الانزياح الدلالي في الخطاب الصوفي
pdf

 

 

آية الله عاشوري

جامعة عبد الرحمن ميرة – بجاية (الجزائر)

الملخص:

اللغة هي مجموع الألفاظ التي يعبر بها عن مكنونات النفوس، وما تجيش به الخواطر، بغية إيصالها إلى المتلقي، تكون واضحة ببساطتها، وقد تكون مغلقة على الأفهام إذا حوت تعقيدات مبهمة، وذلك ما سعت إليه المتصوفة بمغاليق إشاراتها، مدعية أن العوام لا يمكن اطلاعهم على العلم الخاص من الخفايا، وكشف أسرار الخبايا، فالعلم الإلهي لا يتجلى إلا لأصحاب الطريقة ومريدي الحقيقة.

ولما كان القصد من وراء الخطاب الصوفي هو بلوغ المرام ونيل المقام في فهم العلم الإلهي، دون غيرهم، انزاحت تعابيرهم عن المألوف، ونهجوا المسلك الرمزي في خطاباتهم النثرية منها والشعرية.

الكلمات المفتاحية: الانزياح، التصوف، الرمز.

Abstract:

 Language is a set of terms that we use to express what we think and what we feel, in order to communicate to the recipient, these terms are simple and clear as it can be complex and incomprehensible if  they contain ambiguities; that Sufists want to by making the message more complex and saying that the public has no right to a simple speech since the purpose is to reveal crypts ,so this Divine science belongs just followers of  Sufism and alone. This is why they has an unusual speech based on the SYMBOL in their productions in prose and poetry.

Key words : Unusual Speech, Sufism, Symbol.

Résumé :

La langue est un ensemble des termes qu’on utilisent pour exprimer ce qu’on pense et ce qu’on ressent , afin de le communiquer au destinataire, ces termes sont simples et claires comme il peuvent être complexes et incompréhensibles s’ils contient des ambigüités ;ce que les SOUFISTES veulent faire en rendant le message plus complexe en disant que le publique n’a pas le droit à un discours simple puisque le but du ce discours est de déchiffrer les énigmes ,de ce point de vue ,le savoir religieux appartient juste au partisans du soufisme et a eux seuls. C’est pourquoi il ont un discours inhabituel en basant sur le Symbole dans leurs productions en prose et en poésie.

Mots clés : Discours Inhabituel, SOUFISTES, Symbole.

الانزياح الدلالي: يحقق الانزياح الدلالي تحويلا دلاليا بذهني  المتلقي إلى إحالات وأبعاد تزيده فهما ودخولا ومعايشة للبنية النص،كان يقلص استخدام اللغة من حيث هي مكونات دلالية ونظام سمائي  بالدرجة الأولى ويتوجب نحو استخدامها بوصفها مكونات تشكيلية، ونظام تتابعي إلى درجة بعيدة، وهو ما يؤدي بالخطاب الأدبي إلى التحول من نظام لغوي تشكيلي لا يحيل، إلى إطار مرجعي يقع خارجه بل يكون شبكة من العلاقات الداخلية المعقدة وتنبعث الدلالة من هذه العلاقات الداخلية، المكونة من فضائية الشعري ويظهر هذا من خلال استخدام الرمز والتراث والقناع، هناك من يعد الصور البيانية وخاصة الاستعارة من الانزياحات الدلالية، وهناك من يعد أيضا الحقول الدلالية المعجم من أهم الانزياحات  التي ترتكز عليها الدلالة.[1]

إضافة إلى ذلك فإننا عندما نذهب إلى العالم اللغوي (فرد ينال دي سوسير) نجده قد عرف الحقول الدلالية وسماها (بالعلاقات الجمعية) هذا وقد نسب مكان الجمعيات "المجموعات" إلى العقل وقال إنها تشكل جانبا كبير من ثروته الذاتية من ناحية لغته الفردية الخاصة به[2]، والقول أنها مجموعة من الكلمات المرتبطة ببعضها البعض دلاليا وتوضع عادة تحت لفظ عام مثل أسماء الحيوانات الجوارح فتأتي تحتها أو ضمن هذا الحقل (الصقر،النسر، العقاب، العنقاء)  أو أسماء الإنسان مثل حقل (لون الأسود...الأفارقة....الصبغة عامة وهكذا ...) أو كالألوان في اللغة العربية، أحمر، أزرق ....الخ[3]

فالكلام ينقسم حسب متكلميه إلى:

mkd110301

وإذا رجعنا إلى الشاعر العادي والشاعر المتصوف نجد فرقا كبيرا بينهما خذ على سبيل المثال الشاعر العادي يصف المرأة بالمرأة أو الفتاة، أو أي اسم أخر بينما الشاعر المتصوف فنجده يبدع استعماله أسماء تضفي طابع الانزياح الذي يبعث المتعة في نفسية القارئ.

