مفهوم التبعية للمسلك وحالة الإصلاحات بالجزائرpdf

 

د: صالح بلحاج

أستاذ محاضر في كلية العلوم السياسية

بجامعة دالي براهيم

ملخص :

في الجزائر كانت فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي مرحلة بناء الدولة الوطنية الحديثة، فيها اتخذت الجزائر خيارات ومبادئ لبناء اقتصادها ومؤسساتها الإدارية والسياسية، وأخذت بنهج معين في تنفيذ سياساتها العامة. وجاءت بعد ذلك فترة الإصلاحات المستمرة من أواخر الثمانينات إلى اليوم. وفي علم السياسة تميزت فترة التسعينات بظهور تيار فكري يسمى النظرية المؤسساتية الجديدة وتطور ضمنه اتجاه يدعى المؤسساتية الجديدة التاريخية يركز أصحابه على فكرة "المسارات الوطنية" في التطور التاريخي للأمم، وعلى مفهوم التبعية للمسلك. هذا المفهوم يعطي أهمية كبيرة ودوراً زائداً لآثار البدايات والأصول في التطورات اللاحقة، ويبين آليات التراكم والترسب التي تحدثها الاختيارات الأولى والسياسات العامة السابقة وكيفية تحولها إلى قيود مدعمة للاستمرارية مانعة للتغير. موضوع هذه المقالة عرض هذا المفهوم وشرح العمليات المكونة له والآليات المتضمنة فيه، ثم النظر في إمكانية تطبيقه على الحالة الجزائرية بقراءة لما نفذ فيها من إصلاحات قراءة معتمدة على مقولاته النظرية.

Résumé

En Algérie, les années 60 et 70 du siècle dernier furent celles de la construction de l’Etat national. Au cours de cette période, l’Algérie fit des choix et adopta des principes pour l’édification de son économie, la mise en place de ses institutions et la mise en œuvre des ses politiques publiques. A partir de la fin des années 80, s’ouvre une période des réformes qui se poursuivent jusqu’à nos jours. En science politique, les années 90 ont été marquées par l’apparition d’un courant de pensée appelé néo-institutionnalisme. Au sein de celui-ci, s’est développé une approche qualifiée de néo-institutionnalisme historique, qui insiste sur l’idée de « trajectoire nationale » dans l’évolution historique des nations et sur la notion de dépendance au sentier. Ce concept, central dans cette approche, souligne l’empreinte et l’influence des origines sur l’évolution ultérieure, en montrant les processus d’accumulation et de cristallisation engendrés par les premiers choix, les politiques publiques passées ainsi que les règles et procédures qui les encadrent et les entourent, et comment ses éléments deviennent des contraintes faisant obstacle au changement et encourageant le statu quo. Cet article a pour objet de faire l’exposé des mécanismes constitutifs de cette notion et de voir ensuite dans quelle mesure il peut être pertinent d’interpréter les réformes algériennes en termes de dépendance au sentier.

Abstract:

Algeria has been witnessed a modernization process of nation state building during the years of 60s and 70s, therefore, Algerian leaders have been chosen a particular choices for economics, political and administrative institutions. Algerian leaders have established also a particular orientation regarding the public policy’s implications to the whole nation.

In the aftermath of Algerian political reforms in the late of 80s, the political science similarly has seen the emergence of new historical institutionalism theory as dominant theory. Although, according to institutionalists the “National trajectories” represents a key element to modernize nations. Therefore the notion of “National trajectories” refers to the ultimate importance of modernization departure points, and how to track modernizations steps, this notion lightened also the different tools of value accumulation of the taken options and their late effects on the current public making process, especially when these options become significant constrains to development process.

Thus, the aim of this paper is to clarify the notion of“National trajectories” and explore its implication on the Algerian reforms experience.

في الستينات والسبعينات من القرن الماضي كانت الهيمنة في علم السياسة بأمريكا خصوصا للنظريات السلوكية والبنيوية الوظيفية ولتحليل الحياة السياسية بمنظور الجماعات والصراع بينها من أجل السلطة والمواقع والمنافع المادية وغيرها من الموارد النادرة. وضد هذه النظريات ظهر في الثمانينات وتطور في التسعينات تيار فكري سمي النظرية المؤسساتية الجديدة1. وعندنا في هذه العبارة مصطلح مؤسساتية ونعت جديدة. المؤسساتية لأن أصحاب هذه النظرية يقولون بأهمية المؤسسات ويركزون على دورها وتأثيرها في السلوك الإنساني عموما وفي الحياة السياسية خصوصا وفي السياسات العامة بوجه أخص، ويوجد عندهم بشأن السياسات العامة تحديداً اعتقاد راسخ بأن بنية المؤسسات السياسية تؤثر في عمل الحكومات وفي كيفية قيامها بهذا العمل. وأما نعت الجديدة فسببه تمسك أصحاب هذه النظرية بالابتعاد عن النظرة القديمة للمؤسسات وتحليلها بالأسلوب التقليدي المركز على المؤسسات الرسمية المتمثلة في الأجهزة الحكومية والهيئات العمومية. أصحاب هذا التيار الفكري ينظرون إلى المؤسسات ويتحدثون عنها بالمفهوم السوسيولوجي للمصطلح كما هو في علم الاجتماع عامة وفي علم الاجتماع السياسي خاصة. والمؤسسات في هذين الحقلين هي القواعد والمعايير والقيم والأدوار والمعتقدات المستقرة الدائمة التي يتقاسمها أفراد الجماعة ويشتركون فيها ويقومون بحفظها وإعادة إنتاجها من خلال احترامهم لها. ويدخل في المؤسسات بهذا المفهوم أيضا جميع أصناف "الروتين" السائدة في المجتمع، يعني الأنماط المحددة الثابتة في التصرف وفي أداء الأعمال والممارسات المؤسسة، التي لها صفة مؤسسة مجسدة في قيمة لها ومعنى بنظر أطراف التفاعل. المؤسسات عند جيمس مارش James Marchوجوهان أولسين Johan Olsen، وهما من علماء الاجتماع الأمريكيين ورواد المؤسساتية الجديدة، قواعد وهذه القواعد ليست فقط "روتين2 وإجراءات واصطلاحات وأدوارا واستراتيجيات وأشكالا تنظيمية وتكنولوجيا يُبنى من حولها النشاط السياسي" ولكنها أيضا "تلك المعتقدات والنماذج والأصول والثقافات والمعارف التي تحيط بالأدوار والروتين وتدعمها وتُعدها أو تناقضها"3.

المؤسساتية الجديدة في حقيقة أمرها تيار فكري واسع أكثر منها نظرية موحدة، فهي من يوم ظهورها تكونت من ثلاثة اتجاهات مختلفة هي المؤسساتية السوسيولوجية ومؤسساتية الاختيار الرشيد والمؤسساتية التاريخية. هذه الاتجاهات الثلاثة يجمعها الاتفاق على القول بأهمية المؤسسات في تحليل الظواهر السياسية وتفرقها أشياء عدة، فلكل منها نظرته الخاصة لدوافع السلوك الإنساني وتعريفه للمؤسسات وتصوره لكيفية تأثيرها في السياسة وتفسيره لظاهرة استقرار المؤسسات ورؤيته لحركية التطور الاجتماعي السياسي للأمم عامة، ولكل منها أيضا منهجيته ومفاهيم يوظفها أكثر من غيرها في تحليل الأشياء السياسية. المؤسساتية التاريخية، وهي التي صنعت المفهوم الذي يهمنا في هذا المقام، تركز على ثقل الاختيارات المتخذة في الماضي وعلى تأثير المؤسسات عامة والمؤسسات السياسية خاصة في القرارات الحالية. الانشغال الأساسي لأصحابها هو الجواب عن سؤال : كيف ولماذا طورت المجتمعات المختلفة مؤسسات مختلفة ؟ كيف تقوم المؤسسات في هذه المجتمعات بصياغة نماذج معينة من الخطاب والعمل السياسي ؟ فلهذه المقاربة كما يدل عليه اسمها بعد تاريخي ظاهر عميق، والمؤسسات عندها من أكثر المتغيرات أهمية وفائدة لقدرتها على تفسير تطورات الأنظمة والمجتمعات السياسية. ومن المفاهيم الأساسية المعتمدة في هذه المقاربة المؤسساتية التاريخية مفهوم التبعية للمسلك الذي هو موضوع حديثنا في هذه المقالة. في الصفحات الآتية نتناول المفهوم بالعرض والشرح لتوضيح معناه وبيان الآليات المكونة له ونصير بعد ذلك إلى النظر في مدى صلاحيته وإمكانية تطبيقه على إصلاحات الدولة بالجزائر.

