إشكالية مصطلح الحيّز في الكتابة النّقدية عند عبد الملك مرتاض.pdf

تحليل رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ  نموذجا

د. عبد الرحمن بن زورة 

جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم (الجزائر)

ملخص :    

تجلّى استخدام مصطلح الحيّز في النّقد الجزائريّ على الخصوص، فقد أولاه عبد الملك مرتاض اجتهادا خاصًا بدأ بضبط المصطلح على المستوى المعجميّ ثمّ مارس مفاهيمه في أعماله وإجراءاته النّقديّة،لقد آثر عبد الملك استخدام مصطلح الحيّز مقابلا لمصطلحl’espace/spaceمن بين عدّة مصطلحات ذات مفاهيم متقاربة ومتداخلة ومنها: الفراغ الّذي نجده من حول الأرض، وعبر الكون الخارجيّ، فهو أخصّ من الفضاء الّذي هو أشمل وأكبر مساحة .وبعزف عن لفظ المكان لأنه استعمال تّقليديّ يشيع سذاجة في الدّراسات النّقديّة الرّوائيّة ويقف عاجزا عن احتمال الأخيلة في تحليقاتها المجنّحة،وعليه فإنّ اختيار عبد الملك مرتاض للفظ الحيّز قناعة راسخة ومسعى لا رجعة فيه.

Résumé :

L’utilisation du terme « Haïz » dans la critique arabe algérienne s’est faite grâce ã Abdelmalek Mortad. Ce Dernier s’est spécialement penché sur ce terme ̦en commençant par le définir au niveau lexical et  préciser son sens ̦ puis en ayant recours à ses notions dans ses travaux et procédures critique. Aussi il a opté pour l’utilisation du terme « Haïz » comme synonyme des termes  Espace /Space ̦ le préférant à plusieurs autres termes avec des significations rapprochées et entremêlées comme :le vide ̦ lequel est plus spécifique que l’espace  et moindre en superficie ̦ et aussi :le lieu ̦qui n’est autre que de la géographie  et    une utilisation traditionnelle répondue dans l’éventualité de l’imaginaire.

Par conséquent ̦le choix de Abdelmalek Mortad  du terme « Haïz » est la manifestation d’une démarche irréversible .

الكلمات المفتاحية:  الحيّز/الفضاء/ المكان/ الفراغ/ التكامل المكاني/الرواية / النقد/التحليل.


يمثل "عبد الملك مرتاض( [1]) قامة عالية في ساحة النّقد العربي المعاصر عموما، وفي النّقد الجزائريّ خصوصا، بل إنّه ليجدر الاعتراف بما له من سبق في إرساء قواعد الحركة النّقدية العربية المعاصرة، ومحاولة رسم ملامح المدرسة النّقدية الجزائرية المتميّزة.

فقد ظلّ منذ ثمانينيات القرن الماضي منشغلا بالدّراسات الحديثة الّتي تجمع بين التّراث والحداثة، وتعالج الشّعر والسّرد، حيث مكّنته ثقافته من الاطّلاع على المناهج النّقدية الغربية، والاستفادة منها أيّما استفادة، وظهر ذلك جليّا في خوضه مجال التّنظير والتّطبيق في أبحاثه ودراساته ومؤلّفاته الغزيرة، هذه الغزارة، رافقتها غزارة تعميق المنهج لمسايرة النّضج والتّحوّل الفكريّ رغبة منه في تجاوز التّقليد، وذلك باستثمار النّظريات النّقدية العربية القديمة، مع الحرص على تأسيس نظرية عربية حداثية أصيلة متفتّحة، تواشج بين آليات التّعامل مع النّص الأدبي، وتمزج بين تقنيات مقاربته الإجرائيّة، «فعبد الملك مرتاض لم يترك منهاجا نقديا ألسنيا أو إجراء سميائيا إلاّ واعتمد عليه في مدارسة النّصوص الأدبيّة»([2]) بل إنّه تطرّق بمنهجه هذا إلى جميع أشكال الأعمال الأدبيّة قديمها وحديثها، شعريّها وسرديّها كما أولى اهتماما بالغا  بالأدب الشّعبيّ.

1 / اصطناع المصطلح لدى عبد الملك مرتاض: لقي المصطلح على يد عبد الملك مرتاض اهتماما بالغا، ونال رواجا لا نظير له، فما فتئ منذ عهده بالنّقد يؤسّس له، يرسي قواعده، ويسعى إلى تأصيله مستثمرا قوّته اللّغوية ومُكنته البلاغية، وسعة اطّلاعه على الثّقافة الغربية حتّى غدا «أكثر النّقاد الجزائريين اهتماما بالمصطلح اللّسانياتيّ، يحاول التّعامل معه بكلّ ما أوتي من ثروة لغويّة هائلة تمتدّ قواعدها إلى التّراث العربي القديم ببلاغته وموروثه الأدبيّ الزّاخر، ويخوض في تفرّعاته محكوما بالحدود العامّة الّتي حدّدها النّقاد القدماء. أو كما هو في المعاجم اللّسانية الغربية، كما نجده ينحت مصطلحاته باستمرار، بلغته التحفة ذات الأدبية الخارقة والخصوصيّة المتفرّدة، وقاموسه اللّغوي الثّري، فخصوصيته خصوصية الرّجل المبدع المطّلع على خبايا اللّغة العربية وأسرارها».([3])

وظلّ مرتاض وفيا لمشروعه الأصيل من خلال منجزاته المتراكمة، والممتدة طوال ثلاثة عقود من الزّمن ، وإدراكا منه أنّ نواة المنهج ولبّه هي المصطلح فقد «كان من أكثر النقّاد العرب وعيا بأهميّة المصطلح، ومكانته داخل الخطاب النّقديّ».([4])

ولذلك وفّق في الجمع بين التّراث العربي والحداثة الغربية في ازدواجيّة ثقافية تراثية حداثية عبر رؤية «تمثّل قفزة نوعية، وإنجازا مهمّا في الدّراسات النّقدية الغربية الحديثة، سواء من حيث صرامتها المنهجية، أو من حيث تماسكها الفكريّ وفاعليتها العلمية، ووجاهة طروحاتها أو من حيث تأصيلها النّقدي وتبييئها المعرفي، ولغتها المقبوليّة الواصفة،والّتي تنضح نصاعة وفصاحة وإشراقا».([5])

2 / إشكاليّة مصطلح الحيّز عند عبد الملك مرتاض: تبرز إشكاليّة مصطلح "الحيّز" لدى عبد الملك مرتاض في طليعة اهتماماته المصطلحيّة البنيوية والسّميائية، ولذلك فإنّ الدّارس لأعماله النّقدية الحداثية، يجدها عامرة بمناقشة شؤون الحيّز في اللّغة، وفي الاصطلاح وفي الدّلالة، فما فتئ يقلب مفاهيمه ومعانيه، ويفحص استخدام النّقاد له، ويمحّص حدود الفرق بينه وبين عدّة مصطلحات تحيط به وتتداخل معه، لقد بدا إصراره على تأكيد خوضه في شأن الحيّز في جلّ أبحاثه، وعلى درجة من التّفاوت في الإلحاح والأهميّة، ومن النّماذج النّقدية الّتي كرّر فيها الوقوف على مسألة الحيّز وما يرادفه كالفضاء، أو يرتبط به كالمكان ،أعماله الآتية: سواء في الخطاب الشّعري أو الخطاب السّردي:

1-الخطاب الشّعري([6]):

عنوان الكتاب

الفصل المخصص لدراسة الحيّز مع الترقيم

1-بنية الخطاب الشّعري، دراسة تشريحية لقصيدة أشجان يمانية ط1991

الفصل الثالث: خصائص الحيّز الشّعري من ص77 إلى ص107.

2-ألف، ياء، تحليل مركّب لقصيدة أين ليلاي لمحمّد العيد آل خليفة ط2004.

الفصل الرابع: الحيّز الشعري في نصّ أين ليلاي من ص173 إلى ص179.

3-التّحليل السميائي في الخطاب الشّعري، تحليل مستواتي لقصيدة شناشل ابنة الحلبي ط2001

المستوى الثاني: الحيّز والتّحييز في اللّغة الشّعرية لدى السيّاب من  ص113 إلى ص148

4-الأدب الجزائريّ القديم دراسة في الجذور ط2005.

القسم الثالث: ثانيا المستوى الحيّز من ص166 إلى ص181.

2-في الخطاب السّردي:

عنوان الكتاب

الفصل المخصّص لدراسة الحيّز مع الترقيم

1-الألغاز الشّعبية الجزائرية ط198

الفصل الثالث:الحيّز في الألغاز الشّعبية من ص67إلى 79

2- الأمثال الشّعبية الجزائرية ط.1982

القسم الثاني: الفصل الأوّل: الحيّز في الأمثال الشعبيّة الجزائرية من ص59 إلى ص70.

3-القصّة الجزائرية المعاصرة ط1990.

الفصل الثاني: خصائص الحيّز في القصّة الجزائرية المعاصرة من ص99 إلى ص133.

4-ألف ليلة وليلة –تحليل سميائيّ تفكيكي لحكاية جمال بغداد- ط1993.

المستوى الرابع: الحيّز في حكاية جمال بغداد من ص113 إلى ص151.

5-تحليل الخطاب السّردي معالجة تفكيكيّة سميائيّة مركّبة لرواية "زقاق المدق" ط1995.

الفصل الثالث:ثانيا: المكان: من ص245إلى ص260.

6-في نظرية الرواية ط2004.

الفصل الخامس: الحيّز الروائي وأشكاله من ص185 إلى ص214.

7-نظرية النّص الأدبي ط2(2010).

الفصل السابع:الحيّز الأدبي ص295إلى ص335

3 / تحليل مرتاض لرواية زقاق المدق: فهرس عبد الملك مرتاض كتابه: تحليل الخطاب السّردي:معالجة تفكيكيّة سميائية مركّبة لرواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، في قسمين كبيرين مسبوقين بمدخل مطوّل عالج فيه سؤالا جوهريا حول: التّحليل الرّوائيّ بأيّ منهج؟ أو كما يقول:هل يوجد منهج ثابت للتّحليل الرّوائيّ؟ أي هل يمكن تأسيس منهج ثابت لجنس أدبيّ متحوّل؟

أمّا القسم الأوّل من الكتاب فقد تناول فيه البنى السّردية في رواية "زقاق المدق" عرضها في ثلاثة فصول.