العبارة هي ظاهر الكلام المبتذل معناه، يتسنى للعوام فهمه، وأما الإشارة فهي ما تكشف من الأسرار الربانية، والخفايا الإلهية، وهي علم الخواص الذي لا يمكنهم البوح به، بل لا يسمحون للغير بالاطلاع عليه.

عرف الطوسي الإشارة بقوله: «هي ما يخفى عن المتكلم كشفه بالعبارة للطافة معناه.»[4]

يشكّل مصطلحُ "إشارة" في العرف الصوفيّ مع مصطلح العبارة، ثنائيةً يمكن أن تختصر العلاقة بين المعنى الإشاريّ والمعنى التفسيريّ، فالإشارة عند الصوفية هي: «تفهيم من الله لعبده عن نور جماله وجلاله".[5]

وهي: «سقوط نكتة في القلب تدلّ على معنى مقبول.»[6]

ويقول ابن القيّم في تعريف الإشارات: «هي المعاني التي تشير إلى الحقيقة من بعد، ومن وراء حجاب. وهي تارة تكون من مسموع، وتارة تكون من مرئيّ، وتارة تكون من معقول، وقد تكون من الحواسِّ كلِّها. فالإشارات من جنس الأدلّة والأعلام، وسببها: صفاء يحصل بالجمعيّة فيلطف به الحسُّ والذهن، فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة.»[7]

فالإشارات أو المعاني الإشاريّة عند أهل الطريق الصوفيِّ تتأتّى لهم عن طريق الإلهامات والإشراقات التي يتجلّى بها الحقُّ على قلوبهم، وهي خاصّة بفهم القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة، وتتفاوت عمقًا ودقّة وجمالاً، ولكنّها لا تستنفد كلَّ ما تستضمره الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة الشريفة من إشعاعات نورانيّةٍ وإلهامات ربانيّة؛ ولذلك فإنَّ إشاراتِ القرآن فياضةٌ دائمًا وليس لها انتهاء.[8]

الفرق بين الإشارة والعبارة في أنَّ العبارةَ يُشترط فيها التطابقُ والموافقة، والإشارة لا يشترط فيها ذلك، كما أنَّ الإشارة أرقُّ وأدقّ من العبارة، فالإشارة تلوّح والعبارة توضّح.[9]

فهذا الجنيد البغدادي ينعت المتصوفة أنهم: «هم أهل بيت واحد لا يدخل فيهم غيرهم.»[10]

يحتلّ الرمز مكانة خاصة في الخطاب الصوفي فهو من الأسس الجمالية في الأدب الصوفي وتكمن أهميّته التعبيرية والتصويرية في أنه رمز فنيّ يروم التعبير عن ذات الصوفي وتصوير أحاسيسه ورؤاه، وأشكال تفاعله مع الوجود والحياة من حوله، فهو المعبّر عن خفايا التجربة الصوفية، وعن الرؤى الخاصة بالصوفي، وهو المجسّد لقراءة التجربة الذاتية لدى الصوفي، لذا نجد أنه لا غنى للصوفي عن لغة الرمز وذلك لأن التجليات التي تنكشف في ذات الصوفي هي ممّا لا يمكن للغة الاعتيادية الإخبار عنها بطريقة الحقيقة كما أنّ التجربة الصوفية هي نفسها تجربة مجازية لا توصف إلاّ وصفا مجازيا عن طريق الإشارة إليها بالرموز.