أولا : في المفهوم من الاقتصاد إلى السياسة

مفهوم التبعية للمسلك4 أو الممر من المفاهيم الأساسية الحاضرة باستمرار الموظفة على الدوام في الاتجاه التاريخي للنظرية المؤسساتية الجديدة، طور استخدامه أصحابُ هذه النظرية من أجل تحليل الحركيات السياسية بالاعتماد على فكرة أن "الخرائط الذهنية" والهيكلة المؤسساتية المميزة للمجال السياسي تتطور تطورا هامشيا بطيئا محدودا وفق "ممر" أو طريق مرسوم حددت حيزه واتجاهه وملامحه الاختيارات الكبرى المتخذة في الماضي. ابتداء من تسعينات القرن الماضي كثر استخدام هذا المفهوم من قبل محللي السياسات العامة بغرض التركيز على ثقل الاختيارات المتخذة في الماضي وعلى تأثير المؤسسات في القرارات الحالية. فهذا المفهوم يسعى إذاً لإبراز ما تخلفه الأصول وبداية الأمور من بصمات في تطور السياسات العامة، وهو عند أصحابه أداة لا غنى عنها لتفسير الاستمرارية في المسارات التي تتطور وفقها السياسات العامة. بعضهم عرف مفهوم التبعية للمسلك بأنه "مفهوم يصف حركات تراكمية مبلوِرة لمنظومات العمل وللخرائط المؤسساتية الخاصة بنظام فرعي معين ومحدِّدة لسكة معينة يسير عليها العمل العام"5.

وجاء مفهوم التبعية للمسلك إلى السياسة من الاقتصاد، فإنه ظهر أول أمره في الاقتصاد وتطور استخدامه في دراسات التنمية المقارنة ثم كان في التسعينات تطور المؤسساتية التاريخية واهتماماتها بالنشأة الاجتماعية التاريخية لمنظومات العام وبالمبادئ والقيم وأنماط العمل وعلاقات القوة المميزة لها في كل بلد على حدة، وانتهى أصحاب هذه المدرسة إلى القول بوجود "مسارات" وطنية متميزة يسير وفقها العمل العام في مختلف البلدان، وتفسيراً لذلك لجأ بعضهم إلى مفهوم التبعية للمسلك فأخذه من الاقتصاد وطبقه في السياسة.

في الاقتصاد

استخدم مفهوم التبعية للمسلك لأول مرة ولمدة من الزمن بعد ذلك في الاقتصاد، وكان استخدامه بالاستناد إلى مفهوم آخر هو أيضا حديث في الاقتصاد يسمى مفهوم المردود المتزايد أو العوائد المتزايدة6. قبل ظهور المفهومين كان التحليل الاقتصادي التقليدي يقول بأن التجديدات التكنولوجية لها آثار تتناقص بمرور الزمن، فكان السائد إذاً فكرة المردود المتناقص. ولكن بعض علماء الاقتصاد لاحظوا حالات توجد فيها حلول أكثر فاعلية من الحلول الجارية ومع ذلك لم يؤخذ بالجديدة ولم تترك القديمة، فانتهوا إلى القول بأن ظهور أساليب جديدة أنجع من القديمة لا يعني أنها ستعتمد من قبل الشركات ضرورةً. فكان سؤال لماذا ؟ في سياق البحث عن الإجابة عبر بعض علماء الاقتصاد عن اعتقادهم بأن التكنولوجيات المستعملة تولد آثار متسلسلة متراكمة ومتزايدة التعقيد إلى حد يصير فيه من الصعب التفكير في حلول بديلة. في هذه الظروف وقع حدث عظيم في تاريخ التطور التكنولوجي وهو ظهور الإعلام الآلي، واكتفى المهندسون عندئذ بنسخ نظام الكتابة المعتمد إلى ذلك الحين في الآلة الكاتبة التقليدية فاستعملوه للكتابة بجهاز الكومبيوتر رغم إعداد آلة جديدة أكثر قدرة وملاءمة للحاجات الحاضرة، وهكذا كان التمسك بنظام الكتابة القديم فلم يؤخذ بنظام الآلة الجديدة ولا كان التفكير في نمط آخر جديد يجعل الكتابة أسرع مما كانت عليه. هذا المثال زاد علماء الاقتصاد اقتناعا بفكرة المردود المتزايد للتكنولوجيات المستخدمة وبظاهرة التبعية للمسلك التي فسروها في مثال الإعلام الآلي المذكور بتكاليف الاستثمار المرتبط باختراع نمط تنظيمي جديد وبآليات التدرب والتعلم والتنسيق التي تبلورت في ظل النظام القديم ورسخت حتى صار التغيير الجذري خارج الاحتمال.

وكان من النتائج العملية لمثال الكتابة بالكومبيوتر وللدراسات التي أنجزت بشأنه أنها منحت علماء الاقتصاد فرصة التثبت من مقولاتهم في مفهومي التبعية للمسلك والمردود المتراكم وسمحت لهم بالتوسع في وصف العمليات المسببة لهما والآليات المتضمنة فيهما. وجاءت استنتاجاتهم تؤكد أن التطور الاقتصادي تسوده ظاهرة التبعية للمسلك وأن السبب في هذه الظاهرة آليات تجعل اختيارا تاريخيا معينا كلما طال أمده صار أكثر تقييدا للحاضر، وأصبح دافعا إلى الاستمرارية مشجعا لها ومانعا من التغير معرقلا له، وأن هذه الآليات الكثيرة في عددها المتزامنة المتضافرة في عملها مرتبطة بظاهرة المردود المتزايد التي تتوقف إذا تم التخلي عن النمط التنظيمي القديم، فتكون النتيجة فقد مردود الاستثمار القديم ومباشرة استثمارات جديدة واستئناف عمليات التعلم والتدرب على الأسلوب الجديد والتنسيق مع الشركاء والفواعل المعنيين بالتغيرات الحاصلة، وكذلك استئناف أعمال التكيف والتوقع الاستقبالي.

وأثمرت تلك الدراسات وصفا مفصلا لظاهرة المردود المتزايد فعرف بأنه جملة آليات تغذي حركة تراكمية تتميز بأربع سمات كبرى :

ـ عدم القابلية للتوقع7، ومعناه أن الأحداث الأولى كالخيارات الإستراتيجية مثلا لها دائما أهمية عظيمة في تحديد التطورات اللاحقة ومع ذلك يبقى من المستحيل توقع الحالات النهائية للسيرورة المنطلقة، فلا أحد يستطيع أن يقول كيف تكون النتائج والمآل الذي تصير إليه الأمور.

ـ الصلابة وعدم المرونة8، يريدون بذلك أنه كلما تقدمنا في سيرورة معينة صار من الصعب اختيار حلول جديدة، فلا يمكن تغيير الطريق، كالسائر في ممر جبلي لا يستطيع الخروج منه بالذهاب يمينا ولا شمالا لوعورة الأرض، ولا بالرجوع إلى نقطة الابتداء لأنه قطع فيه مسافة بعيدة.

ـ عدم تجاهل الأحداث العارضة9، ومعناه أن ما يقع من أحداث أثناء السير في عملية معينة لا يمكن تجاهله، فإن الحوادث تخلف آثارا تعدل الحركية الجارية تعديلا متفاوتا بحسب الحالات ولكن من دون الرجوع إلى الوضع الذي كان حين وقعت الأحداث، فهي إذاً تواصل المسير متطورة في طريقها المعتاد.

ـ قلة الفاعلية المحتملة للمسلك المختار10. هذه السمة معناها أن العملية إذا انطلقت لا شيء يضمن أنها ستعطي أفضل النتائج، فإن البديل الذي تم اختياره ليس البديل الأفضل دائما وضرورةً.

وفسرت ظاهرة التبعية للمسلك وآليات المردود المتزايد في الاقتصاد كما تقدم بالحرص على تجنب استثمارات جديدة وعدم استئناف عمليات التعلم والتنسيق والتوقع والتكيف، وذكر الباحث الأمريكي بول بييرسون Paul Pierson أن المجال الاقتصادي تتوفر فيه شروط تبدو ملائمة لهذه الآليات التراكمية وللتبعية للمسلك الناجمة عنها11. فهناك عمليات التعود12، فالفاعلون يكتسبون عادة العمل في إطار معين ويشتد مع الوقت تمسكهم بأنماط محددة في العمل والتفكير. فإن الممارسات إذا تطورت تدريجيا في اتجاه محدد وفق أنماط معينة صارت في ذاتها قيدا على كل تغيير مفاجئ وأصبحت في الوقت نفسه هي الوسيلة المتاحة لمعالجة النقائص والاختلالات، وهذا يؤدي إلى الاستمرار في ممارستها وإعادة إنتاجها وزيادة تأثيرها بالنتيجة. وهناك أيضا آثار التنسيق13التي تمس الفواعل الدائرين في فلك الدولة من جماعات المصالح والأحزاب السياسية والنقابات ووسائل الإعلام وغيرها. فهؤلاء كلهم يصيرون معنيين بالحركيات الجارية مرتبطين بها ارتباطا قويا معتادين لأنظمتها وأساليبها. وهناك ثالثا عوامل التكيف والاحتياط التي تدفع بالفواعل في المحيط إلى استباق الأحداث، فلا أحد يحب أن يكون مهمشا في العملية المنطلقة، وهذا يجعل الجميع يتوجهون نحو الطريق الذي يرونه أعظم الطرق منفعة وأكثرها ممارسة، يعني طريق سير الفواعل الرئيسية التي هي الدولة والشركات المعتبرة.

