الفوضى الخلاّقة: pdf

 ثنائية الأنا والآخر من خلال إشكالية الإسلام و الديمقراطية

  د/ سعيد الحسين عبدولي

 كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية- تونس

   Résumé:

Cette recherche projette un traitement analytique et critique d’un phénomène universel considéré comme l’un des principaux sujets de la société mondiale actuelle, le chaos créatif. Nous avons choisi de faire cette étude en partant des préoccupations du monde islamique et par-là celles du monde arabe. Le monde demeure basé sur le monopôle et il est dominé par la logique du plus fort qui cherche à faire du monde arabo-musulman un prototype en imposant des choix libéraux, c’est pourquoi notre recherche est intitulée « le chaos créatif à partir de la dualité de l’Islam et de la démocratie ». Ainsi, les principaux concepts de notre recherche se présentent comme suit : Le chaos créatif, La démocratie et L’Islam.

 Dans ce contexte, la remarque directe et le discours politique étaient les principales techniques et références qu’on a utilisées dans notre lecture analytique du réel arabe dans ses pires étapes de déclin et de retard, conséquences de cumulus historiques et autres idéologiques causées par autrui.

 

 المقدمة:

 عجيب أمر هذا العالم، كنا نخاله قد انتقل من حالة الطبيعة المتوحشة وحرب الكل ضد الكل على حد تعبير هوبز إلى مرحلة الحياة الاجتماعية على أسس العقد الاجتماعي: حروب هنا وهناك، دمـــار و تشريد، إفلاس ونهب لثروات الشعوب ومقدراتها، اغتصاب للحريات والحقوق، نظام عالمي جديد قائم على لعبة المصالح والتحالفات الإستراتيجية للدول العظمي التي تسعى بكل السبل إلى رعاية مصالحها. لندرك جيدا أننا إزاء نظام طبيعي جديد يتّسم بالفوضى: آهـات وأنات، انكسارات و إحباطات ومزامير حرب مدوية في عديد بقاع العالم شاء لها القدر أن تكون كذلك استجابة لمصالح أعداءها. لا يهمّ  الخسائر في الأرواح ولا في البنى التحتية، فالعبرة بالنتيجة التي يجب أن تتحقق مهما كان الثمن !!

 يسلمنا كل ذلك، إلى موضوع المقال وصلبه، الأمر الذي يقتضي السكوت عن الاجابة في اللحظة الراهنة، انتظارا لما ستسفر عنه رحلة الابحار بين دفتيه ونكتفي بالتساؤل: في أي زمن من تاريخ البشرية نحن؟ وما موقعنا في الحضارة الإنسانية أصلا؟ هل نحن بشر بالمقاييس المدنية أم مجرد أشباح و كائنات قزمية؟ أين الفكري العربي- الإسلامي الذي طالما مثّل مصدر خصب وإثراء؟ أم أن ذلك كله كان مجرد مرحلة تاريخية انتهت معالمها الآن؟

 ليس هذا تشويشا على فكر القارئ ولا خرقا لأسلوب الكتابة سواء في بعدها السوسيولوجـــي أو التحليل السياسي، فلربما يكون ذلك من هول الصدمة. فالباحث أحيانا مهما تجرّد من الذاتية محاولا التقيّد بالموضوعية في تحليل الأحداث، فإنه يصطدم بواقع معقّد قد يفلت أحيانا من آليات التحليل التقليدية. ذلك أن مأساة هذه الأمة المشلولة وما تعانيه من أزمات، لا يمكن أن يترك في أنفسنا سوى طعم الهزيمة وخيبة المسعى وهو ما لخّصه محمد عابد الجابري في قوله:" الواقع العربي الراهن الذي يجتاز مرحلة انتقالية بطيئة الحركة متداخلة الخطى يتشابك فيها الزمان والمكان والقديم والجديد تشابكا يشوش الرؤيـة ويذكي نار التوتر والقلق ويضفي بالتالي على قضايا الواقع طابعا إشكاليا، طابع الوضع المأزوم".[1]

 فلو جاز لنا أن نلخّص هموم الأمة الإسلاميةالراهنة في عنوان واحد يحتوي كل الإشكاليات المتعلقة بها وعلاقتها مع باقي مكونات المجتمع الدولي وخاصة منها المتنفّذة، لجاز لنا اختصارها في الفوضى الخلاقة: ثنائية الأنا والآخر من خلال إشكالية الإسلام و الديمقراطية: فماهي الفوضى الخلاقة؟ وماهي أغراضها؟ هل هي فكرة مجرّدة عن الواقع الدولي المعيش أم ظاهرة قابلة للقياس و الدراسة؟

 إننا سنحاول جهد استطاعتنا من خلال هذه المحاولة التحليلية أن نتعرّض إلى مسألة الصراع الدولي منذ سقوط الإتحاد السوفياتي وبسط الولايات المتحدة سيطرتها على العالم بمعيّة شركائها. ومن هنا بتنا نلاحظ أن العالم الإسلامي عموما والعربي على وجه الخصوص أصبح ساحة الصراع المحتدمة وهو صراع مستورد. والذي اشتدّ ضراوة منذ سنة 1991. فمنذ هذا التاريخ بدأ مفهوم الهيمنة الأحادية جليا لا لبس فيه نقرؤه في أكثر الخطب السياسية للزعماء الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة حيث كشفت الحرب الباردة على حد قول محمود حيدر:"حقائق مدويّة ما كان لها أن تظهر لولا أن أصبحت الولايات المتحدة وجهاً لوجه مع العالم ".[2]

 لذلك ومن أجل أن لا نقع في شراك الفكرية الطوياوية، وبغية أن نصل إلى نتائج موضوعية، اعتمدنا على منهج الملاحظة ودراسة مضمون الخطاب وملابسات الواقع العربي حتى ندرك معنى الفوضى الخلاقة وفها تجلياتها الآنية وآفاقها المستقبلية.

 1.   الفوضى الخلاقة و دلالات الخطاب:

 فإذا حصرنا الآن انتباهنا بشكل خاص في الخطاب الأمريكي، فسيتبين، لا محالة، أن النظام الرأسمالي الذي يتبنى الخيار الديمقراطي استفاد كثيرا من مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية 1945 والتي صاحبتها استقلاليات الدول التي كانت مسرح العمليات الاستعمارية. وهذه الاستفادة نقرؤها من خلال ما صرّحت به رايس:" طبيعة المصالح الأمريكية تقتضي تحريك الركود الذي يسود المنطقة العربية بالقدر الذي لا يسمح بالانزواء الفوري للأنظمة الراهنة(...) إن أمريكا أخطأت على مدى ستين عاماً من الحفاظ على الاستقرار في المنطقة"[3] وفي الحقيقة فإن هذا التصريح وبهذه الكيفيّة من التعدي على السلم العالمي الذي أكّده ميثاق الأمم المتحدة لا يزيد عن كونه امتدادا للخطاب الأمريكي منذ نهاية الحرب الباردة وميلاد النظام العالمي الجديد القائم على الأحادية القطبية، مثلما نطق به جورج بوش:" إن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها من بين دول العالم تملك من المستوى الأخلاقي ومن الإمكانات ما يكفي لخلق نظام عاملي جديد"[4].

 وهذا الشعور بالتفوّق يعود في الحقيقة إلى مرحلة أسبق من ذلك بكثير أي ما يمكن أن نستخلصه من الشعور الأخلاقي لدى الأمريكي أو على حد تعبير عبد المجيد عبدلي:" هذا التفرّد مردّه العقلية السائدة عند الأمريكي ومفادها أن الشعب الأمريكي شعب مختار تقع على عاتقه مسؤولية سعادة الإنسانية. هذه العقلية ليست وليدة الحاضر بل تمتد جذورها إلى الماضي"[5]. ويؤكّد الكاتب موقفه سالف الذكر نقلا عن محمد هنا" إذ نقرأ في مجلة التايم الأسبوعية الصادرة أثناء الحرب العالمية الثانية ما يلي: إن الأمريكيين قادرون على النهوض بالإنسانية من مرتبة الحيوان إلى مرتبة ما قبل الملائكة بقليل" هذه القوة " تملك من المستوى الأخلاقي ومن الإمكانات لخلق نظام عالمي جديد"[6]

 إذا بات واضحا من خلال ذلك كله، أن الولايات المتحدة الأمريكية راهنت منذ أمد بعيد على مشروعها الرئيسي وهو زعامة العالم، معتبرة نفسها مسؤولة عن السلم العالمي وتوازنات النظام العالمي الجديد ليحل بذلك مفهوم "توازن المصالح" محلّ "توازن القوى". وعليه فإن أي طرف يقف أمام خيارتها تلك يعدّ إرهابيا ومتطرفا ووجب محاربته بكل السبل المتاحة. ومن هنا سيبدأ مفهوم الفوضى الخلاقة في التشكّل.

