حماية المستهلك من خلال الالتزام بالإعلام العقديpdf

 

               أ. أحمد خديجي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

Résumé : 

Le déséquilibre qui existe entre la position économique de l’agent économique d’une part et le consommateur d’autre part, est le produit des changements économiques et des mutations sociales ainsi que des progrès  scientifiques et technologiques.

Et dans le but de protéger la volonté du consommateur, lorsqu’il s’apprête à contracter en l’absence d’informations importantes et influentes sur les marchandises et services objets du contrat, qui sont nécessaires à la validité du consentement requis pour former cette volonté, il est devenu nécessaire pour nous de préciser le contenu de ces informations, et c’est ce que l’on appelle l’obligation de l’information contractuelle.

Pour cela la doctrine variée, a progressé dans la détermination de la notion d’obligation , certains considèrent qu’il s’agit d’une obligation antérieure à l’établissement du contrat et qui concerne l’obligation de l’un des contractants de présenter à l’autre contractant , les informations nécessaires lors de l’établissement du contrat à l’effet d’arriver à un consentement régulier et total basé sur une connaissance suffisante des détails de ce contrat en raison des circonstances et considérations définies se rapportant à la nature ou l’objet du contrat ou à la qualité de l’une des parties .

Une autre partie de la doctrine l’a défini comme étant l’avis ou l’information émanant du demandeur de contrat susceptible d’éclairer sur un fait ou un élément du contrat pour permettre à l’autre demandeur de prendre en connaissance de cause la décision qui convient.

En raison de cette discordance dans la définition de la notion  de l’obligation, il est nécessaire de définir ses caractéristiques et cela en définissant les parties de cette obligation, le moment et la nature de l’obligation, son contenu et son mode d’exécution.

Summary:

      The imbalance between economic agent  and   consumers  , is the product of economic change and social as well as scientific and technological progress mutations.

And in order to protect the consumer's willingness , as he prepares to contract in the absence of important and influential information on goods and services covered by the contract , which are necessary for the validity of the consent required to form , it became necessary for us to clarify the content of such information, and that is what is called the obligation of the contractual information .

For this varied doctrine grew in determining the notion of obligation , some consider it as an obligation prior to establishing the contract and regarding the obligation of one of the contractors present in the other Contracting State , the necessary information when making the contract for the purpose of arriving at a fair and full consent based on adequate knowledge of the details of this contract because of the circumstances and considerations relating to defined nature or purpose of the contract or the quality of one of the parties .

Another part of the doctrine was defined as advice or information from the applicant's contract likely to illuminate a fact or an element of the contract to enable the applicant to take another knowingly the appropriate decision .

Because of this discrepancy in the definition of the notion of obligation , it is necessary to define its characteristics and this by defining parts of this obligation, the timing and nature of the obligation, its content and mode execution.

مقدمة :

إن التقـدم الصناعي والتقني الذي صار يطبع مختلف المنتجات والخدمات، وما واكبه من تطـور لفن التعاقد، رتب جملة من التعقيدات القانونية باعدت الهوة بين العـونالاقتصادي صاحب الخبرة والاحتراف وبين المستهلك البسيط. ولتدارك هـذه الفجوة ألزم المشرع العون الاقتصادي بمصارحة المستهلك بالمعلومات اللازمة لتبصيره وجعله على بينة من أمره عند اتخاذ قراره بالتعاقد، وذلك من خلال ما بات يعرف بالالتزام بالإعلام.

ويعد القانون رقم 04-02 المؤرخ في 23 يونيو 2004 المحدد للقواعد المطبقة على الممارسات التجارية من أهم النصوص التي كرس من خلالها المشرع الإلتزام بالإعلام كوسيلة لحماية الطرف الضعيف وتعزيز الشفافية في المعاملات، لاسيما المادة الثامنة منه التي تلزم " البائع قبل اختتام عملية البيع بإخبار المستهلك بأي طريقة كانت وحسب طبيعة المنتوج، بالمعلومات النزيهة والصادقة المتعلقة بمميزات هذا المنتوج أو الخدمة وشروط البيع الممارس وكذا الحدود المتوقعة للمسؤولية التعاقدية لعملية البيع أو الخدمة ".

وفي ضوء هذه المادة نرصد مدى ما يوفره الالتزام بالإعلام العقدي من حماية للمستهلك، وذلك من خلال التعرض لمفهوم هذا الالتزام (أولا) ثم خصائصه (ثانيا).