 يقول أحمد علي زهرة: «والرموز تعبير عن أمر لا يريد الصوفي أن يصرّح به أمام الناس لأنه يعتبر الدين مجموعة أسرار في الرمز، إشارة لهذا السر الذي لا يبوح به الإنسان ويحتفظ به، ومن يريد المعرفة والاستنارة من العلم فعليه أن يحلّل هذا الرمز ويعرفه على حقيقته.»[11]

وجميع الصوفية عنوا بالرمز واهتموا به، فعمدوا إلى معجم خاص يقوم على الرمز الصوفي، ويحمل خبايا اللغة الصوفية التي قُصِد بغموضها أن تبقى مصطلحاته واضحة بين أهل الطائفة لا يلم بها إلاّ المريد، واستطاعوا من خلال هذا الأسلوب ترويض اللغة على الطواعية للرموز والإشارة والخوض في أخطر المسائل بتحفّظ وحذر يقيهم من تكفير الفقهاء لهم، وعزوف الناس عنهم.

وقد اتخذ الصوفية لغة خاصة بهم ومسميات لا يعرفها إلاّ هم، وهم في هذا الاستخدام اللغوي لجؤوا إلى الرمز، وهذا ما يوضّحه القشيري في رسالته بقوله: «إنّ لكلّ طائفة من العلماء ألفاظا يستعملونها وقد انفردوا بها عمّن سواهم كما تواطؤوا عليها لأغراض لهم فيها، من تقريب الفهم على المتخاطبين أو للوقوف على معانيها بإطلاقها، وهم يستعملون ألفاظا فيما بينهم، وقصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم والستر على من باينهم في طريقتهم، لكون معاني ألفاظهم مشتبهة على الأجانب غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع من التكلّف أو مجلوبة بضرب من التصوّف بل هي معانٍ أودعها الله تعالى في قلوب قوم، واستخلص  لحقائقها أسرار قوم.»[12]

فالصوفية إذن يصطنعون لأنفسهم أسلوب الرمز والإشارة لتقريب الفهم على المتخاطبين بها، وسترها وإخفائها عمّن ليسوا من أهلها، ونرى أنّ ابن عربي يتّفق مع القشيري في الأسباب التي دعت الصوفية لاستخدام لغة خاصة بهم، وألفاظ اصطلحوا عليها فيما بينهم لا يعرفها سواهم، فيقول:

ألا إنّ الرمز دليل صدق            على المعنى الغيّب في الفؤاد

وأنّ العالمين له رموز              وألغاز ليدّعي بالعباد

ولولا النحو كان القول كفرا         مؤدّى العالمين إلى العناد

فهم بالرمز قد حسبوا فقاوا        بإهراق الدّماء وبالفساد

فكيف بنا لو أنّ الأمر يبدو         بلا ستر يكـون له استنادي

لقام بنا الشقاء هنا يقينا            وعند البعث في يوم التنادي

ولكن الغفور أقام سترا            ليسعدنا على رغـم الأعادي[13]

 ثمّ يوضّح ابن عربي أنّ هذه المعاني الباطنية المستترة خلف الألفاظ الظاهرة عند خاصّة الصوفية، لا سبيل لإدراكها إلاّ بطريق الكشف فيقول:

علم الإشارة تقريب وإبعاد          وسيرها فيك تأويب وإسناد

فابحث عليه فإنّ الله صيّره         لمـن يقـوم به وإلحاد

تنبيه عصمة من قال الإله له     كن فاستوى كائنا والقوم أشهاد[14]

ومعنى هذا أنّ استعمال الإشارة والرمز عند الصوفية بقدر ما هو تقريب للمعنى لإفهام المريدين، أو سترا أو إخفاء لأسرار علمهم من جهة، فإنها تؤدّي بالبعد من جهة أخرى لا سبيل لإدراكها بالكشف.

يرى ذو النون المصري أنّ: الصوفية قوم أتوا الله عزّ وجلّ على كل شيء، فآثرهم الله عزّ وجلّ على كل شيء، وهو القائل أيضا: الصوفي هو من إذا نطق كان كلامه عين حاله، فهو لا ينطق بشيء إذا كان هو ذلك الشيء وإذا أمسك عن الكلام عبّرت معاملته عن حاله، وكانت ناطقة بقطع العلائق الدنيوية عن حاله، وله أيضا: التصوّف تصفية القلوب حتى لا يعاودها ضعفها الذاتي، ومفارقة أخلاق الطبيعة، وإخماد صفات البشرية ومجانبة نزوات النفس، ومنازلة الصفات الروحية، والتعلّق بعلوم الحقيقة، وعمل ما هو خير إلى الأبد، والنضج الخالص لجميع الأمّة، والأخلاق في مراعاة الحقيقة، وإتباع الرسول صلّى الله عليه وسلم في الشريعة.»[15]

وأما أبو الحسن الحضري فيقول: «الصوفي من كان وجده وجوده وصفاته حجابه.»[16]

فوضع الحجب والأستار على المعاني باستخدام ألفاظ لا يؤتى فهمها إلا الصوفي الذي ارتقى إلى العلياء، أين تكشفت له الحقائق، وتجلت له الأنوار، وظهرت له الأسرار، فتجد الواحد منهم يستخدم معجم الصوفية الخاص، سارحا بكلماته في رياض المبهمات، مرخيا سدول الغوامض على العبارات مغلفة بالإشارات، واصفا الأحوال والمقامات.