وبين عالم الاقتصاد الأمريكي دوغلاس نورث Douglas C. Northأهمية التحاليل المتعلقة بآليات المردود المتراكم لفهم عمليات ظهور المؤسسات وتغيرها، وعنده أن السبب في ظاهرة التبعية للمسلك المشاهدة في الاقتصاد سلوك الأفراد بداخل المؤسسات أكثر من التكنولوجيات نفسها14. وتفسر هذه التحاليل استقرار المؤسسات ومقاومتها للتغير، فإن تغيير الطريق بتغيير المؤسسات معناه فقد تعويض الاستثمارات الأولى ومردوداتها المتراكمة ووجوب الاستثمار من جديد. ولابد في هذه الحالة أيضا من استئناف عمليات التعليم ومن البقاء في وضع التنسيق مع المؤسسات الأخرى، ولابد كذلك من تغيير الحسابات الاستقبالية ومن القدرة على توقع سلوكيات جديدة للنفس وللآخرين من الشركاء وعلى التكيف معها15.

واستخدمت هذه المقولات النظرية لتفسير أحداث وأوضاع اقتصادية كبرى، فذهب بعضهم إلى أن الفروق الدائمة المتزايدة في التنمية الاقتصادية بحسب المناطق الجغرافية سببها الأوضاع والعوامل الإيجابية التي استفادت منها البلدان المتطورة حين قيامها المبكر بالثورة الصناعية مقارنة بظروف البلدان المتخلفة، وبينت أعمال عدة في الولايات المتحدة الأمريكية أن تغلغل مذهب فورد في تنظيم العمل والإنتاج وسر نجاحه توزيع رؤوس الأموال في الولايات المتحدة أكثر من سمة التقدم التكنولوجي المنسوبة إليه.

في السياسة

الباحث الأمريكي بول بييرسون، وهو من علماء السياسة متخصص في تحليل السياسات العامة للحماية الاجتماعية، استأنف المقولات السابقة عن المردود المتزايد وظاهرة التبعية للمسلك في الاقتصاد وطبقها في دارسة العمليات السياسية عامة وفي تحليل السياسات العامة الاجتماعية خصوصا، وكان رأيه أن الآليات المرتبطة بالمردود المتزايد والمكونة لظاهرة التبعية للمسلك لربما كان تطبيقها في السياسة أصلح منه في الاقتصاد، معبرا بذلك عن اعتقاده بأن التبعية للمسلك في الأشياء السياسية أشد مما هي في الأشياء الاقتصادية. كان بييرسون وهو يقول هذا واعيا بصعوبة تطبيق المقولات النظرية الاقتصادية على الظواهر السياسية، فكان عليه إذاً أن يدعم مقالته بما يلزمها من الحجج والمبررات، وهو ما قام به في دراسات متتابعة نشر أهمها سنة 1997 وسنة 2000. في هذه الدراسات ذهب بييرسون إلى أن التبعية للمسلك في السياسة أقوى منها في الاقتصاد، والسبب في ذلك على قوله أن المجال السياسي تتوفر فيه شروط خاصة به وسمات مميزة له تشجع الاستمرار وتقاوم الانقطاع والتغير راسمة بذلك طريقا معينا لتطور العمل العام تهيمن فيه آثار الماضي المتراكمة وثقل مؤسساته على مستوى القواعد والإجراءات وأنماط التسيير والتنظيم وأيضا على مستوى "الخرائط الذهنية"، يعني النماذج والتصورات والمعارف والمعايير المتعلقة بما ينبغي أن تكون عليه سياسة العمل العام في مختلف الأنظمة الفرعية أو الميادين والقطاعات.

وذكر بييرسون جملة من سمات النظام السياسي مشجعة لظاهرة التبعية للمسلك مانعة من كسر قيودها، ونورد هنا ملخص هذه السمات كما قدمها هذا الباحث الأمريكي سنة 199716.

ـ في الاقتصاد يوجد عدد من آثار السوق من شأنها أن تعرقل ظاهرة التبعية للمسلك ومنها الانضباط الناجم عن الخوف من الإقصاء الذي يصيب غير القابل للحياة من الشركات، والإعلام المتداول بشأن الأسعار. وأما في السياسة فلا يوجد مثل هذه الآثار وبالتالي من المفروض أن تكون التبعية للمسلك في الأنظمة السياسية أقوى منها في الأنشطة الاقتصادية أو الاختيارات التكنولوجية.

ـ المجال السياسي يتميز بشدة كثافته المؤسساتية ويترتب على ذلك كثرة القواعد والإجراءات والتشريعات المعقدة، فتصير منظومات العمل العام بسبب هذه الكثافة وذلك التعقيد مقيدة للعمل ولسلوكيات الفاعلين.

ـ المجال السياسي يتميز بتعقيده وقلة شفافيته وبصعوبة الحصول على الإعلام المفيد فيه وتحديد غايات واضحة أحادية المعنى والهدف، ويغلب عليه منظور قريب الأجل كثيرا ما يكون مرتبطا بالمواعيد الانتخابية17، وهذه عوامل مقيدة. فيما يخص أهداف العمل العام يشكل تداخل المصالح وتعقيد المشاكل وقلة وضوحها وتعدد المبادئ والقيم التي يحملها الفاعلون عقبات في وجه الرشادة الصحيحة.

ـ في السياسة ترزح عمليات التنمية المؤسساتية تحت وطأة القواعد الموضوعة في السابق وتظل مقيدة بقواعد الماضي، فإن السياسات العامة السابقة والمؤسسات المحيطة بها والمؤطرة لها تهيكل الحوافز والتشجيعات والموارد الحالية، وبمرور الوقت يصير من المستحيل ألا يُحترم ما حددته الاختيارات السياسية السابقة من قواعد ومعايير لأن إنشاء مؤسسات بديلة يولد تكاليف عالية في صورة استثمارات أولية من التعلم والتنسيق. ولذلك يبدو في الغالب أنه من الأفضل تكييف المؤسسات القائمة بدلا من تعويضها بأخرى جديدة.

ـ المؤسسات توضع في الغالب على نحو يجعلها صعبة التغيير من أجل الثبات أمام حالات التداول السياسي والتقليل من أخطار التقلبات السياسية المستقبلية التي تكون ضرورةً غير معلومة حين وضع المؤسسات. فجمود المؤسسات يعتبر إذاً عند بييرسون أحد العوامل المشجعة على الاستمرار في الطرق السابقة والراهنة. ويريد بييرسون بجمود المؤسسات هنا على وجه الخصوص التمييز المعروف في القانون الدستوري بين الدستور المرن والدستور الجامد. فالأول من السهل تعديله بواسطة قانون عادي. وأما الدستور الجامد وهو الأكثر انتشارا في الأنظمة السياسية المعاصرة فهو خاضع في تعديله لإجراءات خاصة ومعقدة يراد بها الحيلولة دون تعديلات كثيرة. بشأن سمة الجمود هذه المميزة للمؤسسات السياسية باستطاعتنا القول إنها صحيحة تماما في الأنظمة الغربية حيث تكون المراجعات الدستورية نادرة متباعدة في الزمن ولا تتم إلا بعد سنين من التوطئة لها والنقاش حولها، وأنها عملية سهلة في بلدان الجنوب خاصة، ومع ذلك يبقى أن تغيير الدستور حتى في هذه البلدان أصعب من تغيير القواعد المؤسساتية الأخرى. فإنه في الجزائر مثلا رغم المراجعات الدستورية الكثيرة لا تزال الهيئة العامة لتنظيم السلطات العمومية على حالها بالتقريب منذ 1976 كما نراه بعد.

ـ ومن سمات السلوك السياسي لرجال السياسة تقديم المدى القريب، وإذا كان الواحد منهم منتخبا هيكلت سلوكه السياسي في الغالب اعتبارات المواعيد الانتخابية. فالقاعدة في هذا الباب أن الحل إذا كان منطويا على تكلفة في الحاضر والمستقبل القريب رفضه رجل السياسة. وفي واقع الأمر أن الحلول الجديدة التي تحدث التغيير حقا لها دائما تكلفة راهنة منها تكاليف الإنشاء والتعلم، ومحتاجة إلى الوقت لإعطاء نتائج لا يقين لأصحابها بإيجابيتها التامة. ولذلك يكون موقف رجال السياسة الامتناع من المغامرة برأس المال السياسي هذا مفضلين أقل الحلول تكلفة وأسرعها نتيجة يعني الحلول الترقيعية الخفيفة.

ـ العمليات المعرفية المتعلقة بالتأويل الجماعي وبتوفير الشرعية للرهانات وللحياة السياسية هي أيضا خاضعة لآثار التوطيد الذاتي المتراكم. فإن القيام بإعداد تأويلات اجتماعية وسياسية مشتركة ثم النهوض بنشرها يستلزم تكاليف عالية من التوظيف والتعلم. وهذه التأويلات والتصورات تتبناها الفواعل الاجتماعية الأخرى بطريقة تولد آثار التنسيق الناجمة عن ضرورة تقاسم تحاليل ولغة مشتركة وآثار التكيف الناجمة عن ضرورة استباق وجهات نظر الآخرين. والتصورات السياسية الأساسية إذا تم التمهيد لها والتوطئة تغلغلت جذورها وامتدت في أعماق الوعي وصارت في الغالب صلبة عنيدة مؤيدة للاستمرار مقاومة للتغير. وهذا الوجه من العمليات السياسية لا يخص النخب والخبراء وحدهم ولكنه شامل للسكان بأجمعهم. ويتبع ذلك أن الحكومات لابد لها أن تسعى لتغيير وجهات النظر قبل تغيير السياسات العامة، وتغيير الأولى أصعب من تغيير الثانية.