وأمّا القسم الثّاني فقد عالج: التّقنيات السّردية والّتي فصلها في أربعة فصول كاملة.

وكما نستشّف من عنوان الكتاب، فإنّ عبد الملك مرتاض يوضّح منذ البداية ومن خلال العنوان، عدم اكتفائه بمنهج واحد كما يفعل غيره من النّقاد إذ يجد حرجا من إطلاق العنوان دون تذييله بعنوان فرعيّ يحدّد مسار التّحليل ويوسّع دائرة الإجراء إلى أكثر من منهج واحد وقد ألفنا ذلك عنده في كثير من أعماله([7])

وقد عبّر عن ذلك بهذا التّصريح: «أصبح من المفروض،بل من المفروغ منه، أنّ تحليل نصّ سردي معقد، غنيّ، عميق، متشعّب العناصر، متعدّد الشّخصيات ...أي عالم بدون ما حدود، وأفق بلا نهاية: لا يمكن أن يستوفيه حقّه منهج يقوم على أحادية الخطّة، والرّؤية، والأدوات، والإجراءات كأن يكون أسلوبيا فقط، أو بنويا فقط، أو حتّى بنويا أسلوبيا، أو اجتماعيا فقط... أو نفسيا فقط ... أو سميائيا فقط، وهو نشاط لا ينهض في أساسه إلاّ على الوصف التّحليلي، لا على التّعليل التحليليّ»([8])

وفق هذا التّصوّر والتخلّص من أحادية المنهج، يعلن عبد الملك مرتاض عن انسياقه بقصد أو بغير قصد نحو خطّة "التيّار البنوي السّميائي" مضيفا :«وتجنّبت ما أمكن، الانزلاق إلى التيّار الاجتماعي النّفسي، وقد رفضنا في منظور تحليلنا، المناهج التّقليدية العتيقة لاعتقادنا بإفلاسها».([9])

وعلى الرّغم من أنّ الرّواية المتناولة بالدّراسة مندرجة ضمن الرّواية الواقعية الّتي يلائمها منهج البِنوية التّكوينية، إلاّ أنّ ناقدها يعدل عنه لاعتقاده أنّ «هذا المنهج المهجن لا يبرح، لدى التّطبيق، غير دقيق، وأحسبه غير قادر على استيعاب كلّ جماليات النصّ، وبناه... وإذن فإنّنا عدلنا عن البِنوية التّكوينية وآثرنا بِنوية مطعمة بتيارات حداثية أخراة،وخصوصا السّيميولوجيا الّتي أفدنا منها لدى تحليل ملامح الشّخصيات، ولدى تحليل خصائص الخطاب السّردي».([10])

وفي موضع لاحق من الكتاب، يطلعنا عبد الملك مرتاض عن تبنّيه المنهج الإحصائي مبيّنا مزاياه، ذكر إيجابياته في التّحليل خاصّة في تعامله مع شخصيّات الرّواية، فقد مكّنه الإحصاء بشيء من الدّقة من معرفة مدى تواتر هذه الشّخصيات، وتحديد الشّخصية المحورية أو الشّخصيات المحورية «بفضل هذا الإجراء أتيح لنا أن نصنّف شخصيات "زقاق المدق" وهذا الأوّل مرّة في تاريخ دراسة نجيب محفوظ».([11])

تتجلّى قناعة عبد الملك مرتاض واضحة في اعتبار المنهج الواحد عاجزا عن تناول النصّ انطلاقا من رؤية أحادية. وحسب وجهة نظر حميد لحمداني «فإنّ التّركيب النّقدي قدر النّاقد العربي على الأقّل في الوقت الرّاهن من خلاله يستطيع إبراز عبقريّته وبمساهمته في النّقد المعاصر».([12])

إنّ معالجة قراءة عبد الملك مرتاض لرواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ ،فرصة لمعاينة مدى مطابقة تلك التّصورات والرّؤى النّقدية الّتي اتّخذت صبغة خاصّة عنده، بواقع التّحليل وحقيقة الإجراء ،كما أنّها سبيل  مثلى للوقوف على مدى تمثّل مقولاته الّتي خالف فيها غيره من النّقاد، وإنّ الرّواية لحقل خصب لبسط منظوراته حول الحيّز، تجلية لمفاهيمه ومدلولاته وتجسيدا لحيّز روائيّ يوافق تصوّراته.

فبعد حديثه المستفيض –في الفصل الثّالث- عن البناء الزّمني في الرّواية والّذي يصفه بأّنّه كان ضعيفا وحافلا بالتّناقضات، شرع يتناول العنصر الثّاني وهو "المكان" وكلّ ما يتّصل به في حدود خمس عشرة صفحة، وأوّل ما يصادفنا في مقاربة عبد الملك مرتاض استخدامه مصطلح "المكان" بدل مصطلح "الحيّز" باعتباره حامِلا للفضاء الرّوائيّ، وحتّى يضع القارئ في الصّورة يوضّح قائلا: «أطلقنا المكان على هذا العنوان الفرعي، من باب التّغليب الّذي لم نجد منه بدّا. وإلاّ فإنّنا لا نرتاح إلى هذه التّسمية الجغرافية في النّقد الروائيّ، حيث إنّ المكان يصبح قاصرا أمام إطلاقات أخراة أشمل وأوسع وأشسع، مثل الحيّز أو الفضاء، بيْد أنّا تجنّبنا قصدا اصطناع الحيّز هنا لوجود أمكنة جغرافية حقيقيّة في النصّ مثل: القاهرة، وسيدنا الحسين، والأزهر وهلمّ جرّا».([13])

وليس في هذا النّص سوى تبرير ناقدنا لموقفه، وبيان أسباب اختياره لمصطلح المكان بديلا عن الحيّز –على غير عادته- إذ كان يفترض أن يطال التّحليل الحيّز الرّوائي عموما أو فضاء (حيّز  الحرب العالمية الأولى) للرّواية، لكن ما حال دون ذلك حصره النّاقد في عاملين:

أوّلا: طبيعة الأمكنة الحقيقية الواقعية الجغرافية في الرّواية.

ثانيا: العامل التاريخيّ فالحيّز –في منظوره- لم يكن قد تبلور مفهومه في ذهن نجيب محفوظ أثناء الحرب العالمية الثّانية، والّذي يصادف ويزامن وقوع أحداث رواية "زقاق المدق"، وغيره من الرّوائيين وإذن فالمكان «الّذي "يحيل إلى الجغرافيا"، والّذي "يشيع سذاجة في الدّراسات النّقدية الرّوائية"، والّذي هو اسم لحدوث الكينونة الماديّة فيقف عاجزا عن احتمال الأخيلة في تحليقاتها المجنحة»([14]) إلى غير ذلك ممّا لحقه من نعوت عبد الملك مرتاض الّتي تحدّ من خطورته أمام مصطلح الحيّز، نجد هذه الأوصاف تتلاشى فجأة ويحلّ محلّها الاستعمال القويّ الّذي يعيد للمكان سطوته، ويمنحه القدرة على تحليل "زقاق المدق" وأخذ الرّيادة، فيكون المكان في المقام الأوّل، ويكون الحيّز في المقام الّذي دونه أو يليه.

لكنّه تصريح مبكّر أجهض مشروع الحيّز، وجعله يتبّخر قبل أن يرى النّور، ممّا يزيد في تعقّد إشكالية الحيّز عند عبد الملك مرتاض على المستويين التّنظيري والإجرائي، فقد سبقت الإشارة إلى حالة الانفرادية التي أحدثها النّاقد، وهو يحيط الحّيز بهالة من المفاهيم، جعلته مظنّ تفضيل فوق الفضاء والمكان.

لكنّه –ومن غير المنتظر- ينزل إلى ساحة الإجراء، فيعدل فجأة عن الخوض في تحقيق مخطّطه حول الحيّز، إلى النّزول نحو "المكان" من حيث هو آلية مقاربة يحلّل بها رواية "زقاق المدق"، متحجّجا بخلوّ الرّواية من الحيّز، معتبرا أماكنها واقعية حقيقية، وهذا يضعنا أمام مسلك لا يخلو من التّناقض فكيف يكون ذلك وهو القائل: «لا يجوز لأيّ عمل سرديّ (حكاية، خرافة، قصّة، رواية...) أن يضطرب بمعزل عن الحيّز، الّذي هو من هذا الاعتبار عنصر مركزيّ في تشكيل العمل الرّوائي، حيث يمكن ربطه بالشخصية واللّغة والحدث ربطا عضويا»([15])

فالحقيقة أنّ عبد الملك مرتاض آثر هذه المرّة أن يلجأ إلى "المكان" الّذي تحدّه الحدود، "وينتهي إلى نهاية"، وترك "حيّزه" الّذي لا تحدّه الحدود، وليس له انتهاء، ورغم كونه المجال الّذي يتبارى في مضطربه كتّاب الرّواية، فيتعاملون معه بناء على ما يودّون من هذا التعامل.

ومن تمّ، يكون مرتاض قد مسّ بقدسيّة مصطلحه "الحيّز" تنظيرا، وتراجع تراجعا يزيد من غموض وانغلاقية حيّزه تطبيقيا.

يضاف إلى ذلك  أنّ العمل النّقدي لا ينتظر من التّاريخ أن يبلور له مفهوما كي يتعرّض له، فما أكثر الأعمال الأدبية القديمة الّتي كشف النّقد المعاصر فيها عن آخر تجليّات المصطلحات والمفاهيم.ثمّ إنّ الفضاء أو الحيّز-بالمصطلح المرتاضي- هو في الأخير إستراتيجية قراءة، فليس ضروريا أن يكون مفهوم الفضاء (الحيّز) مفهوما متبلورا في فترة الحرب العالمية الأولى،كي تتوفّر عليه الرّواية أو تعدمه، إنّما حذاقة القراءة ونباهة النّاقد كفيلان باختلاق الفضاء وتشْيِيء الحيّز.