قال أبو علي الروذباري رضي الله تعالى عنه: «علمنا هذا إشارة, فإذا صار عبارة خفي.»[17]

أما الدكتور أبو الوفا التفتازاني في كتابه: "مدخل إلى التصوّف الإسلامي" فيرى أنّ: «التصوّف فلسفة حياة، تهدف إلى الترقّي بالنفس الإنسانية أخلاقيا وتتحقّق بواسطة رياضات علمية معيّنة تؤدي إلى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الأسمى، والعرفان بها ذوقا لا عقلا وثمرتها السعادة الروحية، ويصعب التعبير عن حقائقها بألفاظ اللغة العادية لأنها وجدانية الطابع وذاتيته.»[18]

إن التجربة الصوفية تهدف إلى الترقي الأخلاقي، والمعرفة الذوقية عن طريق القلب لا العقل، ووسيلة التعبير فيها تعتمد على اللغة الرمزية وليس اللغة العادية.

يرى أبو الريان أنّ : «التصوّف في حقيقة أمره محاولة لتجاوز الشعائر والرسوم الظاهرة لأيّ دين، لكي تواجه النفس في أعماقها شحنات روحية، تربطها بالجهد الخلاّق وتدلف بها في بحار أنوار القدس الغامرة لتسبح في ينبوع النور وتنعم بالتواجد في جلال الحضرة الإلهية، كما يقول الصوفية.»[19]

وقال النفزي:«في قلوب الأحرار قبور الأسرار، والسر أمانة الله تعالى عند العبد، فأفشى بالتعبير عنه خيانة، والله تعالى لا يحب الخائنين، وأيضا فإن الأمور المشهودة لا يستعمل فيها إلا الإشارة والإيماء، واستعمال العبارات فيها إفصاح بها وإشهار لها، وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها، ثم إن العبارة عنها لا تزيدها إلا غموضا وانغلاقا، لأن الأمور الذوقية يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية، فيؤدي ذلك إلى الإنكار والقدح في علوم السادة الأخيار.»[20]

وأما لسان الدين بن الخطيب فقال:«حملة علم النبوة هم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، قالوا: وهذا العلم هو الذي لا يجوز كشفه، ولا إذاعته، ولا ادعاؤه، ومن كشفه وأذاعه وجب قتله واستحل دمه وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرا كقوله:

يا ربّ جوهر علم لو أبوح به         لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال مسلمون دمي        يرون أقبح ما يأتونه حسنا

وكان كبار المتصوفة يعملون بهذا المبدأ، ولم يكونوا يظهرون للناس علومهم وأفكارهم كما روى الكلاباذي عن الجنيد أنه قال للشبل:نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرا، ثم خبأناه في السراديب، فجئت أنت، فأظهرته على رؤوس الملأ.

فقال: أنا أقول وأنا أسمع، فهل في الجارين غيري.»[21]

ونقل الشعراني كذلك عن الجنيد أنه كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليسمنهم، وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره، وجعل مفتاحه تحت وركه.

وأيضا روي عن الشاذلي أنه كان يقول: "امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رأيته، فقلت: يا رسول الله، ما ذنبي؟ فقال: إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا."

والصوفية يكتمون آراءهم ومعتقداتهم عن غيرهم، ويوصون مريديهم في كتبهم ومؤلفاتهم التي كتبت للخاصة وخاصة الخاصة، فالصوفي الشهير عبد السلام الفيتوري يكتب في كتابه الوصية الكبرى: إخواني، وسنذكر لكم كلاما في المغيبات لكن يجب الإمساك عنها إلا لأهله الذين يكتمونه، ولا ينبغي إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى الأمراء والجبابرة وأهل الدنيا.