هذه جملة من الخصائص المميزة للمجال السياسي التي تبرر الاعتقاد على رأي بييرسون بأن عمليات التبعية للمسلك في السياسة أشد مما هي في الاقتصاد. وشدد بييرسون في أثناء تناوله لهذه العمليات على الدور الكبير لما سماه "الخرائط الذهنية" للفاعلين. فإن العمليات التراكمية التي تقدم وصفها لا تحدد في الواقع وعلى قوله المنظومات المؤسساتية للعمل العام فقط ولكنها تحدد بنمط الآثار المتراكمة أيضا بنى معرفية ومعيارية خاصة تستخدم لإدراك الواقع وتأويله، فتصير المرجعيات والنماذج أدوات في أيدي أصحابها تستخدم في رسم الحدود الشرعية للعمل العام وتقديم بعض الفاعلين السياسيين والإداريين وبعض الفئات من الجمهور المعني بسياسات عامة معينة، وبالتالي فإن هذه المرجعيات والنماذج من خلال تلك الوظائف تعمل كمقلصات لانعدام اليقين المميز للحياة السياسية وتحدد بعض المحاور المرسومة لتطور السياسات العامة.

والواقع أن دور المؤسسات في التقليل من عدم اليقين بشأن المستقبل أمر متفق عليه في سائر مقاربات النظرية المؤسساتية الجديدة سواء التاريخية والسوسيولوجية ومقاربة الاختيار الرشيد. ومعناه أن المؤسسات لا تتغير بسهولة وأن تغيرها صعب لأن علاقات السلطة تتبلور وتتجمد حول بعض المؤسسات وفي ضمنها، ولأن تغيرها يولد الشك، فإذا تغيرت صار محتملا فقد المستفيدين من الصورة المؤسساتية القديمة لجزء من سلطتهم ونفوذهم ومصالحهم بالنتيجة، ويصير من الصعب أن يُتوقع من يكون المستفيد من الهيكلة المؤسساتية الجديدة، فيكون لهذه الأسباب تشجيع الاستقرار والاستمرار واختياره على التغيير.

بالانطلاق من هذه السمات وعمليات التراكم والتوطيد الذاتي بين بييرسون أن "الاختيارات الأولية المتعلقة بالتصميم المؤسساتي تترتب عليها نتائج للمدى الطويل فيما يخص الأداء الاقتصادي والسياسي"18، وأن "الترسب التدريجي للسياسات العامة التي يمارسها جهاز بيروقراطي متزايد الحجم والتنوع متناقص الانسجام باستمرار يمثل نمط التطور الأكثر احتمالا للسياسات العامة ويشكل بذلك موانع لكل تغيير كبير"19. فإن الفاعلين بعد اندماجهم في مجال عمل معقد يصير ارتباطهم شديدا بالعمليات التي تخدم مصالحهم وتحقق هذا القدر أو ذاك من انتظاراتهم، وتؤطر سلوكهم في مجال ضيق وتبرره لأنها تقوم في عملها بدور العوامل المقلصة لانعدام اليقين. في هذه الظروف يصير تطور العمل العام واحتمالات تغيره مسألة مرتبطة مباشرة بثقل مختلف المتغيرات الراسخة المترسبة بفعل عمليات التبعية للمسلك أكثر منها مسألة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية في ذاتها.

وأراد بعض القائلين بمفهوم التبعية للمسلك اختبار قدرته التفسيرية وصحة المقولات النظرية السابقة فطبقوه على دراسة حالات بعينها في السياسة العامة، وكانت النتائج برأيهم مؤيدة لما ذهبوا إليه في المستوى النظري. بول بييرسون نفسه، وهو من أشهر القائلين بصلاحية المفهوم وبقدرته التفسيرية في المجال السياسي عموما وفي السياسات العامة خصوصا، وظفه على نطاق واسع في دراسته لإصلاحات دولة الرفاه بأمريكا وبريطانيا20، فبين أن ما نفذ فعلا من الإصلاحات المبرمجة كان له في آخر الأمر انعكاسات وآثار أقل بكثير مما أعلنته رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر وانتخبت على أساسه سنة 1979 وأقل مما كان أعلنه الرئيس الأمريكي رونالد ريغان وانتخب على أساسه عام 1980. فبين بييرسون أن الإصلاحات التي نفذت فعلا لم تفض إلى تدمير دولة الرفاه وأن البرامج التي أعدتها وأقرتها حكومتا التوجه الليبرالي المتطرف المحافظ في بريطانيا وأمريكا اصطدمت بحزمة معقدة من القيود المؤسساتية جردتها في آخر المطاف من آثارها ومضارها الاجتماعية المدمرة. وفسر بييرسون ذلك بعوامل مؤسساتية، فذكر بشأن الحالة الأمريكية تضافر عناصر مؤسساتية قامت بدور الكابح لتنفيذ النوايا المعلنة منها التوتر الذي ساد العلاقات بين الرئيس والكونغرس ودور الإدارات المعنية بالإصلاحات المبرمجة وضغوط الفئات والجمهور المعني بالإصلاحات مثل النقابات وجمعيات المتقاعدين.

وبهذا المنظور في التحليل يمكن أيضا وصف الارتباط والعلاقة بين الترسبات المؤسساتية المتراكمة ورسوخ أصناف خاصة من التبادل بين الدولة والمعنيين من رعايا السياسة العامة21. ضمن هذا التوجه وبهذا المعنى بين محلل السياسة العامة الفرنسي باتريك هاسنتوفل Patrick Hassenteufelعلى وجه الخصوص أن الكيفية التي تتكون بها "الدولة المتفاعلة"22مع محيطها من شأنها أن تؤثر في تطور العمل العام. وقام من أجل تحقيق ذلك بتحليل مقارن متزامن للبرامج التي نفذها مختلف الحكومات لمعالجة العجز المتفاقم في منظومات الحماية الاجتماعية، وبين أن الفروق المسجلة في هذا المجال بين فرنسا وألمانيا وبريطانيا مرتبطة بطبيعة التبادلات التي تبلورت وتأسست شيئا فشيئا بين الفئات والفواعل المعنية بهذه السياسات على رأسها الأطباء من جهة والفواعل السياسية الإدارية في كل من هذه البلدان من جهة ثانية23.

لاشك أن مفهوم التبعية للمسلك من المفاهيم التي لقيت رواجا كبيرا ونجاحا ظاهرا ابتداء من أواخر التسعينات ولم يزل هذا شأنه إلى اليوم ضمن أبحاث العلوم السياسية المتعلقة بتحليل السياسات العامة. وهذا المفهوم لتركيزه على آثار الترسب ومقاومة التغير ونزعة الاستمرار في الحياة السياسية قريب من مفهوم "التراكمية"24 الذي يشدد بالطريقة نفسها على محدودية التكييف والتعديل وقلة التغيير في العمل العام.

فجملة التحاليل والمقولات السابقة تركز كما نراه على جانب الاستقرار والاستمرار وعلى محدودية التغير في المؤسسات وفي السياسات العامة. وهذا صحيح، فالملاحظ أن القواعد المؤسساتية والإجراءات والممارسات والتصورات ومنظومات العمل العام تتميز بالاستقرار وبصعوبة التغيير. ولكن الصحيح الملاحظ أيضا أن المؤسسات تصيبها تغيرات مهمة في بعض الأوقات، فكيف يحدث ذلك وما السبب فيه ؟ أصحاب النظرية المؤسساتية عامة والمؤسساتية التاريخية خاصة وذوو الحماس الكبير منهم لتحليل السياسة بمفهوم التبعية للمسلك على وجه أخص لم يكن باستطاعتهم أن يتجنبوا سؤال التغيير هذا، فقاموا من أجل ذلك بوضع فرضيات وصوغ مقولات.

بعضهم فسر التغيير بآثار التراكم الناجم عن الإصلاحات المتتالية المحدودة. في هذا المنظور إذاً يكون بمقدور التغير التدريجي وفق النمط التراكمي أن يحدث إصلاحات ذات شأن وواسعة النطاق25. ويستخدم بعضهم مفهوم "الأوضاع الحرجة"26 لتفسير التغير. أصحاب هذا المفهوم من منظري المؤسساتية التاريخية في نظرتهم لتدفق الأحداث التاريخية وتسلسلها تارة وتداخلها تارة يميزون بين فترات الاستمرارية وفترات انقطاع يسمونها الأوضاع الحرجة، يريدون بها الأوضاع الحاسمة التي تنتج تغيرات مؤسساتية كبرى تعيد توجه التطور التاريخي وتدفع بالبلدان التي تقع فيها إلى الانطلاق في مسار جديد27. وذكروا بشأن العوامل المسببة للأوضاع الحرجة على وجه الخصوص الأزمات الاقتصادية والنزاعات العسكرية28.

واستعمل العديد من أصحاب المدرسة المؤسساتية الجديدة نظرية "التوازنات المتقطعة"29 التي وضعها عالم الأحياء الأمريكي ستيفن غولد Steven Gould عن تطور عالم الكائنات الحية، ففسروا تغير المؤسسات بصدامات تعرض خارج النظام30. أصحاب هذه النظرة يقولون إن المؤسسات تبقى مستقرة زمنا طويلا ثم يكون في أوقات معينة متباعدة وقوع أحداث عنيفة وصدامات خارج النظام تحدث فيها تغيرا كبيرا خلال مدة قصيرة. إلا أن تطبيق نظرية عالم الأحياء هذه في المجال السياسي تعرض لانتقادات كثيرة.