 وبعد، فلم يعد قصدنا هاهنا استباق خطواتنا، بل ذلك ما نقرؤه في كتاب فوكوياما " نهاية التاريخ والانسان الأخير" عندما يتحدّث عن أفول الدولة القومية لصالح الدولة الشمولية وهي في اعتقاده الدولة الديمقراطية الليبرالية حيث يقول في هذا الصدد:" سيكون لوجود تاريخ موجّه ولتطوّر الدول الديالكتيكي نحو الديمقراطية الليبرالية، بدفع من النمو الاقتصادي، نتائج هامة بالنسبة للعلاقات الدولية. وإذا كان مجيء الدولة الشمولية والمنسجمة يعني تحقيق الاعتراف العقلي على مستوى الحياة الاجتماعية للأفراد وإبطاللعلاقة السيد بالعبد فيما بينهم، فإن انتشار نمط الدولة هذا في النظام العالمي يجب أن يعني كذلك نهاية علاقة السيد بالعبد بين الأمم، أي نهاية الامبريالية، ومع هذا النمط، تتقلّص احتمالات الحرب المؤسسة على هذه الامبريالية."[7]

 إن الفوضى الخلاقة هي عبارة عن فجوة وفراغ  ينعكس عن استقرار المجتمع وتماسكه، وهــونتيجة رغبة في التغيّر أملتها تطلعات الفاعلين إلى تحقيق الحراك والتغير في شتى المستويات وخاصة منها السياسية و الاقتصادية، وهي غالبا ما يتم تمويلها من الخارج. حتى وإن كانت عوامل التغيير داخلية فإنه يتمّ استثمارها وتطويعها بما يخدم مصالح الآخر الغربي الذي يسعى إلى الحفاظ على مصالحه. وعلى هذا النحو فإنها، أي الفوضى الخلاقة التي هي على حد تعبير صموئيل هنتنجتون:"الفجوة التي يشعر بها المواطن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فتنعكس بضيقها أو اتساعها علـى الاستقرار بشـــكل أو بآخر."[8]

 ولعل أبلغ حالة في هذا المضمار ما نقرؤه في الخطاب السياسي الرسمي للولايات المتحدة الأمريكية، حيث قدرتها على زرع بذور الفتنة في العالم. مستخدمة في ذلك الديمقراطية كذريعة لتضليل الشعوب الإسلامية. مثلما تعمل ليلا نهارا على تطوير مناهج عملها وتقنيات تنفيذها قصد خلق نظام عالمي غير مستقر. مما يخلق فجوة في محيطه مستعينة بمراكز البحث الإستراتيجية التي تزودها بالمعلومات اللاّزمة حول كل ما يدور من أحداث في العالم الإسلامي ومنه الشرق الأوسط والمغرب العربي وهذا ما أشار إليه خالد عبد القادر أحمد:" لقد كشفت تسريبات ويكلكس أن المؤسسات العالمية الأمريكية وفي طليعتها وزارة الخارجية الأمريكية ومؤسساتهاالإستخبارية، ومؤسسات بحثية أخرى، تقوم بجمع مدى وحجم من المعلومات تشمل تقريبا _ كل _ ما يتعلق بالخلافات المــحلية و أطرافها ورموزها وأسبابها وحجمها(...). ولا يقف الأمر عند حد الخلافات، بل يتعداه إلى قراءة تركيبة القوى الاجتماعية ومطالبها وطبيعة الأنظمة والقدرة على استجابتها لتلك المـطالب أو عجزها عن ذلك. لقد طورت الولايات المتحدة الأمريكية هذا النهج، وصاغته في نظرية تعامل استراتيجي، تتيح لها أن لا تضطر إلى اللجوء إلى العمل العسكري المباشر إلا مضطرة. خاصة بعد التجربة الفيتنامية، فكانت نظرية الفوضى الخلاقة".[9]

 لذلك ومن أجل توضيح نظرية الفوضى الخلاقة التي هي صناعة أمريكية، تنعدم فيها أبسط مقومات الحضارة وما تحتويه الديمقراطية-التي طالما تشدّقت بها القوى الغربية- من قيم لا تزيد هي الأخرى عن كونها كذبة كبرى، ارتأينا أن ننطلق من خطاب الرئيس صدام حسين قبل حرب الخليج الثانية، إذ يقول:" مستعدون لنقوم بواجبنا كجزء من الأسرة الدولية عندما يتضح لنا أن هذه الأسرة ما زال العمود الفقري الأساسي الذي يربطها هو المقياس الدولي والشرعية الدولية  بمقياس موحد على كل القضايا وليس بمقياس كذلك، عند ذلك هذه الشرعية الدولية ستعترف للعراقيين بحقوقهم مثل ما يتمنون وتسترجع لنا فلسطيننا العربية "[10]

 وهكذا يتبين مرة أخرى، ومثلما أثبتت الوقائع، التزام الحكومة العراقية آنذاك بكل شروط الأمم المتحدة، رغم أنها أملاءات أمريكية-غربية. ولكن الآخر الغربي ضل متمسكا في مخططه وهو تدمير العراق وتغيير النظام القائم. فكان يختلق الذريعة تلو الذريعة: انتهاك حقوق الإنسان، غزو الكويت، تغيير النظام القائم واستقالة الرئيس، التدخل لحماية الأقليات الكردية والشيعية التي استغلت الظرف للتحرك، بل قل في تحريكها لتستفيد من الصفقة.

 1.1.  أساسيات الفوضى الخلاقة:

 تلك نظرة موجزة تعرفنا من خلالها على أهم مظاهر الوضعية الدولية الراهنة باعتبارها نظام عالمي جديد يعبّر عن أبشع مظاهر الديمقراطية الليبرالية المتوحّشة التي تتعدّى كل القيم النبيلة غير عابئة بالمواثيق الدولية التي يتم تطويعها من طرف المتنافسين على اقتسام العالم. لينتج عن كل ذلك مصطلح الفوضى الخلاقة التي ترتكز على جملة من الأسس المدروسة. تهدف في المقام الأول إلى خلخلة النسيج الاجتماعي وإرباكه حتى تعمّ فيه الفوضى. مما يفسح الطريق للتدخل العسكري أو السياسي والاقتصادي. ومن هنا أمكننا إجمال أهم أسسها وفق الآتي:

 §      إثارة الفتنة الطائفية والعرقية والدينية بين شعوب الوطن الواحد (المثال اللبناني والعراقي).

 §      التصلّب والاستبداد السياسي وحق الشعوب في الديمقراطية ( المثال التونسي والليبي واليمني والمصري والسوري أو ما يسمى بالربيع العربي ).

 §      النزاعات الحدودية بين الدول ومنها الانفصالية المطالبة بالاستقلال الداخلي ( المثال السوداني وربما في المستقبل القريب تأجيج نار الفتنة بين الدولتين الجارتين المغرب والجزائر في إطار قضية جبهة البوليزاريو ).[أ‌]

 §      إغراق عديد البلدان في المديونية مما أدى إلى إفلاسها ( اليونان واسبانيا) عن طريق سياسات الإقراض المجحفة التي لا تساهم في التنمية الحقيقية بقدر مساهمتها في تمويل بنوك الإقراض الدولية وبالتالي تعميق الهوة داخل البلدان المستدينة مما يعمّق حجم الفجوة داخلها.

 §      الإرهاب الدولي الذي هو وفق التحديد الأمريكي نابع من الحركات الإسلامية المتشدّدة التي ترفض النموذج الديمقراطي (المثال الأفغاني).

 كل هذه الصنائع الغربية في بلاد الإسلام ومنها الجغرافيا العربية، إنما يسعى الاستعمار إلى صناعتها عبر فرض نموذجه الحضاري الجديد على نحو ما ذكره محمد عابد الجابري:" فمن التبادل التجاري غير المتكافئ، إلى التدخل في الشؤون المحلية بذريعة الدفاع عن حقوق أقلية من الأقلـــيات أو حماية مصالح معينة، إلى الحكم المباشر، إلى الهيمنة الاقتصادية والسيطرة الثقافية والإيديولوجية. والنتيجة من كل ذلك: غرس بنى النموذج الغربي في بلادنا"[11]

 وهكذا نستطيع القول، أن العالم اليوم يسير نحو مزيد من اللاّاستقرار، وفق خطط مرسومة سلفا. مثلما يدلنا على ذلك واقع الحال العربي الذي ابتهج له الكثيرون. أعني أولئك الغارقين في معانقة شعارات قديمة، غير عابئين بما يجري من حولهم. فتراهم طالة يطربون للديمقراطية و"ربيعها العربي" ومرة ثانية يتحصّرون على الماضي رغم رداءته كلما اصطدموا بحقيقة الأمور.  ذلك أن الفوضى الخلاقة كمفهوم لها عديد زوايا الادراك. فهي من منظور الفرد العادي عبارة عن أزمات متتالية تتجلى أساسا في كثرة الصراعات بين مكونات المجتمع الواحد. وهي في مستوى ادراك الفاعل السياسي تندرج في إطار لعبة المصالح باعتبار أن المناورة السياسية لها وجهان:

 §      وجه ظاهر يسعى قدر الامكان إلى مجارات توجهات الرأي العام من قبل الزعماء أي أولئك الماسكين بزمام السلطة. ولتوضيح هذه الفكرة وفق دلالتها في المجتمع العربي والذي منه تونس على سبيل المثال رأينا أن حركة النهضة وهي تتقدّم نحو الضفر بكرسي السلطة تراهن على شعارات ثورية وأخرى وجدانية تمسّ جوهر الهوية. فهم ضحايا النظام الاستبدادي الذي حكم تونس على امتداد خمسة عقود، مثلما هم ضحايا التعذيب والسجون. ناهيك عن تسلّقهم سلّم الدين باعتبارهم حزبا اسلاميا يروم الى تطبيق الشريعة.