أولا- تعريف الالتزام بالإعلام العقدي :

يعرف بعض الفقه الالتزام بالإعلام بأنه التزام سابق على التعاقد، بموجبه يلتزم أحد المتعاقدين بأن يقدم للمتعاقد الأخر عند تكوين العقد البيانات اللازمة لإيجاد رضا سليم كامل متنور، يجعله على علم بكافة تفصيلات هذا العقد، وذلك بسبب ظروف واعتبارات معينة قد ترجع إلى طبيعة العقد أو صفة أحد طرفيه أو طبيعة محله أو أي اعتبار أخر يجعل من المستحيل على احدهما أن يلم ببيانات معينة، أو يحتم عليه منح ثقة مشروعة للطرف الأخر، الذي يلتزم بناء على جميع هذه الاعتبارات بالالتزام بالإدلاء بالبيانات1.

كما عرفه البعض الآخر2 بأنه تنبيه أو إعلام طالب التعاقد بصورة من شأنها إلقاء الضوء على واقعة ما أو عنصر ما من عناصر التعاقد المزمع إقامته حتى يكون الطالب على بينة من أمره ، بحيث يتخذ القرار الذي يراه مناسبا في ضوء حاجته وهدفه من إبرام العقد.

 والملاحظ على جل التعريفات الواردة في الالتزام بالإعلام العقدي أنها استخدمت الألفاظ متعددة للدلالة على ما يقدمه أحد المتعاقدين للأخر من معلومات، فبالإضافة للإعلام استخدمت مصطلحات كالإفضاء، التبصير، النصح، في حين اختار البعض عبارات دالة على هذا الالتزام مثل الإدلاء بالبيانات، تقديم المعلومات، وكما تعددت المصطلحات الدالة على هذا الالتزام لدى الشراح الفرنسيون  (Renseignement  ، Information  ،  Conseil...)3.

وعلى الرغم من تمييز بعض الشراح بين هذه الألفاظ، سواء من حيث علاقتها بشدة هذا الالتزام أو طبيعته (إيجابي أو سلبي) أو معياره (موضوعي أو شخصي) إلى غير ذلك من أوجه الاختلاف، إلا أن البعض الأخر يرى أن هذه الألفاظ ما هي إلا مترادفات لبعضها، والاختلاف بينها مجرد اختلاف لغوي أو نظري لا يرقى لدرجة التمييز بينها، بالنظر لما بينها من تداخل و ترابط، من هنا يرى جانب من الفقه أن هذه العبارات والألفاظ لا تقتضي وجود التزامات متعددة، وإنما تفضي إلى التزام واحد يستهدف تحقيق غاية واحدة، هي أن يتعاقد الشخص عن بصيرة تجعل رضاه حرا مستنيرا على نحو أفضل، وتجعل التعاقد قائما على مزيد من الثقة المشروعة بين الأطراف4.

أما فقهاء الشريعة الإسلامية فقد عالجوا الالتزام العقدي بالإعلام من خلال حديثهم عن التدليس، حيث ذهب أكثرهم إلى تعريف التدليس بأنه "كتمان عيب السلعة عن المشتري"5.

ومع ذلك فان هذا التعدد الاصطلاحي قد ألقى بضلاله على تعريف الفقهاء لهذا الالتزام، فضلا عن تباين الجوانب التي ينظر إليه من خلالها، فهناك من تأثر بأصل هذا الالتزام متمسكا بالتفرقة اللفظية بين الإعلام والإخبار على أساس أن الأول ذو أصل قانوني والثاني ذو أصل قضائي، ومن ثم يعرف الإعلام بأنه "الواجب الضمني الذي أوجده القضاء والذي بمقتضاه يلتزم الطرف الأكثر تخصصا والأفضل معرفة بإبلاغ الطرف الأخر بالبيانات المتعلقة بموضوع العقد"6. في حين يعرف الإخبار بأنه "واجب فرضه القانون لاسيما على بعض البائعين المهنيين أو المؤسسات بتقديم معلومات عن موضوع العقد أو العملية العقدية التي سيواجهونها بوسائل مناسبة وبيانات إخبارية أو إعلانية"7، إلا أن هذا التمييز الذي تبناه بعض الشراح في فرنسا كان محلا للنقد، من حيث أن هذا التأصيل ليس دقيقا بل الالتزامين لهما نفس الأصل ومضمونهما متماثل إلى حد كبير، إذ المقصود من كل منهما إبلاغ الطرف الأخر بعنصر موضوعي يتمثل في معلومات مجردة.

 في حين ركزت تعريفات أخرى على صفات وخصائص الشيء محل التعاقد، ويتجلى ذلك خصوصا بشأن المنتجات الخطرة التي تتطلب تنبيه المتعاقد إلى كل المخاطر التي قد تنجم عنها وذلك ببيان كيفية استعمالها والتحذير من كافة مخاطرها.