وهناك نص مهم جدا ذكره الشعراني يقطع في هذا الموضوع فيقول: "وكان بعض العارفين يقول: نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا، وكذلك لا يجوز لأحد أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به، فمن نقله إلى من لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم الإنكار، وقد صرح بذلك أهل الله تعالى على رؤوس الأشهاد وقالوا:من باح بالسرّ استحق القتل."

وقد ذكر الدباغ حكايات كثيرة عن الذين لم يكتموا السرّ فابتلاهم الله ببلايا عديدة، من القتل والصلب والحرق والعمى وغير ذلك.

وكان منهم الحلاج، لأنه لم يقتل إلا لإفشاء سرّه.

وكما يروون أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب، فقال له الحلاج:هذا جزاء أولياء الله؟فقال له الخضر: نحن كتمنا فسلمنا، وأنت بحت فمتّ.

وكما رووا عن أبي بكر الشبلي أنه قال:كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت.

وننقل أخيرا أن أحمد بن زروق، وابن عجيبة ذكرا عن الجنيد أنه كان يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين مختلفين، فكان يجيب هذا بخلاف ما يجيب ذاك.[22]

فالتصوّف إذن هو في حقيقة أمره حقيقة روحية داخلية وليست مظهرا ملموسا أو أمرا محسوسا، وهي بعد ذلك تتخذ تجلّيات مختلفة فتظهر في صورة مسلك عملي وتوجيه خلقي، أو تبدو في مجلى تعبير فني أو أدبي، أو تتخذ صيغة النظريات والمبادئ الفكرية سواء كانت روحية نفسية أو فلسفية ميتافيزيقية، لذا من الطبيعي أنّ تتعدّد صور التعبير عنها، وأن يتعسر ضبطها، فأصبح مثار جدل كبير بين العلماء الذين اختلفت آراؤهم حوله، والذين انقسموا بشأنه إلى مؤيّد ومعارض، وأكبر معارض للصوفية هو الإمام ابن الجوزي الذي أفرد كتابا للردّ على الصوفية أسماه " تلبيس إبليس"، فذكر فيه كيف دخل إبليس عليهم فحوّلوا الزهد الإسلامي المشروع إلى مجرّد مشيخة طرق صوفية تحكمها الضلالات والبدع، إذ يقول ابن الجوزي: «وعلى هذا كان أوائل القوم فتلبّس إبليس عليهم أشياء كما لبّس على من بعدهم من تابعيهم، فكلّما مضى قد زاد طمعه في القرن الثاني، فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن وكان أصل تلبيسه عليهم  أنه صدّهم عن العلم و أراهم أنّ المقصود العمل، فلمّا أطفئ مصباح العلم عندهم تخبّطوا في الظلماء، فمنهم من أراه أنّ المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة، فرفضوا ما يصلح أبدانهم وشبّهوا المال بالعقارب...»[23]، ولم يتوقّف على انتقاد عقائدهم وتصرّفاتهم بل شيوخهم أيضا، وذكر مؤلفاتهم التي يصفها بالأحاديث الباطلة والاعتقادات الفاسدة، فيقول: «وصنّف لهم أبو السراج كتابا سمّاه "لمع الصوفية"، فذكر فيه من الاعتقاد القبيح، والكلام المرذول... وصنّف لهم أبو طالب المكي "قوت القلوب" فذكر فيه ذلك من الموضوعات، وذكر فيه الاعتقاد الفاسد وردّد فيه قول-قال بعض المكاشفين- وهذا كلام فارغ، وذكر فيه بعض الصوفية أنّ الله عزّ وجل يتجلّى في الدنيا لبعض أوليائه.»[24]

