التدخل العسكري في مالي ومدى شرعيتهpdf

د: غضبان مبروك

قسم العلوم السياسية

جامعة -باتنة -الجزائر

ملخص :

شهد النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة تزايدا في ظاهرة التدخل العسكري ،الفردي منه أو المتعدد الأطراف، مثل التدخل العسكري للتحالف الدولي في العراق سنة 1991 والتدخل العسكري لقوات الناتو في البوسنة والهرسك لوقف الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب البوسني على يد القوات الصربية سنة 1994 أو التدخل العسكري في كوسوفو سنة 2001 أو التدخل العسكري في البحيرات الكبرى وفي الكنغو و ذلك الذي حدث في العراق سنة 2003 على يد القوات الأمريكو-بريطانية ثم التدخل العسكري الفرنسي في ليبيا سنة 2011 مدعوما بالناتو وصولا إلى التدخل العسكري الفرنسي في مالي في 16 جانفي سنة 2013.

في هذه العرض سيتم التركيز على التدخل العسكري الفرنسي في مالي الذي جاء تحت ذرائع عديدة وفي معظمها ذرائع سياسية أكثر منها قانونية مثل: وقف تهديدات الجماعات المتطرفة في مالي أو القضاء عليها كلية في منطقة السلاح وبلاد المغرب العربي، استنجاد الحكومة المالية بفرنسا لحمايتها من الهجوم عليها من طرف هذه الجماعات، وجود دواعي إستراتيجية لدى الدولة الفرنسية ودول منطقة الساحل والمتمثلة في عدم إعطاء الفرصة للجماعات المتطرفة للاستيلاء على ثروات المنطقة من يورانيوم وذهب ونفط وفوسفات أو منع فرنسا ودول الساحل من استغلالهم، ثم ذريعة التدخل لحماية المدنيين من خطر الجماعات المتطرفة وكل هذا انطلاقا من قرار مجلس الأمن رقم 2085 المستند على المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. رغم هذه الذرائع فإن التدخل الفرنسي يبقى محل تساؤل من حيث شرعيته وأهدافه فرجال القانون يركزون كثيرا على مدى شرعية الفعل وشرعية الهدف أحيانا، وهنا نتساءل: هل التدخل العسكري الفرنسي شرعي وعلى أية أساس أو كيف؟ وهلأسس التدخل سياسية أكثر منها قانونية؟ وما هي معايير قانونية التدخل من عدمها؟

Abstract:

This presentation deals with the French military intervention from the legal point of view, The past cold war period has witnessed an increase in military intervention starting with Iraq in 1991, arriving at Mali in 2013. Through this period of time military intervention, be it unilateral or multilateral, was always standing on various reasons, and anyway at various objectives, but lucks most of the time the legal bases. Does the French military intervention in Mali on 16 January,2002 has the legal basis no matter how it carried and what … object it has ? The French official Position is that France behaved according to international law its action justified by the rules and orms of international law especially the 2085 Resolution of the Security Coincil and the UN Charter. This, it is legal? This paper will try to argue differently and emphasize that the French justifications are more political then legal justifications?

على ضوء ما سبق سيتم تناول الموضوع في النقاط التالية:

أولا: مقدمة

ثانيا: التدخل في القانون الدولي وفروعه الأساسية

ثالثا: من التدخل إلى عدم التدخل

رابعا: الوقائع المحيطة بالقرار 285

خامسا: المبررات الفرنسية للتدخل العسكري في مالي

سادسا: الخلاصة

أولا: مقدمة:

إن النزاع الجاري في مالي والذي ترتب عليه التدخل العسكري الفرنسي السافر، يقتضي استدعاء القانون الدولي العام، والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي ثم قانون المجتمع الدولي المتمثل في الميثاق الذي يعني دستور المجتمع الدولي للإدلاء بدلوهما في هذا التدخل..

هذه المداخلة سوف تركز على القانون الدولي العام بخصوص عدم التدخل الذي هو أحد المبادئ العامة للقانون الدولي بجانب مبادئ حسن النية وعدم استعمال القوة في حل النزاعات الدولية.

ومبدأ عدم التدخل يدخل ضمن القواعد الآمرة (Jus congens) في القانون الدولي التي لا يجوز مخالفتها.

إن عدم التدخل هو الأصل والتدخل هو الاستثناء كما يقول ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2(4) وفي المادة 51 منه. فماذا يقول القانون الدولي؟ وماذا يقول الميثاق؟ وكيف التفت فرنسا حول القرار 2085 وتدخلت في مالي ووضعت مجلس الأمن الدولي أمام الأمر الواقع؟

لكن قبل الدخول في مناقشة وتحليل هذه النقاط تحليلا قانونيا، لا بد من إبداء الملاحظات التالية:

1-    إن الكتابات العربية تعتبر ما يجري في مالي هو حرب، بخلاف الكتابات الغربية في معظمها فتعتبره نزاع، والنزاع من الناحية القانونية يختلف عن الحرب وهذا ما يؤكده الأستاذ الفرنسي برتراند دي بادي في مقالته بعنوان :" حرب فرنسا بمالي تذكي نزاعات قديمة".1

2-    إن القرار الأممي رقم 2085 بني على وقائع وحيثيات ومعطيات تلقاها المجلس من الحكومة الانقلابية المالية والمنظمة الاقتصادية لغرب إفريقيا الموالية لفرنسا، كما استند على الميثاق لاسيما الفصل السابع المتعلق باستعمال التدابير المختلفة بما في ذلك استعمال القوة العسكرية طبقا للمادة 51 (أي التدخل العسكري ولكن من طرف مجلس الأمن أو من يفوضهم بذلك كنشر بعثة دعم دولية في مالي بقيادة إفريقية ممثلة في الاسكوا مدتها عام بعد ذلك يقيم المجلس الوضع وقد يوافق على العملية الهجومية العسكرية أم لا).

3-    إنالقرار 2085 يجب تحليله في إطار الوقائع القانونية أكثر من الوقائع السياسية والأخلاقية كما سنرى في حالة فرنسا.

4-    إن التدخل الفرنسي كما يقول الكسندر ميزاييف وآخرين هو إعادة استعمار القارة الإفريقية الذي يلتقط الزخم الآن.

5-    أن ميثاق الأمم المتحدة لم يستعمل لفظ "حرب" ولا لفظ "النزاع" بصريح العبارة ولكن في الحيثيات ركز على الأطراف المتنازعة باحترام القانون الدولي الإنساني لاسيما حماية المدنيين من التهديدات والانتقامات وكذا حرص القرار على إيجاد مكانة لمنظمات حقوق الإنسان، وأعطى لجهات مختصة رفع تقارير إلى المحكمة الجنائية الدولية.