أما الالتزام بالإعلام العقدي في ضوء المادة 8 من القانون 04-02، فيمكن تعريفه بأنه "التزام قانوني يسبق اختتام عملية البيع يقوم بموجبه العون الاقتصادي البائع (المدين) بإخبار المستهلك (الدائن) حسب طبيعة المنتوج أو الخدمة محل البيع بالمعلومات النزيهة والصادقة المتعلقة  بمميزات هذا المنتوج أو الخدمة وشروط البيع الممارس وكذا الحدود المتوقعة للمسؤولية التعاقدية لعملية البيع" .  

ثانيا- خصائص الالتزام بالإعلام العقدي:

 من خلال التعريفات السالف ذكرها فإن الالتزام بالإعلام العقدي يجد مجاله الطبيعي في المرحلة السابقة على نشوء العقد، وهي مرحلة ميلاد الرضا وتصحيحه، ولا ينبغي أن يكون الوفاء به سابق على التعاقد بفترة طويلة، وهو التزام قانوني يجد مجاله في مبدأ حسن النية قبل أو أثناء التعاقد، كما يستمد وجوده من مبادئ الشريعة الإسلامية التي تحث على التزام جانب الصدق والأمانة في المعاملات بما يشمل واجب النصيحة وعدم الغش.

هذا وتتجلى الخصائص التي تميز الالتزام بالإعلام العقدي من خلال كل من المدين والدائن به، بالإضافة لوقته ومحله مضمونه وكذا طبيعته وطريقة تنفيذه .                                                              

1- المدين بالالتزام بالإعلام العقدي : تجدر الإشارة إلي أن الحديث عن المدين بالالتزام بالإعلام العقدي يثير في الواقع تساؤلات ثلاثة:                        

أولهــا: يدور حول تحديد ومعرفة الطرف الذي يلزم به من بين طرفي العقد المزمع إبرامه، هل هو طرف معين بالذات من بينهما يحتل دائما وفي جميع الأحوال مركز المدين بهذا الالتزام في مواجهة الطرف الأخر، أم أن مركز المدين بالالتزام بالإعلام العقدي مركز موضوعي غير مقصور على طرف محدد بذاته بصفة مطلقة، يحتله ويلتزم به الطرف الأكثر خبرة ودراية بمحل العقد، والذي يحوز بحكم خبرته كافة المعلومات الجوهرية المتصلة بالعقد المراد إبرامه أيا كان مركزه في العقد.

ثانيهــا: هل يمكن أن يشغل طرفا العقد المراد إبرامه مركز المدين بالالتزام بالإعلام العقدي في وقت واحد، فيلتزم به كل طرف تجاه الآخر بشأن ما يحوزه من معلومات جوهرية تتصل بالعقد المزمع إبرامه ؟

ثالثهــا: يثور التساؤل حول إمكانية تصور التزام الغير الذي ليس طرفا في العقد المراد إبرامه بالالتزام بالإعلام العقدي في مواجهة أحد طرفي العقد أو كليهما8.

بالنسبة للتساؤل الأول، يذهب رأي في الفقه الفرنسي إلى أنه لا يلزم أن يقع الالتزام بالإعلام العقدي على عاتق طرف معين بالذات من طرفي العقد، فلا يشترط في عقد البيع أن يلتزم به البائع دائما في مواجهة المشتري، فقد يحدث العكس حيث يلتزم به المشتري في مواجهة البائع بوصفه الأكثر دراية وخبرة، فالالتزام بالإعلام العقدي يفرض على عائق الطرف الخبير المهني أو المحترف باعتباره الحائز للمعلومات الجوهرية المتصلة بالعقد المراد إبرامه، وذلك أيا كان مركزه أو صفته في العقد، أي سواء أكان هو المتصرف أو المتصرف إليه9.

واستنادا إلى هذا الرأي فليس ثمة ما يمنع فرض هذا الالتزام على عاتق طرفي العقد المزمع إبرامه، فيحتل الواحد منهما مركزي الدائن والمدين بهذا الالتزام في مواجهة الطرف الآخر، مادام كل طرف يحوز معلومات جوهرية متصلة بالأداء الذي سيقدمه يجهلها الطرف الأخر، فيطالب كل طرف ببذل هذه المعلومات إلى الآخر، بحيث يصير كل واحد منهما دائنا ومدينا بالإعلام. وهذا الفرض يمكن تصوره في عقد المقايضة، حينما يصعب على كل طرف من طرفي العقد الاستعلام بوسائله الخاصة عن المعلومات الجوهرية المرتبطة بمحل العقد10.

