التسرب كأسلوب من أساليب التحري في قانون الإجراءات الجزائية الجزائريpdf

 

د: زوزو هدى

أستاذة محاضرة

كلية الحقوق والعلوم السياسية

بجامعة محمد خيضر –بسكرة-

ملخص:

من بين الأساليب الجديدة التي استحدثها المشرع الجزائري في ميدان التحقيق في الجرائم نجد ما يسمى بأسلوب التسرب، والذي يتمثل في قيام ضابط أو عون الشرطة القضائية، تحت مسؤولية ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق العملية، بمراقبة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جناية أو جنحة بإيهامهم أنه فاعل معهم أو شريك لهم أو خاف، في محاولة لابتكار طرق فعالة لمكافحة أنواع معينة من الجرائم، وهي تلك التي تتسم بالخطورة والتعقيد كجرائم المخدرات أو الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية أو الجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات أو جرائم تبييض الأموال أو الإرهاب أو الجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف وكذا جرائم الفساد، فهل فعلا هذا الأسلوب ناجع في مكافحة هذه الجرائم أم لا؟

Résumé:

            Parmit les nouveaux méthodes que le législateur algérien a crée dans le domaine de l’enquête relative à les infractions ,on trouve ce qu’an appelle l’infiltration, ce dernier consiste pour un officier ou un agent de police judiciaire agissant sous la responsabilité d’un officier de police judiciaire chargé de coordonner l’opération, à surveiller des personnes suspectées de commettre un crime ou un délit en se faisant passer, auprès de ces personnes, comme un de leurs coauteurs, complices ou receleurs, tous ca pour faire des méthodes plus efficace pour lutter des crimes spécifiques, celles cis vraiment dangereuses et très compliqués, c’est les infractions en matière de trafic de drogue, de crime transnational organisé, d’atteinte aux systèmes de traitements automatisés de donnés, de blanchiment d’argent, de terrorisme et d’infractions relatives à la législation des changes ainsi qu’aux infractions de corruption l’exigent, es-que l’infiltration a réussi de lutter ces catégorie des infractions ou nom ?

Summary :

Among the new methods developed by the Algerian legislature in the field of crime investigation , we find the so-called manner leakage, which is the establishment of an officer or Aoun judicial police , under the responsibility of the police officer in charge of coordinating the operation, monitoring of persons suspected of committing a felony or misdemeanor Baahamanm it effectively with them or partner them or feared , in an attempt to devise effective ways to combat certain types of crimes , which are the ones that are dangerous and complex crimes of drugs or organized crime, transnational or offenses against the systems of automated processing of data or crimes of money laundering , terrorism or related crimes legislation on dismissal as well as the crimes of corruption , does this method really effective in combating these crimes or not?Google Traduction pour les entreprises :Google Kit du traducteurGadget Traduction

مقدمة:

لقد عرف قانون الإجراءات الجزائية الجزائري عدة تعديلات منها ما كان بتاريخ 20 ديسمبر 2006 بالقانون رقم 06-22، بموجب هذا القانون استحدث المشرع الجزائري أسلوبا جديدا من أساليب التحري الذي لم يكن معروفا في ظل القانون القديم ألا وهو التسرب أو الاختراق كما سماه المشرع في القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، إذ يشكل هذا الأخير إحدى الصلاحيات الجديدة التي منحها قانون الإجراءات الجزائية لقاضي التحقيق التي لم يكن يتمتع بها من قبل ، وذلك لمواجهة أنواع معينة من الجرائم التي تتسم على وجه التحديد بالخطورة والطبيعة الخاصة، إذ تتمثل هذه الصلاحيات في: اعتراض المراسلات وتسجيل الأصوات(التنصت الهاتفي) والتقاط الصور، إضافة إلى الإذن بإجراء عملية التسرب لأجل مراقبة الأشخاص بإيهامهم من قبل الشخص المتسرب بأنه فاعل معهم أو شريك لهم أو خاف، وسوف نقوم بتسليط الضوء على هذا الأسلوب الأخير بغية الإجابة على إشكال محوري يتمثل في: ما هي الآثار القانونية المترتبة على استحداث التسرب كأسلوب من أساليب التحري على سير التحقيقات الجنائية وما مدى فاعلية هذا الأخير في ميدان مكافحة الجريمة؟

