشارة إلى أهلية مدنية، و أخرى جنائية من جهة، فإنه يمكن أيضا تصور أن الحديث عن هذه الأهلية يحتمل أن يكون غير متطابق بين دولة و أخرى أو حضارة و أخرى ضمن ما يسمى في القانون المقارن بالعائلات القانونية، كأن تنزل موضوعات الأهلية وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء إلى سبع سنوات، أو ترتفع طبقا لمنظور العائلة الجرمانية اللاتينية إلى ما يقرب من العشرين سنة.

إذا كان كل هذا التفصيل منتجا لأثاره، فإن الذي يعنينا في هذه الدراسة هو تحديد معنى أهلية الطفل بين ثنايا القانون الأقرب انتظاما إلى موضوعات القانون الدولي العام سواءا ما تعلق منه بالقانون الدولي الإنساني أو قانون النزاعات المسلحة، و هذا ما يسعى المبحث الحالي إلى الوقوف عنده من خلال المطلبين التاليين:    

المطلب الأول: المفهوم الدولي للطفل.

من البديهي أن مصطلح الطفل قبل أن نحدده وفقا لوجهات نظر القانون الدولي، أنه مصطلح تتداخل دلالاته مع ألفاظ تتراوح بين القرب و البعد مع ما قررته أحكام المجموعة الدولية سواءا في نطاق قانون جنيف أو لاهاي. و أمام مثل هذا التنوع في الأسماء و الألفاظ ذات الصلة بمفهوم الطفل، فإننا نخصص الفرع الأول لتحديد هذه المسميات، بينما نتخذ من الفرع الثاني من هذا المطلب مرتعا لتحديد المقصود دوليا بمعنى الطفل.

الفرع الأول: مسميات الطفل

يقول الأستاذ سويقات بلقاسم في رسالة الماجستير التي ناقشها بجامعة قاصدي مرباح ورقلة سنة 2012 الموسومة بالحماية الجزائية للطفل في القانون الجزائري، بخصوص مسميات الطفل نقلا في الجانب اللغوي عن ابن منظور ما يفيد: أن ثمة ثلاثة ألفاظ تدور جميعها حول فكرة الطفل يتعلق الأمر فيها بالطفل الحدث و الصبي و القاصر(1).

فبخصوص الطفل الحدث يقول ذات الأستاذ:الحدث لغة معناه فتى السن، ورجل حدث السن ورجال أحداث السن. و يقال هؤلاء قوم حدثان، و رجل حدث أي شاب، فإذا ذكرت السن قلت حديث السن و هؤلاء غلمان حدثان أي أحداث، و كل فتى من الناس و الدواب و الإبل حدث.

هذا و يعد الشخص حدثا من الوجهة القانونية في فترة محددة من الصغر تبدأ بالسن التي حددها القانون للتمييز أو تلك التي حددها لبلوغ سن الرشد الجنائي، و غني عن البيان أن موقف التشريعات يختلف في هذا المجال: ذلك أن بعضها اتخذ من بلوغ الحدث حدا ادني من السن هو الأساس لقيام المسؤولية دون النظر إلى الحد الأقصى للسن على خلاف غيره.

وفي كل الأحوال، فإن لفظ الحدث يدل على أنه شخص لم تتوفر لديه ملكة الإدراك و الاختيار لقصور عقله عن إدراك حقائق الأشياء، و اختيار النافع منها، و النأي بنفسه عن الضار منها، ولا يرجع هذا القصور في الإدراك و الاختيار إلى علة أصابت عقله، وإنما مرد ذلك يعود لعدم اكتمال نموه و ضعف قدراته الذهنية و البدنية بسبب وجوده في سن مبكرة ليس في استطاعته بعد وزن الأشياء بميزانها الصحيح و تقديرها حق التقدير.

و الحدث ليس وصفا متعلقا بمن يرتكب الجريمة، و إنما هو حالة يكون عليها الصغير باعتباره في سن الحداثة، أي الصغير بمعيار قانون محدد، فكل من لم يتجاوز السن المقررة يعتبر حدثا سواءا ارتكب جريمة أو لم يرتكب، فهو إذا ارتكبها اعتبر حدثا منحرفا، و إذا لم يرتكبها اعتبر حدثا سويا.

وقد استخدم المشرع المصري في قانون الأحداث رقم: 31/1974 في مادته الأولى لفظ- الحدث- و قصد به كل من لم يتجاوز سنه ثماني عشرة سنة وقت ارتكاب الجريمة أو عند وجوده في إحدى حالات التعرض للانحراف.

أما في الجزائر و طبقا لقانون الإجراءات الجزائية لسنة 1966 ( المعدل و المتمم) فإن الحدث الجانح إنما هو ذلك الشخص الذي لم تبلغ سنه الثامنة عشر سنة و يحدث أن يرتكب ما هو معتبر فعلا، لو أن غيره من الراشدين اقترفه لاعتبر جريمة، هذا و من الجدير بالذكر أن هذا التعريف قد تم اقتراحه سنة 1959 في الملتقى الثاني للدول العربية حول الوقاية من الجريمة و تبنته الدولة الجزائرية بعد الاستقلال(2).

أما بخصوص الصبي فيطلق لفظ الصبي في اللغة على الغلام و الجمع صبية و صبيان.

اصطلاحا يطلق لفظ الصبي على من لم يبلغ سن الرشد، و يسمى رجلا مجازا. في حين أنه في التشريعات المقارنة، استخدم المشرع المصري لفظ الصبي و الصبية في المادة(269) عقوبات على كل من لم يبلغ سن ثماني عشرة سنة كاملة.

أما تعريف القاصر فإنه يكمن في ما ذهب إليه صاحب لسان العرب عندما قال: إن القصر في كل شيء خلاف الطول، وقصر الشيء جعله قصيرا، و قصرت عن الشيء قصورا: عجزت عنه و لم ابلغه، و قيل: قصر عنه تركه وهو لا يقدر عليه(3).

و في التشريعات المقارنة: أطلق المشرع المغربي اصطلاح القاصر على الأشخاص الذين أتموا الثانية عشر من العمر و لم يبلغوا سن الرشد (المادة 566 من المسطرة الجنائية).

أما لفظ القاصر في التشريع الجزائري فقد ذكر في المواد:49،50،و51 من قانون العقوبات و قصد بها المشرع كل من لم يتم الثامنة عشرة من عمره، أما قانون حماية الطفولة الصادر بتاريخ 10/02/1972 فقد نص في مادته الأولى على لفظ القاصر كما يلي: " القصر الذين لم يكملوا الواحد و العشرين عاما و تكون صحتهم و أخلاقهم أو تربيتهم عرضة للخطر أو يكون وضع حياتهم أو سلوكهم مضر بمستقبلهم.....).

الفرع الثاني: مكانة الطفل في القانون الدولي بوجه عام

إن اختيارنا لمصطلح القانون الدولي بوجه عام كوعاء يتم تناول موضوع الطفل فيه قد جعلنا نبحث من الناحية التاريخية عن بداية اهتمام المجتمع الدولي بهذا الكائن الضعيف. و هكذا فإنه قد تسنى لنا بالعودة إلى عهد العصبة، أن نتوقف عند إعلان حقوق الطفل لعام 1924 بجنيف، الذي يعود الفضل فيه إلى إدارة عصبة الأمم، أين تم التركيز على أساسيات نمو الطفل ماديا و روحيا. بينما تمت العناية في المبدأ الثاني من أصل أربعة مبادئ بضرورة العناية بالطفل المريض و الجائع و اليتيم و المنحرف و كيفية التصدي لحاجاته على اختلافها و تنوعها.