أما التساؤل الأخير فقد تناولته نصوص الشريعة الإسلامية، حيث جاء في الحديث الشريف أن "البيّعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركت بيعهما"، ولم تقصر الشريعة نطاق هدا الالتزام على طرفي العقد فقط، بل أوجبته أيضا على عاتق كل شخص من الغير حاز معلومة تهم طرفي العقد أو أحدهما، وعلم بحاجتهما أو حاجة أحدهما إليها، وذلك عملا بقوله صلى الله عليه وسلم "لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بيّن ما فيه ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه"، فهدا الحديث صريح في دلالته على أن الالتزام بالإعلام لا يقع في مجال البيع على عاتق من يبيع فقط، بل ويلتزم به أيضا كل أحد يعلم بهذا البيع.                                

2- الدائن بالالتزام بالإعلام العقدي : من المعلوم أن الالتزام بالإعلام العقدي التزام قصد به الحد من اختلال التوازن بين الراغبين في إبرام العقود في مستوى الدراية والمعرفة بجوانب العقد ومشتملاته، فالدائن بهذا الالتزام هو عادة شخص بسيط ساذج لا تتوفر لديه مقومات الخبرة والدراية اللازمين للعلم والإحاطة بالمعلومات الهامة والضرورية المرتبطة بما يقدم على إبرامه من عقود، كما أنه يفتقر إلى الوسائل اللازمة للاستعلام عن مثل هذه المعلومات، أو تتوافر لديه أسباب ومبررات شخصية أو موضوعية تسوغ له عدم الاضطلاع بواجب التحري والاستعلام.

وبالرجوع إلى المادة 8 من القانون 04-02 نجدها عبرت على المدين بالإلتزام بـ "البائع"، والمقصود بالبائع هنا العون الاقتصادي حال كونه بائعا لسلع أو خدمات، وذلك انطلاقا من النطاق العام لتطبيق القانون رقم  04-02 باعتباره يخص علاقة الأعوان الاقتصاديين فيما بينهم و علاقة هؤلاء والمستهلكين11. كما أن هذا التفسير يتماشى مع كون العون الاقتصادي هو شخص مهني يفترض علمه بالسلع أو الخدمات التي يسوقها من حيث مكوناتها وخصائصها وكيفية استعمالها والأخطار التي تحيط بها خصوصا إذا كان العون الاقتصادي هو المنتج ذاته، كما أن العون الاقتصادي هو الذي يحدد بنود العقد وشروطه وينحصر دور المستهلك على التوقيع على العقد بشكل آلي، كل ذلك يبرر أثقال كاهله بهذا الالتزام.

3- وقت الالتزام بالإعلام العقدي: يذهب جانب من شراح القانون المدني إلى القول بان الالتزام بالإعلام هو التزام مستقل عن العقد، و يتعين الوفاء به في المرحلة السابقة على إبرامه، ومن ثم فهو التزام قبل تعاقدي12. ويستند هؤلاء لتدعيم وجهة نظرهم للأسانيد التالية13:

 أ- يجب على المنتج أو الصانع وهو أول المدينين بهذا الإلتزام الوفاء به قبل طرح المنتجات في السوق، حتى يبصر المستعملين و المستهلكين المحتملين في عمومهم.

ب- العلم بمخاطر الشيء المبيع وكيفية استخدامه من العناصر المكملة لرضا المشتري ووسيلة لإيجاد رضا حر وسليم لديه، وهو ما يدل على الصفة التعاقدية لهذا الالتزام.                                          

ج- أحيانا يكون القانون هو الذي يفرض هذا الالتزام على المدين به، كما هو الشأن في الالتزام  بالإعلام العقدي الذي يقع على عاتق منتج أو بائع الأداوت والمستحضرات الصيدلانية، حيث يجب على الصيدلي المنتج وضع بيانات معينة على المنتجات الصيدلانية كتلك المتعلقة بكيفية الاستعمال و الآثار الجانبية ومدة الصلاحية والاحتياطات اللازمة لتخزينها.

د- لا يقتصر الالتزام بالإعلام العقدي على الإفضاء بالبيانات المتعلقة بالشيء المبيع وكيفية استخدامه وخصائصه ومكوناته، بل قد يتطلب الأمر تدخل المدين لتوجيه المشتري نحو اختيار الشيء الأكثر ملائمة لحاجاته وإشباعا لرغباته.