فكأنّنا بناقدنا قد نسي قوله: «ولمّا جاء العرب يكتبون الرّواية في القرن العشرين،لم يَفُتهم التّعامل مع الحيّز بوعي فنيّ كامل، ففي حين كان الحيّز يعني لدى نجيب محفوظ وروائيين آخرين كثيرين، كلّ شيء، فكانوا يبالغون في وصفه، ويبرعون في بنائه، حتّى لا يشكّ أحد من المتلقّين في أنّه حيّز حقيقيّ (مكان جغرافيّ)» ([16]) فكيف لهذه الرّواية "زقاق المدق" أن تشذّ عن هذا الوعي الكامل؟ وتعدم الحيّز، وتخلو من عبقريّة نجيب محفوظ؟

وقريبا من هذا السّياق فإنّ رواية "زقاق المدق" وبخلوّهما –افتراضيا- من الحيّز تكون قد فقدت موردا لا يمكن تعويضه، فالحيّز أساسي في بناء العمل الرّوائي، وأنّه مصدر إمداد بالجماليات الفنيّة الّتي تستثير المتلقيّ، وتحيله على التّأويل، وتحرّر خيالاته الجامحة. ومن ثمّ فإنّ هذه الرّواية المشكّلة من أماكن جغرافية واقعية حقيقية، رواية فاقدة لجماليات العمل الفنّي، قاصرة على تمكين القارئ من هذه الأدوار، فقد ركّز الرّوائي على الأمكنة –حسب رأي مرتاض- إلى درجة أنّ «رسْم المكان يمثلُ في شيء من الدّقة عجيب لدى نجيب محفوظ في جملة من أعماله، ومنها "زقاق المدق"، حيث إنّ الكاتب أراد أن يصوّر لنا بالعدسة القلمية، إن صحّ مثل هذا التّعبير ، هذا الشارع الشّعبي البسيط حتى كأنّنا نراه، ونذرع مساحته، ونقطع مع حميدة مسافته، ونعرف ما يجاوره من شوارع وأحياء...من أجل كلّ ذلك لا يجد القارئ شيئا ممّا يريد أن يعرفه إلاّ عرّفه إيّاه صاحب النّص فيكسل فكره، ويتلبّد ذهنه، فلا ينطلق خياله»([17])

ولنركّز على آخر هذا النّص، ونتساءل مع ناقدنا عبد الملك مرتاض، فما هو الهدف المرجوّ من هذه القراءة النّقدية المتخصّصة، إذا كانت نتائجها كسل الفكر، وبلادة الذّهن والانغلاق في أفق الخيال ؟؟ وهل يمكن أن نعدّ هذه الرّواية إذا صدقت عليها كلّ هذه النّعوت عملا روائيا محترما فنيّا؟أليست هذه الرّواية التّحفة "زقاق المدق" هي الّتي أثارت إعجاب ناقدنا مرتاض منذ كان طالبا في كليّة الآداب بالرّباط سنة ستين، وارتبط بها حنينه ؟ وهي الّتي "قرأها خمس مرّات متتالية" وهي الرّواية التّي اختار أن يقول فيها: «إنّ "زقاق المدق" تعدّ في رأينا إحدى قمم الأعمال الرّوائية العربية إطلاقا،فباعتراف بعض المستشرقين أنفسهم، حيث ألفينا مثلا:فيال كما يقول أندري ميكائيل:تعتبر هذه الرّواية واحدة من أفضل ما أنتجه نجيب محفوظ من روايات معروفة في هذا اليوم».([18])

إنّ تجريد أستاذنا مرتاض هذه الرّواية من فضائها (حيّزها الرّوائي)، والانتهاء بها عند الاقتصار على دراسة ورصد أماكنها الجغرافية تقصير إجرائي، وإجحاف تحليلي، في حقّ رواية يصفها هو نفسه بقوله:«لو اقتصر نجيب محفوظ على كتابة "زقاق المدق" وحدها لما حيل بينه وبين أن يكون، بها وحدها، أكبر روائي عربي معاصر».([19])وإذن، فإنّ رواية كبيرة بهذا الحجم لجديرة بأن ينال فضاؤها (حيّزها) درجة لا تقلّ عن عظمتها خطورة وخصوبة وشعريّة.

وعلى الرّغم من أنّ ناقدنا اضطرّ إلى طريقة المراوحة بين المصطلحين معا «المكان لكلّ ما هو جغرافي والحيّز لكلّ ما هو غير ذلك في النّص»([20]) إلاّ أنّ إحصاء بسيطا لترداد كلّ المصطلحين على طول التّحليل، أظهر هيمنة مصطلح المكان، وتقدّمه على استعمال مصطلح الحيّز، كما يظهر ذلك في الجدول التّالي:

جدول يحصي استعمال المكان والحيّز في المقاربة: ([21])

المكان

الحيّز

الصّفحة

1-ثانيا المكان.

2-أطلقنا المكان على هذا العنوان.

3-حيث إنّ المكان يصبح قاصرا.

4-لوجود أمكنة جغرافية حقيقية.

5-كلّ ما يندّ عن المكان المحسوس.

6-تعامل أصلا مع المكان.

7-المكان لكلّ ما هو جغرافي.

1-مثل الحيّز أو الفضاء.

2-تجنبنا قصدا اصطناع الحيّز.

3-من حيث نطلق الحيّز.

4-ما يعتور هذه المظاهر الحيّزية.

5-لم يكن مفهوم الحيّز..قد تبلور.

6-والحيّز لكل ما هو غير ذلك.

7-حيّز النّص المدروس.

ص245

8-أنواع الأمكنة في النّص.

9-الّذي اختير مكانا مقصودا لذاته.

10-يصف المكان الّذي رآه.

لا يوجد

ص246

11-فنجد هذه الأمكنة تتّسع.

12-وضع السّارد إطارا مكانيا.

13-على الرّغم من الدّور المكانيّ الفعّال

لا يوجد

ص247

14-من المنازل (الأمكنة).

15-نتدرّج إلى الأماكن العامّة.

16-اختير إطارا مكانيا.

17-وهو مكان يذكر ولا يرى.

لا يوجد

ص248

18-وهو المكان الّذي تنتج فيه كلّ الأحداث

8-يمكن تصنيف هذه الأحياز مجتمعة.

9-الحيّز الخارجي.

10-الحيّز الداخليّ.

11-نلاحظ غياب الحيّز الطبيعي.

ص249

19-وإذن فبنية المكان.

20-الملاحظات المتّصلة بالمكان الروائي.

21-نورد أهمّ الأمكنة فيه.

22-في هذه القائمة من الأمكنة.

لا يوجد

ص250.

23-أن نلفي مكانا يرقى.

24-المكان الواحد مثار الحبّ والكره.

25-اختلاف المنظور إلى المكان.

26-بينما نجد هذا المكان نفسه.

27-لا يعدو أن يكون مكانا قذرا.

لا يوجد

ص251

28-حميدة تسخر من هذا المكان وأهله.

لا يوجد

ص252

29-فالمكان كما نرى يصبح عبئا.

30-الشّخصية هنا تمقت المكان.

لا يوجد

ص253

31-عباس الّذي ظلّ وفيا للمكان.

لا يوجد

ص254

32-إحداهما تحبّ المكان..رأت فيه النور.

33-كانت هذه أجمل الأمكنة.

34-اختلاف المنظور إلى المكان.

35-كانت تمقت هذا المكان.

36-مواقفها الحقيقية من هذا المكان.

37-مصالح هؤلاء التجارية بهذا المكان.

لا يوجد

ص255

38-المكان في هذا النّص.

39-يقدّم النّص هذا المكان.

40-على أنّه مكان متقادم.

41-الظلمة تطبق على المكان.

42-يلقي على المكان ضوءا خفيفا.

لا يوجد

ص256

43-ما يراد لهذا المكان من الأوصاف.

44-التكامل المكانيّ.

45-التّكامل المكانيّ.

46-الموقع غير المكان الواحد.

47-فكأنّ المكان الأوّل.

48-انضاف إليه مكان آخر.

49-أن يغيّر المكان.

50-المكمّل الطبيعيّ للمكان الأوّل.

لا يوجد

ص257

51-هو المكان الأليَق للتباوح.

52-يشكّل هذا التكامل المكانيّ الطبيعي.

53-وراء الموسكي أمكنة أجمل بها.

54-كانت وظيفته المكانية.

لا يوجد

ص258

المجموع 54 مرّة

المجموع11 مرّة

 

ومواصلة لمناقشة آراء النّاقد عبد الملك مرتاض حول الحيّز والمكان، حيث يرى أنّ العمل الفنيّ الّذي يجعل المكان ركيزة في بنائه الروائيّ، يعدّ قاصرا إذا قورن بعمل فنيّ يتّخذ الحيّز مجالا واسعا، وأفقا شاسعا، وهو تصوّر يقلّل من شأن المكان على كثرته ووفرته –في هذه الرّواية- ويعلي شأن الحيّز على الرّغم من ضآلته ومحدوديته، ويجعل الحيّز غير قادر على الاستفادة من هذه الأمكنة مع أنّها هي مكوّناته في الأساس.

لكن نقادا آخرين يقفون غير هذا الموقف، ويتبنّون غير هذا الطّرح، فحميد لحمداني مثلا تحدّث عن "أهميّة المكان كمكوّن للفضاء الرّوائي" فقال: «إنّ الأمكنة، وتواترها في الرّواية يخلقان فضاء شبيها بالفضاء الواقعي، وهما لذلك يعملان على إدماج الحكي في المحتمل».([22])

والواقع أن لحمداني عندما أصدر حكمه هذا،كان غير بعيد من نفس موضوع ناقدنا عبد الملك مرتاض، فقد اتّخذ من أعمال نجيب مححفوظ أمثلة لإصدار أحكامه حيث يقول: «إنّنا نجد في العالم العربي أمثلة كثيرة، وخاصّة في روايات "نجيب محفوظ" حيث تتحوّل أغلب أحياء وشوارع القاهرة وجوامعها، إلى مادة لخلق فضاء الرّواية».([23])

فالحديث المقتضب عن الأمكنة العامرة الآهلة، له من الأهميّة ما يكوّن لنا صورة الفضاء الرّوائيّ العام، الّذي تتفاعل فيه مجموع المكوّنات،وبالتّالي فإنّ«المكان في الرّواية الواقعية يكتسب أهميّة كبيرة بالنسبة للسّرد، وذلك لحظة وصفه بشكل مطوّل ودقيق، مثلما يكتسب هذه الأهميّة أيضا عندما نراه يؤسّس مع غيره من الأمكنة الموصوفة فضاء الرّواية بكامله».([24])

$1·   حيّز النّص المدروس: بعد تمهيده حول المكان، وما احتواه من تحجّج وتبرير في اختياره استخدام المكان عوض الحيّز، وما ساقه من تعليلات محاولا إيجاد مخرج المراوحة بين الاستخدامين، حلاّ للخروج من

المعضلة، انتقل عبد الملك مرتاض إلى معالجة "حيّز النّص المدروس" فوجدناه منذ البداية يعترف بأهميّة هذه المرحلة ،إذ يتعيّن على الدّارس قبل معالجة النّص، أن يولي عناية بحجم النّص المدروس.

