الواقعُ الغربيُّ في المتخيَّل الشّرقي.
pdf

قراءة في كتاب"صورة الفرنسي في الرواية المغربية"

أ.د. عبد المجيد حنون

د.علاوة كوسة

المركز الجامعي عبد الحفيظ بوالصوفميلة(الجزائر)

ملخص:

نتوقف في هذا المقال عند حيثيات الواقع الغربي في المتخيل الشرقي،وصورة الأخر في الرواية العربية،من خلال قراءتنا في كتاب"صورة الفرنسي في الرواية المغربية" للدكتور عبد المجيد حنون.

Abstract:

in this article we deal with the representaion of the occidental in the oriental imagination, and the image of the other in Arabic literature taking as a case study the "Image of the French in the maghrebine

Novel" by Abdelmadjid Hanoun.

الاستشراقُ هو نافذةُ الآخَر على عوالم "المشرقيّ" ، و قراءةُ  الغربيِّ لمنتَجه و صنيعِه عبْر أزمنة مختلفة ، و بأدواته ، و ميولاتِه و أغراضِه و خلفياتِه و مقاصدِه مِن فتْح هذه النوافذ ، و هو الفعلُ الذي احتاج إلى ردِّ فعلٍ معاكسٍ إنِ صحّت تسميتُه ب "الاستغراب" و هو إن لم يكن في مستوى فعلِ "الغربيّ" على المنتج الشرقيّ ، فعسى يكون محاولةً لاستجلاء صورة "الآخر" في منتَجه ثم صورتِه في المنتَج العربيّ ، على تنوع العيّنات المدروسة بين الأدب ، الفكر ، و العلوم المختلفة .

و على ندرة الدّراسات التي حاولت مقاربةَ صورةِ الآخر / الغربيّ في المنتَج الأدبيّ العربيّ ، فإنّ ما وقع بين أيدينا كباحثين يستحقّ أن نقف عنده بالبحث و الدّرس العلميّ الدّقيق ، للتّعرف على أدوات البحث لدى هؤلاء الدارسين و الأكاديميين ، و كذا زوايا نظرهم إلى الآخر / الغربيّ : متْنًا و دراساتٍ ، حيث جعلْنا - مجالا للدراسة  -كتابا رائدا في رصد صورة الآخر / الفرنسي في الرواية المغربية بلغتيها : العربية و الفرنسية ، ونقصد كتاب :« صورة الفرنسي في الرّواية المغربية » للأستاذ الدّكتور و الخبيرِ الباحثِ الضليعِ في الدراسات المقارنة "عبد المجيد حنون" ، لنتعرّف على استراتيجيات بحثِه عن "صورة الفرنسيّ في الرّواية المغربية" ، و دوافعِ بحثِه ، و تصنيفاتِه ثم نتوغل معه في عوالم الصورة الأدبية للآخر / الفرنسي من خلال عينات روائية مغربية كثيرة ، و نقارن بعدها بين صورة الآخر في رواياتنا العربية و بنياتِها و حدودِها و دلالاتِها. و نتحسّس ذلك الحوارَ القائمَ بين الرواية و التاريخِ وحدودَ تماهيهما و تداخلهما، لأنّ الآخر الفرنسي / المستعمِر قد جمعه تاريخٌ طويلٌ بالشّعوب المغربية التي حاولت رواياتُ أدبائِها القبضَ على صورة هذا المستعمِر روائيا رغم وجود «فرق بين الرواية التاريخية و الرواية التي تؤرخ »1 ، إلا أنّ « الرواية و التاريخ مصطلحان لغويان رضعا من ثدي واحد هو الخبر ، هما مرهونان ببعد تاريخيٍّ متغير ، و قد تأثرت كلٌّ من الكتابة التاريخية و الروايةِ التاريخية ببعضهما بعضا »2 ، لذلك فلا غرابة في هذا التداخل و الحوار العميقين بين الرواية كجنس أدبي و التاريخ كمعطى إنساني يسِم حضارةَ كلّ أمة من الأمم،«و تعتبر الرواية الشكلَ الأدبي الجامع للكثير من التأثيرات نتيجة لحجمها أولا ، و لتمتعها بإمكانيات كثيرة – كالسرد و الوصف و التحليل – مما يمكنّها من عرض أوضح ا لصور »3 عن الآخر .