أما المادة 8 من القانون 04-02 فقد استخدمت عبارة " قبل اختتام عملية البيع "، وإن كانت هذه العبارة  تبدو غامضة، فهل يقصد قبل تطابق الإيجاب والقبول، أو قبل تنفيذ الالتزامات المترتبة عن عقد البيع ؟ ومع ذلك إذا ما اعتبرنا أن الالتزام بالإعلام العقدي يهدف أساسا إلى حماية إرادة المستهلك وتبصيره فإن وقت هذا الالتزام يجب أن يكون سابقا لتطابق الإيجاب والقبول اللذان ينبرم بهما العقد، لذا كان يستحسن لو استعمل المشرع عبارة أكثر دقة من " قبل اختتام عملية البيع " مثل " قبل إبرام العقد " أو " قبل التعاقد"، وهي العبارات  التي يستعملها الفقه غالبا عند تعريف هذا الالتزام.                                        

4- محل الالتزام بالإعلام العقدي: يمكن تقسيم المعلومات محل الالتزام بالإعلام إلى معلومات تتعلق بالحالتين القانونية والمادية للشيء وأخرى تتعلق بظروف استخدامه14:

أ- الإعلام عن الحالة القانونية للشيء: إن قيام المدين بالالتزام العقدي بإحاطة الدائن بكافة المعلومات التي تتعلق بالوضع القانوني للشيء محل العقد يتطلب منه إعلامه بكل ما على هذا الشيء من أعباء وتكاليف، أي مدى تحمله بأية حقوق عينية أو شخصية تحول دون الانتفاع بالشيء محل التعاقد على النحو المأمول. وقد ذهب جانب من الفقه15إلى أنالإعلام عن الحالة القانونية للشيء يقصد به العلم الفعلي الكافي بحدود المبيع ومعرفة الحقوق التي نقلها البائع والقيود التي ترد على مضمون التصرف القانوني.                                                     

ب- الالتزام بالإعلام عن الحالة المادية للشيء: تمثل الحالة المادية للشيء عاملا للحث على التعاقد، حيث غالبا ما يقدم المستهلك على التعاقد استجابة لما تطابق مع رغبته من أوصاف مادية تخص الشيء محل العقد، لذلك وفي ضوء هذه الأهمية البالغة للحالة المادية للشيء، فإنه يجب علي المدين بالالتزام بالإعلام العقدي الإدلاء بكافة المعلومات والبيانات المتعلقة بالخصائص والأوصاف المادية للشيء محل التعاقد عملا على تصحيح صورته في ذهن الدائن بهذا الالتزام على نحو يمكنه من الوقوف على مزايا العقد وخصائصه الذاتية ومدى جدواه وملاءمته في إشباع حاجته التي يرمي إليها، لما لذلك من أهمية بالغة في التأثير على قراره بالإقبال على التعاقد16.

ج- الالتزام بالإعلام حول كيفية استخدام الشيء: يجد الالتزام بالإعلام العقدي فيما يتعلق بكيفية استخدام الشيء أهمية خاصة في ضوء التطور العلمي والتكنولوجي الذي صاحب إنتاج السلع وتقديم الخدمات، حيث أصبح يتعذر على المستهلك العادي الإحاطة بكل ما هو جديد في المجالات التقنية الحديثة، وبالتالي أصبح يجهل الطرق الصحيحة للاستخدام الذي يحقق له الفائدة المرجوة  من الشيء محل التعاقد، و بخاصة عندما يكون هذا الشيء مبتكرا أو حديث الاستعمال، حيث يتحقق حينئذ مناط  قيامالالتزام بالإعلام العقدي وهو جهل الدائن بهذا الالتزام بالبيانات المطلوب بها، لاسيما عندما يكون جهله هذا مشروعا لاستحالة علمه بها17. من ناحية أخرى، قد يترتب على استعمال الشيء محل التعاقد خطورة ما، لذا يجب على المدين بالالتزام بالإعلام العقدي إحاطة المستهلك بمصادر هذه الخطورة وأبعادها وطرق تلافيها عملا على حمايته من الأضرار التي قد تنشأ عنها، وخاصة في مجال المنتجات الحديثة18. يضاف إلى ذلك -وهو الأمر الأكثر أهمية- أن الإحاطة بطريقة استخدام الشيء قد تمثل بعدا مؤثرا في رضا المقبل على التعاقد، نظرا لان العلم بالصفة الخطرة للشيء إن وجدت يعد من البيانات الجوهرية الواجب الإعلام بها، ومن ثم الإلمام بها قبل التعاقد.

وبالرجوع إلى المادة 8 من القانون 04-02 نجد أن محل الالتزام بالإعلام العقدي وفق هذه المادة ينصب على جوانب ثلاثة، هي مميزات المنتوج أو الخدمة محل البيع و كذا شروط البيع الممارس بالإضافة للحدود المتوقعة للمسؤولية التعاقدية لعملية البيع.

5- مضمون الالتزام بالإعلام العقدي: يتمثل مضمون هدا الالتزام في المعلومات النزيهة والصادقة التي يقدمها البائع للمستهلك، وطبقا للمادة 8 من القانون 04-02 فإن مضمون الالتزام بالإعلام العقدي يختلف باختلاف طبيعة المنتوج، فمثلا إذا كان المنتوج خطرا فعلى البائع أن يدلي للمستهلك بالبيانات المتعلقة بالاستعمال الصحيح لهذا المنتوج، كما يجب عليه تحديد مكامن الخطر فيه وتحذير المستهلك منها.