فيصف مساحته عبر صفحات الكتاب المنشور فيه فإنّ ذلك «من السّميائيات المطلوب الكشف عنها في أيّ دراسة حداثية»([25]) ولذلك يقدّم توصيفا لمساحته فيقول:«الطّبعة الّتي عوّلنا عليها في هذه الدّراسة التّحليلية، هي نشر دار القلم ببيروت حيث بلغ عدد صفحاتها أربعين ومائتين بمقاس 24×17 ولكن لما جرت العادة عند الطابعين، فالبداية تنطلق من الصّفحة الخامسة ثمّ لما كان نصف الصّفحة الأربعين بعد المائتين (الصّفحة- الأخيرة في النّص) أبيض، فإنّ المجموع الحقيقي لعدد صفحات نصّ "زقاق المدق" 240-2-½= 235.5صفحة».([26])

والملاحظ أنّ هذا الحيّز النصّي الّذي يقف عنده مرتاض بهذه المقاييس يوافق ما كنّا تناولناه عند ميشال بوتورMichel buttorفي الفضاء النصيّ l’espace textuel«باعتباره الحيّز الّذي تشغله الكتابة وأحرف الطّباعة على مساحة الورق، ويشمل تصميم الغلاف ووضع المقدّمات، وتنظيم الفصول، وتشكيل العناوين وتغيرات حروف الطّباعة».([27])

فعلى الرّغم من التزام مرتاض خطى بوتور واقتفاء أثر تقنيّته إلاّ أنّه لم يشر من بعيد ولا من قريب إلى ذلك وتمثّل ذلك دون توثيق.

$1·   أنواع الأمكنة في النّص ودرجة تواترها: بعد تناوله للحيّز النصّي درس عبد الملك مرتاض جملة الأمكنة الّتي قال عنها إنّها حقيقية جغرافية فبدأ بـ "زقاق المدق" الحامل لعنوان الرّواية والّذي يعدّه مرتاض «الشّجرة الّتي تخفي وراءها الغابة، فهذا الزّقاق إذن يعكس ما يشكّل مدينة القاهرة كلّها، من حيث تعكس القاهرة مصر كلّها، ومن حيث تعكس مصر، من حيث هي قيمة تاريخية وحضارية وجغرافية وبشرية في ذلك العهد الّذي يخفي، هو أيضا وراءه حربا كونية مدمّرة لا تبقي ولا تذر».([28])

كما يشفع لهذا الاختيار أيضا أنّه المكان الذي درج فيه الكاتب، والّذي رآه أو عاش فيه من أجل ذلك وقع اعتماد «أصغر وحدة ممكنة، في مدينة ضخمة، وهي شارع صغير متقادم، ثمّ تدرّج من خلال وضعه إلى محاولة تحليل نفسيّات مجموعة من الشّخصيات، الّتي تقطنه وكانت شخصيات هذا الزّقاق الصّغير تمثّل كلّ النّماذج البشرية، بما فيها من خير وشرّ، وقوّة وضعف، وحبّ وكره، ووفاء وغدر، وشهامة ولؤم ،وسذاجة ومكر، وثراء وفقر، واستعلاء وقهر».([29]) فلاحظ أنّها أماكن تتّسع لكلّ هذه الصّراعات.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ السّارد كما يرى مرتاض، أقدم على وضع إطار مكاني يناسب كلّ الطّبقات الاجتماعية، فكان منزل حميدة يمثّل الفقر والتّعاسة، وكان منزل سنية عفيفي يمثّل توسّط الحال، وكان هناك منزلا سليم علوان وفرج إبراهيم ويمثّلان الفخامة والضّخامة والأناقة الرّفيعة، وكان هناك أيضا منزل السيّد رضوان الحسيني، ويمثّل الورع والتّقوى والبساطة معا، «فهذه الأربعة النّماذج من المنازل (الأمكنة) تمثّل أربعا من الطّبقات الاجتماعية».([30])

غير أنّ أفخم هذه المنازل: منزلا علوان وإبراهيم يقعان خارج الزّقاق وذلك لأنّه زقاق العيش الخفض. ثمّ يتدرّج مرتاض إلى أماكن أخرى عامّة مستخدما الإحصاء، فيقف فيها على سبعة أماكن:الشوارع، الأحياء، السّاحُ والميادين، الدّكانين والمتاجر،المقاهي والحانات، المقابر المدارس

ويقوم بتصنيفها إلى صنفين اثنين:

1-الحيّز الخارجيّ: يشمل شارع الأزهر، الصنادقية، سيدنا الحسين، الباب الأخضر، والأزقة المحيطة بالجامع الكبير، والغورية، والحلمية، والجمالية، والموسكي، ودكّان الشباب الرّقيع، وحانة فنش، وحانة فيتا، ومنزل فرج إبراهيم، وقصر سليم علوان والتلّ الكبير.

2- الحيّز الدّاخليّ: ويتجسّد في الأساس في زقاق المدق ومقهى الكرشة، وقاعة الحلاقة، ودكّان العمّ كامل، وكما يشمل منازل، عباس والعمّ كامل والمعلّم كرشة، وأم حميدة وحسنية وسنية ورضوان ووكالة سليم علوان ومزبلة زيطة.

وقد لاحظ مرتاض بعد عمليّة الإحصاء لهذه الأحياز مجتمعة، أنّه يغيب عن النّص الحيّز الطبيعي مثل: «الأنهار، ، والأشجار، والحقول، والغابات، ما عدا أشعّة شمس الغروب الّتي يفتتح بها النّص مساحته، وأشّعة شروقها الّتي ذكرت في بعض آخر النّص»([31])

ويخلص إلى الاستنتاج «أنّ بنية المكان في هذا النّص حضرية خالصة، حيث تكتضّ بالشّوارع والأحياء، والحانات، والمقاهي، والمتاجر، والمشاغل، والعمارات، والسيّارات، والعربات، وازدحام النّاس على الأرصفة».([32])

وتوّج مرتاض دراسته لأنواع الأمكنة المدروسة باستخدام تقنية الإحصاء، فأتى على إيراد أهّم الأمكنة مرتبة بحسب درجة تواترها، وكان مجموع ما أحصى حوالي تسعين وثلاث مائة مرّة (390مرّة) ، وكان أكثرها ذكرا وتواترا "زقاق المدق" بـاثنين وتسعين ومائة مرّة، يليه "قهوة المعلم كرشة بـ سبع وستين مرّة.

ويذكر النّاقد أنّه تغاضى تلك الأمكنة الّتي ذكرت في النّص ثلاث مرّات فأدنى مثل: القاهرة، والحلمية، والباب الأخضر، وعماد الدّين، وحديقة الأزبكية. ثمّ أردف قائلا: «نتحلّل من الأخطاء الّتي يجوز أن تلحق هذه الإحصاءات زيادة أو نقصا، لأنّ الوسائل اليدوية والذّهنية الّتي نصطنعها في الإحصاء تحتّم وقوع السّهو والخطأ».([33])

لكن هذا التّصنيف للأحياز جميعها في صنفين (خارجي وداخلي) يبدو تصنيفا غامضا ولم يفْض إلى نتيجة واضحة من ناحيتين:

أولاهما: إنّ ناقدنا لم يوضّح ما هي الأسس والاعتبارات الّتي على أساسها تمّ التّصنيف (خارجي وداخلي) فقد اكتفى بقوله: «ونتدرّج الآن إلى الأماكن العامّة فنلاحظ أنّها متنوّعة ومثيرة في هذا النّص الرّوائي، حيث لاحظنا أنّها تتنوّع فيه إلى سبعة أنواع على الأقّل، وذلك إضافة إلى الدّور الأخرى الّتي كنّا عالجناها».([34])فهذه الأحياز والدّور قد تكون كلّها داخليّة أو تكون كلّها خارجية فإلى أيّ مقياس نحتكم في تصنيفها؟

ثانيتهما:إنّ هذه التّسميات "حيّز خارجي وحيّز داخلي"الّتي استخدمها مرتاض في "زقاق المدق" مسميّات لا تتوافق مع بقيّة مصطلحاته الّتي وصف بها «الحيّز/(المظهرالخارجي/المظهرالخلف/الحيّزالأمامي/الحيّزالخلفي/الحيّز/التحييز/ التحايز)»([35]) الّتي ضبط مفاهيمها ووضح حدودها. وانتهى مرتاض مسرعا إلى اعتبار «بنية المكان في هذا النّص، حضرية خالصة حيث تكتظّ بالشّوارع والأحياء، والملاهي، والحانات، والمقاهي، والمتاجر، والمشاغل، والعمارات، والسيّارات والعربات، وازدحام النّاس على الأرصفة».([1]) دون أن نعرف خصوصياته.

توّج ملاحظاته المتّصلة بالمكان الرّوائي، بجرد وإحصاء أهمّ الأمكنة ودرجة تواترها  دون أن يمنحنا فرصة فهم تصوّر دقيق حول مكوّنات هذا المكان الرّوائيّ، ولا كيف وصل إليه، ودون إدراك حقيقة الحيّزين الدّاخلي والخارجيّ، ولا على أيّ أساس يمكن التّفريق بينهما، ولم يتّضح لنا أيّهما يتضمّن ثانيه، ولا أيّهما أعمّ وأشمل، الحيّز أم المكان الرّوائي

4-عالج مرتاض علاقة المكان بعناصر سردية أخرى، فاختار بداية ربط المكان بالشّخصيات ومن أجل ذلك وجدناه يقف مطوّلا عند تحليل «الترّكيبات النّفسية والأخلاقية والدّينية... والخرافية الّتي بُنيت عليها الشّخصية»([36]) فبدا له المكان الواحد مثار الحبّ والكره معا لدى الشّخصيات.