هذا وقد أحدث الصوفية في علم التفسير ما يعرف بـ: "التفسير الإشاري"، والذي بينه حق التبيان ابن عاشور التونسي، إذ يقول: «أما ما يتكلم به أهل الإشارات من الصوفية في بعض آيات القرآن من معان لا تجري على ألفاظ القرآن ظاهرا ولكن بتأويل ونحوه فينبغي أن تعلموا أنهم ما كانوا يدعون أن كلامهم في ذلك تفسير للقرآن، بل يعنون أن الآية تصلح للتمثل بها في الغرض المتكلم فيه، وحسبكم في ذلك أنهم سموها إشارات ولم يسموها معاني، فبذلك فارق قولهم قول الباطنية. ولعلماء الحق فيها رأيان: فالغزالي يراها مقبولة، قالفي كتاب من "الإحياء": إذا قلنا فيقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة"،فهذا ظاهره أو إشارته أن القلب بيت وهو مهبط الملائكة ومستقر آثارهم، والصفات الرديئة كالغضب والشهوة والحسد والحقد والعجب كلاب نابحة في القلب فلا تدخله الملائكة وهو مشحون بالكلاب، ونور الله لا يقذفه في القلب إلا بواسطة الملائكة، فقلب كهذا لا يقذف فيه النور. وقال ولست أقوال إن المراد من الحديث بلفظ البيت القلب وبالكلب الصفة المذمومة ولكن أقول هو تنبيه عليه، وفرق بين تغيير الظاهر وبين التنبيه على البواطن من ذكر الظواهر.اهـ

فبهذه الدقيقة فارق نزعة الباطنية. ومثل هذا قريب من تفسير لفظ عام في آية بخاص من جزئياته كما وقع في كتاب المغازي من «صحيح البخاري» عن عمرو بن عطاء في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا) [إبراهيم: 28] قال هم كفار قريش، ومحمد نعمة الله: (وأحلوا قومهم دار البوار) [إبراهيم: 28] قال يوم بدر.

وابن العربي في كتاب "العواصم" يرى إبطال هذه الإشارات كلها، حتى إنه بعد أن ذكر نحلة الباطنية وذكر "رسائل إخوان الصفاء" أطلق القول في إبطال أن يكون للقرآن باطن غير ظاهره، وحتى أنه بعد ما نوه بالثناء على الغزالي في تصديه للرد على الباطنية والفلاسفة قال: وقد كان أبو حامد بدرا في ظلمة الليالي، وعقدا في لبة المعالي، حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج عن الحقيقة، وحاد في أكثر أقواله عن الطريقة اهـ.

وعندي أن هذه الإشارات لا تعدو واحدا من ثلاثة أنحاء:

الأول: ما كان يجري فيه معنى الآية مجرى التمثيل لحال شبيه بذلك المعنى كما يقولون مثلا: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه أنه إشارة للقلوب لأنها مواضع الخضوع لله تعالى إذ بها يعرف فتسجد له القلوب بفناء النفوس. ومنعها من ذكره هو الحيلولة بينها وبين المعارف اللدنية، (وسعى في خرابها) [البقرة: 114] بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى، فهذا يشبه ضرب المثل لحال من لا يزكي نفسه بالمعرفة ويمنع قلبه أن تدخله صفات الكمال الناشئة عنها بحال مانع المساجد أن يذكر فيها اسم الله، وذكر الآية عند تلك الحالة كالنطق بلفظ المثل، ومن هذا قولهمفي حديث: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب"كما تقدم عن الغزالي.

الثاني: ما كان من نحو التفاؤل فقد يكون للكلمة معنى يسبق من صورتها إلى السمع هو غير معناها المراد وذلك من باب انصراف ذهن السامع إلى ما هو المهم عنده والذي يجول في خاطره، وهذا كمن قال في قوله تعالى: (من ذا الذي يشفع) [البقرة: 255] من ذل ذي إشارة للنفس يصير من المقربين الشفعاء، فهذا يأخذ صدى موقع الكلام في السمع ويتأوله على ما شغل به قلبه. ورأيت الشيخ محي الدين يسمي هذا النوع سماعا ولقد أبدع.

الثالث: عبر ومواعظ وشأن أهل النفوس اليقظى أن ينتفعوا من كل شيء ويأخذوا الحكمة حيث وجدوها فما ظنك بهم إذا قرأوا القرآن وتدبروه فاتعظوا بمواعظه فإذا أخذوا من قوله تعالى: (فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا) [المزمل: 16] اقتبسوا أن القلب الذي لم يمتثل رسول المعارف العليا تكون عاقبته وبالا.

ومن حكاياتهم في غير باب التفسير أن بعضهم مر برجل يقول لآخر: هذا العود لا ثمرة فيه فلم يعد صالحا إلا للنار. فجعل يبكي ويقول: إذن فالقلب غير المثمر لا يصلح إلا للنار.