ستتم الإجابة على هذا الإشكال من خلال خطة بحث كالتالي:

مقدمة

المبحث الأول: ماهية التسرب

المطلب الأول: مفهوم التسرب

المطلب الثاني: شروط وإجراءات التسرب  

المبحث الثاني: أهداف وآثار التسرب في ميدان مكافحة الجريمة

المطلب الأول: أهداف التسرب

المطلب الثاني: آثار التسرب

خاتمة

المبحث الأول: ماهية التسرب

أمام التطور المذهل الذي يعرفه مجتمعنا في ميدان الإجرام وتطور طرقه وأساليبه، كان لزاما على المشرع ابتكار طرق فعالة وجديدة لمواجهة خطر تزايد وتفاقم هذه الظاهرة، وهذا ما نلمسه في آخر تعديل لقانون الإجراءات الجزائية، فمن الأساليب المبتكرة في هذا المجال نجد استحداث أسلوب التسرب بمعية أساليب أخرى لتفعيل دور البحث والتحري وجمع الأدلة عن الجرائم، وعليه سنحاول من خلال هذا المبحث الإحاطة بمفهوم التسرب وكذا بيان الشروط والإجراءات التي وضعها المشرع الجزائري في هذا المجال من خلال مطلبين على النحو التالي:

المطلب الأول: مفهوم التسرب

التسرب لغة مشتق من الفعل تسرب تسربا أي دخل وانتقل خفية وهي الولوج والدخول بطريقة أو بأخرى إلى مكان أو جماعة .1

     يعد التسرب أو الاختراق تقنية جديدة أدرجها المشرع في تعديل قانون الإجراءات الجزائية سنة 2006، عندما تقتضي ضرورات التحري او التحقيق في إحدى الجرائم المذكورة في المادة 65 مكرر 05، كما يجوز لوكيل الجمهورية، أن ياذن تحت رقابته حسب الحالة بمباشرة عملية التسرب ضمن شروط محددة 2 .

       ويعتبر أسلوب التسرب أو الاختراق تقنية من تقنيات التحري والتحقيق الخاصة تسمح لضابط أو عون الشرطة القضائية بالتوغل داخل جماعة إجرامية وذلك تحت مسؤولية ضابط الشرطة القضائية آخر مكلف بتنسيق عملية التسرب، بهدف مراقبة أشخاص مشتبه فيهم، وكشف أنشطتهم الإجرامية، وذلك بإخفاء الهوية الحقيقة، ويقدم المتسرب نفسه على أنه فاعل أو شريك.3

أما فيما يخص التعريف القانوني للتسرب فقد تناوله المشرع الجزائري في المادة 65 مكرر 12 من القانون رقم 06-22 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 بقوله:"يقصد بالتسرب قيام ضباط أو عون الشرطة القضائية، تحت مسؤولية ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق العملية، بمراقبة الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جناية أو جنحة بإيهامهم أنه فاعل معهم أو شريك لهم أو خاف." هذا ويلاحظ أن المشرع سمى هذه العملية بالتسرب في قانون الإجراءات الجزائية في حين استخدم مصطلح الاختراق في المادة 56 من القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته ، وهما مسميان لمسمى واحد ولهما نفس المدلول.

من خلال التعريف السابق يتضح أن التسرب هو عبارة عن عملية ميدانية تستخدم أسلوب التحري لجمع الوقائع المادية والأدلة من داخل العملية الإجرامية وكذا الاحتكاك شخصيا بالمشتبه بهم والمتهمين وهذا ينطوي على خطورة بالغة تحتاج إلى دقة وتركيز وتخطيط سليم.