6-    هل سكوت أعضاء مجس الأمن على انتهاك فرنسا لقرار المجلس رقم 2085، وترحيب العديد من الدول بالتدخل العسكري الفرنسي في مالي يؤدي إلى اعتبار أن ذلك الالتفاف على القرار هو بمثابة تعديل في قرار مجلس الأمن مما يعني أن قرارات المجلس يمكن تعديلها من طرف واحد وبدون إلغاء القرار المعدل؟

7-    أن معالجة التدخلمن الناحية القانونية تختلف عن معالجته من الناحية السياسية. فالسياسيون يعتبرون أن التدخل ظاهرة سياسية في ظل النظام الدولي المتسم بالفوضى وهو أداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية للدولة ووسيلة لتحقيق مصلحتها الوطنية، بل إستراتيجية استباقية لدرأ المخاطر وجلب المنافع ومباغتة الخصم من جهة بدعوى الدفاع عن النفس أو الدفاع الشرعي (self-legitimacy)والتعامل بصرامة مع التهديدات المدركة من جهة ثانية. لذا، فمعالجة السياسيين لعملية التدخل تكون إما بالتوسع في المفهوم للوصول إلى اعتباره مرادفا لكل أشكال سلوك الدولة في علاقاتها الخارجية (وخاصة الدول الكبرى)، أو التضييق فيه ليحصر فقط في التدخل العسكري كما في الحالة التي نحن بصدد دراستها وتحليلها، أو دراسة التدخل كعمل غير شرعي وهو المأمول القيام به في هذه الدراسة.

بعد هذه الملاحظات والأسئلة سيتم التطرق إلى موقف القانون الدولي العام وفروعه الأساسية (القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وقانون التنظيم الدولي) من التدخل وتداعياته،

ثانيا:التدخل في القانون الدولي وفروعه الأساسية:

لا شك أن التدخل العسكري الفرنسي في مالي يشكل عملية معقدة ومتعددة الجوانب، هذه الجوانب لا تتوقف عند المخاطر الأمنية ولا المصالح الاقتصادية المأمول تحقيقها ولكن هناك التداعيات الاجتماعية والإنسانية، وهناك الجوانب القانونية للتدخل وهو موضوع هذه المداخلة.

فالجوانب القانونية يمكن رؤيتها ليس فقط من زاوية القانون الدولي العام لاسيما المبادئ الأسمى كمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الذي يعتبر من المبادئ الـ (Jus congens) التي لا يجوز مخالفتها وإنما كذلك يمكن رؤية التدخل من ناحية القانون الدولي الإنساني لاسيما المادة الثانية المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وأعني بذلك تلك الحماية الدولية الممنوحة لأفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو العجز أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر كل هؤلاء يعاملون في جميع الأحوال معاملة إنسانية دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون أو الدين أو المعتقد أو الجنس أو المولد أو الثروة أو أي معيار مماثل آخر، وكذلك ما يتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية ولهذا الغرض تحضر الأفعال التالية المتعلقة بالأشخاص المذكورين أعلاه من قبيل:

1-    الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه والمعاملة القاسية والتعذيب.

2-    أخذ الرهائن

3-    الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.

4-    إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلا قانونيا وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة في نظر الشعوب المتمدنة2.

أما فيما يتعلق ببعد حقوق الإنسان في التدخل، فإن هذا التدخل يحمل في تداعياته ما يمكن أن يتوقع أولا يتوقع من انتهاكات حقوق الإنسان في مالي سواء في شكل انتقامات أو اعتداءات أخرى تمس بأمن وحياة وممتلكات وعقيدة الآخرين. لهذا سارعت المنظمات الإنسانية إلى التحذير من أي انتهاكات يمكن حدوثها. فمنظمة العفو الدولية اعتبرت بأن موافقة مجلس الأمن على التدخل الفرنسي في مالي يحمل "مخاطرة تأزيم الأوضاع الإنسانية"3. وانتهاك حقوق الإنسان في الشمال التي هي قيد الانتهاك منذ مدة بسبب تواجد الإرهابيين والمتطرفين والجماعات المسلحة وبسبب السياسات الحكومية الفاشلة والسلطة غير الشرعية. إذا، فاحتمالات زيادة الهجومات غير التميزية والاعتقالات التعسفية، والتعذيب وتنفيذ الإعدامات خارج القانون وتجنيد الأطفال في الحرب، والاعتداء على النساء والعجزة والمرضى..الخ قائمة فعلا، وقد تم مشاهدة صور لمختلف الانتهاكات من جثث وسرقة وتحطيم ممتلكات رغم أن منظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى دعت الأمم المتحدة إلى اتخاذ كل ما هو ضروري لضمان "أن تحمي القوة العسكرية المدنيين".هذا عن المخاوف المتوقعة، أما عن الأزمة في منظور القانون الدولي العام وقانون منظمة الأمم المتحدة فيمكن التطرق إليها وذلك بالتطرق إلى كيف تم الانتقال من "مبدأ عدم التدخل إلى مبدأ جواز التدخل".

ثالثا: من التدخل إلى عدم التدخل:

كان المبدأ العام في كتابات القانون الدولي هو عدم التدخل وذلك لكون هذا المبدأ يعبر حقا عن معنى سيادة الدول واستقلالها من جهة واحترام الوحدة الإقليمية للدولة من جهة ثانية كما يقول الفقيه أوبنهايم بذلك. فعدم التدخل قريب على المستوى الدولي من فكرة "المجال المحفوظ للدولة "على المستوى الداخلي.فكما لا تتنازل الدولة لقوى السوق الداخلية أو الخارجية عن ما هو من صميم اختصاصها الداخلي كذلك لا تتنازل الدولة عما هو محفوظ لها بموجب القانون الدولي من سيادة واستقلال. مما سبق يمكن طرح السؤال التالي:

أين يجد مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أساسه القانوني؟ يمكن الإشارة هنا إلى تصريح العلاقات الودية بين الدول لعام 1970 وإلى المعاهدات الدولية الثنائية أو المتعددة الأطراف والجماعية كميثاق الأمم المتحدة وكذلك إلى أحكام محكمة العدل الدولية خاصة في قضية نيكاراغوا لعام 1986.