 والملاحظ أن المادة 8 ركزت على طبيعة المنتوج وتجاهلت طبيعة الخدمة في حين أن طبيعة الخدمة لها أثر في تحديد مضمون الالتزام بالإعلام العقدي، فالطبيب مثلا يتغير مدى التزامه تبعا لخطورة العملية الجراحية التي يقدم عليها. كما يلاحظ أن المادة ضبط هذه المعلومات بالصدق والنزاهة وهو أمر يقتضيه مبدأ حسن النية والثقة المتبادلة بين المتعاقدين، وعليه فان تنفيذ الدائن لالتزامه مرهون بتقديم معلومات تتصف بالصدق والنزاهة وإلا عد مخلا بالتزامه.

 وبالرجوع إلى شراح القانون نجدهم مختلفين حول مضمون الالتزام في كل مرة نتيجة اختلافهم حول المصطلحات الدالة عليه كما سبق الذكر، فبعضهم يرى أن دور البائع سلبي أو موضوعي يقتصر على الإدلاء بالمعلومات التي تهم الدائن حول الشيء محل التعاقد بما يعرفه به وينير رضاه، في حين يرى آخرون أن دور الدائن بالالتزام يتعدى ذلك، إذ يجب أن يكون إيجابي أو الشخصي وذلك بأن يقدم النصح والتحذير للمستهلك.

6- طبيعة الالتزام بالإعلام: اختلف الفقهاء حول طبيعة الالتزام بالإعلام العقدي بين قائل بأنه التزام ببذل عناية وقائل بأنه التزام بتحقيق نتيجة:

أ- القائلون بأنه التزام ببذل عناية: يذهب الرأي السائد لدى شراح القانون المدني إلى أن الالتزام بالإعلام العقدي المتعلق بالشيء المبيع هو التزام ببذل عناية19، ويستشهد أصحاب هذا الرأي لتدعيم وجهة نظرهم بما يلي:                     

- إن الالتزام بالإعلام ببيانات ومخاطر الشيء المبيع يتوافر فيه الشروط التي وضعها الشراح لاعتبار الالتزام ببذل عناية، و هي أن تكون النتيجة المطلوبة من الالتزام احتمالية وليست مؤكدة الوقوع، وأن يكون للدائن دور في تحقيق هذه النتيجة أو منعها20.                       

فعندما تكون النتيجة المبتغاة من الالتزام نتيجة احتمالية فإنه يتعين افتراض أن نية الطرفين قد اتجهت إلى عدم ضمان المدين لهذه النتيجة، إلا أن اعتبارات العدالة تأبى أن يتحمل المدين بنتيجة لا يمكنه السيطرة عليها أو التأكد من تحقيقها بسبب ما يكتنفها من احتمالات21، ومن ثم يرى أنصار هذا الرأي أن الالتزام بالإعلام العقدي يستجمع الشروط المطلوبة للالتزام ببذل عناية، لأن المنتج أو البائع يهدفان من وراء المعلومات أو البيانات المكتوبة على السلعة أو الخاصة بالخدمة أو التي يتم الإدلاء بها مشافهة إلى تجنب الدائن الاستعمال السيء للشيء المبيع وضمان إشباع حاجته منه دون ضمان الوصول لهذه النتيجة.

ب- القائلون بأنه التزام  بتحقيق نتيجة : ذهب جانب من شراح القانون المدني إلى أن الالتزام بالإعلام إلتزام بتحقيق نتيجة وليس ببذل عناية22، واستندوا في ذلك إلى الحجج التالية:                       

- القول بأن الالتزام بالإفضاء التزام ببذل عناية من شأنه أن يؤدي إلى المغايرة في تطبيق الأحكام الخاصة بالمسؤولية عن الأضرار الناشئة عن المنتجات الصناعية وتلك الناشئة عن حراسة الأشياء غير الحية. حيث أن المسؤولية الأخيرة تنشأ بمجرد إثبات أن الضرر قد نتج عن التدخل الايجابي للشيء، وإذا ما أقيم الدليل على ذلك لا يمكن دفع هذه للمسؤولية إلابإثبات السبب الأجنبي. أما في حالة المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن المنتجات الصناعية في حالة الإخلال بالالتزام بالإعلام مثلا فإن المشتري لا يستطيع الحصول على التعويض إلا بإثبات خطأ البائع، ليصبح بذلك في وضع أسوأ مما لو أتيحت له الفرصة للرجوع مباشرة على المنتج وفقا لنظرية تجزئة الحراسة23.