ففي حين تجد شخصيات كلّ من حميدة وحسين كرشة أخيها من الرّضاعة كرها شديدا ومقتا عظيما للمكان "زقاق المدق"، فإنّ شخصيات أخرى مثل عباس الحلو، ورضوان الحسيني على خلاف ذلك، إذ تكنّ لمكان "زقاق المدق" حبّا عارما فهو يمثّل لها مصدر حنين عارم.

إنّ الحوارات الّتي تجري بين الشّخصيات تكشف لناقدنا مرتاض أبعادا كثيرة، فظلالها تعكس تشبّع المكان بالعواطف، وقدرته على إمداد الشّخصيات بالحنين والأنس، بل إنّه يعُدّ المكان ميّتا مالم تخترقه الشّخصيات فتبعث فيه الرّوح، وتطبعه بطابعها النّفسي، وتكشف من خلاله عن شُحَن العواطف والأحاسيس.كما أنّ استقراء مرتاض للمكان مكّنه أيضا من استظهار مواصفات أخرى تتّصل بالألوان والرّوائح، فوقف على كلّ ما يحيط المكان مثل القذارة والرّطوبة والظّلام، وقاده الوصف وإيحاءات اللّغة إلى فحص المكان فلاحظ أنّه «مكان متقادم بعضه منقض وبعضه الآخر يريد أن ينقض، مظلم لا تزوره الشّمس، ورَطب لا يتجدّد فيه الهواء ويعني ذلك ضمنيا أنّه نتن».([37])

$1·   التّكامل المكاني عند عبد الملك مرتاض: لا نخال ناقدنا يقصد مفهوما آخر بهذه التّسمية غير "الفضاء الرّوائي"، الّذي يسعى كلّ السّعي لتحقيقه من خلال صراع الأمكنة، وصراع الشّخصيات وصراع المفاهيم الّتي أحدثها.

فهذه الآلية الّتي يعتمدها ناقدنا فيواشج فيها بين المكان والحيّز ويطلق عليها "التّكامل المكاني" والّتي تظهر خصوبتها وفاعليتها في تمكين الحدث من التّجسّد في أكثر من مكان واحد، أيّ تشترك في تجسيد الحدث أمكنة كثيرة، هي الّتي كان يفترض لناقدنا من تحقيقها بمسمّى "الفضاء الرّوائي" أو بتعبيره هو "الحيّز الرّوائي" وهي الحلقة الّتي ظلّت مفقودة ولم ينتبه إليها التّحليل من حيث إطلاق المصطلحات على المفاهيم، وذلك ما نستنتجه من قوله:

«يصطنع النّص تقنية سردية يمكن أن نطلق عليها التّكامل المكاني الّذي نقصد به تبادل المواقع عبر المكان الواحد»([38]) ويتجسّد ذلك من خلال إقدام عباس الحلو على تغيير المكان وطلب ذلك من حميدة «ميلي بنا إلى شارع الأزهر ... فكأنّ المكان الأوّل الّذي كانا فيه لم يكن قادرا على النّهوض بالوظيفة الحديثة، الّتي كانت الشّخصية تريدها منه إلاّ إذا انضاف إليه مكان آخر وهو شارع الأزهر».([39])

ومن هنا كان هذا الشّارع لائقا للقاء عاشقين، وكان مكانا طبيعيا مكمّلا للمكان الأوّل لأجمل المواقف، وللتّباوح بأعذب العبارات. ويتكرّر مشهد لقاء حميدة مرّة أخرى ولكن مع فرج إبراهيم حيث تقول له:

- هذه نهاية الطريق!

- أجابها: ولكن الدّنيا لا تنتهي بانتهاء الموسكي، لماذا لا نجول في الميدان؟

يعدّ مرتاض هذا "الميدان" مظهرا واضحا للتّكامل المكاني الطّبيعي للموسكي ويقول عنه: «فشارع الأزهر إذن كانت وظيفته المكانية أن يتكامل مع الشّارع الّذي يجاوره، أمّا اللّقاء الأوّل فيقع في غيره، وأمّا التّباوح والتّشاكي والتّعاتب وتبادل عبارات الغرام –فكانت تقع فيه هو».([40])

$1·   الصّراع بين المكان والزّمان: انتهى عبد الملك مرتاض في معالجة رواية "زقاق المدق" إلى حيث كان قد بدأ ففي بداية الفصل الثّالث من كتابه كان قد تناول "الزّمكان" في مزج تركيبي منحوت من الزّمان والمكان، على الرّغم من اعتقاد مرتاض أنّ الفصل بينهما –إجرائيا- ممكن، وأنّ الفرق بينهما أيضا لا يمتنع، لكنّه شاء «ألاّ ينال هذان العنصران الرّوائيان إلاّ بعض ما نالته المشكلات السّردية الأخراة، فلا يطغى جانب على جانب».([41])  لذلك فصل بينهما، وهو سلوك إجرائي خالص جنّبه عدم دراسة هذين العنصرين متشابكين متمازجين، إنّما حاول ذلك ضمن إطار خفيّ لا يرقى إلى تقنية التّكامل المعتمدة في دراسة الأمكنة، «فقد تبيّن لنا هذا الصّراع الخفيّ بين الزّمان أو الحدث، والحيّز الّذي تضطرب فيه الشّخصيات، وتتحرّك في جملة من المواقف السّردية»([42])

وتجلّى ذلك في موقف عباس الحلو حين كان يلتقي بحميدة، فيتمنّى لو أنّ الشارع يطول ويمتّد أكثر، فالزّمن ينهب اللّحظات والأرجل تنهب المكان ممّا يظهر تأذي الشّخصيتين، وعلى الرّغم من أنّ الزّمن هو هو نفسه، لكنّ مرتاض أظهره زمنا نفسيّا بالقياس إلى عبّاس، استحال إلى زمن قلق لحرص الرّجل على بقائه مع حميدة. ويبرز ذلك في مظهر آخر يجسّده لقاء حميدة مع عبّاس حيث "انطوى الطّريق وهما  لا يشعران" لقد شخّص مرتاض صراعا بين الزّمان والمكان، فأوضح أنّ الزّمن ضيّق لا يرحم، وجعل المكان يقصر ويضيق أيضا وأبرز ضغطهما على الشّخصية الّتي ضاقت بهما ذرعا لأنّ الأمر لا يقوم على التّكامل.

4/ المرجعيّة العلميّة لدى عبد الملك مرتاض: ألّف عبد الملك مرتاض كتابه هذا "تحليل الخطاب السّردي" معالجة تفكيكية سميائية مركّبة لرواية "زقاق المدق" عام 1989ونشره عام 1995 لكنّه لا يمثّل أوّل تجربة له يخوضها في المنهج السّميائي التّفكيكي في تحليل الخطاب، فقد كان أوّل عهد له بهذه المعالجة في كتابه (ألف ليلة وليلة تحليل سميائي تفكيكي لحكاية حمّال بغداد) الّذي ألّفه عام1986 ونشره عام 1989.

وكان أردفه بكتاب آخر هو (أ-ي، دراسة سميائية تفكيكية لقصيدة "أين ليلاي" لمحمّد العيد) الّذي ألّفه عام 1987 ونشره عام 1992 ، ومن ثمّ فإنّ الحديث عن تجربة عبد الملك مرتاض في النّقد السّميائي التّفكيكي يقتضي الاعتراف له بأنّه سيّد هذا النّوع من النّقد في الجزائر، وأحد روّاده وصنّاعه عربيا، وإليه يرجع الفضل في تأسيس لبناته الأولى تنظيرا وتطبيقا، فهو صاحب «السّبق في نقل النّظريات اللّسانية الجديدة، وفي استيراد المفاهيم والمصطلحات إلى سوق النّقد الجزائرية... وهي حصيلة ثقيلة توفّر عليها الباحث، لا تزال بصماتها جليّة في ميادين كتاباته النّقدية بكلّ ما فيها من أبعاد ودلالات».([43])

فقد اهتدى ناقدنا  مبكّرا إلى ضرورة الإلمام بالمناهج الحداثية، والانفتاح على النّقد الغربي لتطويع النّص الأدبي، والاقتدار على ولوج عالمه الصّعب، ولذلك يكشف عن مرجعيّته النّقدية العلمية، ويؤكّد استفادته منها ومن أعلامها قائلا: «ولولا طائفة من النقّاد الثّوريين الّذين رفضوا أن يظلّ النّقد على ما أقامه عليه تين ولانسون وبوف، وأقبلوا يبحثون في أمر هذا النّص بشرهٍ علميّ عجيب، فأخذوا يقلّبون أطواره على مقالب مختلفة، ومن هؤلاء الاجتماعيون والنّفسانيون، والشّكلانيون والبنيويون، والتّفكيكيون أو التّشريحيون، والسّميائيون،

وأثناء كلّ ذلك الألسنيون  والأسلوبيون... لكان النّقد بعامة، ودراسة النّص الأدبي بخاصّة انتهيا إلى باب مغلق لا ينفتح بأيّ مفتاح».([44])

وقد ظهر هذا الولاء للنّقد السّميائي التّفكيكي الغربي عند ناقدنا جليّا في تمثّله لمنظوراته، بل إنّه جنح إلى التّكامل بين المناهج وشموليّة التّناول واجتهادا منه في تنويع آليات المقاربة ومنها الإحصاء، ممّا سهّل عليه ولوج عالم النّص وفتح مغاليقه بأكثر من مفتاح.

فهو يرى أنّ الترّكيب –التّكامل- موجود عالميا آخذا من غريماس اعتقاده «بأنّ السّميائية انبثقت عن ميراث مركّب من اللّسانيات البنوية دراسة الفلكلور والميثولوجيا».([45])

ولم يخف عبد الملك مرتاض تأييده للوسيان قولدمان الّذي «أعنت نفسه أشدّ الإعنات في محاولة المزاوجة بين الاجتماعية  والبنوية، فحوّلهما إلى تركيبة جديدة أطلق عليها "البنوية التّكوينية"»([46]) وينتهي إلى قناعة الترّكيب بقوله «فأين إذن المنهج الكامل من وجهة، والمنهج المبتكر من عدم، من وجهة ثانية، والمنهج المنقطع معرفيا عن سواه من وجهة أخراة».([47])

وزيادة على تبنّيه تقنية الفضاء النّصي الّتي كشفت اعتماده على ميشيل بوتور-دون بوح منه بذلك-  إذ حاول تطبيقها على مساحة نصّ الرّواية "زقاق المدق" لكنّه لم يتجاوز الإشارة إلى حجم الرّواية، وعدد الصّفحات المقدّر بـ235.5 صفحة ولم يتطرّق إلى بقيّة الجوانب مثل: دلالة الغلاف، والعنوان، وتغيرات الكتابة...