بينما لم يزد المبدأ الثالث و الرابع من نفس الإعلان على التطرق إلى مسائل منع استغلال الأطفال و كيفيات السهر على تربيتهم و تمكينهم من العيش الكريم داخل منظومة الأسرة وفي نطاق البنية الأخوية لهذه الأخيرة، الشيء الذي يجعل المجتمع الدولي حينها من حيث العناية بالطفل مجتمعا لم يصل فيه التفريق بين مختلف أصناف الأطفال و توزيعهم إلى أحداث أو ضحايا أو العناية بهم أثناء فترات السلم أو خلال فترات الحرب. على أن هذا المجتمع الدولي بالعودة إلى التطور الذي شهدته البشرية سنة 1959 أيام قيادة شؤون العالم عن طريق هيئة الأمم المتحدة سرعان ما عرف تطورا في مجال العناية بالطفل بدليل ما يكون قد أنجزه بمناسبة إصداره إعلان حقوق الطفل يوم 20 نوفمبر 1959 الذي تضمن عشر مبادئ ركز في الأول منها على ضرورة أن يستفيد الأطفال المخاطبون بأحكام هذا الإعلان من جملة المزايا المتعرض إليها بشكل ينضح بالمساواة التي تتجاوز التمييز العنصري و تنأى عن الاختلاف اللغوي أو الديني أو السياسي أو القومي أو العرقي، مما يجعل الإعلان المذكور اقرب ما يكون لشرعة حقوق الإنسان المخصصة ابتداءا و انتهاءا للأطفال دون من سواهم.

أما المبدأ الثالث من هذا الإعلان فإنه قد عني بحق الطفل كائنا من كان في أن يكون له اسم و جنسية، بعد أن تم التركيز في المبدأ الثاني من ذاك الإعلان على ضرورة أن تتصدى التشريعات للعناية بصالح الطفل من حيث الدعوى إلى ضرورة نموه نموا طبيعيا من الناحية المادية و الروحية و الاجتماعية في ظل تأمين أسباب الكرامة و الحرية.

أما المبدأ الثامن فإنه قد خصص لأن يجعل من الطفل من أوائل المتمتعين بمعاني الحماية و الإغاثة و لعل في مثل هذه الألفاظ ما يحيل على فترات الكوارث الطبيعية و النزاعات المسلحة و الحروب باعتبارها هي المناسبات التي يثور فيها الحديث عن جدوى الحماية و أولوية الإغاثة.

أما في المبدأ العاشر فإن إعلان 1959 قد تحدث عن ضرورة تعليم الطفل حب الصداقة و الأخوة بين الشعوب و العمل على إقرار السلم، في حين أن الإعلان نفسه قد أوحى إلى عدم جواز استعمال الطفل الذي لم يبلغ سن معينة في أعمال من شأنها أن تعرقل نموه العقلي أو التعليمي أو الخلقي مما يفيد بأن المجتمع الدولي وقتها لم تكن فكرة تحديد سن اعتبار الإنسان طفلا قد استجمعت التوافق لديه بدليل أنه لم يصل لا في إعلان 1924 ولا في إعلان 1959 إلى ضبط معيار السن كسقف من الأسقف التي يمكن الاعتداد بها تحديدا لأهلية الطفل، مع ملاحظة أن المجتمع الدولي من خلال الإعلانيين المذكورين قد اهتم بالطفل باعتباره كائنا جديرا بالحماية و فقط من دون أن يتصور الطفل و سيلة إيذاء أو أداة اعتداء، يحدث أن يوظفها الراشدون في مناسبات مختلفة لا سيما ما تعلق منها بعملية تجنيد هذا الصنف من البشر(4) .

إن أول مرة قد تم الاهتمام بالطفل من حيث تحديد هويته و التوسع في الإلمام بأهليته يعود باعتقادنا إلى أحكام الاتفاقية الأممية المنعقدة يوم 20/11/1989، أين تم اعتبار الطفل هو ذلك المخلوق أو الإنسان الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه، الشيء الذي يقود إلى القول بأن اتفاقية حقوق الطفل، و إن تكن قد سقفت معدل سن الطفل دوليا ببلوغ هذا الأخير 18 سنة، إلا أنها في المقابل تكون قد تركت الباب مواربا أمام التشريعات الداخلية التي قد يختلف عمر الطفل فيها من دولة إلى أخرى بحسب طبائع هذا المجتمع أو ذاك و نسق هذه الحضارة أو تلك. و إذا كان الإعلانان اللذان وقفنا عندهما سلفا لم يكونا من الناحية القانونية، من حيث الحجية سوى توصيات ذات طبيعة استئناسية، فإن الاتفاقية المتحدث عنها سنة 1989 تكون قد ارتقت بمفهوم الطفل إلى مصادر القانون الدولي المعبر عنها في شكل معاهدة شارعة مما يجعل القوة القانونية لنصوص هذه الاتفاقية أكثر إلزامية من الإعلانيين المشار إليهما سلفا.

وإذا كان من جهة أخرى الإعلانان المتوقف عندهما سنة 1924 و 1959 على التوالي، قد تضمنا مبادئ فضفاضة، اعتبرت الطفل بالأساس محل حماية و عناية، فإن اتفاقية 1989 التي أتت أكثر تفصيلا في مجالات الحماية، قد ذهبت إلى حد اعتبار الطفل معرضا للمسائلة باعتباره قابلا لأن يكون جان مفترضا، بدليل ما تطرقت له نصوص المادة 37،38، و 40(5)، عندما جعلت تعزز موقع الأطفال من حيث ضرورة إعفاءهم من عقوبتي الإعدام و السجن المؤبد، أو تمكينهم من حق الدفاع و إحضار الشهود و مترجم عند الاقتضاء و ما إلى ذلك من ضمانات المحاكمة العادلة، عندما يكونون موضوعا للمسائلة. و الواقع أن هذه الاتفاقية رغم إقرارها في المادة الأولى منها بسن الثامنة عشرة كسقف لنهاية فترة الطفولة، إلا أنها و في مواضع تخص حالة تجنيد الأطفال، سرعان ما قبلت على سبيل التجاوز افتراض أن يكون بعض الأطفال مجندين في صفوف أطراف النزاعات المسلحة، حتى و إن لم يتجاوز عمر البعض منهم خمسة عشر سنة، الشيء الذي يقودنا إلى القول بأن المجتمع الدولي لم يعرف كبير تطور، بينما قررته الاتفاقية الرابعة لجنيف و بروتوكولها الاختياري لا سيما المادة 77 و 78 منه اللتين، و إن تكلمتا عن ضرورة حماية الأطفال، إلا أنهما قبلتا تصور أن يكون الطفل ابن الخمسة عشر عاما محل تجنيد في صفوف أطراف النزاعات المسلحة، وإن سعت في نطاق المستطاع إلى القول وطبقا لأحكام القانون الدولي الإنساني أن ثمة جنوحا ليبقى الطفل حتى بعد القبض عليه و أسره أثناء عمليات الاقتتال محل حماية و رعاية من حيث التفريق في سجنه بينه و بين المقاتلين الراشدين و العمل على تمكينه من أسباب الاحترام المقررة لأسرى الحروب.(6)