وأنجزت دراسات حديثة حاول أصحابها وضع مقولات نظرية في كيفية تطور المؤسسات. في هذا الباب بينت الباحثة كاتلين تيلين Kathleen Thelenأن المؤسسة نفسها يمكن أن تتغير بواسطة "تحول"31 يصيبها فيجعلها تؤدي وظائف جديدة نتيجة تغير الأشخاص الأعضاء فيها. وبينت أيضا أن إضافة32 طبقات مؤسساتية جديدة إلى المؤسسات الناجمة عن السياسات السابقة يمكن أن يكون أثرها تحويل المجال المعني بأكمله. فيوجد إذاً على قول هذه الباحثة نموذج التغير بالتحول ونموذج التغير بالإضافة.

ثانيا : نظرة على الإصلاحات في الجزائر بمفهوم التبعية للمسلك

وماذا لو حاولنا قراءة الوضع الجزائري في ضوء النظرية المؤسساتية التاريخية الجديدة ومفهومها الأساسي عن المسارات الوطنية في التطور التاريخي ومقولات مفهوم التبعية للمسلك ؟ نظن أنها صالحة لتأويل جوانب عدة من تطورات النظام السياسي والاجتماعي الاقتصادي الجزائري وأن آليات التبعية للمسلك بالجزائر نشيطة.

مرحلة الاختيار والبناء

نعتبر أن السنين الأولى من الاستقلال صادفت ما يسمى في المؤسساتية التاريخية باللحظات الحاسمة، فيها حدث انقطاع في التطور التاريخي للبلاد نقلها من وضع المستعمرة إلى وضع الدولة المستقلة نتيجة الصدام بين قوى الاستعمار وقوى التحرير الوطنية وما تخلله وتبعه من أحداث سياسية ومؤسساتية كبرى. في هذه الفترة التي أعقبت الاستقلال بدأ بناء النظام السياسي الجزائري والدولة الوطنية الحالية، واتخذت اختيارات إستراتيجية كبرى رسمت مسار تطور لا تزال الملامح الأساسية لصورته قائمة إلى اليوم، في الاقتصاد وفي الإدارة وفي السياسة والمؤسسات وفي السياسات العامة الاجتماعية بوجه الخصوص.

في هذه السنين الأولى من الاستقلال كانت التركة الاستعمارية ثقيلة بطبيعة الحال، ولبيان ذلك نذكر فقط أن الجزائر مددت بقانون في ديسمبر 1962 صلاحية التشريعات الفرنسية السابقة باستثناء ما فيها من الأحكام المخالفة للسيادة الوطنية، وأن الهيكلة العامة للتنظيم الإداري بقيت على حالها سواء في تنظيم الإدارة المحلية وفي تنظيم إدارة الدولة وفي نظام الوظيفة العامة، وأن المحاور الكبرى لتوجهات السياسة التنموية التي جاء بها مخطط قسنطينة سنة 1958 بقيت على حالها. ولم يسلم من هذه الاستمرارية الواسعة إلا مجال التنظيم السياسي إذ أخذت الجزائر بنظام الأحادية الحزبية ، بل وفي هذا المجال كذلك لم تكن القطيعة تامة ، فإن التجربة الدستورية الجزائرية كما نعلم اقتبست من يوم ظهورها اقتباسا واسعا من آليات التنظيم الدستوري الفرنسي.

ولكن الذي يهمنا بمنظور ما نقصد إليه أن هذه جميعها كانت خيارات جزائرية اتخذتها الجزائر لنفسها باختيارها ولم تفرض عليها من قبل غيرها، فقد كان بإمكانها اعتماد توجهات أخرى في جميع المجالات المذكورة رغم قيود الماضي الاستعماري وآثاره المتراكمة. فالمهم إذاً أن الجزائر انطلقت في مسلك معين حددته الاختيارات التي أخذت بها أثناء الستينات في مختلف المجالات وأقبلت في إطاره على بناء دولتها واقتصادها وتنفيذ سياساتها العامة وتنظيم إدارتها ومؤسساتها السياسية. ومن الملامح الكبرى لهذا الطريق:

ـ تنظيم اقتصادي إطاره الأساسي القطاع العام وصانعه الأول الدولة ومحركه قطاع المحروقات.

ـ هامشية القطاع الخاص وقلة دوره وتبعية الكثير من فواعله وأنشطته لقطاع الدولة.

ـ سياسات عامة اجتماعية متميزة بتقديم الاعتبارات السياسية وبضخامة دعم الدولة واتساع دورها وتدخلها في القطاعات المختلفة لهذه السياسات كالصحة والتعليم والنقل والسكن ودعم الأسعار وغيرها من وجوه الحماية الاجتماعية.

ـ تنظيم إداري شديد المركزية.

ـ تنظيم سياسي متميز بهيمنة رئيس الجمهورية وبهامشية السلطة التشريعية، وتنظيم دستوري مكرس لهذا وضامن له.

هذه الخصائص أنتجت تشريعات وقواعد وإجراءات ومنظومات عمل وأصنافا من التفاعل والتنظيم في كل واحد من قطاعات العمل العام، وأثمرت ممارسات وسلوكيات ونماذج وقوالب وأنماطا في التفكير والعمل. ولم يكن في مقدورها أن تفلت من آثار التراكم والترسيخ الذاتي. وكان للعمليات والآليات المتضمنة فيها والمرافقة لها ما يكفي من الوقت لكي تعمل عملها وتبلور آثارها المتراكمة وتزيد في شدة تقييدها لما يمكن التفكير فيه من مشاريع الإصلاح والتغيير لاحقا. فهي قد وضعت في الستينات وتطورت في السبعينات والثمانينات، فكانت هذه مدة كافية لارتسام المسار ولقطع مسافة بعيدة في المسلك وتعميق آثار الانطلاق فيه وتقوية قيوده ومضاعفة صعوبات تركه بالنتيجة.

الإصلاحات وصعوبة التغيير

في أواخر الثمانينات وقعت أحداث فرضت جملة من الإصلاحات، فكان ترك نظام الحزب الواحد وإقرار التعددية والأخذ بمبدأ اقتصاد السوق وتغيير كثير من النصوص والتشريعات وتعويضها بنصوص جديدة موافقة للتجربة المنطلقة. بشأن المؤسسات السياسية وضع دستور جديد هو دستور 89، جاء بأشياء جديدة في التجربة الدستورية الجزائرية إلى ذلك الحين على رأسها تأسيس الثنائية في السلطة التنفيذية والفصل بين السلطات وسلطة تشريعية لها في النظام وزن مضمون بانتخابات تعددية حرة وصلاحيات مهمة جديدة للبرلمان كمسئولية الحكومة أمام المجلس الشعبي الوطني الذي صار باستطاعته أن يسقط الحكومة برفض الموافقة على برنامج رئيسها أو عدم التصويت بالثقة له أو بالتصويت على ملتمس رقابة ضده.

وانطلقت التجربة الجديدة، ثم كان ما كان من إيقاف الانتخابات وتجميد الدستور في آخر 1991، وإحياء المؤسسات ثانية في 1996 و1997 بعد جملة أخرى من الإصلاحات المؤسساتية كلها إصلاح لما أُصلح في 1989. واستمرت الإصلاحات في الفترة التالية، تعديل الدستور في 2008 ونصوص المؤسسات الكبرى مثل قوانين البلدية والولاية والانتخابات والأحزاب السياسية في 2011 و2012. والذي يهمنا في هذا المقام قراءة هذه التطورات والتغيرات بمفهوم التبعية للمسلك.

بنظرة أولى سطحية يمكن اعتبار أن أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات تصادف في الجزائر ما يسمى اللحظات الحاسمة في المؤسساتية التاريخية الجديدة، وهم يريدون كما تقدم فترة تقع فيها أحداث كبرى تدفع بالدول والأمم إلى تغيير مسارها. ولكن التأمل الجيد والنظر في حجم ما حدث من تغيرات حقيقية وفي آثار ما أُنجز من إصلاحات والمقارنة بين الأوضاع السابقة للإصلاحات والتابعة لها تدفع إلى القول بأن تلك الفترة لم تكن فترة حاسمة في مسار التطور التاريخي للجزائر المعاصرة، وأن ما وقع فيها من أحداث كانت من صنف الحوادث التي ذكرناها عند وصفنا لخصائص آليات المردود المتزايد وظاهرة التبعية للمسلك. ويدعونا إلى هذا الاعتبار محدودية التغيرات التي وقعت، فإنها كانت بالفعل تغيرات في الهامش كما يقول محللو السياسات العامة من أصحاب نظرية المؤسسات الجديدة والنظرية التراكمية، تغيرات قليلة لم تمس جسد النظام ولم تصبه في مفاصله ولم تغير سماته الكبرى سواء في هيكلته العامة وفي علاقات السلطة وفي توزيع الموارد والمواقع وفي التوجهات والأهداف المحددة لسياسته العامة. فإن الملامح الكبرى لصورته لا تزال قائمة ظاهرة تعمل كقيود على الحاضر والمستقبل شديدة. والأمثلة المؤيدة لهذا كثيرة.