زيادة على ذلك، يمكن الوقوف على مظهر رؤية جوليا كريستيفا أثناء ربطها الفضاء بثقافة العصر –وهو ما تدعوه الإديولوجيم- حيث تكلّم ناقدنا عن الصّورة الّتي تخلقها لغة الحكي، وما ينشأ عن اللّغة المجازية من دلالات وتأويل، أثناء ربطه بدلالة اللّغة والحوار بين الشخصيات، والمونولوج النّفسي مستنبطا ذلك من "زقاق المدق" مكان قذارة وظلام ورطوبة وتخلّف. غير أنّ هذا المظهر التّأثيري لا توجد الإشارة إليه ولا البوح به.

إنّ تعرّض مرتاض لمعالجة الأمكنة انتهى به إلى تصنيف الأحياز مجتمعة في صنفين، أحدهما يشمل الحيّز الخارجي، وثانيهما يتجسّد في "زقاق المدق"، وخلص إلى أنّ النّص يصطنع تقنية سردية أطلق عليها "التّكامل المكاني"، وفيها تكمّل الأمكنة بعضها بعضا، وتيسّر تواصل الشّخصيات، هذا "التّكامل المكاني" في حقيقة الأمر ما هو إلاّ جملة الأمكنة الّتي تشكّل "الفضاء الرّوائي" كما ذهب إلى ذلك النّاقد المغربي حميد لحمداني أثناء محاولة التّمييز بين الفضاء والمكان حيث يقول: «إنّ مجموع هذه الأمكنة هو ما يبدو منطقيا أن نطلق عليه اسم فضاء الرّواية، لأنّ الفضاء أشمل وأوسع من معنى المكان، والمكان بهذا المعنى هو مكوّن الفضاء، ومادامت الأمكنة فيالرّوايات غالبا ما تكون متعدّدة،ومتفاوتة، فإنّ فضاء الرّواية هو الّذي يلفّها جميعا إنّه العالم الواسع، الّذي يشمل مجموع الأحداث الرّوائية» ([48])

بناء على ذلك، فإنّ ناقدنا مرتاض يكون قد انتهى إلى حيث كان ينبغي أن يبدأ، فبعد إحصائه للأمكنة باعتبارها جزرا محدودة، وأماكن مجتزأة كان يفترض أن يصل فيما بينها في تناغم فضائي روائي مفتوح الدّلالات تشتغل داخله كلّ المكوّنات الروائيّة الأخرى، الّتي تُجيز له التّخمين في فضاء –القاهرة- أو يتجلّى فضاء مصر كلّها كشكل من أشكال إستراتيجية الفضاء الرّوائيّ.

من هذا المنطلق افتقد التّحليل عند مرتاض إلى المنظور الحيّزي الشّمولي الّذي يغطي الفضاء الروّائي بكامله.

فرواية "زقاق المدق" كفيلة بأن تخلق فضاء "قاهريا" أو مصريا أو عربيا بامتياز، فضاء ينفتح على الحضاريّ، والثقافيّ،  والإيديولوجي، والفكريّ والفلسفيّ... فليس من السّهل أن يصدق قارئ استفراغ مرتاض هذه الرّواية من فضائها (حيّزها) الرّوائي والانتهاء بها عند أمكنة، جغرافية محدودة.

تعرّض عبد الملك مرتاض إلى مناقشة حميد لحمداني في تناوله مبحثا خصّ به "الفضاء الحكائي"، فلاحظ عليه أنّه «اتّجه بناء على قراءته الفرنسية متَّجَها يعنى بحيّز الصّفحة وحروفها وفراغها أو بياضها».([49])

وعلى الرّغم من أنّ مرتاضا أنصف الدكتور لحمداني فاعتبره الوحيد الّذي أنجز فصلا مستقلاّ حول "الحيّز" أو الفضاء، إذ لم يجد أحدا غيره في تلك الفترة اهتمّ بالفضاء على الرّغم من أهميّته وجماليّته في أيّ عمل سرديّ، إلاّ أنّه يكون قد تجنّى بعض الشّيء حين قصر عمل لحمداني على فضاء النّص ورآه قاصرا بالنسبة للحيّز.

كما أنّ لحمداني في الحقيقة –وبعد الاطّلاع على آرائه- لم يظهر مهتما بفضاء النّص فقط، بل تجاوز ذلك إلى الاهتمام بكلّ مباحث الفضاء من المنظور الغربي وخاصّة الرّؤية الفرنسية.

وفي نفس السّياق يصرّح عبد الملك مرتاض أنّ «الدكتور حميد لحمداني تدارك هذا الأمر حين انزلق إلى الاستعانة بكتابات جيرار جنيت، وجوليا كريستيفا وآخرين، وقد رأينا أنّ جمهرة الكتابات الجادّة إنّما توقّفت لدى الحيّز بالمفهوم الّذي ذهبنا إليه».([50]) وفي ذلك شيء من الـتّحامل على حميد لحمداني والتّقليل من جهوده، وهو الّذي لم ينف انتفاعه ولا استعانته بالتّنظير الغربي ولم ينكر تأييده لرؤى كريستيفا واقتراحها لعمليّة ربط الفضاء بثقافة العصر (ايديولوجيم) ممّا جعله ينزل ذلك إلى ساحة الإجراء ويحيل إليه.

لكن في المقابل لا نجد ناقدنا مرتاض يحيل إلى أيّ نموذج من جمهرة الكتابات الجادّة الّتي وافقته أو وافقها هذا الطّرح من جهة، ولا أقرّ بانزلاقه نحو القراءة الغربية للاعتراف بالانتفاع منها، ولا الإحالة إليها.

وخلافا لما سبق فإنّه من مزايا تحليل مرتاض لرواية "زقاق المدق" ومعالجته لمصطلح "الحيّز" فيها أنّه حاصر هذا المصطلح وذلك من خلال تناوله مرتبطا ببقيّة العناصر الأخرى مثل الشّخصية، الوصف، الزّمان، وما كشف ذلك من صراع في الرّواية، لكن هذه المحاصرة لم تستثمر جيّدا في إنتاج "حيّز روائي" (فضاء روائي) شامل كما كان ينتظر مرتاض وكنّا ننتظر منه خاصّة وأنّ إحاطته شملت كلّ الجوانب زيادة على ما توفّر للنّاقد من أسباب التميّز والنّجاح، فقد أفلح في الإلمام بالمناهج النّقدية وحَذِقَ في تمثّلها بمرونة واقتدار، واستخدام آلياتها وتفعيل معدّاتها اقتناعا منه بنجاعة تقنية التّكامل بين هذه المناهج، وكذا الاستعانة عليها بما أوتيه النّاقد مرتاض من امتلاك لناصية لغة عربية نقدية متفرّدة على نحو من الامتياز والاقتدار حتّى ليمكننا القول «إنّه من أغزر كتّاب الجزائر (قديما وحديثا) تأليفا وأكثرهم تنوّعا وثراء».([51])

5 / هل أحدث عبد الملك مرتاض تغييرا في شؤون الفضاء ؟

يعتقد مرتاض اعتقادا جازما أنّ الفضاء /SPACEESPACEهو الحيّز، لكنّه يعدل عن استخدام الفضاء كبقية النقّاد لاعتقاده أنّه قاصر بالقياس إلى الحيّز، الّذي يرى فيه البديل الأمثل وعليه يتبناه في أعماله النّقدية.

فهل يكون مرتاض قد أربك النّقد والنّقاد بهذا الاستخدام الّذي لا يشكّل إلاّ تسمية جديدة للفضاء ومرادفا آخر له؟

لكن حيّز مرتاض لم يضف للفضاء وحده تحوّلا يذكر، بل إنّه شكّل مصطلحا غريما ومرادفا له في النّقد الجزائري خاصة وفي النّقد العربي عموما.

فهل تُرى مرتاضا هو "غالب هلسا" آخر؟ وحيّزه جناية أخرى جديدة على النّقد العربي حول هذا المفهوم؟

أم تراه إنّما صحّح زلّة نقدية تستهدف حقل التّرجمة في المقام الأوّل، إذ كان يفترض أن يجمع النّقاد العرب على ترجمة L’espace إلى الحيّز وليس إلى الفضاء؟ وبتعبير آخر فهل ورّط مرتاض -باصطناعه الحيّز- النّقد العربي ثانية بعد تلك المغالطة الّتي تسبّب فيها "غالب هلسا" الأردني؟

أم تُرى أنّه أنقذ النّقد العربي من تورّط جديد وقع فيه النّقاد العرب بتبنّيهم الفضاء بدل الحيّز؟

هل انتفع النّقد الجزائري والعربي شيئا باصطناع وتبنّي مرتاض مصطلح الحيّز، أم هو مجرّد إعنات للذّات وفتح باب للخلاف؟

أم تُرى الفضاء، هذا المصطلح قُدِّر له أن يظلّ زئبقيا يتملّص من قبضة النّقد والنّقاد من فترة إلى أخرى؟

إنّنا إذا أسقطنا مصطلح الفضاء نهائيا من اعتبارات واستخدامات مرتاض، وقصّرنا جهوده على مصطلح الحيّز، فإنّنا نجد أنفسنا أمام ظاهرة نقدية جديدة وتقنية مقاربة بديعة من خصوصيات مرتاض والنّقد الجزائري، نشأة وتأسيسا وتنظيرا وتطبيقا.

أمّا إذا سلّمنا أنّ الفضاء عنده غير الحيّز إذ هو أقلّ شأنا منه في الأهمية النّقدية والقيمة الشّعرية (الفضاء قاصر بالقياس إلى الحيّز) ، فإنّ هذا الفضاء لم يلق الالتفاتة اللاّزمة الّتي تدفع به نحو بلورة وتطوّر المفهوم، وفي هذه الحالة لا يمكن اعتبار جهود ناقدنا تطويرا وبلورة لمفهوم ومصطلح الفضاء.