 §      وجه خفي يبرز من خلال علاقاتهم بالآخر الغربي لا في حدود ما تفرضه المصلحة المتبادلة التي تراعي هيبة الدولة واستقلاليتها من ناحية، وطموح الشعوب للحرية والرفاه من ناحية ثانية. ولكن في مدى امتثالهم لشروط الآخر المتحكّم في عصب النظام العالمي وتوجيهه وفق ما يخدم مصالحه[ب‌]، وصل أقصاه ما قرأناه في وثائق ويكلكس السرية التي كشفت أساسيات الخطاب الأمريكي في السنوات الأخيرة وهو ما سنأتي إلى إبرازه في مواطن أخرى من دراستنا هذه.

 إن الديمقراطية بالنسبة للآخر المتفوّق غاية ووسيلة. فإذا تعلق الأمر بسياساته اللاستعمارية والتسلطية تكون وسيلة لتحقيق برامجه التوسعية. ويروّج لها بطرق ذكية وفق خصوصيات كل منطقة، أي حسب طبيعة الصراع القائم في البلد المستهدف( عرقي، ديني، حدودي، مطلب اجتماعي، تصحيح وضع سياسي، اقتصادي، ...) وعليه تكون الديمقراطية كما أسلفنا القول وسيلة لتبرير تدخله. وهنا نلتقي مع الكاتب عبدو شامي في مقال له "بعنوان شرارة الفوضى الخلاقة.. الثورة التونسية" حيث يقول:" الديمقراطية التي تنشدها الشعوب ويراد الانتقال اليها بشكل فوري وربما فوضوي من خلال الإطاحة ببعض تلك الأنظمة لا بواسطة تغيير سلوكها، قد تكون أو تُتخَذ في بعض البلدان سبيلاً الى التقسيم، (...) عُمِل على تغذيتها من قبل أصحاب ذلك المشروع التقسيمي الصهيو-أميركي، وفقًا لخطة "الفوضى الخلاقة" أو "البناءة" الرامية إلى فرض الديموقراطية على الطريقة الأميركية ".[12] ولكي نفهم هذا التفسير حق الفهم، أمكن الكشفت عن ديناميكية الأحداث في الساحة السياسية التونسية والتي نورد البعض منها في شكل تساؤلات: ما مبرّر زيارة وفد من حركة النهضة إلى الكنغرس الأمريكي بعيد سقوط النظام في 14 جانفي 2011؟ لماذا تشدّد الحكومة التونسية ذات الغالبية النهضوية قبضتها على التيار السلفي رغم اعلانه أن تونس أرض دعوة وليس جهاد؟ لماذا التهاون في حماية السجينين السلفيين[13] المضربين على الطعام بعد ايقافهما على اثر أحداث 14 سبتمبر 2012؟ ثم ما مبرر التدخل القطري السافر في الشؤون الداخلية للبلاد التونسية سواء بصفة علنية مفضوحة أو غير مباشرة؟ ثم ما تاريخية وطبيعة العلاقة القطرية- الأمريكية وما جدواها في تغيير الخارطة العربية وتنفيذ الخطط المرسومة؟

 ولو أردنا أن نوسّع دائرة التساؤل أكثر لقلنا: إن الولايات المتحدة الأمريكية بمعية حلفائها وعملائها يضيّقون الخناق على بعض الجهات السياسية في هذا البلد ويدعمون نفس التنظيم في بلد ثاني. وللتدقيق أكثر في هذه النقطة أمكن الاشارة إلى التيار السلفي الذي يتم دعمه بالسلاح والمال والدعاية الاعلامية في سوريا[ت‌] قصد الإطاحة بالنظام في حين يحاصر في تونس ومالي. وعليه يكون السؤال المشروع: ما الحكمة في ضل هذه المفارقة العجيبة؟ ذلك هو أساس الفوضى الخلاقة.

 ومما له دلالة خاصة بموضوعنا، كون هذه الأسئلة ومثيلاتها من الاشكاليات المطروحة سواء في الساحة التونـسية أو غيرها من بقاع العالم الإسلامي، أمكن حصرها في فكرة واحدة. وهي أن كل ما نراه من أحداث سياسية تطغى على الساحة العربية والإسلامية ليس هو وجه الحقيقة كما يتمثلها الأغلبية الساحقة من شعوب المنطقة التي ساهمت الموجات الديمقراطية الكاذبة في بتر وعيهم وتذريره. إذ عوض أن يلتفوا على نفس المبدأ - الذي ساهم في تكوينهم كأمة واحدة – نراهم على خلاف ما جاء في نص الوصية:" فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده، كتاب الله وسنتي؟ ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد".[14]

 لا شك إننا هنا إزاء تحقيب يثير عديد التساؤلات، لعل أهمها ما نحن بصدد شرحه، وهو الفوضى الخلاقة التي لا تزيد عن كونها تقنية جديدة لتفتيت لحمة الأمة الغارقة في الجهل والتخلف والتأخر الحضاري بكل مكوناته وخاصة منها العلمية والتكنولوجية. وهذا التصحّر المعرفي في كليته هو أحد أساسيات الفوضى الخلاقة لأنه يخلق تبعية الأنا للأخر. وهي تبعية نعاينها اليوم بكل جلاء من خلال التحكّم في إرادة شعوب المنطقة بلغ أقصاها السعي إلى تنميط القرآن وتوجهاته الكبرى. الأمر الذي أفرز ثلاثة تياريات متضاربة:الأصالة والحداثة والانتقائية. وفي هذا الصدد يقول محمد عابد الجابري:" مواقف عصرانية تدعو إلى تبني النموذج الغربي المعاصر بوصفه نموذجا للعصر كله، أي النموذج الذي يفرض نفسه تاريخيا كصيغة حضارية للحاضر والمستقبل، ومواقف سلفية تدعو إلى استعادة النموذج العربي الإسلامي كما كان قبل الانحراف والانحطاط (...)، ومواقف انتقائية تدعو الى الأخذ بأحسن ما في النموذجين معا والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تتوافر لها الأصالة والمعاصرة معا"[15].

 و الخطر لا يكمن في اعتقادنا في القراءات الحداثوية التي تعبّر عن وجهات نظر أصحابها. بل في انتصار الغرب الأوروبي إلى التيار الذي يتماشى مع تطلعاته ويخدم أغراضه، وهو حتما التيار الحداثي المتطرّف. وأعني بعبارة متطرّف هنا ذلك التيار الاصلاحي الذي يستثني الاسلام من المرجعية التحديثية[ث‌] أو يقرؤه بمنهجية تشويهية مسقطة تحيد عن روح الإسلام  والتي من مظاهرها الاستعلاء عن الجانب العقائدي في الاسلام واعتباره عائقا لعملية التحديث على المنوال الغربي الذي يتناقض أحيانا مع ما أقرّه الاسلام وخاصة في مسألة التقوى. مثلما جاءت في خطبة الوداع:" أيها الناس: إن ر بكم واحد، وإن أباكم واحد، كلُّكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟(...)"[16]

 ما نريد أن نخلص إليه مما تقدم، هو أن كلمة ديمقراطية لا تتطابق كليا مع خصوصية المنطقة. وبعيدا عن التنظيرات الفلسفية و الإنتصار إلى طائفة سياسية-ايديولوجية بعينها، فإننا سنتوخى منهج الملاحظة المباشرة التي يكون موضوعها الواقع بكل تراكماته وتجلياته. وقتها سنقف عند أحد الأسس المهمة للفوضى. ذلك أن الديمقراطية كمفهوم غربي طبّق على امتداد عدّة أجيال على المجتمعات الأوربية لا يمكن أن  ينجح في مجتمع عربي إسلامي يساهم المقدّس في تنظيم معيشه اليومي. الأمر الذي أنتج منظومة تصورات خاصة بالفاعل الإسلامي تختلف عن الآخر الأوروبي.

 إن مجرّد التفكير في تطبيق المشروع الديمقراطي في البلاد العربية الإسلامية يطرح جملة من الثنائيات المفاهيمية من نوع الحلال والحرام، الممكن واللاممكن، الأصالة والمعاصرة، الكفر والإيمان، الهوية و التبعية أو الأنا والآخر...وعلى العموم فإن الأسس التي تقوم عليها الفوضى الخلاقة باعتبارها أحد أبرز آليات الاستعمار والهيمنة الغربية الحديثة، لا تزيد عن كونها ظاهرة كونية آخذة في التفاقم وتتفاعل مع خصوصيات كل منطقة مثلما هو الحال في المنطقة العربية التي يصفها البعض بأنها الربيع العربي.[17]

 ومما يجب ذكره - في هذا الخصوص- أيضا أن المنطقة العربية تبق بحاجة إلى اصلاحات جذرية تقوم على غير تلك الأسس السالفة الذكر. بمعنى أدق أن الاصلاح الذي يأتي من الخارج ولو بطرائق مختلفة يبدو في معظمه براقا وورديا لا يمكن أن يلبي حاجيات الداخل العربي. لأنه يعمد في المقام الأول إلى خلخلة النسيج الاجتماعي وإرباكه حتى تعمّ فيه الفوضى والطائفية و القتل العشوائي وتتعطّل عجلة التنمية ويتم تدمير البنى التحتية وكل مقومات الدولة وتعمّ مشاهد البربرية تحت عنوان واحد هو:الديمقراطية. هاهنا تكمن ديمقراطية الارهاب بعدما كنا نتحدث عن ارهاب الديمقراطية !