$1-في مفهوم الصورة: لأن موضوع بحثنا هو « صورة الآخر في رواياتنا العربية ،فإنه يجدر بنا ضبطُ مصطلح "الصّورة" أولا ؛ إذ "إنها الكلمة الوحيدة الصالحة لتشتمل على كلّ نوع من أنواع التشبيه ، و على كلّ ما هو في الحقيقة تشبيه مكتفٍ – أي الاستعارة- » 4 ، كما «تُستعمل كلمةُ الصورة – عادة – للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي ، و تطلق أحيانا مرادفةً للاستعمال الاستعاري للكلمات »5 ، غير أن مسألة التشبيه / المحاكاة أو المطابقة تأخذ مناحيَ فلسفيةً بعيدةً و حادة ً، خاصة إذا ما تموضعت بين ثنائية "الواقع و المتخيل "، "الصدق و المماثلة "، حيث « إنّ صدق الصورة ليس في مطابقتها للواقع أو نقلها كما هي . بل في دقتها في تعبير الأديب عن أحاسيسه و تصوراته نحو موضوع الصورة ، بأسلوب أدبي مؤثر بإخلاص و صدق لمشاعره بغض النظر عن مطابقة ذلك التصور للواقع أو عدم مطابقته . أن تكون الصورة صادقة في تعبيرها عن أحاسيس الأديب و أن تمثل الواقع النفسي الذي انطلق منه الأديب في تصوراته ، هذا هو الأساس »6 . و يستند هذا الرأي - عن مفهوم الصورة و منطقها- إلى أنّ « الصورة منهجٌ – فوق المنطق – لبيان حقائق الأشياء »7 ، مهما تكن التهويماتُ الفلسفيةُ للمنطق و الحقيقة .

أما مؤلِّف الكتاب الذي سنتناوله بالدرس ، "عبد الحميد حنـون "و في معرض مقاربته لصورة الآخر في الرواية المغربية فقد تموضع منهجيا في زاوية نظرٍ محدّدة لهذه الصورة حيث «تنقسم صورةُ الشّعوب إلى نوعين : صورة شعب في أدبه (...) و هذا النوع من الأدب لا يتعدّى إطارَه القوميَّ و اللُّغويَ ، فهذا إذن يبحث فنياتِ الأديب في طرْق موضوعه ، أو فنياتِ الأدباء في تناول الموضوع بالوصف و التحليل (...) ، و هناك صورة أخرى هي صورة شعب في أدب شعب آخر »8 .