من ثم يمكن القول أن التسرب هو أكثر الوسائل تعقيدا وخطورة، لأنه يتطلب من ضابط الشرطة القضائية وأعوانه القيام بمناورات وتصرفات توحي بأن القائم بها مساهم في ارتكاب الجريمة مع بقية أفراد العصابة، لكنه في حقيقة الأمر يخدعهم ويتحايل عليهم فقط، حتى يطلع على أسرارهم من الداخل ويجمع ما يستطيع من أدلة إثبات، ويبلغ السلطات بذلك فتتمكن من ضبط المجرمين ووضع حد للجريمة.2

إذن ترتكز عملية التسرب على ضرورة الحصول على صورة حقيقية على الوسط المراد استكشافه لمعرفة طبيعة سيره وأهدافه وكذا معرفة تاريخ هذه الجماعة وكيفية نشأتها

واختصاصات كل فرد من عناصرها، وأيضا الوسائل التي تعمل بها كوسائل النقل والاتصال وتحديد نقاط قوة وضعف هذه الجماعة، وبعد دراسة الوسط المستهدف يتم اختيار الأشخاص المناسبين لتولي مهمة التسرب.4

المطلب الثاني: شروط وإجراءات التسرب

نظرا لما تتسم به عملية التسرب من خطورة وأهمية فقد أحاطها المشرع بمجموعة من الشروط والإجراءات الشكلية والموضوعية لضمان السير القانوني للعملية وهذا ما سنتناوله من خلال فرعين على التوالي:

الفرع الأول: شروط التسرب

اشترط المشرع في المادة 65 مكرر 11 من قانون الإجراءات الجزائية وجوب أن تقتضي ضرورات التحري أو التحقيق إجراء عملية التسرب، وبمفهوم المخالفة فإن وجود أدلة كافية تعزز الاشتباه أو تدعم الاتهام فإنه لا داعي للمخاطرة بإجراء عمليات تسرب وعليه فإن هذه الأخيرة تجرى عند الضرورة فقط المتمثلة في قلة أو صعوبة الحصول على أدلة وبراهين كافية لتحريك دعاوى عمومية.

كما اشترط المشرع في اللجوء إلى هذا الأسلوب ضرورة ارتكاب أنواع محددة من الجرائم التي تتسم بالخطورة والتعقيد، من ثم فإن الأمر بإجراء عمليات التسرب ليس مفتوحا لكل الجرائم بل هو خاص بمجموعة محددة من الجرائم المذكورة في المادة 65 مكرر 5 من قانون الإجراءات الجزائية، هذه الجرائم هي: جرائم المخدرات أو الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية أو الجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات أو جرائم تبييض الأموال أو الإرهاب أو الجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف وكذا جرائم الفساد، إذن فيما عدا هذه الأنواع المذكورة على سبيل الحصر لا يجوز استخدام هذا الأسلوب.

فما يلاحظ هنا أن المشرع الجزائري عدد هذه الجرائم على سبيل الحصر، وقد يرجع هذا للخطورة الإجرامية لهذه الافعال واثرها على السياسة العامة في الدولة واقتصادها، اما إذا كانت هذه الاعمال في غير هذه الجرائم فإجراؤها باطل.5

الفرع الثاني: إجراءات التسرب

هناك عدة إجراءات تطلبها المشرع لصحة عمليات التسرب، وهذا لإضفاء طابع الشرعية في الحصول على الدليل تطبيقا لمبدأ المشروعية الذي يمثل أساسا لكل إجراء صحيح، سواء من حيث الجهات صاحبة السلطة في الإذن بإجراء عمليات تسرب أو من حيث الجهات المختصة بمباشرة هذا الإجراء.

      ضمانا لمشروعية الدليل المستمد من إجراء عملية التسرب اشترط المشرع ضرورة حصول المتسرب على إذن من وكيل الجمهورية المختص وأن تتم عملية التسرب تحت إشرافه ومراقبته فإن قرر قاضي التحقيق مباشرة هذا الإجراء وجب عليه أولا إخطار وكيل الجمهورية بذلك، ثم يقوم بمنح إذن مكتوب لضابط الشرطة القضائية الذي تتم العملية تحت مسؤوليته، عل أن يتم ذكر هويته فيه.6