المطلب الثاني:المسؤولية الجنائية الدولية للقصر بين الانعدام و الاتهام

انطلاقا من كون النزاعات المسلحة تعتبر بوجه عام من مشمولات الأعمال الدولية، رغم الإقرار بوجود جانب منها، يمكن وصفه بأنه نزاعات مسلحة غير دولية، إلا أن التداعيات المترتبة على مثل هذه الأعمال، دولية كانت أو غير دولية، لا يتصور خروجها عن الجرائم المنوه بها ضمن أحكام القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المنشأة سنة 1998 (7) ، و الأمر هنا يخص جرائم الإبادة و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية و الجرائم المتعلقة بالحرب، ريثما يتم تحديد النوع الرابع من هذه الجرائم غير المحددة رغم تسميتها بأن جرائم عدوان.

انطلاقا مما تقدم، و رجوعا بالذاكرة إلى وصف الجرائم الدولية، يمكن أن يدور بخلدنا على صواب، أن العلاج الأمثل للأفعال المحرمة جنائيا، بمنطق القانون الدولي الجنائي، إنما يكون أمام المحاكم الجنائية الدولية، سواءا المحاكم الجنائية الخاصة، من قبيل محكمة رواندا و يوغسلافيا، أو المحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي تمت الإشارة إليها أعلاه. و لما كانت النزاعات المسلحة أفعالا من الخطورة بمكان، فإن المسؤولية الجنائية الدولية المترتبة عليها يمكن أن يكون محل البحث عنها ضمن أحكام القانون الدولي الجنائي، باعتبار أن أحكام هذا القانون إنما اقتضتها عمليات الاسترسال في الحروب و أعمال الإبادة و الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. و لقد جيئ بهذا النوع من الأحكام قصد سد الفراغ القانوني، و منع المجرمين الخطرين من الإفلات من العقاب، مع الاعتراف بأن الأولوية في مجال الولاية القضائية الجنائية، تظل منعقدة للقضاء الوطني، الشيء الذي جعل فكرة التكاملية التي آت بها القانون الدولي الجنائي جسرا يغطى به الفراغ الموجود بين ضفتي القانون الدولي الجنائي و القانون الجنائي الوطني من خلال القول بأن الاختصاص ينعقد للمحكمة الجنائية الدولية، متى انعدم التنصيص على العقوبات محل المتابعة على مستوى الدول التي يكون بعض الفاعلين أو الشركاء في السلوك الإجرامي ينتسبون إلى جنسيتها، على أن القيد الذي تم ربطه بالقضاء الدولي الجنائي رغم أهمية عنصر التكاملية، إنما هو ذلك القيد المسمى بعنصر المقبولية. و المقبولية تقتضي بداهة تناغما مع مبدأ سيادة الدول التي تفضي الى أن تكون الدولة التي ينتمي إليها المشتبه فيهم، قد أبرمت اتفاقية مع المحكمة الجنائية الدولية تعبر من خلالها عن تنازلها لهذه الأخيرة في مجال الاختصاص، بعد التأكد من شغور القانون الداخلي من الإشارة إلى الفعل محل المتابعة. و من عجب أن عنصر المقبولية هذا حتى و إن أثارته بعض الدول في بعض المناسبات، كما حصل ذلك بالنسبة لمحاكمة مجرمي حرب رواندا، أين اعترضت حكومة كيغالي على تدخل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة، إلا أن مجلس الأمن على مستوى الأمم المتحدة قد اعتبر أن المحكمة الدولية لمجرمي حرب رواندا، تعد محكمة صحيحة الانعقاد بصرف النظر عن رضا الحكومة الرواندية بأيلولة الاختصاص لها من عدمه(8).

بعد هذا التمهيد الذي كان لابد منه، فإن الحديث عن مسؤولية الأطفال جنائيا بمنطق القانون الدولي الجنائي، إنما يمكن الخوض فيه بالعودة إلى قانون روما على أساس أنه مرجعي في مجال متابعة الأفراد بوجه عام. و هكذا فإنه يتاح لنا بعد قراءة نص المادة 26 من القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يقول منطوقه ما يلي: (لا يكون للمحكمة اختصاص على أي شخص يقل عمره عن 18 عاما وقت ارتكاب الجريمة المنسوبة إليه.)(9

يتاح لنا أن نقرر بأن الأشخاص الذين تعنيهم الدراسة الحالية باعتبارهم لا يتجاوزون سقف الطفولة المحدد ب18 سنة، غير قابلين للمثول أمام القضاء الجنائي الدولي، مما يثير أسئلة مشروعة بخصوص فرضية أن يقحم بعض الأطفال المتراوحة أعمارهم مابين 15 و 18 سنة أو حتى ما دون 15 سنة، من حيث مكنة متابعتهم لا سيما و أن نصوصا يقال عنها أنها من مشمولات القانون الدولي الإنساني قد تحدثت كما بينا ذلك في المطلب السابق عن معاملات مشوبة بتخفيف العقوبة و تقديم ضمانات المحاكمة العادلة لممثلي هذه الشريحة. و إذا كان لنا من رأي أمام مثل هذا الإشكال، فإن الذي نستطيع أن نقطع فيه هو أن القانون الدولي الجنائي، قد أعفى نفسه بموجب نص المادة 26 من قانون روما من متابعة و محاسبة هذا النوع من الأفراد على أن، الذي يمكن أن يجيب عن فرضية الفراغ القانوني المستنتج من نصوص معاهدة جنيف الثالثة و الرابعة و بروتوكولاتها الاختيارية، إنما هو التزام الأطراف الموقعين و المصادقين على تلك الاتفاقيات بتطبيق النصوص الداخلية في المادة الجنائية، عندما يثبت تورط الأطفال في أعمال ذات صلة بالنزاعات الدولية دون الدخول في تحديد الطبيعة القانونية للجريمة من حيث كونها إبادة أو جريمة مرتكبة ضد الإنسانية أو جريمة حرب. و مما لا شك فيه أنه من الناحية الشكلية و استنادا إلى المادة 26 من معاهدة فيينا لعام 1969، فإنه يتعين على الأطراف التي تذكر بعض المراجع أن عددها وصل إلى 194 دولة سنة 2009، كدول موقعة و مصادقة على اتفاقيات جنيف الأربعة المؤرخة يوم 12/08/1949، أن تنفد الالتزامات المعبر عنها بحسن نية تطبيقا لقاعدة SAN SERVANDA  سان سرفاند.