و لقد اهتمّ الروائيون العربُ برسم صورة الآخر في أعمالهم ، على اختلاف أدواتهم و مرجعياتهم في ذلك « و لا شك في أن نضج الوعي السياسي الذي تكون لدى بعض الروائيين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين هو الذي مكنهم من وضع أيديهم على أهم المكامن الموجعة في العلاقة التاريخية الطويلة مع الغرب ، و أن النضج الفني الخاص بامتلاك تقنيات الفن الروائي هو الذي أخرج تلك الشخصيات من صياغتها النظرية و التجريدية المحتملة و هو الذي منحها النبض الحي »9 ، و لأنّ الرواية العربية لم تكن بمعزل عن تصوير الآخرِ / الوافد / المستعمِرِ بكل تفاصيله ، فإن "عبد المجيد حنون" في كتابه "صورة الفرنسي في الرواية المغربية" حاول رصدَ هذه الصور تحت مقولة شاملة هي : "المستعمِر و المستعمَر"، حيث و منذ أن « تعرضت أقطار المغرب العربي الثلاثة إلى تجربة الاستعمار الفرنسي و ظهرت في كل منها الازدواجية الثقافية أو المسخ الثقافي » 10 ، انعكس هذا الفعل ُ الاستعماريُّ ، و محاولةُ المسخ الثقافي على المنتجِ الروائيِّ المغربيِّ . و العربيِّ عموما ، إذ « إن الشخصية الغربية في الرواية العربية لم تكن أكثرَ من تجسيدٍ حيٍّ لفكرة الهيمنة الاستعمارية على المنطقة العربية خلال المرحلة الجديدة من مراحل الاستعمار »11 ، رغم أنّ "عبد المجيد حنون" يحاول أن يبيّن لنا أن صورة الآخر/المستعمِر - الفرنسي على الخصوص- قد أحدثت هزّةً فكرية في نفسه و أن هذه الصورة تغيرت عند تطوره و تدرجه العلمي و العُمري فيما ذكر في كتابه هذا حيث « كان الفرنسيُّ –الإنسانُ الفرنسيُّ- أحدَ الذين كَـوّنتُ لهم صورة منذ الصغر نتيجةً لكل ما سمعته و للظروف التي عاشها – ظروفِ الحرب التحريرية – و لم تهتز تلك الصورة إلا في مرحلة الدراسات الثانوية حيث أدركتُ أن الفرنسيين يختلفون عن بعضهم في الكثير من الأمور ، و ذلك نتيجة للاحتكاك بالبعض منهم و للقراءات العامة و قراءة مجموعة من روايات المغاربة ، و لبعض النضج في التفكير »12 ، و هو ما كان حافزا كبيرا للباحث "عبد المجيد حنون "في استجلاء صورة الفرنسي/المستعمِر في الرواية المغربية من خلال عديد الروايات الجزائرية ، التونسية و المغربية .

$1-   صورة الفرنسي في الرواية المغربية:  و يقف الباحثُ – في معرض حديثه عن صورة الفرنسي في الرواية المغربية – عند الصور الحسية و المعنوية للشخصيات المكوِّنة للأعمال الروائية المدروسة ، هذه الشخصيات التي تتعرف عليها « من خلال الأفعال التي تقوم بها أو الصفات التي تصف بها نفسَها ، أو تُسند لها من شخصيات أخرى أو من طرف السارد»13 ، حيث إن « الشخصيات (و ما لديها من مشاكل )، ما هي إلا وسائط تغذي التوترَ العاطفي الذي يصل الكاتبَ بالقارئ في إطار زمن وجداني معين »14 ،  و نحن نعلم ما تحمله الشخصياتُ الروائية من محمولات فكرية و وجدانية و نفسية و أثرها على المتلقي الذي يحمل صورا قبلية لهذا المستعمِر ، و من ميولات إلى النفور منه و عواطف الرفض له حيث « الشخصية هذا العالم الذي تتمحور حوله كل الوظائف السردية و كل الهواجس و العواطف و الميول »15 ، و ربما كان هذا التصور المكثف للآخر/الفرنسي/المستعمِر رد َّ فعل على ما رسمه الروائيون الغربيون – و الفرنسيون  خصوصا- لصورة العربي – و الجزائري على الخصوص – حيث ارتبطت «صورة الجزائري في المتخيل الروائي الفرنسي بالوجود الاستعماري الذي امتد من 1830 إلى 1962 »16 ، لذلك فقد عمد الروائيون العرب إلى إعطاء صورة للمستعمر تكون في مستوى ظلمه و بشاعته و أفعاله ؛و ما رسمه "و طّار" -مثلا- يعدّ « اتهاما للحضارة الغربية في مرحلتها الاستعمارية بسقوطها في تناقضات مريعة و افتقاد هويتها الإنسانية ، و عدَّها حضارةً "مخنثة" تزعم تمسكها بالإنسانية ذات النعومة المفرطة ، و تنسب لنفسها احتكارَ دعاوى المحبة و السلام و العمل على تحضير الشعوب المتخلفة و ترتكب بحق تلك الشعوب أبشعَ أشكال الإبادة الجماعية الممنهجة لتظل آخرَ المطاف حضارة الغاية التي تبرر الوسيلة»17 .