- ألقى المشرع الفرنسي على عاتق البائعين المهنيين عموما التزاما بضمان سلامة المستهلكين من أضرار ومخاطر المنتجات التي يبيعونها بموجب القانون رقم 83-660 الصادر في 21 جويلية 1983 الخاص بسلامة المستهلكين، وهذا الالتزام بالسلامة وفقا للرأي السائد لدى الفقه التزام بتحقيق نتيجة.

- القول بأن الالتزام بالإعلام العقدي هو التزام بتحقيق نتيجة يؤدي إلى تحقيق مزايا عديدة، منها توحيد القواعد التي تحكم المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن المنتجات الصناعية سواء كانت هذه الأضرار ناتجة عن وجود عيب فيها أو عما يكتنفها من مخاطر.

- اعتبار الالتزام بالإعلام التزام بتحقيق نتيجة أكثر تحقيقا للعدالة، لأنه و إن كان يعفي البائع من تبعة السبب الأجنبي، فإنه بالمقابل لا يغفل جانب المشتري بل يجعل كفته هي الراجحة، نظرا لما يتمتع به البائع المهني من إمكانيات مادية.

ومع ذلك لا يمكن الجزم بأن الالتزام بالإعلام العقدي هو التزام ببذل عناية أو تحقيق نتيجة، وإن كانت  الحجج التي قدمها الفريق القائل ببذل عناية أقوى. إذ أنه إذا أخدنا في الاعتبار مدى ما يلتزم به المدين في الالتزام بالإعلام لتحديد طبيعة هذا الالتزام، نجد أنه لا يمكن الجزم بأنه التزام ببذل عناية، بكل ما يتطلبه التزام المدين ببذل عناية، كوجوب إثبات خطأ في جانب المدين لقيام مسؤوليته. وكذلك لا يمكن القطع بأنه التزام بتحقيق نتيجة بالمعنى الحرفي، أي التزام المدين بتحقيق نتيجة معينة وقيام مسؤولية المدين بدون خطأ في كافة الحالات24. إنما يمكن القول بأنه التزام أقوى من الالتزام ببذل عناية، حيث هناك أمور يجب على المدين القيام بها، وأقل من الالتزام بتحقيق نتيجة، حيث هناك أمورا لا تدخل تحت سيطرة المدين بل يترك الأمر فيها للدائن. ومن ثم فانه كما يرى جانب من الشراح التزام بتحقيق نتيجة مخفف على الأقل25.

7- طريقة الإعلام: لم تحدد المادة 8 من القانون 04-02 طريقة محددة ينفذ من خلالها الالتزام بالإعلام، حيث اكتفت بعبارة "بأية طريقة كانت"، ويفهم من ذلك أن المدين يمكنه القيام بالإدلاء بالمعلومات شفويا أو كتابيا عن طريق النشريات أو بأي طريق أخرى تفي بالغرض. لكن متى ما حدد المشرع وسيلة معينة يتم بها الإعلام في بعض الحالات فيجب التقيد بها حيث لا تغني عنها وسيلة أخرى.

وعادة ما يتم الإعلام عن طريق الوسم، والوسم كما عرفته المادة 3 من القانون 09-03 المؤرخ في 25/02/2009 المتعلق بحماية المستهلك وقمع الغش يشمل " كل البيانات أو الكتابات أو الإشارات أو العلامات أو المميزات أو الصور أو التماثيل أو الرموز المرتبطة بسلعة، تظهر على كل غلاف أو وثيقة أو لافتة أو سمة أو ملصقة أو بطاقة أو ختم أو معلقة مرفقة أو دالة على طبيعة المنتوج مهما كان شكلها أو سندها، بغض النظر عن طريقة وضعها".

 ووسيلة الإعلام ترتبط ارتباطا وثيقا بأهمية المعلومات محل الإعلام وكذا طبيعة المنتوج أو الخدمة ذاتها، فإذا كان المنتوج خطيرا فإن المعلومات المتعلقة بمخاطره والوقاية منها أو البيانات المتعلقة بفترة صلاحية المنتوج للاستهلاك يجب أن تكون واضحة ومتميزة ولصيقة بالمنتوج، ولا يكفي مجرد الإعلام الشفوي بها أو طبعها على وثائق منفصلة عن المنتوج، وذلك نظرا لأهمية هذه المعلومات وضرورة التذكير المستمر بها.