 ولكن الاشكالية في هذه المسألة التي تقتضي التوقف عندها وفك مغاليقها هي: هل أن الديمقراطية الغربية هي الخيار الوحيد لإصلاح منظومة الداخل الاسلامي الفاسدة؟  أليس في التراث و عبقرية الفاعل الاسلامي ما يكفي لإصلاح واقع الحال؟ وهل أن الفوضى الخلاقة التي تنهش جسد الأمة وتعطّل باستمرار تقدمها هي نتاج ما أفرزته سياسات الاصلاح التي تنشط بشكل متسارع في العالم العربي أم هي مشروع الخارج؟

 1.2.  الفوضى الخلاقة: صناعة أمريكية:

 لا يتورّع الخطاب السياسي الأمريكي في أعلى مستوياته إلى ممارسة أسلوب المراوغة قصد تبرير ممارساته، كان آخر نتائجها المرعبة مقتل أطفال العراق وتجويع شعبه وتدمــير بناه التــحتية و الدّوس على حضارة أمّة ضاربة في التاريخ. حتى أن وحشية العدوان الصليبي على هذا البلد كان أشدّ جرما من زحف المغول والتتار. فالعراق اليوم هو أرقى تجليات التأخر والفوضى بل قل الوجه الرديء للديمقراطية التي كانت مفتاحا لغزوه. ولسنا بحاجة هنا للتعمّق في إبراز مظاهر ذلك، بقدر ما نودّ لفت الانتباه إلى حجم البون الشاسع بينعراق الأمس والحاضر.

 كل ذلك يجعلنا ونحن نتطلّع إلى عراق ما بعد 1991 إلى حجم الخراب والتدهور الذي صار عليه هذا الـبلد بعد اجتياحه. لنكون بذلك إزاء أحد نتاجات الفوضى الخلاقة. وقولنا أن الخطاب الأمريكي يمارس سياسة المراوغة فذلك أمر جليّ أمكن قراءته من خلال أكثر من مثال. من ذلك ما صرّح به أوباما:" إننا نلتقي في وقت يشوبه التوتر بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي وهو توتر تمتد جذوره إلى قوى تاريخية تتجاوز أي نقاش سياسي راهن. وتشمل العلاقة ما بين الإسلام والغرب قرونا سادها حسن التعايش والتعاون كما تشمل هذه العلاقة صراعات وحروبا دينية".[18]

 يقرّ الرئيس أوباما الذي وصل إلى سدّة الحكم عبر الوعود المغرية التي قدّمها إلى اليهود وتدعيم أركان دولتهم المزعومة "إسرائيل"، بوجود توتّّر بين عالم الإسلام والآخر الغربي. معتبرا أن ذلك يعود إلى جذور تاريخية. فماهو تاريخ الولايات المتحدة حتى يكون لها صراع تاريخي مع عالم الإســـلام؟

 و للتدقيق، فإن أمريكا هي دولة حديثة العهد مقارنة بالحضارة الإسلامية التي يزيد عمرها عن 14 قرنا، ولم يسبق لها أن شهدت صراعا أو حربا مع أي بلد إسلامي قبل ظهورها كدولة ذات وزن إبان الحرب العالمية الثانية. ثم هو يتحدّث عن حرمان هذه الشعوب متناسيا بذلك حق الشعب الفلسطيني...ثم لماذا هو ينكر حقيقة التعارض بين ما جاءت به العولمة والديمقراطية من ناحية والإسلام الذي سبق الخطاب السفسطائي الأمريكي بآلاف السنين؟ أليس من بين معاني الديمقراطية حق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام الأديان؟ ثم ماهي مشكلة الإسلام في منظور الغرب: كونه دين يدعو إلى الأخوّة والألفة؟ أو لأنه دين يقوم على العدل الذي هو أساس العمران؟ أم باعتباره دين ينبذ كل المحرّمات التي تبيحها النّظم الليبرالية؟

 في الحقيقة  هناك انتباهة لا بد من الوقوف عندها في هذا الإطار. وهي ذات صلة بالعبقرية الأمريكية. وتتجلي في كونها بقدر سعيها إلى خلق قوتها فهي تعمل جاهدة إلى تثبيت أركانها حتى لا تزول. مستفيدة في ذلك من تجارب الإمبراطويرات السابقة لها. إذ أن بروزها كقوة عظمي كان نتيجة جملة من التجارب المتتالية لخصها Bruce Ackerman في أربعة مراحل. نذكر منها المرحلة الرابعة باعتبارها خلاصة تلك التجارب:" وهي بدأت خلال عقد الستينات عبر نشاط الحركات الاجتماعية واستمرت إلى حين تفكيك الإتحاد السوفياتي وكتلة أوروبا الشرقية. فالمراد من حصيلة هذه المراحل الدستورية القول إن كلاً منها شكّل خطوة إلى الأمام في التشكُّل التاريخي للسيادة الإمبراطورية للولايات المتحدة".[19] وقد علّق ميشال بوغنون موردان عن هذا الاستكبار الأمريكي في كتابه "أميركا التوتاليتارية" (L'Amérique Totalitaire) بقوله: "أنَّ الإيديولوجيا الأميركية لم تتورَّع عن خلع صفة الأزلية على أميركا، حـيث إنَّ ادعاء الرسالة الإلهية لم يغب يوماً عن ناظرها".[20]

 يسعى الغرب الأوروبي إلى خلق فهم جديد للإسلام. وذلك في إطار تنميط الثقافة العالمية التي تجتاح العالم أي وفق مقاييس الآخر. هذا التنميط الذي بدأت معامله واضحة للعيان منذ سنة 1991 وصدور كتاب "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" للكاتب الأمريكيفرانسيس فوكوياما الذي يرى" أن صراع الإيديولوجيات توّج بغلبة النموذج الديمقراطي الذي برهن على جدواه من خلال استناده إلى قيم مثلى وفي مقدمتها الحرية والعدالة والمساواة..."[21]

 ثم يواصل قوله مدافعا على الخيار الديمقراطي قائلا:" الديمقراطية الليبرالية، عقيدة الحرية الفردية والسيادة الشعبية. فبعد مئتي سنة من إطلاقها للثورتين الأمريكية و الفرنسية، برهنت مبادئ الحرية والمساواة، ليس فقط على أنها دائمة بل أيضا على أنها تستطيع أن تنبعث من جديد" [22].

 هذه العقيدة الليبرالية التي تستخدم مفاهيم الديمقراطية بطريقة عكسية قصد إيهام الشــــعوب و تضليلها. هي التي أفرزت بالنتيجة الفوضى الخلاقة التي تعد واحدة من الخطط قصد السيطرة على العالم وزرع بذور الفتنة فيه. ذاك أنه وعلى حد قول خالد عبد القادر أحمد:" إن النهج الاستعماري العالمي اقتصاديا وسياسيا بشكل عام، هو المسؤول المباشر وهو سبب الأزمات الاقتصادية والثقافية السياسية التي تسحق المجتمعات النامية"[23]

 توظّف قوى الاستكبار العالمي المفاهيم الديمقراطية البراقة من أجل إنتاج المآسي في أكثر من مكان من العالم. فالديمقراطية لها وجهان: وجه قبيح يأتي على استقرار الشعوب و آمالها في الاستقلال والسيادة والتمتع بثرواتها ووجه آخر جميل يدعو إلى الحرية والرفاهية،[24] ههنا يبرز المعنى الحقيقي للفوضى الخلاقة، لا بل قل آثارها الحقيقة التي يمكن لأي فاعل عربي أو مسلم معاينتها حتى يعيد حساباته حول التغيير القادم من الغرب وهو يكافح أنظمة الداخل المستبدة أو التي له معها حسابات.