ولكن إذا سلّمنا أنّ مصطلح الحيّز ينسحب على الفضاء ويعنيه ولا يختلف عنه ،وأنّ ناقدنا أرادهما معا بنفس القيمة، ومارس أعماله النّقدية كلّها في هذا السياق، فإنّ ذلك يجعلنا نقرّ بأنّ الفضاء/ الحيّز قد لقي على يد مرتاض من الاهتمام ما لقي تنظيرا أو تطبيقا، وذلك ما يزيد من حضور الفضاء في الدّراسات النّقدية العربية عموما والجزائريّة خصوصا.

بل إنّ ناقدنا بذلك يكون من الّذين بلوروا مفاهيم ([52])هذا المصطلح وجسّدوا أنواعه (الحيّز، التّحييز، التّحايز)  وأبرزوا مظاهره (المظهر الجغرافي، المظهر الخلفي)، وأثرَوْا اشتقاقاته، وأغنوا دلالاته.

هذا على أنّه يمكن القول تلخيصا إنّ الحيّز يبقى اصطناعا مرتاضيا جزائريا، لا يزال تبنّيه فرديا لم يجد له رواجه الكافي لتأسيس نظرية كاملة في هذا المجال، من خلال دراسات وبحوث أكاديمية جزائرية أو عربية تلج به مجالات الإجراء في تحليل الخطاب فربّما توفّرت له ساعتها حظوظ أوفر لتعميق مفاهيمه وتوسيع مجالات استعمالاتها، من مثل: جماليّات الحيّز/ شعريّة الحيّز/ حيّز العتمة في... في أنواع الإبداع الشّعرية والسّردية الجزائرية والعربية، ويكون لناقدنا الجزائري ولنقدنا الجزائري فضل الرّيادة فيه والسّبق إليه.

المراجع:

(53) يتمفهم الحيّز لدى عبد الملك مرتاض بثلاثة مفاهيم :

1/ الحيز(الفضاء )الذي تحدثنا عنه ، وهو الأجرى على أقلام النقاد العرب، والأورد على خواطرهم ، والأشيع

 في ممارستهم التطبيقية ...كما يبدو ذلك واضحا في تحليلاتهم لبعض الأعمال الروائية، وحتى للحكايات الشعبية...ولقد شاع هذا الإجراء  في تحليلات النقاد الروائيين المعاصرين ، العرب والغربيين ،فأمسى لدى الناس مألوفا.

2/ لقد استنبطنا نحن مفهوما تطبيقيا جديدا  لمعنى الحيّز السّميائي فاغتدينا نحلل به جملة من السمات (العلامات) اللفظية الواردة في النصوص الأدبية شعريّها ونثريّها.خذ لذلك مثلا السمة اللفظية " الشجرة" التي هي في منظورنا تشمل حيزا بحكم امتدادها في الفضاء ،وانتشار حجمها في الاتجاهات الأربعة ، وانتشار ظلالها ، لدى وجود الشمس، غربا و شرقا ثم إن الذي ينظر من فوق الشجرة إلى تحتها يتراءى له حيز غير ذلك الذي لمن ينظر من تحتها إلى ما فوقها ، أو من موقع مجانب لها ...فهي شكل عجيب لتنوع الحيز  وأشكاله وهيئاته وتغيراته.

3/ وأما المفهوم الثالث الذي نودّ معالجته فهو ذلك الحيز الأدبي الذي يتحدث عنه كل من الناقدين الفرنسيين موريس بلانشو (Maurice Blanchot) في كتابه " الحيز الأدبي"(L’espace Littéraire) وجيرار جنيت (Gérard  Genette)في كتابه "الصور" (Figures)...وتحاول هذه النظرية النقدية عدّ الإبداع الأدبي أو الفني حيزا مفتوحا بالقياس إلى كل كاتب ، إذ لو رضي الكاتب عن كتابته لكان انتهى إلى حيز مغلق، وذك ما لم يحدث قط.

ينظر:عبد الملك مرتاض . نظرية النصّ الأدبي.دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع . الجزائر . الطبعة الثانية 2010.ص335،ص337

سيرة الدكتور عبد المالك  مرتاض

1-ولد عبد الملك مرتاض في 10جانفي 1935 ببلدة مسيردة ولاية تلمسان بالغرب الجزائري وفيها نشأ وترعرع وحفظ القرآن الكريم في كتّاب والده الذي كان فقيه القرية ممّا يسّر له فرصة الاطلاع على كثير من الكتب التراثية القديمة ،حيث قرأ المتون وألفية بن مالك والأجرومية والشيخ الخليل والمرشد ...وكان إلى جانب ذلك يرعى الماعز والشياه ..بعد أن ألّم بالعلوم الأولية التقليدية يمّم شطر فرنسا سنة 1953لأجل العمل بها ،حيث انخرط في معامل (لاستوري)المختصّة في صهر معدن التوتياء بالشمال الفرنسي ،وبعد ستة أشهر هناك عاد في سبتمبر 1954 إلى قريته مسيردة التي تركها جميلة وهادئة فألفاها كمقبرة حزينة !!لم يلبث فيها إلاّ أيّاما قلائل ، ثمّ شدّ الرحال إلى مدينة قسنطينة قصد الالتحاق بمعهد الإمام عبد الحميد ابن باديس ،الذي كان الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو مديرا له ،حيث تتلمذ طيلة خمسة أشهر على أيدي عبد الرحمان شيبان وأحمد بن ذياب وعلي ساسي ... .في سنة 1955 ذهب إلى مدينة فاس المغربية ،قصد متابعة دراسته في جامعة القرويين ، ولكنّه أصيب بمرض خطير (مرض السلّ) كاد يودي بحياته ،فلم يدرس بها إلاّ أسبوعا واحدا ، بعدها عيّن مدرسا للغة العربية في إحدى المدارس الابتدائية بمدينة أخفير المغربية حتى سنة 1960 حيث نال الشهادة الثانوية التي أتاحت له الانتظام في جامعة الرباط (كلية الأدب) وبعد سنة سجل بموازاة دراسته النظامية في المدرسة العليا للأساتذة حيث تخرّج سنة1963 بدبلوم وشهادة الليسانس في الآداب .

عيّن مرتاض أستاذا بثانوية مولاي يوسف بالرباط ولكنّه اعتذر والتحق بالجزائر ليعين مستشارا تربويا بمدينة وهران وظل كذلك زهاء شهرين فقط ،ليلتحق بثانوية ابن باديس بوهران حيث ظل أستاذا ثانويا حتى سنة 1970 .

في 07 مارس 1970 أحرز شهادة دكتوراه الحلقة الثالثة (ماجستير) من كلية الآداب بجامعة الجزائر عن بحث بعنوان (فن المقامات في الأدب العربي )  .

وفي شهر سبتمبر من السنة نفسها عين رئيسا لدائرة اللغة العربية وآدابها ثم مديرا للمعهد سنة1974 .

وفي يونيو 1983 أحرز شهادة دكتوراه دولة في الآداب من جامعة السربون بباريس عن أطروحة بعنوان ( فنون النثر الأدبي بالجزائر )أشرف عليها المستشرق الفرنسي أندري ميكال .

وفي سنة 1986 رقي إلى درجة أستاذ كرسي (بروفيسور )،نهض بتدريس جملة من المقاييس في معهد اللغة العربية وآدابها بجامعة وهران كالآداب الجاهلي والأدب العباسي والأدب المقارن والأدب الشعبي والأدب الجزائري والسيميائيات وتحليل الخطاب والمناهج ...

تقلّد كثيرا من المناصب العلمية والثقافية منها رئيس فرع اتحاد الكتاب الجزائريين بالغرب الجزائري 1975، نائب عميد جامعة وهران 1980 ، أمين وطني مكلّف بشؤون الكتاب الجزائريين 1984، مدير للثقافة والإعلام بولاية وهران 1983، عضو في الهيئة الاستشارية لمجلة التراث الشعبي العراقية 1986 ، رئيس المجلس العلمي لمعهد اللغة العربية وآدابها بجامعة وهران ،عضو المجلس الإسلامي الأعلى 1997 ، رئيس المجلس الأعلى للغة العربية 1998 ، شارك في عشرات الملتقيات الأدبية والمهرجانات الثقافية الوطنية والدولية نشر دراساته في أشهر المجلات العربية مثل الثقافة الجزائرية ،فصول المصرية ، المنهل والفيصل وقوافل وعلامات السعودية وكتابات معاصرة اللبنانية والأقلام وآفاق عربية والتراث الشعبي العراقية ، الموقف الأدبي السورية

مؤلفاته:

$11.  نهضة الأدب المعاصر في الجزائر (دراسة 1971 زواج بلا طلاق (مسرحية)، الألغاز الشعبية الجزائرية (1982 الأمثال الشعبية الجزائرية (1982 الخنازير (رواية 198م).