و المتصفح لأعمال روائية غربية كثيرة و لأدباء غربيين كبار من أمثال : لويس برتراند ، اندري جيد ، هنري مونترلان ، موباصان ، يتحسّس الصورةَ البائسة التي رسمها هؤلاء للآخر العربي / عموما و الجزائري خصوصا حيث «البطل السلبي هو الجزائري الذي أُخرج من دائرة الفعالية التاريخية و ديناميكية الحياة ليصبح مجرّدَ ديكور شبيه بالأحجار و الحيوانات»18 ، و هو ما خلق ردَّ فعل أدبيٍّ معاكسٍ في الاتجاه شديدِ القوة من لدن روائيين مغاربة ، رسموا صورةَ الغربي و الفرنسي خصوصا بكل تفاصيل الظلم ، الاستبدادِ و التخنّث و « تَنْضَمُّ "اللاز" للجزائري الطاهر و طار إلى الروايات التي تنزع إلى هجاء الغرب بواسطة تأنيثه»19 ، حيث تعالجُ قضيةَ الضابط الفرنسي و « تحوله من أنثى في السرير إلى جلاد متوحش يتلذذ بتعذيب ضحاياه أثناء التحقيق مع الثوار »20 .

$1-   استراتيجيات عرض صورة الفرنسي في الرواية المغربية : يجدر بنا و نحن نقرأ قراءةَ "عبد المجيد حنون" لصورة الفرنسي في الروايات المغربية أن نقف على منهجيته و استراتيجياته في عرض العمل ، و أول ما استوقفنا هو الحديث عن العينة المدروسة إذ يعترف الباحث في المقدمة أنه « لكي نعرض التجربة لم نجد مفرا من دراسة الروائيين المغاربة أجمعين و نحدد فترة الدراسة لما بعد الحرب العالمية الثانية ، و هنا ظهرت مشكلة ثانية ،فقد وجدت نفسي أمام ما يزيد على المائة رواية نصفها بالعربية و نصفها الآخر بالفرنسية ، و هالنا العدد ، غير أن القراءة الأولى لكل الروايات المغربية ، اختصرت العدد إلى أقل من النصف ، حيث استبعدت كل الروايات الخالية من النماذج الفرنسي (...) ثم استبعدت الروايات التي لم ترد فيها سوى إشارات خفيفة جدا لبعض الشخصيات الفرنسية و لا ترسم صورة لها»21 ، و رغم صعوبة تحديد العينات المدروسة و التي تستوفي الموضوع إلا أن الباحث "عبد المجيد حنون " استقر - بحثا- على خمس عشر رواية مكتوبة باللغة العربية ،منها: تسعُ روايات تونسية ، أربعُ روايات مغربية ، روايتان جزائريتان ، كما اختار ستَّ عشرةَ رواية مكتوبة باللغة الفرنسية ، منها ، اثنتا عشرة رواية جزائرية ، رواية واحدة تونسية ، روايتان مغربيتان ، واحدة مترجمة إلى العربية ، « و بعد انتقاء الروايات التي ستكون محورَ الدراسة تساءلنا : ماذا سندرس في صورة الفرنسي ؟ هل سندرس الأسباب التاريخية التي كونتها ؟ أم الدوافع النفسية التي دفعت بالروائي إلى رسم الصورة على ما هي عليه ؟ أم الدوافع الاجتماعية أم كلها مجتمعة ؟ »22 ، و من ثمة حاول الكاتبُ تحديدَ منهجية في هذا العمل و « المنهج الذي سيسلكه الباحث لاستخلاص صورة الفرنسي هو المنهج التحليلي التركيبي بمعنى أن الباحث سيحلل النص لفرز مكونات كل شخصية ثم ترتيبها جسميا و معنويا و فعليا –حسب أفعالها- في كل رواية ثم جمع الشخصيات التي تكون نموذجا واحدا في الرواية العربية المغربية ، ثم في الرواية الفرنسية المغربية و هكذا مع بقية النماذج » 23 ، كما حاول الباحث عرضَ العوامل المشتركة بين دول المغرب العربي ، و الدول الثلاثة المعنية بالدرس بوصفها مستعمرةً فرنسية (تونس،الجزائروالمغرب) ، و من المشترك بينها الحيزُ الجغرافيُّ ، و الدّينيُّ ، و اللّغويُّ و التّاريخيُّ عامة ، ثم عرض التواجدَ الفرنسي بالمغرب العربي ، و بعدها حاول الكاتب عرضَ مفهومه للصورة في الأدب المقارن ، و بعدَ ذلك بدأ في عرض "صورة الفرنسي في الرواية المغربية" ممثلةً في شخصيات روائية متنوعة منها : صورةُ الضابط ، الحاكم الجندي ، القاضي ، رجل التعليم ، المرأة ، الفرنسي العادي ...