 فإذا حصرنا الآن انتباهنا بشكل خاص في المثال العراقي، وهو لا محالة أصبح يسير القراءة، لأدركنا النوايا الفعلية من وراء غزوه، ذلك ما عبّر عنه السيد نعيم بقوله:" بالفعل فقد خلق الاحتلال في العراق سلبيات من نوع جديد لم تكن موجودة من قبل حيث خضعت المناصب و السلطات والثروة للاقتسام الطائفي[ج‌] كما تحول العراق الي وكر للعمليات الإرهابية والجماعات المسلحة واحتل المركز الثالث بين 60 دولة فاشلة في العالم وذلك طبقا لتقرير منظمة الشفافية العالمية وتعرض حاضر ومستقبل البلاد للخطر بسبب الصراعات المذهبية والعرقية..."[25]

 و الغريب في الأمر أن الولايات المتحدة الأمريكية تعلن صراحة أنها الراعي الأول للديمقراطية كلفها ذلك ما كلفها. فهي تستخدم ما أمكن أن نصطلح عليه بالموجات الدعائية الاستباقية. أي أنها تثير الرأي العام الدولي وتألّبه ضد الدولة التي تريد استهدافها مسخّرة في ذلك ترسانتها الإعلامية الهائلة وأبواقها الدعائية داخل العالم الإسلامي كلما أحست بأن هذا النظام أو ذاك يهدد مصالحها ومصالح حلفائها.  وقد وصفت جريدة Le Temps مفهوم الحرب على الإرهاب بأنه " لغة خشبية وشُنّت الحرب على أفغانستان و العراق وباكستان وعلى اليمن اليوم تحت هذا الشعار. وخطر هذا التدخل كانت نتيجته أخطر من الإرهاب نفسه" [26]. في حين بيّن الباحثان الإستراتيجيان الفرنسيان جيرار شاليان (Gerard Chaliand)  وأرنو بلين (Arnaud Blin)أن الولايات المتحدة الأمريكية جمعت بين مفهومي "الهيمنة" و"الرسالية "[27] ولكأن  "أميركا هي العالم والعالم هو أميركا "[28] يغنيني عن التفصيل في هذه النقطة، ما استخلصته من الخطاب السياسي الأمريكي وهو لا محالة كثير ومتشابك. قلت ذلك مثلا على ضوء ما جاء في خطاب الرئيس باراك أوباما:" يبين الوضع في أفغانستان أهداف أمريكا وحاجتنا إلى العمل المشترك. وقبل أكثر من سبع سنوات قامت الولايات المتحدة بملاحقة تنظيم القاعدة ونظام طالبان بدعم دولي واسع النطاق. لم نذهب إلى هناك باختيارنا وإنما بسبب الضرورة."[29] في هذا الجزء من الخطاب تبدو السياسة الأمريكية واضحة لا لبس فيها، فهل أن أفغانستان دولة مجاورة لأمريكا؟ أم هناك أزمة ديون بين البلدين؟ أليس كل ما في الأمر أن أفغانستان أرادت أن ترسم سياستها الداخلية بكل استقلالية، فاختارت التوجه الاسلامي مثلما اختارت الولايات المتحدة الخيار الليبرالي الديمقراطي ودافعت عنه.

 وما يتعين طرحه للجدل في هذا الموضع من التحليل، هو "الباراديقم" الأمريكي إن صح التعبير. أي الاطار النظري العام الذي تتوخاه لفرض سياستها الخارجية. فالمعروف في هذا الصدد،  أنها دائما السباقة إلى الكشف عن أهم التحركات لبعض الجماعات أو الأحزاب أو التنظيمات.. وتعبّر عن خشيتها منها وتتهمها بأنها مصدر قلق، وفي هذا الصدد يقول محمد حيدر:" المعروف عن هذه النظرية أنها وجدت دينامياتها الفعلية بعد زلزال الحادي عشر من أيلول/سبتمبر2001، وهي تقوم على فلسفة سياسية تفترض وجود خطر داهم من عدو مجهول يتهدّد الأمن القومي الأميركي في كل لحظة. كما تقوم على افتراض ألاَّ يكون التهديد بالضرورة، حاصلاً بالفعل من دولة أو من منظمة إرهابية لكي تخاض ضده الحرب الوقائية، وإنما يكفي أن يتم تصوُّره من جانب مراكز التخطيط الإستراتيجي في البيت الأبيض والبنتاغون للمبادرة إلى تلك الحرب".[30]

 إن استهداف الولايات المتحدة الأمريكية للعالم الاسلامي بهذه الوحشية الموغلة في البربرية، ليس بالأمر العشوائي. بل هو نابع من برامجها الليبرالية التي لا يمكن لها أن تفلح إلا في ظل ارباك نسيجه الاجتماعي وتماسك مقوماته العضوية فتحوله إلى أجزاء متضاربة بل قل متناحرة، غذتها بسلاحها الدعائي وهو الديمقراطية. ويبق العراق خير شاهد باعتباره المجال المخبري الذي طبقت عليه نظرية الفوضى الخلاقة.

 وإذا، يمكن القول بصفة عامة وعلى حد تعبير محمد حسنين هيكل وهو يستعرض الصيرورة الإجمالية للشكل الأمريكي:" إنَّ الولايات المتحدة نشأت ونمت ـ بطبائع الجغرافيا والتاريخ ـ دولة متحرِّكة لا تطيق الوقوف مكانها. وتعتقد أنَّ الوقوف لا يكون إلاَّ استسلاماً لحصار أو تمهيداً لتراجع. أي أنَّ غرائزها ودوافعها تحفزِّها دائماً لأن تتقدَّم وتتقدَّم ـ تنتشر وتنتشر".[31]

 2.    الفوضى الخلاقة والحرب على الإسلام:

 1.2.       الأنا الإسلامي  وسياسة الإقصاء:

 لقد بتنا في زمن الدعاية الغربية والحملة المسعورة عن الاسلام والمسلمين نتمثّل أفغانستان على أنها بلد الارهاب والتخلّف والأمية والفقر وكل ماهو تأخّر،[ح‌] ونتناسى أو ينسينا الآخر ذلك المشهد المبكي والمحزن من التاريخ الأفغاني الذي حاولت قوى الاستكبار العالمي أن تمارس عليه ضغوطه وتخضعه إلى سياستها بدءا من التجربة الشيوعية- السوفياتية التي باءت بالفشل وانتهاء بالحملة الديمقراطية-الليبرالية-الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية. فالأولى كانت تحت راية التوسع الاشتراكي وتوسيع الخارطة السوفياتية. في حين أن الثانية كانت في إطار السعي إلى تنميط هذا البلد الذي يرفض بكل شدّة أسلوب الآخر في الحياة. وهذا يكفي لإدانته بعد اتهامه بالإرهاب وتهديده للسلم العالمي.

 فالخيار الإسلامي ما لم يكن متجاوبا مع الديمقراطية يضل خيارا خطيرا لا بد من محاربته بشتى السبل. وفي هذا السياق يورد ميشال  بوغنون- موردان جزءا من كلام معاون الرئيس الأمريكي بيل كلنتون لشؤون الأمن القومي أنطوني لاك يذكر فيه:" إنَّ مصالحنا ومُثُلنا لا تلزمنا بالتدخُّل وحسب، بل تلزمنا أيضاً بالقيادة (...) من واجبنا تطوير الديمقراطية واقتصاد السوق في العالم لأنَّ هذا يحمي مصالحنا وأمننا، ولأنَّ الأمر كذلك يتعلَّق بانعكاس القيم، حيث هي في آن قيم أميركية وعالمية" [32].

 وعليه فإن محاربة الإسلام الراديكالي ( السلفي، المتشدّد) يعدّ من أبرز المهام الموكولة على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية ومعاونيها أي كل أنصار التيار الليبرالي التحرري الذي يتبنى الإسلام المعتدل،[خ‌] والذي اتخذ عدة تسميات في العشريات الأخيرة.[33] وكم هي عديدة الدراسات التي انساقت وراء هذا التمثّل للتجربة الاسلامية وسعت إلى الحطّ من قيمتها دون علم روادها بكنه الإسلام الذي هو رؤية متكاملة لتنظيم المجتمع وتطويره، فهو في"حقيقته نظام حياة، ونسق فكري وحضاري متكامل يشمل الواقع كله. وليس مجرد خطاب لترطيب الجوانح وتطييب النفوس"[34]

 ذلك بيان نورده ونشدد عليه في المبتدأ، فالإسلام هو مشروع حضاري متكامل جاء ليصلح المجتمع وينظمه، ويهذّب الذوق البشري حتى يرتقي إلى مرتبة الانسانية بلا صراعات طبقية أو حسابات مذهبية مثلما ورد في قوله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير" [35]

 يسلمنا هذا القول الأخير الى موضوع المقال و صلبه، وهي إشكالية الاسلام والديمقراطية. فالديمقراطية كما نقرؤها في الخطاب السياستي الدولي الراهن هي سيدة المفاهيم. إنها الوسيلة والغاية في آن. وهي إلى جانب ذلك كله المقياس الذي تقاس به الشوب، إما هي متـقدمة أو متأخرة..نامية أو متخلفة..استبدادية أم تحررية.. فهي على حد قول فوكوياما "نهاية التاريخ"، وآخر مراحل النضج الفكري وبها تتحقق السعادة والرخاء. في حين أن الاسلام يقرأ من عدة زوايا فهو من منظور الأنا لا يخرج عن ثنائية الأصالة والمعاصرة. ومن وجهة نظر الآخر فهو العدوّ الجديد للديمقراطية التي بالكاد تخلّصت من شبح النظام الإشتراكي. إنّه دين الإرهاب والرجعية والتأخّر حسب روّاد المدرسة الليبرالية سواء في الداخل أو الخارج.