كما يجب أن يكون الإذن مكتوبا ومسببا، حيث يذكر في الإذن الجريمة التي تبرر اللجوء إلى هذا الإجراء وهوية ضابط الشرطة القضائية الذي تتم العملية تحت مسؤوليته، ولا بد أن يحدد الإذن مدة عملية التسرب التي لا يمكن أن تتجاوز أربعة (04) أشهر.7

       ويمكن أن تجدد العملية حسب مقتضيات التحري أو التحقيق ضمن نفس الشروط الشكلية، غير أنه يجوز للقاضي الذي رخص بإجرائها أن يأمر في أي وقت بوقفها قبل انقضاء المدة المحددة، وتودع الرخصة في ملف الإجراءات بعد الانتهاء من عملية التسرب.8

     يجوز لوكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق بعد إخطار وكيل الجمهورية أن يأذن تحت رقابته حسب الحالة بمباشرة عملية التسرب إذا اقتضت ضرورات التحري في الجريمة المتلبس بها أو التحقيق الابتدائي في جرائم المخدرات أو الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية أو الجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات أو جرائم تبييض الأموال أو الإرهاب أو الجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف و كذا جرائم الفساد وهذا ما تناولته المادة 65 مكرر 11 ، التي اشترطت ضرورة أن تتم العملية تحت رقابة قاضي يقدر هذه العملية ويراقبها خطوة بخطوة لتلافي حدوث تجاوزات للقانون، ويكون هذا الإذن القضائي مكتوبا ومسببا تحت طائلة البطلان طبقا لأحكام المادة 65 مكرر 15 ، وكما هو معلوم فإن بطلان الإذن يرتب بطلان كافة الإجراءات المتخذة بناء عليه، إذ يشترط أن يذكر في الإذن الجريمة التي تبرر اللجوء إلى هذا الإجراء وهوية ضابط الشرطة القضائية التي تتم العملية تحت مسؤوليته و يحرر بهذا الإذن مدة عملية التسرب و التي لايمكن أن تتجاوز أربعة (04) أشهر و يمكن تجديدها حسب مقتضيات التحري و التحقيق كما يجوز للقاضي الذي رخص بها ان يأمر في أي وقت      بوقفها قبل انقضاء المدة المحددة و تودع الرخصة في ملف الإجراءات بعد الانتهاء من عملية التسرب .

يسمح القانون طبقا لأحكام المادة 65 مكرر 14 لضابط أو لعون الشرطة القضائية أن يستعمل لهذا الغرض هوية مستعارة وان يرتكب عند الضرورة الأعمال التالية: اقتناء أو حيازة أو نقل أو تسليم أو إعطاء مواد أو أموال أو منتوجات أو وثائق أو معلومات متحصل عليها من ارتكاب الجرائم أو المستعملة في ارتكابها، واستعمال أو وضع تحت تصرف مرتكبي الجرائم الوسائل ذات الطابع القانوني او المالي و كذا وسائل النقل و التخزين أو الإيداع أو الحفظ أو الاتصال.

هناك من الفقهاء من يرى في هذه الأعمال خروجا عن مبدأ نزاهة ومشروعية الدليل الجنائي للوصول لغاية أسمى هي ضرورة حماية المجتمع عندما تعجز الأساليب التقليدية للتحري والتحقيق عن مواجهة بعض الجرائم.9

يحرر ضابط الشرطة القضائية المكلف بالتنسيق تقريرا يتضمن العناصر الضرورية لمعاينة الجرائم غير تلك التي قد تعرض للخطر أمن الضابط العون المتسرب، و كذا الأشخاص المسخرين لهذا الغرض وهذا ما تناولته المادة 65 مكرر 13.