$1أ‌-  صورة الحاكم :لم تكد تخلو روايةٌ مغربية من هذه العينات المدروسة – من صورة الحاكم بكل تفاصيلها و من تلك الروايات : "دفنا الماضي" و "المعلّم علي" للروائي عبد الكريم غلاب ، و "باجو" و "رامونا" لأحمد زياد و" اللاز" للطاهر و طار .

لقد « ظهرت شخصية الحاكم أولَ مرة في رواية عبد الكريم غلاب "دفنا الماضي" و هي شخصية الحاكم العسكري لمدينة فاس (...) و عرض "غلاب" هذه الشخصية بأسلوب بسيط جدا معتمدا على السرد في تصويره الشخصية »24 ، غير أن هذا النموذج المدروس لم يكن كافيا لرصد صورة الحاكم الحسية و المعنوية بدقة و لكن القراءة المتأنية للمدونة الروائية المدروسة و التي تتجاوز ثلاثين عملا أظهرت أن « شخصية الحاكم في الرواية العربية المغربية تعتمد على صفات جسمية معينة مثل الضخامة و البدانة و السمنة مع الميل إلى القصر ، ثم حمرة الوجه و زرقة العينين و الشيب ، إضافة إلى الاهتمام بالمظهر و ذلك بالمحافظة على اللباس العسكري و الشارات و الرتب » 25 ، كما حاول الباحث رصدَ الصورة المعنوية للحاكم الفرنسي من خلال الروايات المدروسة حيث « تتسم شخصية الحاكم بالغضب أو اصطناعه و شدة الانفعال و التعصب و الحقد على الأهالي و اعتبارهم أقلَّ مستوى من البشر »26

$1ب‌-صورة الجندي : إن هناك نماذجَ روائيةً مغربيةً عديدةً رسمتْ صورا مختلفة للجندي الفرنسي و منها رواية (اللاز) للطاهر و طار و رواية ( عندما ينهال المطر ) لعبد الرحمن عماد و رواية (المعلم علي) لعبد الكريم غلاب و التي صورت كيف « يتسم الجندي الفرنسي بالارتباط الشديد بموطنه الأصلي ، فهو يتذكر دوما مسقط رأسه أو بلدته و بخاصة الجرحى ، ثم أنه شديد الحب للزوجة أو الحبيبة -الغائبة- قوي الحنين إليها إلى درجة العفو -أحيانا-  على المغربية إذا كانت قريبة الشبه بها ، أما الملامح الجسمية فقليلة الورود و بخاصة إذا ما قِيست إلى تفصيل الأفعال »و « تتلخص الصفات الجسمية للجندي الفرنسي الواردة في الرواية العربية المغربية –على قلتها- في زرقة العيون اللامعة و وضع النظارات الشمسية و احتقان الوجه و تهدل الأوداج الحمراء ، و ضخامة الجثة و العضلات المفتولة»28 .