فنسبة الإشارة إلى لفظ القرآن مجازية لأنها إنما تشير لمن استعدت عقولهم وتدبرهم في حال من الأحوال الثلاثة ولا ينتفع بها غير أولئك، فلما كانت آيات القرآن قد أنارت تدبرهم وأثارت اعتبارهم نسبوا تلك الإشارة للآية. فليست تلك الإشارة هي حق الدلالة اللفظية والاستعمالية حتى تكون من لوازم اللفظ وتوابعه كما قد تبين. وكل إشارة خرجت عن حد هذه الثلاثة الأحوال إلى ما عداها فهي تقترب إلى قول الباطنية رويدا رويدا إلى أن تبلغ عين مقالاتهم وقد بصرناكم بالحد الفارق بينهما، فإذا رأيتم اختلاطه فحققوا مناطه، وفي أيديكم فيصل الحق فدونكم اختراطه.

وليس من الإشارة ما يعرف في الأصول بدلالة الإشارة وفحوى الخطاب، وفهم الاستغراق من لام التعريف في المقام الخطابي، ودلالة التضمن والالتزام كما أخذ العلماء من تنبيهات القرآن استدلالا لمشروعية أشياء، كاستدلالهم على مشروعية الوكالة من قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه) [الكهف: 19] ومشروعية الضمان من قوله: (وأنا به زعيم) [يوسف: 72] ومشروعية القياس من وله: (لتحكم بين الناس بما أراك الله) [النساء: 105] ولا بما هو بالمعنى المجازي نحو: (يا جبال أوبي معه) [سبأ: 10]- (فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) [فصلت: 11] ولا ما هو من تنزيل الحال منزلة المقال نحو: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) [الإسراء: 44] لأن جميع هذا مما قامت فيه الدلالة العرفية مقام الوضعية واتحدت في إدراكه أفهام أهل العربية فكان من المدلولات التبعية.[25]

وهكذا نخلص إلى أنّ الدوافع التي دفعت الصوفية إلى استعمال لغة خاصة في كلامهم وآدابهم تتلخّص في أنّ:

$1-   الأسلوب الرمزي هو الطريق الوحيد الممكن الذي من خلاله يستطيعون التعبير عن رياضاتهم الصوفية وعلمهم بخفايا الأمور التي لا تنكشف إلاّ لأهل الحقيقة.

$1-   الشعور بأنّ اللغة المألوفة عند الناس لا تستطيع التعبير عن أفكارهم ومعانيهم.[26] فهم إذن بحاجة إلى ابتكار لغة جديدة، والرمز وحده المعادل التخييلي للحالة التي يعيشها الصوفي.

وهكذا لجأ الصوفي إلى أسلوب الستر والتستر، مصطنعا أسلوبا رمزيا شيّقا وشائكا في آن واحد يعبّر به عن مكنون نفسه وأنات قلبه وحالات الوجد والشوق والغيبوبة التي تمرّ به، وكثير من نزعاته وأقواله تخالف ظاهر الشريعة، فلا يمكن الإفصاح عنها خوفا من سلطان الفقهاء الذين كانوا يتّبعون الصوفية في كلّ عصر بالتشهير وربّما وصل الأمر إلى حدّ المحاكمات والقتل مثلما حصل مع الحلاّج والسهروردي، وقد كان الحلاّج وابن عربي وابن الفارض من أكثر المتصوّفين استخداما للرمز.

وقد اختلف استخدام الرمز باختلاف الموضوعات، كما اختلف باختلاف مستخدميه أي من صوفي إلى آخر، فاللغة عند الصوفي رمز فهي لا تعني شيئا محدّدا، وإنما تعني رؤيته لذلك الشيء أو موقفه منه، «فاللغة الصوفية مثل اللغة الشعرية تخلق ولا تسمّي أو تسمّي ما لا يسمّى».[27]



الهوامش:

[1]رابح بوحوش، اللسانيات وتطبيقاتها على الخطاب الشعري، ص236.

[2]المرجع نفسه، ص236.

[3]أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص42 وما بعدها.

[4]أبو نصر السراج الطوسي، اللمع في التصوف، ص414.

[5]السيد الشيخ محمد الكسنزان الحسيني، موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، ج12، ص319.

[6]محمد مهدي الرواس، بوارق الحقائق، ص85.

[7]ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ج2، ص389.  

[8]أحمد أبو كف، أعلام التصوف الإسلامي، ص69.

[9]أحمد بن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص118.  

[10]القشيري، الرسالة القشيرية، ج1، ص442.