في الاقتصاد لم تؤد محاولات الانتقال إلى اقتصاد السوق التي بدأت في آخر الثمانينات إلى نتائج ذات شأن، فلا يزال الاقتصاد الجزائري محافظا على الصفة التي كانت له دائما، اقتصاد الريع النفطي أولا وآخراً لا اقتصاد سوق وإنتاج. الاقتصاد الجزائري مازال كما كان في حالة إعياء شديد وتخلف بعيد لا يتحرك إلا بفضل أموال المحروقات، ولولا العائدات النفطية لانهار من وقته وساعته. فليس بالجزائر صناعة. قطاع الصناعة بها في عجز مزمن33، فهو في سنة 2010 مثلا لم يساهم في الإنتاج الوطني الإجمالي إلا بـ 5 % من القيمة المضافة34، وهذا أقل من مساهمة قطاع الإدارة والخدمات. وأما حجم الريع النفطي فهو 46 % من إجمالي الإنتاج الوطني و78 % من المداخيل الجبائية و98 % من عائدات التصدير35. ولا يزال اقتصاد السوق مشروعا أكثر منه واقعا في الجزائر، ولا تزال الحكومة تقدم رجلا وتؤخر أخرى في معالجتها لمسألة الخوصصة وفي موقفها من حجم القطاع العام وموقعه ودوره في الاقتصاد، يتجاذبها في كل هذا تيار التحرير الاقتصادي استجابة لمتطلبات العولمة وطبيعة النظام الاقتصادي العالمي الراهن، وتيار أقوى منه يدعوها إلى الاستمرار في اقتصاد موجه ومسير ظهرت نقائصه وثبت عجزه ولكن صعب تركه لطول ممارسته وتراكم آثاره وقوة العلاقات وأهمية المصالح التي تكونت في ظله.

وفي السياسات العامة الاجتماعية تكون المعاينة نفسها، فلا يزال ثقل الماضي ظاهرا وقيوده شديدة. في الستينات والسبعينات بنت الجزائر دولة مهيمنة على كل شيء وقائمة بكل شيء وانتهجت شيئا فشيئا سياسات للحماية الاجتماعية شاملة لجميع القطاعات وسياسة أسعار تقدم الاعتبارات السياسية والاجتماعية على المقاييس والأهداف الاقتصادية. ثم كان التحول النظري إلى التحرير الاقتصادي وإلى اقتصاد السوق الذي يقتضي في جملة ما يقتضيه العمل بحقيقة الأسعار. إلا أن منظومات الحماية الاجتماعية وخصائص السياسات العامة الاجتماعية لا تزال إلى اليوم متميزة بجهود عامة معتبرة ومساهمات عظيمة من ميزانية الدولة في سائر القطاعات الاجتماعية الحيوية كالسكن والصحة والتربية، ودعم واسع لكثير من مواد الاستهلاك الأساسية36. والجزائر في هذا مقيدة في اختياراتها وفي قدرتها على التحرك عاجزة عن التغيير كعجزها عن التحرر من التبعية للمحروقات بسبب آثار الماضي واعتبارات السلم الاجتماعي حاليا. فإنه رغم ضغوط المؤسسات المالية الدولية ورغم اتضاح الاختلالات والنقائص في منظومات للحماية الاجتماعية يفيد منها المقلون الفقراء والمكثرون الأثرياء بدرجة واحدة، ورغم خطر الوصول إلى وضع تصير فيه ميزانية الدولة عاجزة عن تحمل مبالغها المتزايدة، تبدو الجزائر كأنها سجينة سياساتها الاجتماعية الماضية والحاضرة مستمرة في تبعيتها للمسلك لا تدري كيفية الخروج منه ولا تقدر عليه.

وفي التنظيم الإداري أيضا. في آخر الستينات أنشئت مؤسسات إدارية محلية لا تزال من حيث الأساس إلى اليوم، نصيب المركزية فيها غالب تماما على نصيب اللامركزية التي لا تزال في الجزائر مطلبا أكثر منها واقعا، وهذا رغم تعديل قانون البلدية والولاية مرتين منذ أواخر الثمانينات، في 199037وفي 201138 و201239. هنا كذلك كانت التغيرات قليلة هامشية تعلقت خاصة بتغيير الأحكام التي فرضها التخلي عن النموذج الاشتراكي وعن نظام الحزب الواحد والأخذ بنظام التعددية في الانتخابات المحلية. وأما العلاقة بين الجماعات المحلية والدولة من جهة المركزية واللامركزية فلم يعترها تغيير يذكر. في هذا الباب أيضا توجد تبعية للمسلك ويُرى ثقل الماضي وشدة قيوده وصعوبة الخروج منه، فالعيوب والاختلالات ظاهرة والبدائل والمطالب موجودة ولكن التغيير صعب.

وأما في المجال السياسي عموما والدستوري خصوصا فحدث عن التبعية للمسلك ومن غير حرج، سواء في القوى السياسية المهيمنة وفي علاقات السلطة وفي أساليب الحكم والتسيير وفي الترتيبات المؤسساتية والتوازنات الدستورية، لا يزال الماضي حاضرا مقيدا مانعا للتغيير. بشأن الهيمنة في الساحة الحزبية على سبيل المثال يبدو أن التغير الذي حدث يمكن اعتباره في نهاية الأمر مجرد زيادة في العدد وعملية ترخيص لكيانات جديدة بدخول الساحة من دون التأثير في مجريات الأمور مادامت السيطرة لا تزال من نصيب القوة الحزبية نفسها منذ الاستقلال منقسمة إلى فرعين منذ 1997. وأما الأحزاب السياسية التي أتت بها التعددية فأغلبها بالمتفرجين من حول الحلبة أشبه منها بفاعلين فوقها مؤثرين في سير المنازلة وفي نتائجها.

وأما المجال الدستوري فربما صح القول بأنه نموذج جيد لظاهرة التبعية للمسلك في الحالة الجزائرية. بعد الاستقلال زودت الجزائر نفسها بدستور في 1963 من أهم سماته انعدام التماسك وكثرة ما ورد فيه من أحكام مناقضة لواقع النظام الناشئ عندئذ. لم يلبث هذا الدستور أن جمد ثم كان إبعاد صاحبه الرئيس بن بلة في جوان 1965 وإلغاء دستوره بعد نصف شهر من ذلك بأمر 10 جويلية التالي، وحُكمت الجزائر من غير دستور على طول إحدى عشرة سنة وبضعة أشهر. في هذه المدة مورس الحكم بأساليب معينة وتطورت ممارسات وأصناف معينة من علاقات السلطة وعادات في الحكم والتسيير، في إطار مبدأ تركيز السلطة وهيمنة رئيس الدولة وغياب السلطة التشريعية كما سلف ذكره. ثم جاء دستور 1976 مكرسا لهذا الواقع فصارت التوازنات المؤسساتية وعلاقات السلطة القائمة مجسدة في الوثيقة الدستورية. دستور 1963 لم يكن له صدى ولا أثر في التجربة الدستورية الجزائرية لأنه لم يطبق ولم يعمر طويلا ولأنه كان في كثير من أحكامه وآلياته غير منسجم مع واقع النظام والممارسة السياسية، ولأنه أيضا ابن رجل كانت سرعة خلعه وسهولته كسرعة المجيء به ويسره.

وأما دستور 76 فإنه كان بخلاف ذلك. هذا الدستور كان صورة صحيحة غير مقلوبة للواقع سواء في البنية الأحادية للسلطة التنفيذية وفي استئناس السلطة التشريعية وفي اتساع سلطات رئيس الجمهورية، في كل هذا جاء دستور 76 مرسخا لأيام الحكم بدون دستور وضامنا لاستمرارها، فيه كل ما في النظامين الرئاسي وشبه الرئاسي من الأحكام الضامنة لتفوق رئيس الجمهورية ولكن دون أي شيء من القيود والحدود المرسومة لسلطته في هذين النظامين. وهو إلى هذا موافق لنظام الحزب الواحد ومكرس له بفضل أحكام وضعت من أجل ذلك جنبا لجنب مع حزمة الأحكام والآليات المأخوذة من النظامين المذكورين النقيضين له، الرئاسي وشبه الرئاسي. فهذا الدستور إذاً جيد ولا داعي لتغييره، ولهذا تم الاحتفاظ به وتطبيقه كما هو لمدة طويلة، من 1976 حتى أواخر 1988، بعد تعديلات تقنية خفيفة في جويلية 1979.