إذا تقرر وقف العملية أو عند انقضاء المهلة المحددة في رخصة التسرب و في حالة عدم تمديديها يمكن للعون المتسرب مواصلة المهمة للوقت الضروري الباقي لتوقيف عمليات المراقبة في ظروف تضمن أمنه دون أن يكون مسؤولا جزائيا على أن يتجاوز ذلك مدة أربعة 04 أشهر و إذا انقضت مدة أربعة أشهر دون أن يتمكن العون المتسرب من توقيف نشاطه في ظروف تضمن أمنه يجب إخبار القاضي المرخص الذي يستطيع ان يرخص بتمديدها لمدة أربعة أشهر أخرى على الأكثر، للإشارة فإنه يجوز سماع ضابط الشرطة القضائية الذي تجري العملية تحت مسؤوليته دون سواه لوضعه شاهد عن العملية ، كما يرتب   القانون عقوبات جزائية على كل من يكشف هوية ضابط أو أعوان الشرطة القضائية الذين باشروا عملية التسرب تحت هوية مستعارة في أي مرحلة من مراحل الإجراءات ( المادة 65 مكرر 16).

أما عن الجهات المخولة بإجراء عمليات تسرب فهم ضباط الشرطة القضائية المذكورون في المادة 15 من قانون الإجراءات الجزائية ، ويستثنى من هؤلاء لاعتبارات ميدانية الولاة ورؤساء المجالس الشعبية البلدية بالإضافة إلى مساعدي ضباط الشرطة القضائية وهم الأعوان الذين جاء ذكرهم في المادة 19 من نفس القانون، فالأعوان يمارسون مهامهم تحت مسؤولية ضباط الشرطة القضائية المكلفين بتنسيق العملية وتصدر باسمهم.

كما أضافت المادة 65 مكرر 13 مصطلح المسخرين ويقصد بهم كل الأشخاص من الجنسين يراه ضابط الشرطة القضائية القائم بتنسيق عملية التسرب مفيدا لإنجاز مهمته، وهذا دائما تحت رقابة القضاء.

المبحث الثاني: أهداف وآثار التسرب في ميدان مكافحة الجريمة

بعد الإحاطة بمفهوم التسرب وكذا بمختلف الشروط والإجراءات التي وضعها المشرع لضمان حسن سير عمليات التسرب، سنبرز من خلال هذا المبحث الغاية من إرساء هذا الأسلوب وكذا ما ترتب عن إحداثه في مجال مكافحة الإجرام من خلال المطلبين المواليين:

المطلب الأول: أهداف التسرب

إن الناضر لطوائف الجرائم التي خصها المشرع الجزائري بإمكانية الأمر بإجراء عمليات تسرب بخصوصها والمحددة في المادة 65 مكرر 5 من قانون الإجراءات الجزائية، يجد أنها تندرج ضمن الجرائم المالية والاقتصادية وهي جرائم خطيرة آثارها وخيمة على المجتمع كالهلاك الناجم عن المخدرات، والأضرار الجسيمة التي تلق الاقتصاد الوطني من ارتكاب جرائم غسيل الأموال وغيرها من جرائم الفساد الأخرى ، فهي جرائم سريعة الانتشار وعابرة للحدود الوطنية ، كما أنها تسخر عددا كبيرا من المجرمين وجرائمها قائمة على التخطيط و استخدام كل الوسائل محو آثار الجريمة وطمس معالمها ، كما أنها تدر أموالا طائلة على الضالعين فيها.

     المبدأ العام طبقا لقانون الإجراءات الجزائية أن كل أعمال الضبط القضائي أو كل عمل منفرد ينجز يجب أن يدون على محضر، كما أن المشرع الجزائري وبتقنينه لعملية التسرب وفي المادة 65 مكرر13 نص صراحة على أن ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق عملية التسرب دون سواه ملزم بتحرير تقرير عن عملية التسرب هذا التقرير يكون كتابيا يتضمن العناصر الضرورية للعملية والتي يمكن أن نفهم منها (مراحل العملية، الأفعال المجرمة، هوية العناصر المشتبه فيهم وكذا ألقابهم أو أسمائهم المستعارة، دور كـل واحـد فيهـم فـي الأفعـال الإجراميـة، طـرق تعاملهـم مـع الإجرام الوسائل المادية والأدلة المحجوزة وكذا ذكر الأماكن والعناوين وكل ما هو متصل بالأفعال المعاقب عليها المرتبطة بالجريمة الأصلية، وهنا يستحسن أن يخضع التقرير إلى التسلسل الزمني والأفعال الرئيسية والأدلة والبراهين المتحصل إليها.