و لم نكد نجد صورةً واضحة للقاضي الفرنسي في الروايات المغربية من خلال هذا الكتاب إلا ما تعلق منها بالصفات المعنوية فقط و منها : ضعف الشخصية أمام الزوجة ، و التجبر أمام المغاربة ، و تكذيب الأهالي و الطاعة التامة لرجال السلطة .

أما رجال التعليم فقد وظفهم و وصفهم روائيون مغربيون و منهم عبد الكريم غلاب (دفنا الماضي) و البشير خريف (الدفلة في عراجينها) و صورهم هؤلاء الروائيون من خلال عرض لمظهرهم الذي يتسم بالرشاقة و تناسق اللباس ، و من خلال صفاتهم المعنوية كقوة الشخصية و الحيوية و الاطلاع و الهدوء و المعرفة حيث « المعلم الفرنسي شخصية معروفة في المغرب العربي نتيجة تركيز فرنسا على محاولة محو اللغة العربية و ثقافتها و إحلال اللغة الفرنسية و ثقافتها محلها بواسطة مدارسها المتخصصة ، لذلك اهتمهم السلطات الفرنسية بتكوين معلمين أكفاء يقومون بتعليم الأهالي و التنفير من التعليم التقليدي متمثلا في شيخ الكتّاب أو الفقيه » 29 .

لم يغفل الروائيون المغاربة في رسم صورة الفرنسي العادي البعيد عن الجيش و القضاء ، إنه ذلك المواطن العادي ، و « الملاحظ أن صورة الفرنسي العادي تختلف اختلافا شديدا عن صورة الفرنسي العامل أو الفرنسي الحاكم فلا بدانة و لا ترهل أوداج و لا قبح خلقة و لا ظلم و لا قسوة و لا سوء معاملة و لا انتهازية ، بل حيوية و شباب و نشاط و أناقة و حسن معاملة و إتقان للعمل »30 . و هو ما صورته عديدُ الروايات المدروسة .

ج - صورة المرأة الفرنسية : حاول الباحثُ"عبد المجيد حنون" رصدَ صورة المرأة الفرنسية في الرواية المغربية ، و منها المرأة المثقفة و الفتاة العاملة .. فأما « صورة الفتاة الفرنسية قليلة الورود في الرواية المغربية حيث ترد سوى صورتين كل واحدة في رواية »31 ، و هما صورة (مادلين) في رواية (دفنّا الماضي) لمحمود غلاب و (فتاة) في رواية (ما لا تذروه الرياح) لعرعار محمد عبد العال ، و وردت خلال الصورتين صفاتٌ جسمية منها : العينان اللامعتان ، الوجه الضاحك ، الشعر الأشقر ، القامة الممشوقة ، أما الصفات المعنوية فمنها:الطِيبة ، الذكاء ، التحرر ، العفة ، القوة في الشخصية .

أما المرأة العاملة فكان ورودها قليلا ،من ذلك ما ورد في رواية (التحدي) لمحسن بن ضياف ، و ( المعلّم علي ) لمحمد غلاب، و من صورها الجسمية : العيون الزرق و الخضر ، و الفضة .

خاتمة :

نخلص من خلال قراءتنا لكتاب "صورة الفرنسي في الرواية المغربية " للأستاذ الدكتور عبد المجيد حنون ، إلى النتائج الآتية :

$11- أهمية البحث في موضوع الصورة في الآداب المقارنة لما تفتحه من نوافذ التعرف على الآخر ، و قراءة منتجه و التعرف على حضارته ، و فكره و إبداعه .

$12-أهمية التعرف على صورة الآخر في آدابنا ، و ذلك للتعرف على أدوات أدبائنا في رسم صورة الآخر ، بكل مرجعياتهم ، و تصوراتهم و دوافعهم .

$13-اتكاء الروائيين المغاربة في رسمهم صورة الفرنسي على مرجعيات تاريخية ضاربة في أعماقهم و نفسياتهم ، و صعوبة الفصل بين الواقع التاريخي و المتخيل الروائي .