دستور 76 هذا بخلاف دستور 63 كان بعيد الصدى عظيم الأثر في الممارسة الدستورية بالجزائر، والسبب في ذلك من غير شك ما ذكرناه من انسجامه مع واقع النظام والممارسة السياسية وطول المدة التي طبق فيها ورسوخ ما تبلور في ظله من علاقات السلطة وأنماط العمل والتفكير في الترتيبات المؤسساتية. ورسخ هذا وتراكمت آثاره حتى صار دستور 1976 بمنزلة المرجع والمرشد في تصور الفاعلين لما ينبغي أن يكون عليه النظام الدستوري الجزائري. في آخر الثمانينات تغيرت الظروف فجاءت بدستور جديد هو دستور 89 مختلف حقا عن دستور 76 لأنه أسس ثنائية في السلطة التنفيذية جعلت الحكومة مؤسسة مالكة لمقومات المؤسسة السياسية، فحررت الحكومة من التبعية المطلقة لرئيس الجمهورية بفضل الصلاحيات المخولة لرئيسها ومسئوليتها أمام البرلمان، وضع من شأنه أن يجعل رئيس الجمهورية غير قادر على التحكم فيها إذا كانت الأغلبية في البرلمان معارضة له. وجاء دستور 89 بجديد مهم أيضا إذ أخرج البرلمان من أيدي رئيس الجمهورية بإقرار تعددية الترشيح لانتخابات البرلمان، فصار وارداً أن يجد رئيس الجمهورية نفسه أمام برلمان معمور بقوى معارضة رافضة لمشاريعه، وهو في هذه الحالة لا يمكنه أن يفعل شيئا ضدها سوى ممارسة حق الحل، وهي سلطة معروفة بصعوبة ممارستها لما تتضمنه من خطر رجوع المعارضة نفسها إلى البرلمان في الانتخابات التشريعية التالية للحل في أجل أقصاه ثلاثة أشهر، وصعبة الممارسة أيضا لأن الحل إذا تكرر كانت له آثار سلبية في استقرار المؤسسات واستمرار سيرها. وبدأ العمل بهذا الدستور ثم كان ما نعلمه، جمد دستور 89 في أول 1992 وعدل مرة أولى في 1996 ومرة ثانية في 200840.

النظر في دستور 1996 وفي تعديله سنة 2008 يجعلنا نقول : كان دستور 1989 مجرد حادث عرض في طريق رسمه دستور 1976 وصار في تصور الفاعلين للممارسة الدستورية الجزائرية مسارا جزائريا لا ينبغي الحياد عنه، وأن دستور 1976 صار نموذجا جيدا لهذه الممارسة ومرجعا لها. فإن تعديلات 1996 و2008 كانت في الحقيقة عملية تصفية للجديد الذي أتى به دستور 89 وتصحيحا لما أحدثه من "انحراف وبدعة" في أوضاع دستورية صارت في الوعي تقاليد راسخة وسنة جارية، لطول مدة العمل بها وترسب الأنماط والنماذج التي تبلورت في ظلها وعلاقات السلطة التي تجمدت من حولها والمصالح المرتبطة بها. وهذا مؤكد لإحدى خصائص المردود المتزايد وعمليات التبعية للمسلك التي تقول بأن الأحداث التي تعرض في الحركيات الجارية تخلف آثارا لا تنسى وتدفع إلى العمل من أجل ألا تتكرر، فيكون التصحيح وتواصل الحركية سيرها في طريقها المعتاد بقوة أكبر وصلابة أشد لأن القائمين على أمرها الصانعين لها يصيرون أكثر خبرة وتجربة ويقظة وحرصا على توفير الظروف الملائمة لعملها وعلى تجنب ما يمكن أن يعرقل سيرها. بهذا المنظور نقرأ دستور 1996 وتعديل 2008.

في العلاقة بين رئيس الجمهورية والبرلمان كشف دستور 89 عن "عيب" كبير فيه بحرمان الرئيس من القدرة على التحكم في البرلمان إذا وقع في أيدي المعارضة ومن سلطة للتشريع بأوامر تمكنه من الانفراد بتنظيم القطاعات والمسائل الحيوية بإصدار نصوص تشريعية نافذة من دون مشاركة البرلمان في صنعها. في 1996 كان لابد من معالجة هذه العيوب برد سلطة التشريع بأوامر إلى صاحبها، وتكوين مجلس ثان هو مجلس الأمة ومنحه القدرة الدستورية على رفض النصوص الآتية إليه من المجلس الشعبي الوطني بعد وضع الترتيبات اللازمة لذلك من جهة التشكيل بتعيين رئيس الجمهورية ثلثا من أعضائه واشتراط أغلبية موصوفة عالية في مصادقته، أغلبية الثلاثة أرباع التي قضت على إمكانية مرور النصوص من دون موافقة عدد من المعينين ووضعته في يدي رئيس الجمهورية بالنتيجة. وهكذا عادت الأمور إلى وضعية دستور 1976 وسنته من جهة التوازن العام بين الرئيس والبرلمان، فكان التغيير الذي حدث في هذا الباب شكليا هامشيا حقا، محدودا مقتصرا على ظاهر الأشياء من دون حقيقتها. في 1976 كان مجلس واحد وفي 1996 صار عندنا مجلسان ولكن التوازن العام بين الرئيس والبرلمان واحد.

وبقي العيب الآخر في دستور 1989، هذه الثنائية في السلطة التنفيذية التي أعطت الحكومة رئيسا يشارك رئيس الجمهورية عملية تشكيل الحكومة بوضع قائمة أعضائها ويعد برنامجا يسمى برنامج رئيس الحكومة ويرأس مجلس الحكومة ويوقع المراسيم التنفيذية ويعين في الوظائف التي جعلها الدستور من اختصاصه دون شرط الموافقة من رئيس الجمهورية. هذا الجديد الذي أتى به دستور 89، وهو من دون شك ثمرة التسرع والارتجال وضغط الأحداث التي أحاطت بوضعه، كان لابد أن يصحح. وهو ما حدث في 2008. فتعديل 15 نوفمبر من هذه السنة تعلق كما نعلم بمسألتين، الأولى تعديل المواد الخاصة بتنظيم السلطة التنفيذية والعلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة41. وما فعله في هذا الباب أنه ألغى الصورة التي رسمها دستور 89 وأحيا سابقتها التي كانت في دستور 76 إذ صار رئيس الجمهورية رئيس الحكومة أيضا، يعين أعضاءها ويحدد توجهات عملها في البرنامج الرئاسي وهو الرئيس المباشر لأعضائها يعطيهم التعليمات بداخل مجلس الوزراء وبخارجه، مع وجود وزير أول كما في دستور 1976 أيضا، ينسق أعمال حكومة لا سلطة له على أعضائها، لا برنامج له ولا إمكانية اختيار الوزراء ماعدا تلقي الاستشارة من رئيس الجمهورية بشأن ذلك، يرأس اجتماعات الحكومة بتفويض من الرئيس ولا يوقع مراسيم تنفيذية ولا يمارس سلطة التعيين إلا بموافقته. وفي هذا كله رجوع إلى دستور 76 مع تغيير شكلي هامشي يتمثل في استشارة الوزير الأول عند تعيين الحكومة وفي قيامه بإعداد مخطط عمل يتضمن قائمة الأعمال والأنشطة التي يعتزم مباشرتها لتنفيذ البرنامج الرئاسي.

وأما المسألة الثانية التي شملها تعديل 2008 فهي "حادثة" تسبب فيها دستور 1996 وليس دستور 89، وهي تقييد الولاية الرئاسية بجواز تجديدها مرة واحدة. هذه الحادثة أُدرك خطرها بسرعة فعولجت قبل ظهور أثرها بكسر القيد الذي وضعه دستور 96 والرجوع إلى دستور 89 لأنه سلم من العيب في هذا الباب وإلى دستور 76 باعتباره القدوة الحسنة والسنة المسطرة.

ويبقى في الدستور الحالي شيء أتى به دستور 89 ولم يكن في دستور 76 وهو ضرورة موافقة المجلس الشعبي الوطني على برنامج رئيس الحكومة قبل تعديل 2008 وعلى مخطط عمل الوزير الأول بعده، وضرورة قيام الوزير الأول بتقديم بيان عن السياسة العامة إلى المجلس الشعبي الوطني سنويا، وسقوط الوزير الأول والحكومة إذا رفض المجلس الشعبي الوطني الموافقة على مخطط عمله أو رفض التصويت بالثقة أو صوت على ملتمس رقابة بمناسبة بيان السياسة العامة. فالتساؤل لماذا ؟

لأجل الإجابة عن هذا يمكن اللجوء إلى مقولات أصحاب الاختيار الرشيد في المؤسساتية الجديدة. وهؤلاء في تفسيرهم لاستقرار القواعد المؤسساتية واستمرارها يقولون : المؤسسات تبقى إذا اتضحت فائدتها ويكون تعلق المعنيين والمتأثرين بها على قدر فائدتها وأهمية الوظائف التي تؤديها بنظرهم. في هذا المنظور يكون الدافع إلى إبقاء مسئولية الوزير الأول أمام المجلس الشعبي الوطني مع العلم أنها مسئولية اسمية من دون محتوى وأن الإجراءات الحاسمة منها لن تطبق سببه أمران. الأول أن هذه المسئولية وما يتبعها من آليات الرقابة البرلمانية ستمنح البرلمان أشياء يفعلها بالإضافة إلى التصويت على القوانين. فبهذه الطريقة ستكون فيه من وقت لآخر مناقشات لمخطط عمل الوزير الأول وتصويت وانتقادات شكلية، ويكون سنويا بيان عن السياسة العامة تتبعه جلسات ومناقشات، ويكون بصورة مستمرة وزير أول ووزراء تحت سقف البرلمان يدافعون عن مشاريعهم أمام النواب، وتكون كل خمسة عشر يوما، في إطار الرقابة البرلمانية التي لا تتضمن مسئولية الحكومة، جلسات يجيب فيها الوزراء عن أسئلة أعضاء البرلمان. وهكذا تؤدي المسئولية أمام البرلمان والرقابة البرلمانية على الحكومة وظيفة المنشطات للعمل البرلماني.