 هذا وعلى الرغم من أن الرسالة الإشهارية قد تتضمن بيانات تعلن للمستهلكين، ومع ذلك فإن الإشهار ومن خلال تعريفه بموجب المادة 3 من القانون 04-2602هو بمثابة إعلان موجه للجمهور بوجه عام، في حين أن الالتزام بالإعلام وفق ما تضمنته المادة 8 من ذات القانون يخص المستهلك الذي يتقدم للتعاقد. كما أن الإشهار يهدف أساسا إلى الترويج للسلع والخدمات، و ذلك يقتضي التركيز على الخصائص والمميزات الايجابية للسلع والخدمات محل الإشهار والمبالغة في تبيان محاسنها مقابل غض الطرف عن سلبياتها، في حين أن الالتزام بالإعلام يهدف إلى تزويد المستهلك بالمعلومات الصادقة والنزيهة التي تبصره بحقيقة العقد المراد إبرامه ومحله دون مبالغة أو تحريض أو إغراء، وهو ما يقتضي الإفضاء بالخصائص الإيجابية و كذا الجوانب السلبية إن وجدت.

في الختام و من خلال ما سبق يتبين أن الإلتزام بالإعلام يعكس عناية المشرع بحماية المستهلك كطرف ضعيف يفتقر للدراية والمعرفة الكافية مقارنة بالعون الاقتصادي، في مسعى لإضفاء قدر من التوازن على العلاقة التعاقدية بين الطرفين، وكان من تبعات هذا المسلك الحمائي تعزيز النزعة الاجتماعية للعقد على حساب النزعة الفردية التي طبعت نظريته التقليدية.   

الهوامش :

[1]- نزيه محمد الصادق المهدي، الالتزام قبل التعاقدي بالإدلاء بالبيانات وتطبيقاته على بعض أنواع العقود، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982، ص 15.

2- سهير منتصر، الالتزام بالتبصير، دار النهضة العربية، القاهرة، 1990، ص 41 .

 

3-  J. BUSSY, Droit des affaires,  Presses de Science PO et Dalloz, 1998, p.387.

 

4- حمدي أحمد سعد، الالتزام بالإفضاء بالصفة الخطرة للمبيع، المكتب الفني للإصدارات القانونية، 1999، ص 43 .

5- محمد بن أحمد بن بطال الركبي، النظم المستعذب في شرح غريب المذهب، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ج 1، ص 283 .

6- نعيم مغبغب، قانون الأعمال، مكتبة الحلبي الحقوقية، 2000، ص51.

7- محمد شكري سرور، مسؤولية المنتج، ط 1، دار الفكر العربي،  198، ص 22.

8- خالد جمال أحمد، الالتزام بالإعلام قبل التعاقد، دار النهضة العربية، القاهرة، 2003، ص 355 و 354.

9- V . MALINVAUD:  De l'erreur sur la substance D.S. 1972, p. 215.

10- خالد جمال أحمد، مرجع سابق، ص 357.

11- أنظر المادة الأولى من القانون رقم 04-02 المحدد للقواعد المطبقة على الممارسات التجارية.

12 -Y. BOYER, l'obligation de renseignement dans la formation du contrat , thèse Aix en Provence, 1978, p. 282.

 

13- مجدي أحمد سعد، الالتزام بالإفضاء بالصفة الخطرة للشيء المبيع، دار الكتب القانونية، 2010، ص 137.

14- عمر محمد عبد الباقي، الحماية العقدية المستهلك، منشأة المعارف، الإسكندرية، ص 229.

15- خالد جمال أحمد، مرجع سابق، ص 304 .

16- أحمد محمد محمد الرفاعي، الحماية المدنية للمستهلك إزاء المضمون العقدي، دار النهضة، القاهرة، ص 128.

17- نزيه محمد صادق الهدي، الالتزام قبل التعاقدي بالإدلاء بالبيانات المتعلقة بالعقد، دار النهضة العربية، 1990، ص 151.

18- أحمد محمد محمد الرفاعي، مرجع سابق، ص 142 .

19- محمد شكري سرور، مرجع سابق، ص 15.

20 - G. VINEY, la responsabilité, LGDJ, 1988, n° 522 et s.

21-  G. VINEY, op. cit., n° 541 .

22- مصطفى أحمد أبو عمرو، الالتزام بالإعلام في عقود الاستهلاك، دار الجامعة الجديدة، 2010، ص 73 وما بعدها.

23- علي سيد حسن، فكرة الضرر المباشر بين النظرية والتطبيق، مجلة القانون والاقتصاد، 1982، العددان الأول والثاني، ص 108.

24- حمدي أحمد سعد، مرجع سابق، ص 177 .

25- G. VINEY, op. cit., n° 534.

26- الإشهار بحسب المادة 3 من القانون 04-02 هو " كل إعلان يهدف بصفة مباشرة أو غير مباشرة إلى ترويج بيع السلع أو الخدمات مهما كان المكان أو وسائل الاتصال المستعملة ".