1-   تصريح العلاقات الودية لعام 1970

يؤكد هذا التصريح على أن: "كل دولة عليها واجب الامتناع عن تنظيم أو تشجيع تنظيم القوى الشاذة (irregular)أو عصابة (bonds) مسلحة، بما في ذلك المرتزقة للدخول في غزو (incursion) لإقليم دولة أخرى. كل دولة ملتزمة بالتوقف (refrain) عن تنظيم، أو تحريض (instigate)أو المساعدة أو المشاركة في أفعال الكفاح (النزاع strike)أو أفعال إرهابية في دولة أخرى أو الجشع في نشاطات منظمة ضمن إقليمها موجهة نحو ارتكاب مثل هذه الأفعال عندما تكون الأفعال المشار إليها في هذه الفقرة تتضمن التهديدات أو استعمال القوة".4

2-   أما التصريح الآخر فجاء في إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1972 بقوله:ليس لدولة أو مجموعة من الدول الحق في "التدخل بصفة مباشرة أو غير مباشرة ولأي سبب مهما كان في الشؤون الداخلية أو الخارجية لأية دولة". بالنتيجة، فإن التدخل العسكري وكل الأشكال الأخرى للتدخل (الحصار، العقوبات الاقتصادية ...) أو المحاولات التهديدية ضد شخص الدولة أو ضد عناصرها (مكوناتها الثقافية والاقتصادية والسياسية) هي في انتهاك للقانون الدولي5

3-   محكمة العدل الدولية في حكمها في قضية نيكاراغوا ضد الو.م.أ سنة 1986 تعيد تكرار التصريح (retardes) حول مبادئ القانون الدولي، مؤكدة ثانية (reaffirmes)بأن الصياغة المذكورة أعلاه للقوة غير المباشرة هي ضمن مجال م 2(4). ونتيجة لهذا، فالمحكمة، مثلا وصفت تسليم - وتدريب الكونتراس(contras) وهم المتمردون على حكومة أورتيقا- من طرف الولايات المتحدة الأمريكية- كأفعال ترقى إلى التهديدأواستعمال القوة بينما المحكمة لم تكيف (charactrize) مجرد التمويل بالأموال للمتمردين كاستعمال للقوة، ولكن عرض الأموال على (الكونتراس) كما قالت المحكمة،يشكل عمل تدخلي في الشؤون الداخلية لنيكاراغوا

(I.C.J Reports 1986, para228)

بالتطابق فإن الدول يمكن أن نلجأ إلى استعمال القوة في قمع العصيان والتظاهرات وغيرها من الأعمال التخريبية بدون انتهاك م 2(4). بوضوح أكثر، فإن إطار العلاقات الدولية يتضمن بأن النص لا ينطوي على الحروب الأهلية.هذا يعكس الاتفاق العام بأن النزاعات الداخلية بعيدة عن مجال القانون الدولي ما دام هذا الأخير قصد علم العلاقات بين الدول.

أما النزاعات الداخلية فمجال حكمها هو القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي (كل في مجال اختصاصه).

إن الوضع الشاذ في مالي، والذي هو مفتوح لكل التأويلات، هو الذي جعل مفكر فرنسي شهير مثل برتراند بادي (أستاذ معهد باريس للدراسات السياسية) يتساءل قائلا:

"منذ أيام يحدثوننا عن حرب في مالي" فهل هي كذلك فعلا؟ ويضيف إن المواجهة تحصل بين دولة أروبية عجوز ودولة إفريقية فاشلة ومجموعات مسلحة تختلف وتختلط أسماؤها".6

فالمجموعات المسلحة ليست دولا وليس لها حدود ولا أراضي ثابتة ولا مؤسسات ولا دبلوماسيون ولا حتى جنود بالمعنى التقليدي، بينما، النظام الحاكم في مالي هو نظام بجنود وحدود ومؤسسات ولكن نظام فاشل، والصراع الذي حدث بين الحكومة المالية الفاشلة والفاقدة للشرعية والمتأزمة للوضع نتيجة لانقلابها على الحكومة الشرعية وبين "الجماعات الإرهابية والمتطرفة والمسلحة" حسب تعبير أمنستي أنترناسيونال لا تكمن مصادره وأسسه في كونه صراع من أجل القوة أكثر من كون الصراع تعبيرا عن عوامل الفشل وخيبة الأمل والإقصاء والإهانة خاصة لسكان الشمال الذين يعانون مختلف أشكال التهميش والفقر رغم غنى البلد.7 فمالي حسب تصريح المبعوث الروسي لإفريقيا ميخائيل مارغيلوف "... أبرز بلد إفريقي في استخراج الذهب (وهو كذلك) وغني باليورانيوم والنفط وبحجر المالاكيت النفيس إضافة إلى إمكانيات زراعية لأنها تقع في حوض نهر النيجر.8 "ولروسيا والصين وفرنسا وأمريكا وبلدان أخرى مصالح عديدة هناك مما جعلها تتفق على تنفيذ السيناريو الفرنسي-المالي بالذهاب إلى مجلس الأمن واستصدار العديد من القرارات أخطرها القرار 2085 الخاص بالتدخل العسكري.وهذا ما يؤكد حقا أن التدخل مبني لأسباب إستراتيجية(سياسية واقتصادية) ولكن بغطاء قانوني إنساني.

رابعا: الوقائع المحيطة بالقرار 2085:

يمكن أن نشير هنا إلى أمرين أساسيين الأول يتعلق بالقرارات السابقة على القرار 2085، والثاني يتعلق بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن الحالة في مالي. فبالنسبة للنقطة الأولى فيمكن القول أن القرار الذي اتخذه مجلس الأمن في جلسته رقم 6898 بتاريخ 20/12/2012 قد سبقه مجموعة من القرارات ذات الصلة والممهدة له لا سيما القرارين 2056 (2011)و 2071 (2012) والمتعلقان بإرسال قوة إفريقية قوامها 3000 جندي تكون تابعة للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا Economic commissions of west african states أو باختصار (ECOWAS)وبدعم لوجستي من دول غربية مثل:الو.م.أ، وفرنسا.أما بالنسبة للنقطة الثانية، فإن تقرير الأمم المتحدة عن الحالة في مالي المؤرخ في 28/11/2012 دعا فيه الأمين العام إلى مواصلة العمل في المسارين السياسي والأمني وإيجاد حل شامل للأزمة في مالي. كما أن القرار بني على وقائع في الميدان وتصورات أحادية الجانب وجاهزة للتسويق ومخادعة الرأي العام الدولي، حيث أن ما يجري في مالي حسب الكاتب الكسندر مزيائف(Alexander mezyaev) ما هو إلا عملية إعادة استعمار إفريقيا بوسائل مختلفة ولكن بنتيجة واحدة وهذا ما حدث في تقسيم السودان والسيطرة على حقول النفط في نيجيريا، والقبض على ليبيا بوساطة التدخل العسكري المباشر واحتلال كوت ديفوار، والقائمة تطول بدون شك.9 وفي هذا الصدد كتب الأستاذ: ريم عزمي في الأهرام العربي قائلا: تتزامن أحداث مالي مع ذكرى مرور 520 سنة على سقوط غرناطة (1493)، وقد استعمل الغرب مصطلحا قديما وهو (ريكونكريستا) "أو "حروب الاسترداد" وهي الكلمة الاسبانية التي أطلقت على طرد المسلمين من الأندلس. وقال الدبلوماسي الفرنسي جان فيليكس بجانون (السفير السابق في مصر الممثل الخاص لفرنسا في منطقة الساحل الأفريقي) في حديثه لمجلة جون أفريك الباريسية وهو يتحدث بثقة عن التخلص من الإسلاميين قائلا: الجميع يعمل من الآن من أجل استرداد شمال مالي).10

لقد حاول الأستاذ ميزائف وضع الوقائع كما هي وليس فبركتها عندما لخصها في الآتي:

1-    إن الجماعات الإرهابية لم تظهر في مالي في 2011-2012 وإنما كانت هناك لسنوات (dozens of years) .