والدافع الثاني إلى إبقاء هذه الصيغة فيما يبدو أن إسقاط المسئولية أمام البرلمان، فضلا عن حرمان البرلمان من مصدر مهم لنشاطه، يوقع التنظيم الدستوري عامة في مشكلة كبيرة. فهو يؤدي ضرورةً إلى تغيير الدستور برمته واعتماد صيغة النظام الرئاسي القائمة على الفصل التام بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وهذا يستلزم في جملة أمور أخرى حرمان رئيس الجمهورية من حق الحل ومن أن يكون المصدر الأهم لتقديم مشاريع القوانين، ويقتضي قيام البرلمان بدور أكبر خاصة في مجال المبادرة بالنصوص التشريعية، وهذا غير مرغوب فيه بالجزائر.

***

ذكرنا في صدر هذه المقالة أن الاتجاه التاريخي في النظرية المؤسساتية الجديدة يركز على مفهوم المسارات الوطنية في التطور التاريخي للدول والأمم، وتناولنا في الجزء الأول منها مفهوما أساسيا فيها هو مفهوم التبعية للمسلك الذي يركز على آثار البدايات والأصول الأولى في التطورات اللاحقة مبينا آليات التراكم والترسب التي تحدثها الاختيارات الابتدائية والسياسات العامة السابقة والمنظومات والقواعد المؤطرة لها والممارسات والأنماط الفكرية والسلوكية السياسية المحيطة بها، وكيفية تحولها إلى قيود مانعة للتغير مدعمة للاستمرارية. وأردنا في القسم الثاني منها اختبار المفهوم والنظر في صلاحيته لقراءة الوضع الجزائري، فذكرنا أمثلة رأيناها مؤيدة لمقولاته النظرية، ويغلب علينا الإحساس والظن بأن القيام بدراسات جزئية مفصلة خاصة بقطاعات ومسائل بعينها في النظام الاقتصادي الاجتماعي والسياسي الجزائري يؤدي إلى نتائج مشابهة. وهذه القراءة كما نراه ترجح جانب الاستمرار والدوام في الأساليب والأحوال وواقع الأمور الجارية على جانب الانقطاع والتغيير، فهي إذاً بحسب وضعية هؤلاء وألئك من الناس ومواقفهم ومواقعهم وآمالهم ورغائبهم داعية إلى التشاؤم وإلى التفاؤل معا، التشاؤم لمحبي التغيير فيما يعنيهم من المسائل والسياسات الساخطين على أوضاعها الراهنة الخائفين على مستقبلهم بسببها، والتفاؤل لمحبي الاستمرار لأن الحاضر يوافق أغراضهم ومصالحهم ورؤيتهم لما ينبغي أن يكون عليه العمل العام وواقع الأشياء السياسية على وجه العموم.

هوامش :

[1] Néo-institutionnalisme.

2 روتين، هذه الكلمة كثيرة الدوران عند محللي السياسات العامة، ويمكن تفسير الروتين بأنه ممارسات دائمة مألوفة عفوية شبه آلية يُلتزم بها من دون تفكر ولا نظر في دلالتها.

3 Dans P. Muller, Y. Surel, L’analyse des politiques publiques, Paris, Montchrestien, 1998, p. 42.

4 نستخدم هذه العبارة مقابلا للعبارة الإنجليزية Path dependence وأما علماء الاقتصاد ومحللو السياسات العامة من الفرنسيين فبعضهم يستعمل عبارة التبعية للمر dépendance au sentier وبعضهم يقول التبعية للطريق الذي انطلق فيه السير dépendance au chemin emprunté وبعضهم يقول التبعية للمسافة المقطوعة من الطريق dépendance au chemin parcouru، والمعنى في كلها واحد.

5-Muller et Surel, op. cit., p. 132.

6- بالإنجليزية increasing returns وبالفرنسية les rendements croissants

7-L’imprédictibilité.

8- L’inflexibilité.

9- La non-érgodicité

10-L’inefficience potentielle du sentier emprunté.

11- Cf. P. Pierson, « Increasing Returns. Path dependence and the Study of Politics”, EUE/RSC. Jean Monnet Chair Paper, no. 44, 1997.

12- Processus de routinisation.

13- ويستعملون لهذا أيضا عبارة "شبكات الآثار الخارجية" les externalités de réseaux، ومعناها الآثار الإيجابية أو السلبية التي تحدثها أنشطة الدولة أو الشركات في محيطها سوى السوق ونظام الأسعار.

14 Cf. D. North, Institutions, Institutional Change and Economic Performance, Cambridge, Cambridge University Press, 1990.

15 Cf. B. Palier, « Path dependence (dépendance au chemin emprunté) », dans Laurie Boussaguet, Sophie jacquot, Pauline Ravinet (dir.), Dictionnaire des politiques publiques, Paris, PFNSP, 2006.

16- P. Pierson, art. cit., p. 23 et s.

17-يصح هذا خاصة في البلدان الغربية باعتبارنا.

18- Cité par B. Palier, art. cit., p. 321.

19-P. Muller et Y. Surel, L’analyse des politiques publiques, op. cit., p. 135.

20- P. Pierson, Dismantling the Welfare States ? Reagan, Thatcher and the Politics of Retrenchement, Cambridge, Cambridge University Press, 1994.

21- تعبير رعايا السياسة العامة ressortissants d’une politique publique ويقولون أيضا جمهور السياسة العامة يستخدمه محللو السياسات العامة، ومعناه مجموع المتأثرين بسياسة عامة معينة من أفراد وجماعات وتنظيمات.

22- P. Hassenteufel, « Les groupes d’intérêt dans l’action publique : L’Etat en interaction », Pouvoirs, 74, 1995, pp. 155-168.

23- P. Hassenteufel, Les médecins face à l’Etat, Paris, Presses de Sciences Po. 1997.

24- التراكمية l’incrémentalisme نظرية في الرشادة المحدودة طورها الأمريكي شارل لندبلوم عام 1959 ليبين أن السياسات العامة تتطور تطورا بطيئا محدودا، "على الهامش فقط"، بخطوات صغيرة ـ increment بالإنجليزية معناه درجة في نظام الأجور ـ بسبب القيود الملازمة للعمل العام التي تمنع متخذي القرار من بلوغ الرشادة الحقيقية.

25- Cf. W. Streeck et K. Thelen (dir.), Beyond Continuity. Institutional Change, in Advanced Political Economies, Oxford, Oxford University Press, 2005.

26- Les situations critiques.

27- Cf. P. A. Gourvitch, Politics in Hard Times, Ithaca, Cornell University Press, 1968.

28- Cf. Th. Skocpol, States and Social Revolutions, New York, Cambridge University Press, 1979.

29- Equilibres ponctués.

30- Cf. S. Steinmo, K. A. Thelen et F. Longstreth (eds), Structuring Politics : Historical Institutionalism in Comparative Analysis, Cambridge, Cambridge University Press, 1922.

31- Conversion.

32-Adjonction.

33- البنك العالمي وضع الجزائر في المرتبة 136 من بين 138 دولة قيمت من الأحسن إلى الأسوأ في باب التسهيلات الممنوحة للاستثمار سنة 2010 وفي المرتبة 148 فيما يخص إنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الذي يعد عنده مؤشرا للنمو وإنتاج الثروة.

34- رقم ذكره الوزير الأول في بيان السياسة العامة أمام مجلس الأمة شهر ديسمبر 2010.

35- وهذا أكثر من اعتماد الفنزويلا على النفط بـ 85 % من الصادرات ومن المملكة العربية السعودية بـ 88 %.

36- للمزيد بهذا الخصوص ينظر على سبيل المثال ملف في الموضوع نشرته جريدة El Watan في عددها الصادر يوم الثلاثاء 16 أفريل 2013.

37- قانون رقم 90 ـ 08 مؤرخ في 7 أبريل 1990 يتعلق بالبلدية، وقانون رقم 90 ـ 09 مؤرخ في 7 أبريل 1990 يتعلق بالولاية. الاثنان صدرا في الجريدة الرسمية رقم 15، 11 أبريل 1990.

38- قانون البلدية الحالي، وهو القانون رقم 11 ـ 10 المؤرخ في 22 يونيو 2011، صدر في الجريدة الرسمية رقم 37 يوم 3 جويلية 2011.

39- قانون رقم 12 ـ 07 مؤرخ في 21 فيفريي 2012 يتعلق بالولاية، في الجريدة الرسمية، العدد 12، بتاريخ 29 فيفريي 2012.

40- في الواقع عدل دستور 1989 ثلاث مرات، وإنما تغافلنا عن ذكر تعديل 2002 لأنه خال من الدلالة بالنسبة إلى الإشكالية المعالجة في هذه المقالة.

41- للاطلاع على جملة المواد المعدلة في نوفمبر 2008 ينظر قانون رقم 80 ـ 19 مؤرخ في 15 نوفمبر سنة 2008 يتضمن التعديل الدستوري، في الجريدة الرسمية، العدد 63 الصادر يوم 16 نوفمبر 2008.