   كما أجاز المشرع في النصوص المنظمة للعملية، التخلي أو عدم ذكر العناصر حسب التقدير الملائم التي يراها تعرض عون الشرطة القضائية الذي قام بالتسرب للخطر وتمس بأمنه وسلامته، وكذا العناصر التي تتعلق بالأشخاص المسخرين للعملية وهذا لتفادي تعريضهم أيضا للخطر ويعد كحماية لهم وفي نفس الوقت التزام بالسر المهني.

دون أن ننسى الجرائم الإرهابية التي عانى منها الشعب الجزائري لسنوات ألحقت دمارا بالمنشآت الحيوية في الدولة مما أدى إلى حصول ضرر كبير في الاقتصاد الوطني من مختلف جوانبه، وخسائر معتبرة في الأرواح زعزعت أمن واستقرار الدولة.

لكل الأسباب السالف ذكرها كان لزاما على المشرع أن يطور ويعمل على تحديث وسائل البحث والتحري للكشف عن الأدلة و الحجج التي تفي بتحقيق غرض حق الدولة في عقاب كل من يخل بالنظام والعام والأمن العام في المجتمع، ذلك أن الاكتفاء بطرق البحث التقليدية ستكبل جهات التحقيق وتجعل من المستحيل عليها أن تحصل على براهين جازمة للكشف عن وقائع وماديات الجرائم وكذا نسبتها إلى مرتكبيها، مما يؤدي إلى إفلات المجرمين من العقاب، ونظرا لخطورة عمليات التسرب فقد أكدت المادة 65 مكرر 16 على ضرورة عدم إظهار الهوية الحقيقية لضباط الشرطة القضائية وأعوانهم قبل وأثناء وبعد العملية، وكل مخالفة لهذا التستر تشكل جنحة تصل العقوبة فيها إلى 20 سنة، وبعد انتهاء عملية التسرب يجوز سماع ضباط الشرطة القضائية كشهود على العملية طبقا لأحكام المادة 65 مكرر 18 من قانون الإجراءات الجزائية.

المطلب الثاني: آثـار التسـرب

    بعد انتهاء عملية التسرب تتمكن جهات البحث والتحري وعلى رأسها وكيل الجمهورية و قاضي التحقيق من الوقوف على التفاصيل الأساسية لارتكاب الجرائم، وكذا تحرير محاضر تشكل أدلة تخدم الدعوى وتعطي نظرة عميقة لحقيقة ما يحدث في بؤر الإجرام وداخل العصابات، كما تطرح أمام جهات الحكم بما لها من حرية في تقدير ما يعرض عليها من أدلة مختلف المحاضر المحررة بطرق احترمت فيها الشروط الشكلية والموضوعية، وكل مخالفة تهدر ما يترتب عنها، كما تقدم للقاضي الفاصل في الدعوى شهادات لشهود عيان خاطروا بأنفسهم للحصول على الدليل، وهذا كله لتحقيق الهدف الأساسي من الدعوى العمومية تحديدا والإثبات الجنائي عموما المتمثل في البحث عن الحقيقة والكشف عنها.

في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى المخاطر الجسيمة التي يمكن أن يتعرض لها المتسرب بعد انتهاء عملية التسرب في حياته والتي يمكن أن تمتد إلى أفراد أسرته ، وهنا وفر المشرع حماية لهؤلاء من خلال العقوبات المنصوص عليها في المادة 65 مكرر 16 من قانون الإجراءات الجزائية التي تنص على معاقبة كل شخص يكشف هوية ضباط الشرطة القضائية بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات وبغرامة من 50.000 دج إلى 200.000 دج، وإذا تسبب الكشف عن الهوية في أعمال عنف أو ضرب وجرح على أحد هؤلاء الأشخاص أو أزواجهم أو أصولهم المباشرين تكون العقوبة بالحبس من 05 إلى 10 سنوات وغرامة من 200.000دج إلى 500.000 دج، وإذا تسبب هذا الكشف في وفاة أحد هؤلاء الأشخاص تكون العقوبة بالحبس من 10 سنوات إلى 20 سنة والغرامة من 500.000 دج إلى 1.000.000دج .