2-    إن الوضع انفجر لأن الأسلحة الليبية قد تم الاستيلاء عليها بعد القذافي.

3-    أن السلاح لم يدخل مالي تلقائيا وإنما كان ذلك بفضل التورط الفرنسي في نقل الأسلحة من ليبيا كما تؤكد الوقائع.

ويخلص الكاتب إلى القول بأن المنطق البسيط للأحداث في شمال مالي يثبت بأن الأداء كان جيدا ومصمما بإتقان ويهدف إلى تحضير الرأي العام بـ "حتمية التدخل العسكري".11

4-    كأن هناك ستة أطراف في النزاع المالي قبل التدخل الفرنسي وهي: الجيش الموالي للجماعة الانقلابية والجيش المتمرد وحركة تحرير الأزواد التي أعلنت في 6 أفريل 2012 دولة الأزواد من باريس دون أن تتخذ الحكومة الفرنسية أي موقف رافض أو مندد بالإعلان وهذه الجماعة ساندت القوات الفرنسية منذ دخولها لمالي وهي الآن المحاور الأساسي للحكومة الانقلابية، ثم حركة أنصار الدين التي تريد حلا سلميا وهي مؤيدة للمقاربة الجزائرية والاتحاد الإفريقي ثم الحركة من أجل الوحدة والجهاد في غرب إفريقيا وأخيرا القاعدة.

5-    أن الانقلاب الذي حدث في مالي في 22 مارس 2012، وقبل أيام قليلة من الانتخابات الرئاسية ضد الرئيس أمادو توماني توري كان انقلابا محسوبا بدقة، فالرئيس توري الذي لم يكن مرشحا لعهدة أخرى والذي كان...ضد التدخل العسكري الغربي يشكل عائق أمام السيناريو الفرنسي، وهذا الانقلاب تم التنديد به من قبل مجلس الأمن وعديد من الدول الإفريقية، وكان مستعدا لفرض عقوبات ضد الانقلابيين الذين انتهكوا النظام الدستوري. فالذي هُدد ليس قادة القاعدة ولكن قادة الانقلاب من طرف مجلس الأمن بل ومن طرف فرنسا نفسها وبأقوى تعابير ممكنة ودعت إلى إرجاح العمل بالدستور والمؤسسات. وهنا اتفقت الطغمة العسكرية على وضع الوزير الأول الألعوبة (Puppet)كما يقول كونتوروفيش، لقيادة حكومة مؤقتة والانتخابات المعلقة وهذا لتخفيف الضغط الدولي على الانقلابيين، لكن العسكر بعد ذلك بشهور أزاحوا الوزير الأول في ديسمبر 2012 ويقال بموافقة الإليزيه وهكذا نكون أمام انقلاب على انقلاب.12 وهكذا يكون مجلس الأمن قد أُخذ على غفلة في الانقلاب الثاني في حين أن فرنسا - بخلاف الانقلاب الأول- شجعته.

لقد ضخم الإعلام من الجماعات المسلحة وجعلها جماعات لا تقهر إلا بقوة أكثر منها وهذا حتى يكون التدخل الفرنسي مطلوبا ومقبولا خاصة في ظل عجز الحكومة الانقلابية التي وجهت عدة رسائل لكل من الإكواس وفرنسا ومجلس الأمن. هذا الأخير قدر أن "الحالة في مالي تشكل خطرا يهدد السلام والأمن الدوليين في المنطقة، وأن المجلس بالتالي ينصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة" ولهذا السبب جاء القرار ناصا على تدابير سياسية و أخرى أمنية.فالتدابير السياسية تتمثل في دعوة السلطات الانتقالية في مالي بأن تعجل بوضع إطار ذي مصداقية للتفاوض مع جميع الأطراف في شمال مالي الذين قطعوا جميع صلاتهم بالمنظمات الإرهابية. أما التدابير الأمنية فإنها تتمثل في حث الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية و الدولية على القيام بصورة منسقة بتقديم المساعدة و الخبرة "الفنية والتدريب" ونشر بعثة دولية في مالي بقيادة إفريقية لفترة أولية مدتها عام واحد، تقوم باتخاذ جميع التدابير اللازمة، حماية بما يتماشى مع قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.13 ويؤكد القرار على ضرورة زيادة تحسين التخطيط البشري العسكري قبل بدء العملية الهجومية... ويطلب أن يؤكد الأمين العام مسبقا ارتياح المجلس إزاء العملية الهجومية العسكرية المزمع القيام بها، (بند 11 ص5 من القرار).

وأخيرا نص القرار على حث الدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية على أن تقدم الدعم بصورة منسقة إلى بعثة الدعم الدولية بما في ذلك مجالات التدعيم العسكري، والتزويد بالمعدات، والاستخبارات والدعم اللوجيستي وأية مساعدة أخرى وعهد للجماعة الاقتصادية لحرب إفريقيا (الأسكوا) ESCOA والاتحاد الإفريقي والبلدان الأخرى في المنطقة بمواصلة دعمها للبعثة (بند 14، ص 7) ويختتم القرار بأن يبقى المجلس المسألة قيد النظر كما جاء في البند 25.

6-    مما سبق ، نخلص إلى أنه لا يجب تحميل القرار 2085 ما لا يحمل. فهو لم يرخص لأي عمل أحادي الجانب وهو لم يخرج عن مقتضى الفصل السابع لاسيما العمل الجماعي التدريجي، وعليه فالذي حدث هو خرق فرنسا لما هو متفق عليه.فبعد انتزاعها للقرار سارعت إلى تطبيقه بالطريقة التي تخدمها وتخدم مصالحها وليس مصالح الشعب المالي وذلك عن طريق شن عملية الهر الوحش في 11/02/2013 أي بيوم واحد لاجتماع مجلس الأمن الذي طالب "بانتشار سريع للقوة الدولية" لمواجهة الوضع المتدهور في مالي.