صفوة القول : إن المسؤولية الجنائية الدولية المبحوث عنها بين ثنايا المطلب الحالي يمكن القول عنها أنها منعدمة بالنسبة لأحكام القانون الدولي الجنائي فيما يخص عموم الأطفال الذين لم يتجاوزا عمرهم سن الثامنة عشرة، غير أن فرضية أن يقوم ضد هؤلاء الأطفال ما يمكن وصفه بموجبات الاتهام بناءا على أحكام القانون الجنائي منظورا إليه بصفته القانون الواجب التطبيق على المستوى الوطني مند أن يبلغ المشتبه فيه سن الخامسة عشر أو حتى ما قبلها، تظل قائمة، شريطة أن يتم الحديث عن أهلية جنائية داخلية تتوافق مع مقتضيات المتابعة كأن يتعلق الأمر بالحديث عن سن الثالث عشر كما هو الشأن بالنسبة للجزائر بمناسبة التطرق إلى سن التمييز الجنائي أو سن 12 سنة كما هو الحال بالنسبة للمغرب طبقا لنص المادة 516 من المسطرة الجنائية المغربية. و لعل الجدل الذي بدأ في أعقاب انتشار الوسائط التكنولوجية الحديثة بخصوص ارتفاع مستوى الإدراك بالموازاة مع ارتفاع مستوى الخطورة الجنائية للأحداث من شأنه أن يقنع الهيئات التشريعية بإعادة النظر ليس فقط في الحديث عن الأهلية الجنائية، بل لعل الأمر قد يصل إلى حد التخفيض حتى من سن التمييز الجنائي بدليل ما شهدته المملكة المغربية من نقاش حول هذه المسألة، ما يزال مستواه لم يتجاوز المخاض(10). مثل هذا المخاض كالمخاض الذي عرفته الدورة الخريفية للبرلمان الجزائري المختتمة يوم 02/02/2014 ، أين تمت مناقشة مشروع تعديل قانون العقوبات و الإجراءات الجزائية في أعقاب تقديم الحكومة مشروعا لتخفيض سن التمييز الجنائي للأطفال إلى غاية العشر سنوات غير أن نواب الهيئة التشريعية سرعان مااعترضوا على ذلك .(11)

   المبحث الثاني : النزاعات المسلحة كمحيط لإقحام الأطفال فيه

مما لا شك فيه أن النزاعات المسلحة ببعدها الدولي و الأهلي، إنما تقوم بغية حصد مصالح و جني ثمار، يخطط لها عموما العاملون بين صفوف القوات المسلحة للدول، أو ما يعرف بالجماعات المتمردة بصرف النظر عما إذا كنا نصفها بالثورية أو بنعت حركات التحرر أو حتى بلون الجماعات الإرهابية. و كيف ما كان الوضع بالنسبة لمن يقوم بتدبير هذه النزاعات، و العمل على إطالة أمدها و تنفيذ مخططاتها،فإن الثابت، إنما هم الراشدون بعيدا بالقطع عن أي دور من الممكن إسناده على المستوى القيادي للأطفال موضوع مقالا الحالي. و عليه فأن المبحث الحالي سيحاول أن يقف على مفهوم النزاع المسلح باعتباره الفضاء الذي تدور فيه أعمال تمس الأطفال سواءا باستدراجهم للعمل في نطاق هذه النزاعات أو الاعتداء عليهم بمناسبة اشتعال هذه النزاعات وذلك من خلال المطلب الأول، لنخلص في المطلب الثاني إلى وضع أيدينا على الجوانب الحمائية التي يضمن من خلالها القانون الدولي الإنساني حقوق الأطفال باعتبارهم ضحايا للنزاعات المسلحة.

المطلب الأول: مفهوم النزاعات المسلحة الدولية و الأهلية

رغم تداول كثير من العاملين في حقل القانون الدولي مصطلح القانون الدولي للنزاعات المسلحة، إلا أن المتمعن فيما يذهبون إليه يجد نفسه أمام ملامسة تكاد تجعل موضوع القانون الدولي للنزاعات المسلحة من حيث القواعد، مسألة متماهية مع الجوانب المعرفية التي يروم تحقيقها إنتاج قواعد باتت تعرف بمكونات القانون الدولي الإنساني. و سواءا أنالت هذه الملاحظة بعض التأييد أو كله فإن الثابت هو أن الحديث عن النزاعات المسلحة يمكن أن يعود بنا إلى غابر الأزمان و العصور من عهد حمو رابي و الحضارات الإغريقية و الرومانية و كذا الحضارة الإسلامية قبل الوصول إلى ما يعرف بعهد النهضة، أين تم تسجيل إقرار المجموعة البشرية و اعترافها بسيطرة غريزة قهر القوي للضعيف، على أن هذا الآمر جعل يعرف مع مضي الوقت سعيا إلى وضع محددات لاستعمال القوة في نطاق العلاقات الإنسانية. و هكذا حدث أن عرف العالم في أوقات سابقة مصطلحات من قبيل الحرب العادلة و معاني الفروسية و النبل وألفاظ من قبيل الرحمة بالأسرى، إلى أن تمت الدعوة خلال ما كان يعرف بعهد الأنوار إلى ضرورة التفريق بين من يسمون بالمقاتلين و غير المقاتلين.

إن التقاطع الذي جعلنا نقرر وجود تماه كبير بين النزاعات الدولية و قواعد القانون الدولي الإنساني، مرده لكون قواعد هذا القانون إنما جيئ بها أساسا مند أحداث معركة سولفيرينو بايطاليا يوم 24/06/1859، بعد أن عاين السويسري هنري دونان عدد القتلى و الجرحى الذين كانوا يحسبون بعشرات الآلاف و كتب في المسألة كتابه الأشهر المعنون "تذكار سولفرينو" طبعه في مستهل الستينيات من القرن التاسع عشر في مدينة جنيف، حيث جعل يرسل به إلى مختلف ملوك و زعماء القارة العجوز. هذا و مما يذكر أن كتاب السويسري دونان هو الذي يعد بلا منازع حجرة الزاوية في صناعة القانون الدولي الإنساني الذي رافق بعثه خلق اللجنة الدولية للصليب الأحمر سنة 1864(12).