[11]أحمد علي زهرة، الصوفية وسبيلها إلى الحقيقة، ص224.

[12]القشيري، الرسالة القشيرية، ج1، ص53.

[13]محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية، ص241.

[14]المرجع نفسه، ص35.

[15]المرجع نفسه، ص443.

[16]فيصل بدير عون، التصوّف الإسلامي-الطريقة والرجال، ص20.

[17]المرجع نفسه، ص24.

[18]سالم عبد الرزّاق سليمان المصري، شعر التصوّف في الأندلس، ص33.

[19]انظر، محمد علي أبو الريان، الحركة الصوفية في الإسلام، ص7.

[20]إحسان إلهي ظهير الباكستاني، التصوف..المنشأ والمصادر، ص240.

[21]الكلاباذيالتعرف لمذهب أهل التصوف، ص172.

[22] انظر، إحسان إلهي ظهير الباكستاني، التصوف..المنشأ والمصادر، ص.ص 242.240.

[23]ابن الجوزي، تلبيس إبليس، ص 155.

[24]انظر، المرجع نفسه، ص.ص  161.153.

[25]ابن عاشور التونسي، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، ج1، ص.ص 36.34.

[26]انظر، سالم عبد الرازق، شعر التصوف في الأندلس، ص167- 186.

[27]فاتح علاّق، تحليل الخطاب الشعري، ص 46.

قائمة المصادر والمراجع:

(1) ابن الجوزي (جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن)، تلبيس إبليس، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط1، 2011م.

(2) ابن عاشور التونسي (محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر)، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، ج1، الدار التونسية للنشر، تونس، د.ط، 1984م.

(3) ابن قيم الجوزية (أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب)، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ج2، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1994م.

(4) أبو نصر السراج الطوسي، اللمع في التصوف، تحقيق:  د. عبد الحليم محمود، وطه عبد الباقي سرور، دار الكتب الحديثة بمصر، ومكتبة المثنى ببغداد، 1960م.

(5) أحمد أبو كف، أعلام التصوف الإسلامي، دار الهلال، مصر، د.ط، د.ت.

(6) أحمد بن عجيبة، إيقاظ الهمم في شرح الحكم، المطبعة الجمالية، ج1، مصر، د.ط، 1913م.  

(7) أحمد علي زهرة، الصوفية وسبيلها إلى الحقيقة، نينوي للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق-سوريا، ط1، 2004م.

(8) إحسان إلهي ظهير الباكستاني، التَّصَوُّفُ..المنشَأ وَالمَصَادر، إدارة ترجمان السنة، لاهور – باكستان، ط1، 1406هـ/1986م.

 (9) أحمد مختار عمر، علم الدلالة، عالم الكتب، القاهرة، د.ط، د.ت سالم عبد الرزاق سليمان المصري، شعر التصوّف في الأندلس، دار المعرفة الجامعية، د.ط، 2007م.

 (10) رابح بوحوش، اللسانيات وتطبيقاتها على الخطاب الشعري، دار العلوم، عنابة، د.ط، 1427هـ/2006م.

(11) فاتح علاّق، تحليل الخطاب الشعري، دار التنوير للنشر والتوزيع، حسين داي، الجزائر، ط2، 2008م.

(12) فيصل بدير عون، التصوّف الإسلامي الطريقة والرجال، مكتبة سعيد رأفت، عين شمس، د.ط، 1938م.

 (13) القشيري (أبو القاسم عبد الكريم)، الرسالة القشرية، تحقيق عبد الحميد محمود ومحمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة، د.ط، د.ت.

(14) محمد علي أبو الريان، الحركة الصوفية في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، د.ط، د.ت.

(15) محمد الكسنزان الحسيني، موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، ج12، دار المحبة، دمشق، دار الهداية، بيروت، ط1، 2005م.

 (16) محمد مهدي الرواس، بوارق الحقائق، عني بنسخه وتحقيقه وطبعه: عبد الكريم بن سليم عبد الباسط، مكتبة النجاح، طرابلس، ليبيا، د.ط، د.ت.

(17) محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية، إعداد مكتب التحقيق بدار إحياء التراث الإسلامي، بيروت-لبنان، ط1، د.ت.

(18) الكلابادي (أبو بكر محمد بن إسحاق)، التعرف لمذهب أهل التصوف، ضبطه وعلّق عليه وخرّج آياته وأحاديثه شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1993م.