 هذه بصورة عامة جوانب المسألة كما يضعها رواد الفكر الليبرالي المتطرّف تجاه "الأنا" من ناحية و بخـصوص الهيكل العام لعلاقة الآخر بالإسلام. ولكنها في اعتقادنا نظرة تفتقد كل شروط الموضوعية ويغلب عليها طابع الايدولوجيا المتسلّطة. أي رؤية الآخر المتفوّق ماديا والمنهزم روحيا وعقائديا. إنها قراءة مادية سطحية لحقائق الأمور. ذلك أن الآخر الغربي أو نظيره الحداثوي في الداخل لا يقيس الأمور إلا على منظاره الخاص. وهذا ما نستنتجه من خلال التجارب الاسلامية التي تماهت مع التجربة الديمقراطية طوعا أو كرها. مثلما حصل في عديد التجارب العربية التي قبلت بآلية الانتخاب لمنافسة القوى السياسية المقابلة. ولكن كلما كانت النتائج في صالح الشق الاسلامي إلا وتعالت صيحات الفزع والتنديد سواء من التيارات العلمانية والتحديثية في الداخل أو الخارج ممثلا في موقف الدول العظمى.

 فالخطاب السياسي الأمريكي وبعد تخلصه من كابوس الاشتراكية أصبح شديد الحذر من الخطاب الاسلامي وخاصة السلفي منه الذي يأب الانصهار في عملية التغريب و "الدمقرطة" باعتباره وفيا للـقرآن و للقائد محمد صلى الله عليه وسلم. أي أولئك الأوفياء للنبي أو على حد تعبير Viviane Comerro "محيط التجربة النبوية" وهذا هو الفرق بين التيار الأصولي والإصلاحي في العالم الإسلامي.[36]

 وهذا ما نقرأه في خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما: " إن نظام الحكم الذي يسمع صوت الشعب ويحترم حكم القانون وحقوق جميع البشر هو النظام الذي أؤمن به. وأعلم أن جدلا حول تعزيز الديمقراطية وحقوق جميع البشر كان يدور خلال السنوات الأخيرة وأن جزءا كبيرا من هذا الجدل كان متصلا بالحرب في العراق. اسمحوا لي أن أتحدث بوضوح وأقول ما يلي.. لا يمكن لأية دولة ولا ينبغي على أية دولة أن تفرض نظاما للحكم على أية دولة أخرى."[37]

 واللافت للنظر هنا، واستنادا لما سبق بيانه أن كل ماهو خطاب غير ديمقراطي  يتطابق مع ما انتجته الليبرالية والمدنية الغربية يعد خرقا لحقوق الإنسان أي تلك الفكرة التي دافع عنها فوكوياما- في إطار نقده للشمولية القومية- أي "الشمولية الليبرالية".

 وحري بنا أن نتساءل- إذا ما نظرنا إلى واقع الحال العربي منذ انهيار النظام في تونس وتتالي الموجات الشعبية الرافضة لنظام الحكم في أكثر من بلد وصولا إلى المثال السوري- عن نتائج التعارض بين ماهو ديمقراطي وإسلامي؟ وهذا ما سنسعى إلى ابرازه في العنوان التالي: 

 2.2.  الواقع العربي الراهن و المسألة الاسلامية:

 لكي نفهم هذا المشكل حق الفهم، سنكتفي بملاحظة ما أسفرت عنه "الثورات" العربية ونتقصى نتائج الحراك السياسي المفاجئ إلى حد بعيد الذي أسفر عن وصول التيارات الإسلامية إلى السلطة، لندرك صحة ما ذهبنا إليه منذ البدء من كون ما يسمى بـ"الربيع العربي" هو في كليته صناعة غربية بامتياز وكيف أن تأجيج الداخل كان بتغذية العامل الديني حتى يكون سبب فتنة. فلا الديمقراطية استطاعت أن تُسكت التشكيلات الدينية وخاصة منها المتشددة وأعني هنا بالتحديد التيار السلفي. ولا هذا الأخير استطاع تجاوز الموجة الديمقراطية التي تبنتها الأحزاب الاسلامية التي تماثلت معها. لتكون النتيجة على ماهو عليه واقع الحال الذي هو أشبه ما يكون بحالة الطبيعة التي تحدث عنها هوبز حيث "حرب الكل ضد الكل".

 لنكتف، إذا بالتأكيد مرة أخرى- ولعل هذه هي الخلاصة العامة لما قمنا به حتى الآن من تحليل للمسألة موضوع بحثنا- على أن العلاقة بين الفوضى الخلاقة وإشكالية الاسلام والديمقراطية في الواقع العربي الحديث والمعاصر ليست علاقة سبية. فصحيح أنه من الناحية المبدئية نقرّ بوجود التيارات الإخوانية منذ أمد طويل في منطقة "الربيع العربي"، أعني البلدان التي حدثت فيها الموجات الشعبية. وأؤكد هنا على كلمة موجات شعبية وليس تحركات منظمة في إطار تشكيلات حزبية بعينها. ولكن المشكلة الحاصلة هنا والتي تعيق عملية الهدوء على الأقل في المرحلة الراهنة هو تفاقم التوتر لا بين الأحزاب الاخوانية( تونس ومصر مثلا)  الفائزة في الانتخابات وبقية التيارات اليسارية المعارضة. بل واحتدام الصراع من ناحية ثانية بين تلك الأحزاب والتيار السلفي الرافض تماما للعملية الديمقراطية والمدافع على إقامة الإمارة الاسلامية وتطبيق الشريعة كخطوة أولى للخلافة.

 هذا ولا يفوتنا أن نشير في هذا الفصل إلى التحوّل المفاجئ في تصوّر الأفراد للديمقراطية، فمثلا لو أخذنا على سبيل المثال ما عاينته في بلدي تونس، فإن الديمقراطية وفق ما لاحظته من تصرفات الفاعلين هي حرية تعبير دون مسؤولية، حرية مطلبية دون إبداع، رفع مطالب اجتماعية وغياب المطالب الحضارية: أقصد غياب عزيمة الإبداع والعمل ( لم نجد ولا مسيرة واحدة في تونس أو صوت ينادي بإصلاح التعليم وتعريب العلوم أو إصدار قوانين تساهم في صناعة التونسي الجديد الآخذ بأسباب المدنية الراقية[38] وفي مقدمتها تكبير العمل والجدية في البحث العلمي) أي ما سبق أن أسميناه في مقال سابق منشور في صحيفة المثقف بالدلالات والتجليات السلوكية والقيميّة.[39]

 إذا ينجح الخطاب الديمقراطي مرة أخرى في إشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، العرق الواحد، الدين الواحد، التاريخ الواحد، المستقبل الواحد...حتى يقسم أبناء هذا الكل الواحد إلى ما يزيد عن 100 حزب يتنفاسون وفق قاعدة عصبية حزبية ايديولوجية على السلطة وليس على مصير ومستقبل ذلك الكل الواحد الذي خطط له الآخر فكان له ما يريد، على الأقل إذا استمر الحال مثلما هو عليه الحال الآن.

 عود على بدء، لا يسعنا إلا أن نقرّ أنه مثلما لا يمكن دراسة الحاضر مجتزءا من ماضيه، واستشراف المستقبل بمعزل عن حاضره، لا يمكن دراسة الواقع العربي الراهن منقطعا عن جذره التاريخي، ومفتقدا لشروط ديمومته واستمراره البعدي. ومن هنا فإن الاجابة عن الأسئلة السالفة لا يمكن أن يكون إلا من خلال الأبعاد الثلاثة للزمن: الماضي والحاضر والمستقبل. ولكن وفق دلالته الاجتماعية لا في سياقاته التجريدية. لأن ذلك يمكننا من إدراك كينونة الفعل الاجتماعي متكاملا لا متجزئا وقياسه كاملا لا مبتورا.

 إذا المسألة الإسلامية هي الفعل، والإطار العربي ناظرا ومنظورا إليه هو ذلك الجانب من التاريخ بأبعاده المشار إليها. ونحن إذ عزمنا على فك مغاليق هذا التقابل بين الفعل والزمن في عنوان "الربيع العربي" والمسألة الإسلامية، فإننا لا نروم إلا أن نسجل جملة من الملاحظات وفق ملاحظاتنا الميدانية المباشرة:

 §      إن الإسلام: الدين/ التاريخ/ الحضارة/ العبادة..هو المحرك الرئيسي للفوضى الخلاقة التي نبعت أصلا من رحم الصراع على السيادة الكونية. أعني الشمولية أو الدولة العظمي التي نظّر لها فوكوياما باعتبارها وريثة شرعية للدولة القومية التي تسببت في قتل الملايين من البشر في أروربا.

 §      إن "الربيع العربي" لا يمكن أن يكون كذلك، أي ورديا ومزهرا ما لم يمتثل إلى شروط النهضة الحقيقية يلائم فيها بين المعاصرة والأصالة، وإلا فهو سيسقط في "مقولة التاريخ يعيد نفسه" منذ مرحلة الأفغاني ومحمد عبده.

 §      كيف السبيل للتخلص من شبح الآخر ونحن لا نمتلك السبل الرئيسية الحقيقية للنهضة وهي العلم والمعرفة لخلق مقومات القوة، والإصلاح السياسي لصياغة الانسان الجديد، وإعادة المصالحة مع الدين لنكون مسلمين، ومراجعة ارتباطاتنا مع الآخر حتى يحق لنا الانخراط كفاعلين في المجتمع الدولي لا كتابعين.