$12.   دماء ودموع (دار البصائر، الجزائر، (2011)

$13.   نار ونور (رواية، دار الهلال القاهرة 1975+ دار البصائر، الجزائر 2011)

$14.   وادي الظلام(رواية، دار هومة، الجزائر، 2000

$15.   بنية الخطاب الشعري ألف ياء تحليل سيمائيّ لقصيدة أين ليلاي

$16.   القصة في الأدب العربي القديم

$17.   الأدب الجزائري القديم دراسة في الجذور، عناصر التراث الشعبي (دراسة مرايا متشظية )

$18.    فن المقامات في الأدب العربي (دراسة)

$19.   هشيم الزمن (مجموعة قصصية، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1988)

$110.  قضايا الشعريات

$111.  نظرية النقد

$112.  في نظرية الرواية

$113.  نظرية البلاغة

$114.  نظرية القراءة

$115.  الكتابة من موقع العدم

$116.  السبع المعلقات (نشر اتحاد الكتاب والأدباء العرب، دمشق، 1999)

$117.  نظام الخطاب القرآني (تحليل سيمائي مركب لسورة الرحمن)

$118.  الإسلام والقضايا المعاصرة

$119.  طلائع النور (لوحات من السيرة النبوية العطرة)

$120.  ملامح الأدب العربي المعاصر في السعودية

$121.  رحلة نحو المستحيل (تحليل قصيدة رحلة المستحيل لسعد الحميدين)

$122.  نظرية اللغة العربية

$123.  التحليل السيمائي للخطاب الشعري (تحليل قصيدة شناشيل ابنة الحلبي، نشر دار الكتاب العربي، الجزائر، 2001)

$124.  قراءة النص بين محدودية الاستعمال ولا نهائية التأويل (تحليل لقصيدة قمر شيراز لعبد الوهاب البياتي

$125.  بنية الخطاب الشعري (تحليل لقصيدة أشجان يمانية لعبد العزيز المقالح)

$126.  شعرية القصيدة قصيدة القراءة (قراءة سيمائية ثانية لقصيدة أشجان يمانية)

$127.  النص والنص الغائب (تحليل قصيدة كن صديقي لسعاد الصباح)

$128.  بنية اللغة في الشعر النبطي (تحليل قصيدة نبطية للشيخ محمد بن زايد)

$129.  فنون النثر الأدبي في الجزائر

$130.  الشيخ البشير الإبراهيمي

$131.  العامية الجزائرية وصلتها بالفصحى

$132.  الألغاز الشعبية الجزائرية

$133.  الأمثال الشعبية الجزائرية

$134.  معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين

$135.  في الأمثال الزراعية الجزائرية

$136.  النص الأدبي من أين وإلى أين؟

$137.  الثقافة العربية في الجزائر: بين التأثير والتأثر

$138.  معجم موسوعي لمصطلحات الثورة الجزائرية

$139.  عناصر التراث الشعبي في اللاز

$140.  الميثولوجيا عند العرب

$141.  عجائبيات العرب

$142.  القصة الجزائرية المعاصرة

$143.  ألف ليلة وليلة (تحليل تفكيكي لحكاية حمال بغداد)

$144.  تحليل الخطاب السردي (تحليل سيمائي مركب لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ)

$145.  جمالية الحيز في مقامات السيوطي (اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1996)

$146.  سؤال الكتابة ومستحيل العدم

$147.  العربية أجمل اللغاتمن ويكيبيديا، الموسوعة الحرة   بتاريخ 14/08/2013





[1](1) أنظر تعريفه في الملحق.

(2) مولاي علي بوخاتم. الدرس السميائي المغاربي: دراسة وصفية نقدية إحصائية في نموذجي عبد الملك مرتاض ومحمّد مفتاح، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائرية، 2005/ص101.

(3) مولاي علي بوخاتم الدرس السيميائي المغاربي: دراسة وصفية نقدية إحصائية في نموذجي عبد الملك مرتاض ومحمّد مفتاح، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائرية، 2005/ص121.

(4)قادة عقاق، هاجس التأصيل النقدي لدى عبد الملك مرتاض بين وعي الذّات وطموح الحداثة، مجلّة نزوى (الأردن) العدد. 38أفريل2004 ص272 وما بعدها..

(5) المرجع نفسه. الصفحة 272 وما بعدها.

(6)ينظر: مصطفى بوفادينة، الفضاء السّردي في النّقد الجزائري المعاصر، مخطوط ماجستير 2009-2010 جامعة سيدي بلعباس ص،ص93،94.

(7)يظهر المنهج المركّب في أعمال كثيرة لعبد الملك مرتاض منها:

أ- ألف ياء: تحليل مركّب لقصيدة أين ليلاي لمحمّد العيد ط/2004.

ب- التّحليل السميائي للخطاب الشّعري: تحليل مستوياتي لقصيدة شناشيل ابنة الحلبي ط/2001.

جـ- ألف ليلة وليلة، تحليل سميائي تفكيكي لحكاية جمال بغداد ط/1993.

(8)عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي .معالجة تفكيكية سميائية مركبة لرواية زقاق المدق . سلسلة المعرفة ديوان المطبوعات الجامعية .الجزائر 1995.ص،ص9، 10.

(9) المرجع نفسه ، ص17.

(10) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي .معالجة تفكيكية سميائية مركبة لرواية زقاق المدق . سلسلة المعرفة ديوان المطبوعات الجامعية .الجزائر 1995.ص18.

(11) المرجع نفسه. ص28.

(12)حميد لحمداني، النقد الروائي والايدولوجيا، المركز الثقافي العربي، بيروت ط/1990، ص67.

(13) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي .معالجة تفكيكية سميائية مركبة لرواية زقاق المدق . سلسلة المعرفة ديوان المطبوعات الجامعية .الجزائر 1995.ص245.

(14)عبد الملك مرتاض، الميثولوجيا عند العرب (دراسة لمجموعة من الأساطير والمعتقدات العربية القديمة) المؤسسة الوطنية للكتاب، الدار التونسية للنشر، الجزائر. تونس 1989/ص90.

(15) عبد الملك مرتاض: في نظرية الرّواية ،بحث في تقنيات السّرد، دار الغرب للنّشر والتّوزيع،وهران،الجزائر،2005 ص،ص191،192.

(16) عبد الملك مرتاض:. في نظرية الرّواية ،بحث في تقنيات السّرد، دار الغرب للنّشر والتّوزيع،وهران،الجزائر،2005ص200.

(17) المرجع نفسه. ص،ص.198،199.

(18) عبد الملك مرتاض:   تحليل الخطاب السردي .معالجة تفكيكية سميائية مركبة لرواية زقاق المدق . سلسلة المعرفة ديوان المطبوعات الجامعية .الجزائر 1995 ص22.

(19) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي معالجة تفكيكية سميائية مركّبة لرواية "زقاق المدق"، ديوان المطبوعات الجامعية ص22.

(20) المرجع نفسه .ص45.

(21) المرجع السابق. ص،ص250،260.

(22) حميد لحمداني، النقد الروائي والايدولوجيا، المركز الثقافي العربي، بيروت ط/1990، ص65.

(23) المرجع نفسه.الصفحة نفسها.

(24) المرجع السابق. ص67.

(25) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي ص45.

(26) مرجع نفسه. ص22.

(27)سبق التطرّق إلى الفضاء النصيّ عند ميشال بوتور بالتّفصيل في المدخل ص.24

(28) عبد الملك مرتاض. المرجع المذكور. ص246.

(29) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي ص247.

(30) المرجع نفسه . ص246.

(31) عبد الملك مرتاض: : تحليل الخطاب السردي .ص249.

(32) المرجع نفسه. ص250.

(33) المرجع السابق. الصفحة نفسها.

(34) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي . ص248.

 (35) لمزيد من التوضيح ينظر: المرجع السابق.ص184إلى 191.

(36) المرجع نفسه . ص250.

(37) المرجع السابق . ص251.

 (38) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السّردي ص251.

(39) المرجع نفسه ص256.

(40) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي ص257.

(41) المرجع نفسه. الصفحة نفسها.

(41) المرجع السابق.ص258.

(42) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي .ص227.

(43)المرجع نفسه. ص259.

(44) مولاي علي بوخاتم .الدرس السميائي المغاربي: دراسة وصفية نقدية إحصائية في نموذجي عبد الملك مرتاض ومحمّد مفتاح، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائرية، 2005 . ص11.

(45) عبد الملك مرتاض:أ-ي دراسة سميائية تفكيكية لقصيدة "أين ليلاي" لمحمد العيد ديوان المطبوعات الجامعية 1992 ص19..

A .J.Greimas et landowski ; introduction à l’analyse du discours en .s.sociales ;p.5نقلا عن عبد الملك مرتاض تحليل الخطاب السردي ص8.

(46)المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(47) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

(48) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

(49)حميد لحمداني. بنية النّص السّردي من منظور النقد الأدبي. ط1/ 1991 .المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع ص63.

(50) عبد الملك مرتاض:  تحليل الخطاب السردي ص192.

(51) عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي. ص194.

(52)يوسف وغليسي، النّقد الجزائري المعاصر من اللانسونية، إلى اللألسنية –إصدارات رابطة إبداع للثقافة 2002، الجزائر ص195.

(53) يتمفهم الحيّز لدى عبد الملك مرتاض بثلاثة مفاهيم :

1/ الحيز(الفضاء )الذي تحدثنا عنه ، وهو الأجرى على أقلام النقاد العرب، والأورد على خواطرهم ، والأشيع

 في ممارستهم التطبيقية ...كما يبدو ذلك واضحا في تحليلاتهم لبعض الأعمال الروائية، وحتى للحكايات الشعبية...ولقد شاع هذا الإجراء  في تحليلات النقاد الروائيين المعاصرين ، العرب والغربيين ،فأمسى لدى الناس مألوفا.

2/ لقد استنبطنا نحن مفهوما تطبيقيا جديدا  لمعنى الحيّز السّميائي فاغتدينا نحلل به جملة من السمات (العلامات) اللفظية الواردة في النصوص الأدبية شعريّها ونثريّها.خذ لذلك مثلا السمة اللفظية " الشجرة" التي هي في منظورنا تشمل حيزا بحكم امتدادها في الفضاء ،وانتشار حجمها في الاتجاهات الأربعة ، وانتشار ظلالها ، لدى وجود الشمس، غربا و شرقا ثم إن الذي ينظر من فوق الشجرة إلى تحتها يتراءى له حيز غير ذلك الذي لمن ينظر من تحتها إلى ما فوقها ، أو من موقع مجانب لها ...فهي شكل عجيب لتنوع الحيز  وأشكاله وهيئاته وتغيراته.

3/ وأما المفهوم الثالث الذي نودّ معالجته فهو ذلك الحيز الأدبي الذي يتحدث عنه كل من الناقدين الفرنسيين موريس بلانشو (Maurice Blanchot) في كتابه " الحيز الأدبي"(L’espace Littéraire) وجيرار جنيت (Gérard  Genette)في كتابه "الصور" (Figures)...وتحاول هذه النظرية النقدية عدّ الإبداع الأدبي أو الفني حيزا مفتوحا بالقياس إلى كل كاتب ، إذ لو رضي الكاتب عن كتابته لكان انتهى إلى حيز مغلق، وذك ما لم يحدث قط.

ينظر:عبد الملك مرتاض . نظرية النصّ الأدبي.دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع . الجزائر . الطبعة الثانية 2010.ص335،ص337