إن القانون الدولي الإنساني الذي جاء ليلعب دور الطبيب الآسي للأدواء المنبجسة من عمليات النزاعات الدولية قد كرسه عدد هائل من المؤتمرات و المعاهدات، عند تعدادها لا يمكن تصور أنها تقل عن ثلاثين مصدرا بما في ذلك قواعد الحرب البرية التي انتظمتها اتفاقيات لاهاي الخمسة عشر المبرمة بين سنة 1899 و 1907، فضلا عن المعاهدات المبرمة بمدينة جنيف يوم 12 أوت 1949 و ما لحقها من بروتوكولات اختيارية و إضافية سنة 1977. هذا ولا تفوتنا الملاحظة للقول ها هنا بأن بعض الكتاب عندما يستعرضون قواعد القانون الدولي الإنساني أو ما يسميه غيرهم بقواعد القانون الدولي للنزاعات المسلحة، سرعان ما يجنح بهم الخيال ليتحدثوا عن معاهدات من قبيل معاهدة منع الأسلحة الكيميائية المبرمة في باريس يوم 13/01/1993 ،أو معاهدة منع الألغام المضادة للأفراد المبرمة يوم 07/12/1997 بمدينة أوتاوة الكندية ، الشيء الذي نسجل اعتراضنا عليه على أساس أن ثمة فرعا أخر من فروع القانون الدولي الذي صار يعرف باسم القانون الدولي لنزع السلاح، الذي نقدر أنه الإطار الأنسب الذي تسع فضاءاته مسألة التطرق لمنع هذا السلاح أو ذاك بصرف النظر عما إذا كان هذا السلاح تقليديا، أو أنه من مشمولات أسلحة الدمار الشامل. بل إن الخلط الذي لا نفتأ نصادفه عند تعريف موضوعات النزاعات الدولية المسلحة قد بات يصل فيه الأمر عند تعداد مصادر هذا الفرع من فروع القانون الدولي،قد وصل إلى حد باعتبار معاهدة روما المنشئة للمحكمة الدولية الجنائية سنة 1998، معاهدة تندرج في نطاق مصادر القانون الدولي للنزاعات المسلحة، الأمر الذي نعتقد أنه مجانب للصواب على أساس أن إنشاء هذه المحكمة الجنائية الدولية الدائمة و غيرها من المحاكم الجنائية الدولية الخاصة، إنما يكون موطنه الطبيعي فرع أخر من فروع القانون الدولي العام يحمل اسم القانون الدولي الجنائي. ذلك أن موضوع النزاعات الدولية في واقع الحال هو اقرب إلى موضوعات حروب التحرير الوطنية، و مصطلح النزاع الداخلي المدول ، إلى جانب ما بات يعرف بالنزاع المسلح غير الدولي. و لما كان موضوع حرب التحرير الوطنية و الحرب الداخلية المدولة لا يلتصق شديد الالتصاق بموضوع البحث الحالي، فإننا نقتصر في الحديث عن موضوع النزاعات المسلحة غير الدولية باعتبارها تمثل المفهوم المخالف لفكرة النزاعات الدولية المسلحة. و في هذا السياق يحسن بنا أن نستعير ما ذهب إليه الأستاذ بازغ عبد الصمد عندما يقول: تعد النزاعات المسلحة غير الدولية، قديمة قدم الدولة فهذه الأخيرة، كثيرا ما تجد نفسها في نزاع مسلح داخلي، تغذيه أسباب عديدة، أو حرب أهلية تهدف إلى القضاء على النظام القائم و تغييره بأخر، أو نزاع مسلح بين جماعتين متعارضتين أو أكثر، تريد الوصول إلى سدة الحكم، و غيرها من النزاعات المسلحة غير الدولية، التي تختلف صورها و تتعدد ولكنها تشترك في الوحشية و ثقل الحصيلة من الضحايا، التي عادة ما تخرج بها هذه النزاعات، نظرا لطبيعة الخاصة التي تتميز بها، من معرفة المقاتلين لبعضهم البعض، و الحقد الذي يكنه كل طرف للأخر، و الاعتماد في القتال على حرب العصابات و الشوارع في اغلب الأحيان، إضافة إلى مشاركة من العسكريين و المدنيين فيها، مما جعل جبهاتها غامضة المعالم، و التمييز بين المقاتلين و غير المقاتلين أمرا بالغ الصعوبة، فيكون المدنيون الأبرياء أول ضحاياها، و النتيجة في الأخير، انهيار مؤسسات الدولة، و انتشار العنف و الفوضى، و السرقات وهي الحقيقة التي أكدتها عدة حروب داخلية، اتخذت في الغالب شكل الحروب الدينية أو العرقية، و انطوت على عنف و قسوة غير مألوفة، مثلما حدث على سبيل المثال في الحرب الأهلية الأمريكية (1865-1861)، الجزائر و الصومال، رواندا و هايتي في تسعينيات القرن الماضي و غيرها من دول العالم، التي أصبحت و للأسف احد ملامحها الرئيسة عدم الاستقرار السياسي و الصراع على السلطة. و على الرغم من قدم ظاهرة النزاعات المسلحة غير الدولية و فداحة خسائرها، و كثرة انتشارها إضافة إلى تعدد صورها، إلا أن المجتمع الدولي لم يعطها حقها من التنظيم الدولي، ذلك أن هذا الأخير جاء من جهة ضئيلا وشحيحا من حيث نصوصه إذ لا يكفي لضمان الحماية اللازمة لضحايا هذه النزاعات مقارنة بالتنظيم الدولي المكفول للنزاعات المسلحة الدولية(13).

إن الثابت أن الصور التي تم إخراجها من إطار التنظيم الدولي المتعلق بالنزاعات الدولية المسلحة لا تقل وحشية عن نظيرتها الموصوفة بإنها نزاعات اهلية او داخلية او نزاعات غير دولية،بدليل إنه ما بين عام 1816 و عام 1980 شهد العالم قرابة 106 حرب أهلية ذهب ضحيتها ملايين الأشخاص و ملايين الجرحى و المعاقين(14).

إن النزاعات المسلحة غير الدولية مصطلح حديث النشأة، لم يذكر كثيرا في كتب فقهاء القانون الدولي التقليدي أي أنه لم يكن موجودا قبل سنة 1949 بشكله الذي نعرفه به اليوم،غير أن هذا السكوت لا يعني أن مثل هذه النزاعات لم تكن موجودة، غاية ما في الأمر أن هذه النزاعات إنما كانت تأخذ تسميات مختلفة أخرى.فالذي حصل هو أن الفقهاء قبل هذا التاريخ يكونون قد اختلفوا في ايجاد تعريف لهذه الظاهرة على أنهم اتفقوا بخصوص تصنيف الظاهرة باعتبارها من صميم المسائل الداخلية للدولة. وهكذا: ظلت النزاعات المسلحة غير الدولية خارج إطار القانون الدولي، و ما يوفره من حماية دولية، مما جعل هذه النزاعات تسفر عن نتائج دموية بشعة و ماسي تفوق في بعض الأحيان النزاعات المسلحة التي تقوم بين الدول،بدليل أن ضحايا الثورة الروسية 1917، مثلا كانوا اكبر من ضحايا الحرب العالمية الأولى،أو ما تكبدته اسبانيا في الحرب الأهلية التي شهدتها عام 1936 من خسائر، قدرت بأنها أعظم من الحرب العالمية الأولى نفسها التي لم تشارك فيها.هذا، و للتخفيف من حدة هذه النزاعات ظهرت نظرية الاعتراف بالمحاربين، التي أدخلت النزاع المسلح غير الدولي في إطار القانون الدولي.

في هذا السياق يمكن القول بأن فقهاء القانون الدولي التقليدي،قد حاولوا الوصول إلى تعريف محدد للنزاع المسلح غير الدولي،و هكذا فإن الفقيه بوفندوف عرف هذه الظاهرة بأنها:( الحروب التي يكون فيها أعضاء المجتمع الواحد يتناحرون بينهم).بينما عرفها مارتي نز بأنها: ( الحروب التي تقوم بين أعضاء الدولة الواحدة). في حين ان الفقيه كالفو يكون قد عرفها بأنها: (تلك النزاعات التي تنشب بين المواطنين داخل الدولة الواحدة)، و أمام هذا، فإنه يمكننا القول، أن القانون الدولي التقليدي و ما يوفره من حماية، لم يكن لينشغل بمثل هذه النزاعات، غير أن انتشار هذه الحروب جعل هذا الأخير يراجع موقفه من خلال الاهتمام بهذه الظاهرة التي أدت نتائج التنظير لها إلى تطبيق أحكام قوانين الحرب على ما تعلق منها بالنزاعات الداخلية.بل إن فقهاء عصر التنوير أنفسهم كانوا قد تصدوا لمسألة الحروب الأهلية، مند أيام الفقيه فاتل و فرانسيس ليبر من خلال الاهتمام بدراسة ظاهرة النزاعات المسلحة غير الدولية و إخضاعها للقانون الدولي الذي كانت تنضوي تحت مقتضياته قواعد الحروب وأحكام السلم،التي شهدت مع مرور الوقت تطورا انتهى فيه الأمر إلى إقرار ما بات يعرف في أيامنا بقواعد القانون الدولي الإنساني الذي تضبطه احكام اتفاقية لاهاي و المعاهدات المبرمة في جنيف سواءا من حيث العناية بالوسائل المستعملة في الحرب أو ضحايا و اسرى النزاعات.