 §      المسألة الاسلامية هي عامل وحدة لا تفرقة بشرط استبعاد الآخر بفلسفته الهدامة.

 الاستنتاج:

 بعد هذا العرض لماهية الفوضى الخلاقة وتطبيقاتها في العالم الإسلامي، يبدوا أن سؤالا محوريا لا بد من طرحه، وهو سؤال يتجاوز البعد التجريدي والكلامي، سؤال يراعي خصوصيات الواقع الإسلامي ومنه العربي مثلما يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمع الدولي وما يطرأ عليه من تغيرات تؤثّر في الداخل. إذن السؤال المحوري الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو: ما السبيل لتجاوز واقعنا البائس؟ هل بالإنخراط في ما يصوغه لنا الآخر من شروط؟ أم بقراءءة جريئة لتاريخنا وواقعنا ومن ثمة إعادة تشكيل شروط النهضة بقدر من المسؤولية والجرأة وخاصة العلم والمعرفة وإقامة العدل الذي هو أساس العمران وهي جميعها من ثوابت الدين الإسلامي؟

 إن المجتمع الاسلامي قادر على تحقيق النهضة الشاملة لو تجاوز فخ الفوضى الخلاقة التي يطرب لها العديد حتى أطلقوا عليها  اسم الربيع العربي، وماهي في النهاية إلى الخراب العربي: ويكفي للتدليل على ذلك معاينة الخراب الذي لحق بالبلدان التي حصلت فيها الثورات ومعاينة حجم الدمار وما سيترتب عن ذلك من اعادة تشكيل للخارطة. والخطر من كل ذلك كله غياب قراءات ومراكز بحث اسلامية تدرس ما يدور من أحداث وتهيّئ للمرحلة القادمة. وللأسف الشديد فإن كل ما نراه لا يزيد عن كونه شعارات فضفاضة يتعالى صداها على صوت الرصاص وبكاء الأطفال وصراخ النساء وتفجير القنابل وإراقة الدماء أي ما أسميناه بالفوضى الخلاقة.



[1]محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص 10

[2] محمود حيدر، الفلسفة السياسية للمحافظين الأميركين الجدد: أيديولوجية الفوضى الخلاّقة، صحاقي وباحث في الفكر السياسي-رئيس مركز "دلتا" للصحافة والأبحاث، مجلة الدفاع الوطني، العدد 329، www.lebarmy.gov.lb

[3] خطاب كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية.

[4]خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، 29 جانفي 1991، أثناء حرب الخليج الثانية.

[5]عبد المجيد العبدلي، قانون العلاقات الدولية، دار أقواس للنشر، مطبعة فن وألوان، الطبعة الأولى، تونس، 1994، ص 416.

[6] غانم هنا، عودة الإستعمار، مجلة الوحدة، العدد 77-78، الرباط، ص 70، نقلا عن عبد المجيد العبدلي، المرجع السابق.

[7]فرانسيس فوكوياما، ( 1993)، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الإنماء القومي، مجموعة مترجمين، بيروت، ص 233.

[8] إبراهيم كريم، الفوضى الخلاقة دليل إفلاس، موقع قناة المنار.

[9]خالد عبد القادر أحمد، كيف يجري تنفيذ نظرية الفوضى الخلاقة، دنيا الوطن، تاريخ النشر، 5-2-2011.

[10] خطاب الرئيس العراقي صدام حسين، قبل نشوب حرب الخليج بيومين 1991.

[11] محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص 18

[12]عبدو شامي، شرارة الفوضى الخلاقة.. الثورة التونسية، المراقبيوم 01 - 05 - 2011

[13] بشير القلي و محمد البختي، وقد توفيا في ظروف غامضة وأمام صمت اعلامي وغياب تحرك التنظيمات الحقوقية الأمر الذي أمكى محامي البختي في تصريح نشر على موقع التواصل الاجتماعي" الفايسبوك".

[14] الرسول محمدا عليه الصلاة والسلام، خطبة الوداع، 10 هجرية،يوم عرفة من جبل الرحمة.

[15] محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،1990، ص 16

[16] الرسول محمدا عليه الصلاة والسلام، نفس المصدر.

 [17] لمزيد التعمّق في هذه المسألة وتحديدا الوقوف على معنى الديمقرطية ومقاربتها بالشريعة الاسلامية، راجع مركز محمد وذكّر، الديمقراطية في الميزان، الشبكة المعلوماتية www.wathakker.info، تاريخ الاظافة 24-12-2011.

[18] خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، جامعة القاهرة، القاهرة، 4 يونيو 2009

[19] Bruce Ackerman,  proposes a periodization of the first three regmes or phases of U.S. Constitutional history. See wetne people: Foundations (Cambridge, Mass: Harverd University press 1991) in particular pp.58-80

[20] ميشال  بوغنون-موردان- أميركا التوتاليتارية – الولايات المتحدة والعالم إلى أين؟ تعريب د.خليل أحمد خليل – دار الساقي – الطبعة الأولى 2002 ، ص 542.

[21] فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الإنماء القومي، مجموعة مترجمين، بيروت، 1993، ص69-70.

[22] نفس المرجع.

[23] خالد عبد القادر أحمد، كيف يجري تنفيذ نظرية الفوضى الخلاقة، دنيا الوطن، تاريخ النشر، 5-2-2011

[24] راجع في هذا الشأن: صياح عزام، إستراتيجية الفوضى الخلاقة بوجهيها الخادع والبشع، شؤون سياسية، تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر.

[25]السيد نعيم، الفوضي الأمريكية .. "غير الخلاقة" في العراق،أخبار مصريوم 20 - 08 – 2007، نقلا عن : الجمهورية 20/8/07

[26] Le Temps,  Jeudi 21 janvier 2010

[27] Gerard Chaliand et Arnaud Blin American is back – less Nouveaux Cesars dzu. 2002 Pentagooune. Paris

[28]محمود حيدر، الفلسفة السياسية للمحافظين الأميركين الجدد: أيديولوجية الفوضى الخلاّقة، صحاقي وباحث في الفكر السياسي-رئيس مركز "دلتا" للصحافة والأبحاث، مجلة الدفاع الوطني، العدد 329، www.lebarmy.gov.lb

[29]خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، جامعة القاهرة، القاهرة، 4 يونيو 2009

[30] محمود حيدر، الفلسفة السياسية للمحافظين الأميركين الجدد: أيديولوجية الفوضى الخلاّقة، صحاقي وباحث في الفكر السياسي-رئيس مركز "دلتا" للصحافة والأبحاث، مجلة الدفاع الوطني، العدد 329، www.lebarmy.gov.lb

[31]  محمد حسنين هيكل – الإمبراطورية على الطريقة الأميركية – "وجهات نظر" القاهرة – العدد الخمسون – السنة الخامسة – مارس (آذار) 2003.

[32] ميشال  بوغنون-موردان- أميركا التوتاليتارية – الولايات المتحدة والعالم إلى أين؟ تعريب د.خليل أحمد خليل – دار الساقي – الطبعة الأولى 2002، ص542.

[34] فهمي هويدي، الاسلام والديمقراطية، مركز الأهرام للترجمة والنشر، مؤسسة الأهرام، الطبعة الأولى، القاهرة، 1993، ص 8.

[35] القرآن الكريم، سورة الحجرات، الاية 13.

[36]Viviane Comerro,  Islam et modernité, quelques jalons d'un parcours historique, Université d'automne « Religions et modernité », eduscol, Portail national des professionnels de l'éducation, 15 avril 2011.

[37]خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، جامعة القاهرة، القاهرة، 4 يونيو 2009

[38] لمزيد من التفصيل أنظر، سعيد الحسين عبدولي، الثورات العربية: البحث في الدلالات والتجليات السلوكية والقيميّة، صحيفة المثقفwww.almothaqaf.com، 05/ 01/ 2012.



الهوامش:

[أ‌] تنص خارطة "الشرق الأوسط الجديد" التي وضعها "برنارد لويس" بالنسبة لشمال إفريقيا، على تفكيك ليبيا والجزائروالمغرب بهدف إقامة ثلاثة أقسام تضم ستة دول، هي: "دولة البربر" أي "الأمازيغ" (المنتشرون في دول شمال إفريقيا)، والتي سوف تمتد من جنوب المغرب حتى البحر الأحمر على امتداد "دويلة النوبة" بمصر وأقصى شمال السودان. و"دويلة البوليساريو"، وهم أحد العرقيات الموجودة في المغرب، ولديهم "جبهة البوليساريو" التي تطالب اليوم بأن تكون لهم دولة باسم "الجمهورية الصحراوية"، وذلك بسبب اختلاف أعراقهم عن الأعراق العربية، وإحساسهم بإنهم مهمشون في كيان الدولة المغربية الحالية، ولا يشاركون في حكم المغرب... على أن تقام في الأراضي المتبقية بعد اقتطاع حصة "البربر" و"البوليساريو" دويلات: "المغرب" و"الجزائر" و"تونس" و"ليبيا"، وهي دول مرشحة أيضًا للتفتيت فضلا عن اقتطاع حصة "البربر" منها، لكن تقسيمها قد يكون على شكل فيدراليـات أو كونفيدراليات أو ما شابه، نظرًا لتكونها -وخصوصًا "ليبيا"- من قبائل متعددة ذات حساسيات تاريخية، بحيث لا ترضى أي منها أن تحكم من الأخرى.