خامسا: المبررات الفرنسية للتدخل العسكري في مالي:

وجدت الحكومة الفرنسية نفسها في مواجهة أمام الرأي العام فسارعت إلى تقديم الأسباب والحجج لتبرير عملها فجاءت التبريرات أقل وضوحا واقناعا ويغلب عليها الطابع العسكري وهي،حسب الأستاذ تيودور كريستاكيس وكارين باليني تتمثل في ثلاث حجج هي:

1-    الدفاع الشرعي الجماعي بموجب المادة 51 من الميثاق (التدخل من قبل الأمم المتحدة وترخيص لدول أخرى بذلك).

2-    موافقة الحكومة الشرعية امالية على التدخل العسكري.

3-    الترخيص من قبل مجلس الأمن، في القرار 2085 وما سبقه من قرارات.14

هذه الحجج مستخلصة من التصريحات المختلفة للمسؤولين الفرنسيين لا سيما الرئيس فرونسوا هولاند ووزير خارجيته لورون فابيوس. فالرئيس الفرنسي أعلن في مؤتمر صحفي بيوم واحد بعد التدخل العسكري في مالي (19-01-2013) بأن فرنسا – وبطلب من الرئيس المالي وتماشيا مع ميثاق الأمم المتحدة - قد ألزمت نفسها بدعم الجيش المالي في مواجهة العدوان الإرهابي الذي يهدد غرب إفريقيا كلها، وأضاف (مهمتنا) تتكون من تحضير نشر قوة التدخل الإفريقية لمساعدة مالي على إعادة الوحدة الإقليمية تطابقا مع قرارات مجلس الأمن أما وزير الخارجية فأعلن من جانبه أن المبررات القانونية للتدخل تتمثل في:

أولا: دعوة وطلب الحكومة مالية الشرعية ، وهنا نكون أمام حالة الدفاع الشرعي.

ثانيا: كل قرارات الأمم المتحدة التي لا تسمح فقط بالتدخل بل تطلب من هذه الدول فعل ذلك لدعم القتال ضد الإرهابيين بخصوص هذا الأمر. وفي تصريح آخر فإن السيد فابيوس ألح على أن فرنسا تدخلت ضمن سياق القرار 2085 والمادة 51 من الميثاق.

إن هذه التصريحات المختلفة والمتباينة تعبر عن التخبط الفرنسي وعلى غياب الثبات والشعور بالحاجة لتقديم تبريرات مختلفة ولكن تهدف إلى تحقيق نتيجة واحدة وهي إضفاء الشرعية على التدخل. في هذا الصدد يؤكد الأستاذان كريستاكيس وبانيلي بالقول:"...إنها دسيسة أو مؤامرة بأن فرنسا شعرت بالحاجة إلى تقديم ثلاث تبريرات قانونية مختلفة"، لأن الاعتماد على حجة واحدة لا يكفي حتى في نظر فرنسا.فما هي قيمة الحجج أو التبريرات التي قدمتها فرنسا؟وهل تعبر عن شرعية التدخل العسكري كما يقتضيه الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وكما يقره القانون الدولي العام؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عليه باستعمال التحليل القانوني وتكون البداية بالحجة المتعلقة بالدفاع الشرعي الجماعي طبقا للمادة 51 من الميثاق:

I-        الدفاع الشرعي الجماعي (المادة 51 من الميثاق)

تنص المادة 51 من الميثاق على ما يلي:

"ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء "الأمم المتحدة" وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي. والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى مجلس الأمن فورا. ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما المجلس-بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم و الأمن الدوليين أو إعادته إلى نصابه".15

طبعا هذا النص يطرح تساؤلات عديدة أهمها: هل النص واضح بما فيه الكفاية؟هل مالي تعرضت إلى اعتداء خارجي من قوة مسلحة كي يطبق هذا النص عليها؟ هل الجماعات المسلحة كانت تهدف إلى إقامة دولة إرهابية على أبواب أوروبا وفرنسا بالتحديد حتى يكون لهذه الأخيرة مبرر للتدخل العسكري ونكون أمام حالة الدفاع الشرعي؟ وبل وأمام حالة الدفاع الشرعي الاستباقي والواسع كما تطبقه إسرائيل مع جيرانها العرب وبالتالي يتحول الدفاع الشرعي من مبرر قانوني إلى تفسير سياسي؟ ثم، أخيراً، لماذا اختارت فرنسا أن تتدخل في نزاع المستعمرة السابقة لها، وليس مثلا في سوريا؟

     طبقا لصحيفة لوموند الفرنسي، فإن فرنسا استعانت (invoked) بالمادة 51 من الميثاق كأساس لتدخلها في مالي خلال اجتماع مجلس الأمن في 14 جانفي (ثلاثة أيام من الهجوم) ولم يعارض أي عضو من أعضاء المجلس هذا التفسير للقانون الدولي. يقول هنا الأستاذين كريستاكيس و بانيلي إذا كان هذا صحيحا أي وجود إجماع داخل مجلس الأمن فإن هذا شيء محير. لكننا نختلف مع هذا التفسير وننزع الحيرة على إجماع أعضاء مجلس الأمن بالقول أن أعضاء المجلس متفقون على محاربة الإرهاب لأنه يمس مصالحهم من جهة وهم مكتوون به لاسيما القوى الكبرى من جهة ثانية.

لكن في المقابل فإن هذا التوافق (consensus) لا يشكل قاعدة قانونية للاعتماد عليها وإنما مجرد موقف.

     إن الإشارة إلى المادة 51 من الميثاق لتبرير عملية "الهر الوحش" إشكالية Problematic(مشكوك فيه لثلاثة أسباب):

1-    لا يوجد هناك هجوم مسلح من طرف دولة أخرى على مالي أو فرنسا.

2-    لا توجد حالة من العدوان غير المباشر كذلك لأن الجماعات المسلحة ليست بالقوة المسلحة الخارجية التي قصدها الميثاق في المادة 51 منه.

3-    الدفاع الشرعي هو ضد جماعات خاصة "حصريا" وإرهابيين معزولين (Lonely) أو وحيدين.

     بالنسبة للنقطة الأولى، فإنه يمكن القول أنالقانون الدولي يشترط لتطبيق وممارسة حق الدفاع الشرعي أن يكون هناك عدوان خارجي على الدولة، وكذلك أخذت محكمة العدل الدولية بهذا الشرط في قضية الجدار العازل سنة 2004 في رأيها الاستشاري قائلة، "بوجود الحق الطبيعي في الدفاع الشرعي على النفس في حالة الهجوم المسلح من طرف دولة ضد أخرى".

غير أن (however) إسرائيل لا تدعي بأن الهجومات عليها تعزى(Imputable) إلى دولة خارجية وكذلك فعلت في قضية الكنغو ضد أوغندا عام 162005.