إن الوقوف في موضوع النزاعات المسلحة المتعلق أمرها بالأطفال، كما هو الشأن في هذا المطلب، يظل وقوفا قاصرا ما لم يحصل فيه استئناس برأي القانون الدولي من حيث مصادره. و هكذا فإنه بات من المتعين الرجوع إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة الموقع عليه 25/05/2000، والذي دخل حيز النفاذ في 23/02/2002 بعد استفاء صكوك التصديق الواجبة التوافر و المقررة في حدها الأدنى بعشر دول وفقا لنص المادة 10 من ذات البرتوكول المتضمن 13 مادة.

إن التأمل العميق في بنود البروتوكول المذكور يجعلنا نقرر أن السن الذي اختير كمرجع يعتد فيه بحماية الأطفال من عملية إشراكهم في النزاعات المسلحة، إنما هو سن الثامنة عشرة سنة، على أن الصياغة التي اعتمدها البروتوكول المذكور قد جاء فيها من بين ما فيها كون الألفاظ المنتقاة بالذات و كأنها من حيث الحجية لا تدخل ضمن قواعد جيسكو جانس التي يقوم عليها النظام العام بمنطق القانون الدولي، بدليل قول المادة الأولى من البروتوكول أنه على دول الأطراف أن تتخذ التدابير الممكنة عمليا لضمان عدم اشتراك أفراد قواتها المسلحة الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة من العمر اشتراكا مباشرا في الأعمال الحربية. من جهة أخرى يمكن فهم استعداد المجموعة الدولية من خلال نفس البروتوكول للتجاوز عن مثل هذه السن بالنسبة لأفراد القوات المسلحة التابعين للدول الأطراف، إذا ما كان هؤلاء الأطفال قد دخلوا عن طريق التطوع مع ما لكلمة التطوع من مرونة و زئبقية في التفسير، رغم أن هذا البروتوكول المذكور قد قام بتسييج فكرة التطوع تلك بجملة من الضوابط أشارة إليها المادة 03 منه، عندما اشترطة ضرورة إبلاغ الأطفال المتطوعين بما ينتظرهم من واجبات، و إبلاغ آباءهم أو أوصياءهم بالمهام المسنودة لهم، على أن النص الذي يستحق الوقوف عنده إنما هو نص المادة 04 التي أقرت عدم جواز استخدام الأطفال دون سن الثامنة عشرة ضمن المجموعات المسلحة. فرغم قول ذات النص بأن الدول التي توجد بها مثل هذه المجموعات، عليها أن تبذل الوسع في منع مثل هذا التطوع، إلا أننا نرى أن هذا النص يمكن وصفه بالأجوف و العديم الجدوى باعتبار أن هذه المجموعات من الناحية العملية يغلب عليها طابع الجماعات المتمردة أو الإرهابية التي لم يحدث أن اعترف بها القانون الدولي كشخص من أشخاصه المخاطبين بأحكامه، الآمر الذي يجعل الحديث عنها غير منتج من الناحية الفعلية طالما أنها ليست طرفا في أية معاهدة دولية سواءا تعلق الأمر باتفاقية حقوق الطفل أو بروتوكولها الاختياري الذي نحن الآن بصدده.(15)

المطلب الثاني: الطبيعة الحمائية لأحكام القانون الدولي الإنساني لدور الأطفال خلال الحروب

بعد أن يستبعد الأستاذ عبد الوهاب بياض من قائمة الأشخاص الواجبة حمايتهم من قبل أحكام القانون الدولي الإنساني، و الأمر متعلق بالجواسيس و المرتزقة، الذين يعتبرون في كل الأحوال غير مؤهلين للاستفادة من وصف المحاربين دون أن يعني ذلك أن إقصائهم من عالم القانون الدولي الإنساني، معناه ترك الأمور بدون ضبط ،بدليل أن نفس الأستاذ يقرر أن هذين الصنفين عند القبض عليهما يمكن اعتبارهما في حكم الأسرى لحين مثولهم أمام محكمة قضائية تفصل في طبيعة الأفعال المنسوبة إليهم، على أن شمولية التعامل معهم لا يمكن أن تنأى عن دلالات حقوق الإنسان . بعد أن يفرغ الأستاذ بياض من تحديد الطبيعة القانونية للجواسيس و المرتزقة، يعود بنا إلى تعريف فكرة الأشخاص الواجب حمايتهم بمقتضى أحكام القانون الدولي الإنساني، و هكذا يقرر أن المعنيين من الأفراد بالحماية طبقا لمقتضيات القانون الدولي الإنساني إنما هم الأشخاص المدنيون و المحاربون على حد السواء الذين يمكن أن يكونون إما مرضى أو جرحى أو غرقى، الشيء الذي يجعل الحق قائما لهم في العلاج و الاحترام و الحماية. و الواقع أن الأستاذ بياض يقر بأن ثمة صعوبة في تحديد المقصود بالمرضى و الجرحى على أنه يعترف بأن البروتوكول الأول قد اعتبر أن مجرد الكف عن القتال بمناسبة إصابة بدنية أو ذهنية و العجز عن المساهمة في الأعمال الحربية تكفي لتمكين هذا النوع من البشر من حق الحماية. في حين أن الغرقى إنما هم الأفراد المشرفون على الوفاة بمناسبة وجودهم في مناطق مائية بحرية أو نهرية أو حتى على ظهر سفينة أو باخرة أوشكت بمن فيها على الغرق في المساحة المائية أو البحرية التي تجتازها.(16)

أما الأستاذ ماريو بيطاطي فهو و بعد أن يقسم قواعد القانون الدولي الإنساني إلى قواعد قانونية ربطها بمدن لاهاي، جنيف، و نيويورك، يتطرق من جهته إلى من يستحقون وصف الأفراد الجديرين بحماية قواعد القانون الدولي الإنساني. و في هذا السياق يذكر أن معنى الأشخاص المستفيدين من أحكام هذا القانون إنما ينصرف لعموم الأفراد الموجودين على أقاليم الدول المتحاربة سواءا أكانوا وطنيين أو أجانب أو متمردين بصرف النظر عن دينهم أو لغتهم أو جنسهم أو عقيدتهم أو رأيهم السياسي أو ثروتهم أو ما سوى ذلك. هذا و قد أضاف الأستاذ بيطاطي بخصوص الأطفال باعتبارهم هم أيضا موضوعا للحماية بموجب القانون الدولي الإنساني قوله:

إنه و بالرجوع إلى أعداد الملايين من الأطفال المشردين أو الميتمين أو المعوقين أو المبعدين بمناسبة اشتعال النزاعات المسلحة الدولية و غير الدولية هنا و هناك. و بالرجوع إلى المجهودات المبذولة من اجل حماية أفراد هذه الفئة فإنه يمكن الاعتداد لما قررته أحكام الاتفاقية الرابعة لجنيف و بروتوكولها الأول لا سيما المادة 50 منه التي تدعو إلى ضرورة حماية الأطفال في أحوال الحرب و النزاعات المسلحة. و استمرارا في استعراض الجهد الدولي، لم يكن غائبا عن الأستاذ بيطاطي أن يشير إلى نص المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل المبرمة عام 1989 التي اعتنت أساسا بمسألة حماية الأطفال أثناء فترات الحروب. بل إن الأستاذ المذكور قد عاد بنا إلى مختلف التوصيات الصادرة عن الأمم المتحدة مند سنة 1974، و التي كان المجتمع الدولي خلالها قد دعا إلى الأخذ بأيدي الأطفال و أمهاتهم أثناء فترات السلم فضلا عن التوصيات المحررة من قبل الجمعية العامة تحت الأرقام 49/210-49/211-49/212 لسنة 1994 وكذا التوصيات من 50 إلى 53 لسنة 1995 إلى جانب التوصية رقم61 الصادرة عام 1997، كل ذلك مع تنويه بالمهام الموكولة لهيئة اليونيسيف الراعية على مستوى الأمم المتحدة لشؤون الطفولة أو الإشارة إلى أعمال بعض الخبراء من قبيل السيدة قارسيا ميشال المرفوعة في شكل خبرة إلى أعضاء اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 08 نوفمبر 1996. و مع كل ما تقدم فإن الأستاذ ماريو بيطاطي لم يجد غظاظة في القول بأن القانون الوضعي إجمالا لم يقم بالدور المنتظر منه في مجال حماية الأطفال. و لعل الرجل الذي انتهى إلى هذا الاستنتاج، لم يكن ليستثني من حكمه حتى مجمل أحكام و قواعد القانون الدولي الإنساني نفسه.(17)

إن الاطلاع على واحدة من المقابلات التي يحدث أن تجرى من قبل أعضاء لجان الصليب الأحمر الدولي العاملة في مجال حماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة من قبيل ما حصل على الإجابات التي قدمتها المستشارة كريستن بارستاد، يعطينا الانطباع بان الاستهجان الذي انتهى إليه الأستاذ ماريو بيطاطي يمكن أن يعاد فيه النظر، بالقياس إلى المجهودات المبذولة بعد قراءة ما أوردته المستشارة المذكورة.

إن المقابلة التي آجرتها السيدة كريستن بارستاد بمناسبة العيد العالمي لحقوق الإنسان سنة 2007 تكشف بأن دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قد بات دورا مفصليا في تتبع أحوال الأطفال أثناء النزاعات المسلحة. لقد كشفت الأستاذة المذكورة بأن لجنتها قد استطاعة أن تجمع ما بين الأطفال المبعدين و عائلتهم في الفترة الممتدة بين 2003 و 2006 بشكل يستحق التنويه به، بدليل أن رقم عمليات استرجاع هؤلاء الأطفال قد نيف على ستة الآلاف طفل، كما أن أعمال اللجنة قد طالت أيضا أطفالا مجندين في صفوف القوات المسلحة أو الجماعات المسلحة لا سيما في إفريقيا و أسيا أين تم تسريح أكثر من 1700 طفل مجند بسعي من اللجنة المذكورة.

أما دور الصليب الأحمر المتعلق بالأطفال الواقعين رهن الحجز الناجم عن عمليات الأسر خلال النزاعات المسلحة، فإنه يكمن في العمل على مراقبة أماكن تواجد هؤلاء الأطفال للبحث فيما إذا كانوا معتقلين مع الكبار من عدمه، ما لم يكن اعتقالهم مع الراشدين نافعا لهم، كأن يكونوا محتجزين إلى جانب أوليائهم. و مما لا شك فيهأن زيارة الأطفال المحتجزين يقصد منها التأكد من ظروف أسرهم و طبيعة الغذاء الذي يصلهم و التعليم الذي يعطى لهم و العلاج الذي يستفيدون منه مع تنبيه السلطات المعتقلة لهم بعدم جواز الحكم عليهم بالإعدام إذا ثبتت إدانتهم. و في كل الأحوال فإن اللجنة المذكورة تعكف إذا ما صدقنا المستشارة كريستن بارستاد على تـأمين الحقوق العامة للأطفال المشركين في النزاعات المسلحة باعتبارهم مدنيين أولا، فضلا عن ضمان حقوقهم الخاصة المقررة لهم بصفتهم أطفالا وذلك بموجب ما لا يقل عن 25 نص قانوني متاحة بمقتضى اتفاقيات جنيف الأربعة و ما لحقها من البروتوكولين الإضافيين. بل إن دور لجنة الصليب الأحمر تلك، إلى جانب عملية التحسيس و التوعية التي تقوم بها حيال السلطات التي يكون بين يديها مصير الأطفال المقحمين في النزاعات المسلحة، تعمل على تنوير هذه الأخيرة في مجال حضر تبني هؤلاء الأطفال من قبل من يريدون ذلك من الراشدين، على اعتبار أن هؤلاء الأطفال، تظل عائلتهم تبحث عنهم و إذا تعذر وجود هذه العائلات فإن اللجنة حرصا منها على مستقبلهم تنصح السلطات بإحالتهم إلى أقربائهم أو أناس يحملون نفس المضامين الثقافية و ينطلقون في حدود المستطاع من نفس مقومات البيئة السوسيولوجية.(18)

الخاتمة:

خلاصة القول و بعد استعراض المقصود بالطفل و دلالة النزاعات المسلحة دولية كانت أو أهلية. و بعد إحاطتنا المقتضبة بمضامين القانون الدولي الإنساني، نستطيع أن نقرر بأن الوضع الأكثر رجحانا لأحوال الأطفال أثناء النزاعات المسلحة، إنما هو ذلك الوضع الذي يطغى فيه عنصر الحماية و مركز الضحية، على عنصر المحارب و مركز المتهم. بل إن الذي نكون قد توصلنا إليه بموجب نص المادة 26 من قانون روما هو أن القانون الدولي الجنائي قد استبعد من يوجدون في مركز الأطفال، باعتبار هذا المركز مسقفا بسن الثامنة عشرة من أن يكونوا موضعا للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية.