نقلا عن عبدو شامي، شرارة الفوضى الخلاقة.. الثورة التونسية، المراقبيوم 01 - 05 – 2011.

[ب‌] إنَّ هذا ما سيعبِّر عنه الكاتب في مجلة "التايم" تشارلز كروثامر (Charles Krauthammer) على نحو لا شوب في صراحته: "ليست أميركا مجرد مواطن عالمي. إنَّها السلطة المهيمنة في العالم، وأكثر هيمنة من أي قوة أخرى منذ عهد روما. ووفقاً لذلك، فإنَّ أميركا في وضع يؤهِّلها لإعادة تشكيل المعايير وتغيير التوقعات وخلق حقائق جديدة. أمّا كيف يكون ذلك ؟ فيكون ـ برأيه ـ عن طريق إظهار إرادة غير اعتذارية لا سبيل إلى تغييرها.

نقلا عن لويس هـ. لافام، روما الأميركية، عن نظرية الإمبراطورية الفاضلة، نقله إلى العربية شادي عمران بطاح في إطار ملف أعدته "مجلة الثقافة العالمية" الكويت. بعنوان طبيعة الدولة الفاشلة. العدد 117 مارس / ابريل 2003.

[ت‌] في بداية الحرب السورية الداخلية دعمت الولايات المتحدة كيفما كانت أشكال الدعم الجيش السوري الحر وجميع الفصائل التي تقاتل النظام تحت راية الاسلام والتوحيد حتى انبثقت عنها جبهة النصرة التي غضّت عنها الولايات المتحدة الطرف في بداية الأمر ولكنها سرعات ما تراجعت عن موقفها لتصنفها ضمن قائمة الارهاب لسبب بسيط وهو تعارضها مع الطرح الليبرالي والديمقراطي وسعيها لإقامة دولة الخلافة في سوريا، وهذا نستنتج مرة أخرى كيف أن الولايات المتحدة تجاري التشكيلات الاجتماعية التي لا تتفق معها جذرا وتدعمها من اجل تحقيق مآربها أي " الحرب بالوكالة" ولكن سرعان ما تعدل عن موقفها بمجرد احساسها بالخطر بل قل كلما أرادت توجيه الأحداث وفق الخطط التي رسمتها و مستجدات الميدان، وتلك هي أرقة مظاهر الفوضى الخلاقة.

[ث‌] هذا النموذج المتطرّف طبق في تركيا مع كما أتاتورك وفي تونس مع الحبيب بورقيبة والذي قال عنها الباحث المنصف وناس أن العلمانية البورقيبية أشدّ تطرفا من العلمانية الأتاتوركية: المنصف وناس، الدولة والمسألة الثقافية في تونس، دار الميثاق للطباعة والنشر و التوزيع، تونس 1988.

[ج‌] إن تقسيم العراق وتدميره كان عنوانا واضحا لحرب الخليج الأخيرة، واليوم بعد أن وضعت الحرب أوزارها ومرت العشرية الأولى من رحيل الرئيس صدام حسين، كيف يمكن أن نعاين المشهد العراقي؟ سأكتفي بالقول أن قوات البشمرقة أي القوات المسلحة التابعة لإقليم كردستان المتمتع بحكم ذاتي في ظل السيادة العراقية بدأ يحشد قواته العسكرية تحت غطاء امريكي قصد ضمّ كركوك وذلك تمهيدا لإعلان استقلاله التام عن العراق في السنوات القادمة. وهو ما سيتزامن مع المفاجئات التي تخفيها الحرب على سوريا والتي ستكون من نتائجها طبعا تقسيمه طائفيا وعرقيا.

[ح‌] لا يعني ذلك أن التجربة الأفغانية تخلو من سلبيات، وهي لئن وجدت فإن حلّها لا يمكن أن يكون عن طريق أمريكا وأتباعها، بل وجب أن يكون من مهام النخب في الداخل بمساعدة مكونات المجتمع الدولي إذا كانت نواياها حسنة.

[خ‌] مثل الاسلام المتوسطي، الاسلام المنفتح، الإسلام التونسي، الاسلام الأمريكي، الإسلام الفرنسي، الإسلام الديمقراطي...

المراجع والمصادر:

1.        القرآن الكريم.

2.        الرسول محمدا عليه الصلاة والسلام، خطبة الوداع.

3.        السيد نعيم، الفوضي الأمريكية .. "غير الخلاقة" في العراق،أخبار مصريوم 20 - 08 – 2007، نقلا عن : الجمهورية 20/8/07

4.        إبراهيم كريم، الفوضى الخلاقة دليل إفلاس، موقع قناة المنار.

5.         خالد عبد القادر أحمد، كيف يجري تنفيذ نظرية الفوضى الخلاقة، دنيا الوطن، 2011.

6.        خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما، جامعة القاهرة، القاهرة، 4 يونيو 2009.

7.        خطاب كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية.

8.        خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، أثناء حرب الخليج الثانية، 29 جانفي 1991.

9.        خطاب الرئيس العراقي صدام حسين، قبل نشوب حرب الخليج بيومين، 1991.

10.    سعيد الحسين عبدولي، الثورات العربية: البحث في الدلالات والتجليات السلوكية والقيميّة، صحيفة المثقف، www.almothaqaf.com، 05/ 01/ 2012.

11.    سعيد الحسين عبدولي، الإسلام و الديمقراطية: بحث فـي أساسيات الخطاب و تداعيات الاختلاف- محاولة تبحث في مسألة الهوية الإسلامية في مواجهة الآخر الغربي، صحيفة المثقف،www.almothaqaf.com، 11-10-2012.

12.    صحيفة واشنطن بوست، الاسلام والديمقراطية لا يتفقان..شهر مارس 1992.

13.    صياح عزام، إستراتيجية الفوضى الخلاقة بوجهيها الخادع والبشع، شؤون سياسية، تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة و الطباعة و النشر.

14.    ‏طلعت رميح، الفوضي الخلاقة اضطرابات عدمية‏ أم تغيير ثوري مبرمج ؟‏!،الأهرام المسائي، 08- مارس 2011.

15.    عبد المجيد العبدلي، قانون العلاقات الدولية، دار أقواس للنشر، مطبعة فن وألوان، الطبعة الأولى، تونس،.1994.

16.    عبدو شامي، شرارة الفوضى الخلاقة.. الثورة التونسية، المراقب، 01 ماي 2011.

17.    غانم هنا، عودة الإستعمار، مجلة الوحدة، العدد 77-78، الرباط.

18.    فهمي هويدي، الاسلام والديمقراطية، مركز الأهرام للترجمة والنشر، مؤسسة الأهرام، الطبعة الأولى، القاهرة،1993.

19.    فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، مركز الإنماء القومي، مجموعة مترجمين، بيروت، 1993.

20.    لويس هـ. لافام. روما الأميركية عن نظرية الإمبراطورية الفاضلة. نقله إلى العربية شادي عمران بطاح في إطار ملف أعدته "مجلة الثقافة العالمية" الكويت. بعنوان طبيعة الدولة الفاشلة، العدد 117 مارس ، أفريل 2003.

21.    محمد عابد الجابري، إشكاليات الفكر العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990.

22.    محمد حسنين هيكل ، الإمبراطورية على الطريقة الأميركية ، "وجهات نظر"، القاهرة، العدد الخمسون، السنة الخامسة، مارس 2003.

23.    محمود حيدر، الفلسفة السياسية للمحافظين الأميركين الجدد: أيديولوجية الفوضى الخلاّقة، صحاقي وباحث في الفكر السياسي-رئيس مركز "دلتا" للصحافة والأبحاث، مجلة الدفاع الوطني، العدد 329، www.lebarmy.gov.lb

24.    مركز محمد وذكّر، الديمقراطية في الميزان، الشبكة المعلوماتية www.wathakker.info، تاريخ الاظافة 24-12-2011.

25.    ميشال  بوغنون-موردان، أميركا التوتاليتارية – الولايات المتحدة والعالم إلى أين؟ تعريب د.خليل أحمد خليل، دار الساقي، الطبعة الأولى، سنة 2002.

1.      Bruce Ackerman proposes a periodization of the first three regmes or phases of U.S.  Constitutional history. See wetne people: Foundations (Cambridge, Mass: Harverd University press 1991) in particular pp.58-80

2.      Le Temps, ( Jeudi 21 janvier 2010).

3.      Viviane Comerro,  Islam et modernité, quelques jalons d'un parcours historique, Université d'automne « Religions et modernité », eduscol, Portail national des professionnels de l'éducation, 15 avril 2011.

4.      Gerard Chaliand et Arnaud Blin American is back – less Nouveaux Cesars dzu. 2002 Pentagooune. Paris.