كما رتب المشرع حماية أخرى تتمثل في عدم تقديم العون المتسرب للإدلاء بشهادته شخصيا حفاظا على حياته، بل يقتصر الأمر على إدلاء ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق العملية وحده دون سواه بشهادته تحت مسؤوليته .

خاتمة

لنخلص إلى القول أنه لا بد من إحداث التوازن بين حق المتهم في الدفاع وحق الدولة في العقاب، وهذا لا يتحقق إلا بإرساء مجموعة من الضمانات التي تحمي المتهم من أي تعسف أو إجحاف في جو من الكرامة تضمن فيها المشروعية، وبالمقابل تمكين الجهات المختصة بالبحث والتحري وجمع الاستدلالات والتحقيق في الجرائم بمختلف الوسائل التي تواكب التطور العلمي والتكنولوجي، من خلال استحداث طرق ووسائل جديدة في البحث دون الخروج عن مقتضيات احترام المشروعية، وهذا لضمان الوصول إلى الهدف الأساسي الذي من أجله وجدت الدعوى ألا وهو مكافحة ظاهرة الجريمة والحد منها قدر الإمكان.

قائمة المراجع :

1-     المصادر والقوانين:

1– سهيل حسيب سماحة، معجم اللغة العربية، الطبعة الأولى، مكتبة سمير،1984.

2- القانون رقم 06-22 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 المعدل والمتمم لقانون الإجراءات الجزائية الجزائري.

3-القانون رقم 06-01 المؤرخ في 21 محرم عام 1427 الموافق ل 20 فبراير سنة 2006، يتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته.

2-     الكتب:

1- نجيمي جمال، إثبات الجريمة على ضوء الاجتهاد القضائي دراسة مقارنة، دارهومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2011، ص 451.

-02محمد حزيط، مذكرات في القانون الإجراءات الجزائية الجزائري، الطبعة الرابعة، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، ص 134.

-03 محمد خريط، قاضي التحقيق في النظام القضائي الجزائري، الطبعة الثانية، دار هومه، الجزائر، 2009،-

-04عبد الرحمان خلفي، السلطات الإدارية المستقلة، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر 2000.ص ص 74-75

3-     الرسائل الجامعية:

1-حريزي ربيحة، "إجراءات جمع الأدلة ودورها في الكشف عن الجريمة"، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 2001، ص 59.

2-زوزو زوليخة، "جرائم الصفقات العمومية"، رسالة ماجستير، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2011

التهميش:

1– سهيل حسيب سماحة، معجم اللغة العربية، الطبعة الأولى، مكتبة سمير،1984، ص 130.

2- نجيمي جمال، إثبات الجريمة على ضوء الاجتهاد القضائي دراسة مقارنة، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2011، ص 451.

3- حريزي ربيحة، "إجراءات جمع الأدلة ودورها في الكشف عن الجريمة"، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 2001، ص 59.

4- زوزو زوليخة، "جرائم الصفقات العمومية"، رسالة ماجستير، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2011، 72.

5- محمد حزيط، مذكرات في القانون الإجراءات الجزائية الجزائري، الطبعة الرابعة، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، ص 134.

6- محمد خريط، قاضي التحقيق في النظام القضائي الجزائري، الطبعة الثانية، دار هومه، الجزائر، 2009، ص 115.

7- المادة 65/02،03 مكرر 15 من الأمر رقم 66-155 متمم بموجب المادة 14 من القانون رقم 06-22 يتضمن قانون الإجراءات الجزائية.

8 - المادة 65/04 مكرر 15 من الأمر رقم 66-155 متمم بموجب المادة 14 من القانون رقم 06-22، يتضمن قانون الإجراءات الجزائية

9 -المادة 65 مكرر 11 من الأمر رقم 66-155 متمم بموجب المادة 14 من القانون رقم 06-22، يتضمن قانون الإجراءات الجزائية.

10-عبد الرحمان خلفي، السلطات الإدارية المستقلة، دراسة مقارنة، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر 2000.ص ص 74-75