بالنسبة للنقطة الثانية (العدوان غير المباشر) فإنه ومنذ هجمات 11سبتمبر2001 فإن العدوان غير المباشر كان محل نقاش على أساس أن الهجوم المسلح المقترف من قبل جماعات خاصة يمكن أن يعزى (attribuated) إلى دولة تكون متورطة في مساعدة هذه الجماعات المسلحة. فهل الجماعات المسلحة في مالي مدعمة من أية دولة ؟ الجواب طبعا هو بالتأكيد لا، بل كل الدول المجاورة لمالي كانت حذرة منها أو كانت معادية ورافضة لها. إذن هذه الحجة تسقط كذلك .

     بالنسبة للنقطة الثالثة (الدفاع الشرعي ضد الجماعات الخاصة حصريا، والإرهابيين المعزولين): بعض الكتاب ادعوا منذ هجمات 11 سبتمبر بأن م 51 يمكن استدعائها من أجل استعمال القوة في الدفاع عن النفس ضد الجماعات الخاصة مثل الإرهابيين "بدون رابط الدولة الثالثة" ولكن في إمكان الجماعات شن هجومات مسلحة هامة. لكن كما رأينا فإن محكمة العدل الدولية لم تقبل تمديد مجال المادة 51 من الميثاق لأن ذلك يعد تفسر سيء للمادة من جهة ولأن المحكمة لا تملك صلاحية تغيير النص وإنما السهر على تطبيقه. إلا أن بعض الدول استنكرت موقف المحكمة مثل الو.م.أ وبعض القضاة انتقدوا المحكمة كذلك. فهذا القاضي كوجمانز(kojmans) وجد بأنه: "غير معقول (unreasonable) أن ننكر على الدولة محل الهجوم الحق في الدفاع الشرعي لسبب أنه لا يوجد هناك دولة معتدية17 لكن في المقابل، فإن إجماع أعضاء المجلس على العملية العسكرية أو قبول التفسير الفرنسي للمادة 51 يترتب عليه ثلاث نتائج هي:

1-    أن هذه القضية تمثل تغير كبير في ممارسة الدولة.

2-    أننا نكون نشهد توسيع واضح ومتوافق عليه للمادة 51 والمتمثل في اعتبار الفواعل غير الدولة معنية بالمادة 51.

3-    أن نظرية العدوان الخارجي سيطبق على مالي حتى ولو أن معظم الجماعات هي من الداخل وهذا أمر خطير جدا، لأن هذا يعني إمكانية تصور قيام حكومة تعيش حالة الحرب الأهلية، كما في مالي، وتستعين بقوى أجنبية لقتل شعبها.وهكذا تسقط حجة الدفاع الشرعي ويكون الموقف الفرنسي من الضعف مما يجعلنا نستعين بحجة موافقة الحكومة المالية.

II-    موافقة الحكومة المالية الشرعية.

هذه الحجة تقول بأن الحكومة المالية، باعتبارها صاحبة حق سيادي، تستطيع أن تطلب أي مساعدة خارجية بما فهيا العسكرية ضد الخطر الإسلامي، وأن الحكومة الفرنسية لها الحق في أن تتدخل على أساس ذلك الطلب، لكن الأمر لا يبدوا بهذه البساطة خاصة وأن التدخل بناءا على طلب" قد سبق رفضه سنة 1979 في أفغانستان عندما دخلت القوات السوفياتية ثم رفض في قضايا تشيكوسلوفاكيا والمجر في 1956 فكيف يقبل هنا؟ وهل الطلب يجب أن يقدم من حكومة شرعية ويقبل من حكومة تعترف بمقدمة الطلب؟

يجب التنبيه أولا إلى أن النزاع في مالي هو أساسا نزاعا داخليا وأن الحكومة المقدمة لطلب التدخل هي حكومة غير شرعية وعليه فإن التدخل الفرنسي العسكري الأحادي الجانب والغير مرخص به صراحة يعتبر غير قانوني ولدينا في قرارات الأمم لمتحدة المحرمة للتدخل في مثل هذه الحالة دليل على ذلك، كما أن الأستاذ كيناسيوغلو يؤكد على أن المذهب التقليدي للقانون الدولي يقر بذلك قائلا: "إن المذهب التقليدي للقانون الدولي يسمح بتدخل الطرف الثالث في الحرب الأهلية لمساعدة الحكومة الشرعية، ولكن يمنع تقديم الدعم للمتمردين"18

     فبمفهوم المخالفة فإن القانون الدولي لا يبيح التدخل لدولة ثالثة إذا كانت الحكومة الطالبة للمساعدة غير شرعية.

أما القرارات المانعة لتدخل الطرف الثالث في النزاع الداخلي فتتمثل في قرارا 1949 (أساسات قرار السلم)–( The Essentials of peace resolution)الذي دعى كل الأمم بالامتناع عن أي تهديد أو استعمال القوة المباشرة أو غير المباشرة الهادفة إلى عرقلة الحرية، والاستقلال ووحدة أي دولة وتهييج(fomanting) النزاع الداخلي وتهديم (subverting) إرادة الشعب في أية دولة.

في 1950 صدر القرار رقم 380 نتيجة التدخل أو المساعدة في نزاع داخلي بهدف تغيير الحكومة الشرعية عن طريق التهديد أو استعمال القوة. وبتاريخ 21/12/1965كان هناك قرار بعنوان: "الإعلان عن عدم قبول التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها"، والذي نص:"لا يسمح لدولة التدخل في النزاع المدني لدولة أخرى"، ثم القرار رقم 2625 لعام 1970 المشار إليه أعلاه وكذا التدخل الذي يستعمل وسائل الإكراه ويكون محرما ما عدى إذا كان في إطار آلية الأمن الجماعي ويرخص به مجلس الأمن.

     إن تحديد ما إذا كان الأمر في مالي يشكل تهديد للسلم او الإخلال به أو وجود عدوان يعود إلى مجلس الأمن طبقا للمادة 39 من الميثاق التي يبدأ بها الفصل السابع. وتهديد السلم أو الإخلال به مفهوم يمتد ليشتمل الشؤون الداخلية وليس فقط النزاع بين دولتين..فالحرب الأهلية وانتهاك حقوق الإنسان وقيام نظام قمعي كلها تمس بالسلم والأمن الدولي مما يستوجب على مجلس الأمن التدخل. لكن المشكل المطروح هنا هو السلطة التقديرية للمجلس في تحديد التهديد. وهنا نكون بصدد التفسير الذاتي (اللاموضوعي) وليس بموضوعي وإلا كيف نفسر عدم اعتبار المجلس للانقلاب في مالي كأمر يهدد السلم والأمن الدولي، وكذلك انتهاك حقوق الشعب المالي لاسيما "الأزواد" في حين اعتبر أن الاضطرابات التي ألحقتها الجماعات المسلحة تهديدا للسلم والأمن مما يجعله يمنح لنفسه اختصاص النظر فيها واختصاص تحديد التدابير الواجب اتخاذها؟لو كانت الجماعات أو بعضا منها مؤيدة من قبل دولة مجاورة أو دولة كبرى، فإن الأمر سيتغير كلية مما يجعلنا نقول أن التدخل في مالي هو ذو طبيعة سياسية بغطاء قانوني.