إن تغليب مركز الضحية على موقف الجاني الذي رشح لدينا بموجب هذا المقال ينطبع باعتقادنا بفكرة التوجه الحمائي للطفل عموما، باعتباره غير كامل الوعي و الإدراك، على أن تطور الوسائط التكنولوجية الحديثة من قبيل الانترنت و ما سواها قد جعل بعض الحقوقيين يعتبرون أن الوقت قد حان لمراجعة ما يعرف بسن الأهلية الجنائية و التمييز الجنائي، رغم عدم الاستجابة الطوعية في الوقت الراهن لمثل هذا التوجه، غير أننا و على سبيل الاستشراف نزعم بأنه لن يمضي طويل وقت حتى تضطر البشرية للاعتراف بالنضج العقلي الذي توصلت إليه شرائح الأطفال في مستهل القرن الحالي. و القول بمثل هذا الاستشراف قد يجد مناطه فيما ستكشف عنه الإحصائيات مستقبلا من الجرائم التي يكون فاعلوها أو المشاركون فيها أطفالا دون الثامنة عشرة. و إذا صح مثل هذا التنبؤ فإن زلزالا قانونيا ستصيب ارتداداته حتما أحكام المادة 26 من قانون روما و كذا المادة الأولى من اتفاقية حقوق الطفل فضلا عن المادة الأولى من البروتوكول الاختياري المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة الذي وقفنا عنده من خلال المبحث الثاني من هذه الدراسة.

صحيح أن اقتناع الفقه بعمليات التقنين التي تطال فروع القانون الدولي بما فيه الإنساني منه، مسألة وئيدة، إلا أن الذي يبرر طمع هذا النوع من الفقه في تحسين الوضع الصناعي للقانون الدولي الإنساني إنما هو وجود بعض الملامح التي تعطي الانطباع بأن ثمة تناقضا كالقول ضمنيا بوجود اعتراف بالأطفال المشركين في القوات المسلحة على سبيل التطوع وهم بعد أطفال لم يتجاوزوا سن الثامنة عشرة أو القول بوجود مكنة لتضييق الخناق على الجماعات المسلحة عندما تجند بين صفوفها من هم دون سن الثامنة عشرة، غير أن الذي يدعو إلى شيء من التفاؤل، ما تقوم به مختلف المنظمات غير الحكومية من جهد مشكور في سبيل الدفاع عن الأطفال المشركين في النزاعات المسلحة، بدليل ما كنا قد وقفنا عنده بمناسبة سعينا إلى تتبع نشاط اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي. و مهما يكن من أمر فإن القانون الدولي الإنساني على غرار غيره من قواعد القانون الدولي الوضعي إنما هو قانون حديث النشأة، حسبه أنه استطاع أن يتضمن أزيد من ثلاثين نصا في زمن قياسي، الشيء الذي يعزز من فرضية قابلية نصوصه إلى التزود بمزيد من الأحكام، التي تمليها عمليات التحول السوسيولوجي و البسيكولوجي ناهيك عن مستوى التطور الإجرامي الذي يتعين التصدي له مستقبلا بعد المراجعة المتيقن منها لسن الأطفال المقحمين في عالم النزاعات الدولية المسلحة، والقول بأهلية جنائية جديدة.

الهوامش:

[1]- بلقاسم سويقات، الحماية الجزائية للطفل في القانون الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرباح ،ورقلة ،2012 ، ص 13.

2 بلقاسم سويقات، المرجع السابق ، ص 14.

3 بلقاسم سويقات، المرجع السابق ، ص 15.

4قاضي هشام، موسوعة الوثائق الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان، الوثائق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان التي تم تبنيها في الأمم المتحدة، دار المفيد للنشر و التوزيع 2010 ، ص 46 و ما يليها.

5قاضي هشام، نفس المرجع، ص 62 .

6قاضي هشام، موسوعة الوثائق الدولية المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، الوثائق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان التي تم تبنيها في الأمم المتحدة، دار المفيد للنشر و التوزيع 2010 ، ص 193 و ما يليها.

7نصر الدين بو سماحة، المحكمة الجنائية الدولية، شرح اتفاقية روما مادة مادة ،الجزء الأول، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع الجزائر ، 2008، ص 196 .

8 الأستاذ علي يوسف شكري، القانون الجنائي الدولي في عالم متغير،الطبعة الأولى، ايتراك للطباعة و النشر و التوزيع، مصر،2005، ص 134 و ما يليها .

9أ. د. شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية ، نشأتها و نظامها الأساسي مع دراسة لتاريخ لجان التحقيق الدولية و المحاكم الجنائية الدولية السابقة، مطابع روز اليوسف الجديدة، 2002، ص 298 .

10- news.ainfekka.com/index.php/2009/11

11- وكالة الأنباء الجزائرية.

12MICHEL DEYRRA; L'essentiel du droit des conflits armés; Gualino éditeur; paris;2002 p:10 .

13 بازغ عبد الصمد، مقال في حوار المتمدن يوم 03/02/2012.

14 بازغ عبد الصمد، نفس المرجع السابق.

15 قاضي هشام، موسوعة الوثائق الدولية المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، المرجع السابق ص 343 و ما يليها .

16 Abdelwahab Biad; Droit international humanitaire ;ellipses édition marketing 1999;p:45-46.

17 MARIO BETTATI. Droit humanitaire; éditions du seuil mars 2000;p:31 et 65 .

18 مقابلة مع المستشارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر السيدة: كريستن بارستاد، حول حماية الأطفال في النزاعات المسلحة ،17/12/2007.http://www.icrc.org/ara/resources/documents/interview/children-interview

المراجع:

1)- الكتب باللغة العربية

1-     قاضي هشام، موسوعة الوثائق الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان، الوثائق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان التي تم تبنيها في الأمم المتحدة، دار المفيد للنشر و التوزيع 2010.

2-   قاضي هشام، موسوعة الوثائق الدولية المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني، الوثائق الدولية الرئيسية لحقوق الإنسان التي تم تبنيها في الأمم المتحدة، دار المفيد للنشر و التوزيع 2010.

3-     نصر الدين بو سماحة، المحكمة الجنائية الدولية، شرح اتفاقية روما مادة مادة ،الجزء الأول، دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع الجزائر ، 2008.

4-     الأستاذ علي يوسف شكري، القانون الجنائي الدولي في عالم متغير،الطبعة الأولى، ايتراك للطباعة و النشر و التوزيع، مصر،2005.

5-   أ. د. شريف بسيوني، المحكمة الجنائية الدولية ، نشأتها و نظامها الأساسي مع دراسة لتاريخ لجان التحقيق الدولية و المحاكم الجنائية الدولية السابقة، مطابع روز اليوسف الجديدة، 2002.

2)-الرسائل العلمية:

1-     بلقاسم سويقات، الحماية الجزائية للطفل في القانون الجزائري، رسالة ماجستير، جامعة قاصدي مرباح ،ورقلة ،2012.

3)- الكتب باللغة الفرنسية:

1-       MICHEL DEYRRA; L'essentiel du droit des conflits armés; Gualino éditeur; paris;2002.

2-       Abdelwahab Biad; Droit international humanitaire ; ellipses édition marketing 1999.

3-       MARIO BETTATI. Droit humanitaire; éditions du seuil mars 2000.

4)- المواقع الالكترونية:

1-     المجلة الالكترونية عين الفقه .

. ttp://news.ainfekka.com/index.php/2009/11

2-     وكالة الأنباء الجزائرية، الخميس 5 كانون الأول (ديسمبر) 2013.

http://www.aps.dz/spip.php?page=article&id_article=134455

3-مقابلة مع المستشارة اللجنة الدولية للصليب الأحمر السيدة: كريستن بارستاد، حول حماية الأطفال في النزاعات المسلحة ،17/12/2007            http://www.icrc.org/ara/resources/documents/interview/children-interview-