$14-   تفاوتت التجارب الروائية المغربية في رصد صور الفرنسي على اختلاف وظائفه و ثقافته و نظرته إلى المواطن المحلي ( المغربي ) .

$15-   يعدّ الكِتابُ الذي قرأناه من أهم الكتب التي تناولت موضوع الصورة في الآداب المختلفة ، خاصة حين نعلم أن الباحث  "عبد المجيد حنون" ركيزة هامة في حقل الدراسات المقارنة ، و هو الضليع في الآداب الأجنبية .

$16- مثلما فتحَ الآخرُ / الغربُّي نافذةً على الشرق لأجل دراسة منتجه الفكريِّ الأدبيِّ و العلميِّ ، مثلما يحتاج الإنسانُ / الباحث ُالشرقيُّ إلى فتح نوافذ عديدة ليطل من خلالها على منتَج الآخر .

الهوامش :

1/ جورج طرابيشي : الأدب من الداخل ، دار الطليعة ، ط 1 ، بيروت ، 1978 ، ص : 35 .

2/ خالد فؤاد طحطح : تحولات الكتابة التاريخية ، دائرة الثقافة و الإعلام ، حكومة الشارقة ، ط 1 ، 2010 ، ص : 172 .

3/ عبد المجيد حنون : صورة الفرنسي في الرواية المغربية ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، 1986 ، ص : 69 .

4/ ميشال جوزيف شريم : دليل الدراسات الأسلوبية ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع ، لبنان ، ط 1 ، 1984 ، ص : 70 .

5/ مصطفى ناصف : الصورة الأدبية ، دار الأندلس  للطباعة و النشر ، ط 2 ، 1981 ، ص : 03 .

6/ عبد المجيد حنون : المرجع السابق ، ص : 81 .

7/ مصطفى ناصف : المرجع السابق ، ص : 08 .

8/ عبد المجيد حنون : المرجع السابق ، ص : 61 .

9/ صلاح صالح : سرد الآخر ، المركز الثقافي العربي ، المغرب ، ط 1 ، 2003 ، ص : 134 .

10/ عبد المجيد خنون : المرجع السابق ، ص : 07 .

11/ صلاح صالح : المرجع السابق ،  ص : 133 .

12/ عبد المجيد حنون : المرجع السابق ، ص : 06 .

13/ محمد بوعزة : تحليل النص السردي ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، منشورات الاختلاف ، ط1، 2010 ، ص : 40 .

14/ جوزيف ميشال شريم : المرجع السابق ، ص : 18 .

15/ عبد الملك مرتاض :  القصة الجزائرية المعاصرة ، دار الغرب للنشر و التوزيع ، ط 4 ، 2007 ، وهران ، ص : 89 .

16/ الطيب بودربالة : صورة الجزائري في الرواية الفرنسية ، مجلة علوم اللغة العربية و آدابها ، عدد 2 و 3 مارس 2010 ، ص : 07 .

17/ صلاح صالح : المرجع السابق ، ص : 111 .

18/ الطيب بودربالة : المرجع السابق ، ص : 16 .

19/ جورج طرابيشي : المرجع السابق ، ص : 18 .

20/ صلاح صالح : المرجع السابق ، ص : 109 .

21/ عبد المجيد حنون : المرجع السابق ، ص : 07 .

22/ المرجع نفسه ، ص : 09 – 11 .

23/ المرجع نفسه ، ص : 10 .

24/ المرجع نفسه ، ص : 107 .

25/ المرجع نفسه ، ص : 113 .

26/ المرجع نفسه ، ص : 113 .

27/ المرجع نفسه ، ص : 133 .

28/ المرجع نفسه ، الصفحة نفسها .

29/ المرجع نفسه ، ص : 170 .

30/ المرجع نفسه ، ص : 174 .

31/ المرجع نفسه ، ص : 189 .