     إن مجلس الأمن رخص بالنشر السريع للقوة تحت القيادة الإفريقية (Afisma) أي بعثة المساعدة الدولية في مالي (African international support in mali) لمدة سنة واحدة. فمجلس الأمن هنا قام بتفويض البعثة الإفريقية وليس فرنسا، لكن هذه الأخير يمكن أن تساعد البعثة لا أن تتجاهلها وتنفرد بالعمل العسكري تحت ذريعة أنها تلقت طلب المساعدة من الحكومة المالية.نحن أمام وضعية مزعجة (awkward). على فرض أن مجلس الأمن لم يتخذ القرار رقم 2085 هل كانت فرنسا ستتدخل بناءً على طلب الحكومة؟ لقد وجهت الحكومة المالية غير الشرعية عدة دعوات للتدخل للحكومة الفرنسية فلماذا لم تستجب هذه الأخيرة إلا بعد تمرير القرار 2085؟ إذاً التدخل بناءً على طلب الحكومة المالية للحكومة الفرنسية يجب أن يخضع لمعايير هي:

-         شرعية الحكومة الطالبة للتدخل.

-         حدود التدخل والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان.

-         أن المساعدة الفرنسية تكون في إطار الدفاع الشرعي عندما تكون الحكومة المالية تحت تهديد خارجي وليس نزاع داخلي؟

لقد حاول الأستاذان كريستاكيس وبانيلي تقديم تفسير يعتبر أن التدخل الفرنسي بناء على طلب الحكومة المالية شرعي ومطابق للمادة 2(4) من الميثاق على أساس أنه "لا يوجد هناك استعمال للقوة من طرف دولة ضد دولة أخرى وإنما يوجد هناك تعاون بين دولتين، ولكن يستدركان بالقول إن مثل هذا التدخل يشكل انتهاك لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول و "مبدأ" حق الشعوب في تقرير مصيرها. حقاً إن التدخل العسكري الفرنسي يشكل انتهاك صارخ للمبدأين كما تخالف محتويات قرار مجلس الأمن، ويتخذ من مكافحة الإرهاب ذريعة لأن الوضع في ما لي كما أثبتنا أعلاه وعبر عنه الوقائع يتجاوز مكافحة الإرهاب ليشمل حرب أهلية بأتم معنى الكلمة، وهنا فإن التدخل الفرنسي لصالح طرف ضد طرف غير قانوني.

ثالثا الترخيص من قبل مجلس الأمن والقرار 2085:

يعتبر هذا التبرير هو الثالث والأخير، ومفاده أن فرنسا تدعي بأن تدخلها قانوني وهو يتماشى مع قرار مجلس الأمن، وأن هذا الأخير قد رخص لها بالتدخل. لكن بالرجوع إلى القرار، نلاحظ أن فرنسا استغلت القرار أكثر من احترام بنوده لا سيما البنود 9، 11، 14 كما سبق توضيح ذلك أعلاه. لذا، فإن فرنسا توقعت أن القرار 2085 سيحتاج إلى فترة طويلة لتنفيذه ما دام تشكيل القوة الإفريقية ليس بمسألة هينة، وأن ذلك سيؤدي إلى سيطرة الجماعات المسلحة بل وتحسين علاقاتها مع الشعب المالي الذي مل السياسات الفاشلة للحكومة واستحسن إدارة الجماعات المسلحة لشؤون السكان الذين رحبوا بها وأن هذه الجماعات يمكن أن تصل إلى العاصمة باماكو.هذه الأسباب وغيرها كانت وراء تجاوز فرنسا للخطوات الإجرائية التدرجية وقفزها بسرعة إلى استعمال القوة بناءً على توقعها أن نشر القوة الإفريقية لن تحدث قبل سبتمبر 2013.فالتفسير الفرنسي للبند 14(ص7) من القرار، إذن، هو تفسير ذاتي منحاز وبعيد عن روح النص. فالنص يحث الدول الأعضاء بتقديم المساعدة للبعثة (وليس الحكومة المالية) كما فسر ذلك الأستاذين كريستاكيس وبانيلي، وكما روج لذلك الإعلام الفرنسي بعد تصريح الرئيس هولند إلى وسائل الإعلام. لذا، فإن مجلس الأمن وقراره رقم 2085 يفوض الاختصاص لبعثة الدعم الدولية وليس فرنسا أو الحكومة المالية بذاتها والعاجزة عن القيام بمسؤولياتها الوطنية تجاه رعاياها. ففرنسا ومالي معنيتان أكثر بدعم عملية التخطيط والتحضير لنشر البعثة الدولية (بند 11)، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا لم يحتج مجلس الأمن على التشويه الصارخ والتفسير الخاطئ لقراره لا سيما البند 14منه؟ طبعا ،قد يكون الجواب هو وضعه أمام الأمر الواقع من طرف فرنسا.

سادسا: الخلاصة:

1-    إن التدخل العسكري الفرنسي في مالي فتح ولا يزال يفتح الكثير من التساؤلات لاسيما القانونية ليس فقط في الكيفية التي تم بها التدخل ولكن كذلك في الأهداف المتوخاة من التدخل وخاصة تلك المتعلقة بإقامة حكومة موالية لفرنسا والتي تحفظ مصالحها الإستراتيجية والاقتصادية وليس التدخل من أجل تحسين وضعية الإنسان المالي وحماية حقوقه وحرياته. كما أن التساؤلات تشمل استعداد فرنسا لتغليب الأسس السياسية على حساب الأسس الأخلاقية والقانونية للتدخل مما يجعل حججها الثلاثة التيتم عرضها محل انتقاد دون استثناء.

2-    إن قرارات مجلس الأمن الخاصة بمالي، وخاصة القرارين 2070(2012)و 2085 (2012)، يندرجان حقا تحت الفصل السابع بدءا بالمادة 39- وانتهاءً بالمادة 51 من الميثاق. ولا يوجد ضمن القرار ما يفيد بتفويض المجلس لصلاحياته إلى أية دولة بعينها ولكن فقط تفويض الصلاحية- ولكن تحت إشراف المجلس- إلى بعثة الدعم الدولية تحت الريادة الإفريقية ممثلة في دول غرب إفريقيا، وأن أي أمر يخالف ذلك هو تجاوز لنص وروح القرار 2085 ولا يعتد بها قانونا كما لا يجب أن يشكل سابقة لأن ذلك يعني رهن إرادة المجلس لدولة واحدة.فالتدخل الفرنسي يبقى غير شرعي حتى ولو كان ضروريا.

3-    أن هناك تناقضات في تحاليل الفرنسيين بخصوص التدخل العسكري وضعف حججهم والمثال ما جاء في مقالة الأساتذة كوكو وكابوري وميلار بعنوان

(The Malian conflict and int’l law)P2..

4-    التوظيف الخاطئ للقانون الدولي ولتوظيف السيئ للأمم المتحدة.

5-    الخوف من تأكيد مقولة أن الاستعمار لم ينته بعد ولكنه جاء بحلة جديدة تسمى القانون الدولي الذي بموجبه تفرض القوى القوية والغنية نفوذها على القوى الضعيفة كما يقول الكاتب البريطاني مونيبوت.19

الهوامش :

[1]- حرب فرنسا بمالي تذكي نزاعات قديمة، على الجزيرة ناتعلى الموقع: www.aljazeera.net/news/pages/6ae75148-cb12-4135-8044-8c8afc3771c9

2-شريف عتلم ومحمد ماهر عبد الوهاب، موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، النصوص الرسمية للاتفاقيات والدول المصدقة والموقعة (القاهرة، بعثة اللجان الدولية للصليب الأحمر، 2005) ص66.

3- Amnesty International, News,” Armed Intervention in Mali-risks-worsening the crisis.”

HTTP://www.Amnesty.org/en/news/armed-Intervention-mali-risks-wo…,P01.

4- MügeKimacioglu, « The principle of non intervention at the United nation: The Charter Framework and the legal Debate », perceptions, (summer2005), p120.

5 - Cathem House, « The principle of non intervention in contemporary international law: Non-interference in a state’s internal affairs used to be the rule of international law: Is it Still …? P7.

6-حرب فرنسا بمالي تذكي نزاعات قديمة، على الجزيرة ناتعلى الموقع: www.aljazeera.net/news/pages/6ae75148-cb12-4135-8044-8c8afc3771c9

7- Amnesty International, News, ” Armed Intervention in Mali-risks-worsening the crisis.”

HTTP://www.Amnesty.org/en/news/armed-Intervention-mali-risks-wo…,P01.

8- الرأي السوري عن جريدة روسيا اليوم، "مالي كنز إفريقيا ومنطقة تقطع مصالح جيوسياسية واقتصادية دولية، ص1 على الموقع:

Htt://www.Spoty/news/printarticle17830.p1

9- Alexander mezyaev, Military intervention in mali: Special Operation to Recolonize Africa, « in global research, January 14,13

10- ريم عزمي، " فرنسا تعيد احتلال مالي في ذكرى سقوط الأندلس تحت مسمى "حروب الاسترداد"، أرشيف السياسة الدولية، 26/01/2013.

11 - Alexander mezyaev, Military intervention in mali: Special Operation to Recolonize Africa, « in global research, January 14,13.

12 - Engene Kontorvich, “France” Mali war and International law “at http://www.volkh.com/20">Http://www.printfriendly.com/print?url=http://www.volkh.com/20...

13- قرار مجلس الأمن 2085 (2012) على الموقع:www.un.org/arabic/doocs/viewdoec.asp ?docnumber.s/res/2085(2012)

14-Theodore Christakis and Karine Bannelier, « French Military intervention in Mali: it’s legal but why? (Parts1 and 2).Http//www.ejiltalk.org/French-Military-Internvention-in-mali-its-legal..

15- لمعلومات أكثر يمكن الرجوع إلى الفصل السابع من ميثاق (المادة 51 منه).

16- Theodore Christakis and KarineBannelier, « French Military intervention in Mali: it’s legal but why? ( Part1 and 2) Http//www. ejiltalk.org/French-Military-Internvention-in-mali-its-legal..

17- مرجع سابق، ص3.

18- MügeKimacioglu, « The principle of new inerventon at the United nation The Charter Framework and the legal Debate », perceptions, (summer2005), 120.

19- جورج مونيبوت، "الاستعمار يعود بحلة القانون الدولي" ، الجزيرة نت، شوهد الموقع: يوم 05/04/2013 .

المراجع

اولا:باللغة العربية

1- شريف عتلم ومحمد ماهر عبد الوهاب، موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، النصوص الرسمية للاتفاقيات والدول المصدقة والموقعة عليها (القاهرة، بعثة اللجان الدولية للصليب الأحمر، 2005)

2-ميثاق الامم المتحدة،منشورات الامانة العامة للامم المتحدة،2000

3- الراي السوري عن جريدة روسيا اليوم، "مالي كنز إفريقيا ومنطقة تقاطع مصالح جيوسياسية واقتصادية دولية،على الموقع:

6-        Http://www.Spoty/news/printarticle17830.p1

4-الامم المتحدة،مجلس الامن،القرار 2085 (جلسة 6898)(20 ديسمبر 2012)

5- الجزيرة نت"حرب فرنسا بمالي تذكي نزاعات قديمة":الثلاثاء 29/01/2013 على على الموقع www.aljazeera.net/news/pages/6ae75148-cb12-4135-8044-8c8afc3771c9

6-ايمان احمد عبد الحليم."عوائق التدخل العسكري الفرنسي في مالي :حسابات باريس" مجلة السياسة الدولية(القاهرة:مؤسسة الاهرام،الخميس07/02/2013)

ثانيا:باللغة الانجليزية

1-[1]- Amnesty International, News,” Armed Intervention in Mali-risks-worsening the crisis.”21,11,2012

2- Alexander mezyaev, Military intervention in mali: Special Operation to Recolonize Africa, in global research,( January 14) 2013

http://www.globalresearch.ca/military-intervention-in-mali-special-operation-to-recolonize-africa/5318820

3-Engene Kontorvich, “France” Mali war and International law “at http://www.volkh.com/20">Http://www.printfriendly.com/print?url=http://www.volkh.com/20..

4-Theodore Christakis and KarineBannelier, « French Military intervention in Mali: it’s legal but why? ( Part1 and 2)

Http//www. ejiltalk.org/French-Military-Internvention-in-mali-its-legal…

5-MügeKimacioglu, « The principle of new intervention at the United nation The Charter Framework and the legal Debate », perceptions, (summer2005)

6-james p.rudolph. ”Intervention in Mali: does R2P Apply?”

7-coco A and A.kabore “The Malion Confloct and International Law” Global Minds February 13,2013