العلاقات العربية  – الأمريكية  فيوسائل الإعلام pdf

 خلال مرحلة الثورات العربية الأخيرة

  أ/ حموش عبد الرزاق

 جامعة 08 ماي 1945قالمة(الجزائر)

مقدمة:

 تطورت وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة بشكل مذهل جعلها تتحول من مجرد ناقل للأخبار والمعلومات، إلى مؤثر قوى ومتحكم في توجيه الرأي العام. فوظيفة الإعلام لم تعد تقتصر على المتابعة والتغطية والنقل والتحليل، بل تعدت ذلك إلى المساهمة الفعالة في صناعة القرارات الهامة والمصيرية على المستوى الدولي ، فقد تحولت الفضائيات والصحف اليومية وشبكات المعلومات والتكنولوجيات الحديثة للاتصال إلى مؤثر قوي وفاعل حقيقي في العلاقات بين دول وأقطار العالم، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور في فلكها من الدول الغربية كانت ولازالت المتحكم الأكبر في تدفق المعلومات والمحتكر الأساسي للتكنولوجيا الحديثة ، فإن علاقتها مع العالم العربي  دخلت مرحلة جديدة ، انتقلت فيها من التحكم في النخب  الحاكمة ، إلى محاولة السيطرة على الرأي العام وتوجيه الجماهير الشعبية في المنطقة تحت شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي أمور حرمت منها الشعوب العربية لفترات طويلة  بسبب غطرسة وقمع أنظمتها المدعومة أو المسكوت عنها أمريكيا .

 برز هذا الأمر بوضوح كبير خلال مرحلة ما سمي بـ:الثورات العربية الأخيرة التي انطلقت من تونس ثم انتقلت إلى مصر وليبيا ثم اليمن وسوريا والبحرين وهي في طريقها لتعم أقطارا أخرى في المنطقة. ولوحظ في كل ذلك الدور البارز الذي لعبته وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، في متابعة هذه العلاقات وتغطيتها ، بل وفي التأثير عليها أيضا . حيث سجلت الساحة الإعلامية ظهور القنوات الغربية الناطقة بالعربية على رأسها قناة "الحرة" وراديو "سوا " الممولين من وزارة الخارجية الأمريكية  وتبعتها قنوات " البي بي سي العربية " البريطانية و " فرانس 24 " الفرنسية ، ثم الروسية والألمانية ...وغيرها إضافة للصحف ، ومواقع التواصل الاجتماعي من أبرزها " اليوتوب والتويتر" كنوع من الإعلام الجديد على الانترنيت ، الذي تحول فيه المواطن العادي إلى صحفي ، يصور مقاطع الفيديو بهـاتفه النقـال أو كاميـرته الرقمية ، ويرسلها لتصبح متداولة على نطاق واسع في شبكات المعلومات ووسائل الإعلام العالمية ، وذلك دون مراعاة مصداقية المصدر أو أخلاقيات تداول المعلومات .

 ويذهب عدد كبير من المحللين  إلى التأكيد بأن كل تلك الوسائل - سواء مجتمعة أو منفردة – كان لها دور ما في الثورات العربية الأخيرة  ، بداية من الثورة التونسية في نهاية 2010 وبداية 2011 ، ووصولا إلى آخر تلك الثورات التي رأت الخارجية الأمريكية بأنها ستعم كل المنطقة . وهو ما يدل على أن وسائل الإعلام استخدمت بشكل ما للتهييج والتحريض وتوجيه الرأي العام في العالم العربي. فتصريحات الرئيس أوباما أو وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أو الرئيس الفرنسي ساركوزي أو حتى أحد الرؤساء أو الملوك العرب ومن يدور في هذا الفلك . تحولت إلى مؤشرات حقيقية لحدث أو تغيير ما سيحدث قريبا ، تتبعها حملات إعلامية واسعة على كل القنوات وشبكات الاتصال والمعلومات التي يبدو جليا أنها أصبحت تعمل وفق أجندة وخطة مدروسة ، لتنفـيذ سياسة معينة لصالح تلك الجهـات على الساحة العـربية والدوليـة، وأدوات فعالة لتحقيق التغييرات المطلوبة.

 وما تناولنا للعلاقات العربية الأمريكية إلا لما لها من خصوصية وتميز ، وما يبرز فيها من محاور هامة ، والأهم من ذلك كله هو ما استجد فيها من تطورات مثير وخطيرة خلال الفترة الأخيرة.

 أولا: خصوصية العلاقات العربية- الأمريكية:

 عرفت العلاقات العربية-الأمريكية تغيرات وتطورات كثيرة  وعمليات مد وجزر تداولت بين التجاذب والتنافر،تحكمت فيها الظروف الدولية حينا والمصالح والأهداف أحيانا، لكن البارز أن تلك العلاقات شهدت منعطفا حاسما بعدما عرف بأحداث 11 سبتمبر 2001  ، حيث كان الحدث من الضخامة والكارثية ما جعله يصبح نقطة تحول رئيسية في العلاقات العربية-الأمريكية التي عرفت تغيرا واضحا متأثرة بتداعيات تلك الأحداث واتسمت بالتوتر في مجملها ،وقد رأينا أن هذا التوتر مر بثلاث مراحل : بداية بالحرب على الإرهاب مرورا بوقف مسارالسلام ، وصولا إلى محاولة الولايات المتحدة إعادة تشكيل المنطقة وفق ما عرف بـ "الشرق الأوسط الجديد " حيث تعتمد هذه السياسة في ظاهرها على نشر الديمقراطية والحريات وتخليص الشعوب العربية من الفقر والتخلف ودكتاتورية الأنظمة ، التي تعتبر- حسب منظورها- أبرز أسباب خلق الإرهاب والتطرف الموجه للغرب ولغير المسلمين بصفة عامة. لكن في حقيقتها هي سياسة استعمارية توسعية تهدف لإبقاء السيطرة على مصادر النفط والثروات، وبالتالي على الاقتصاد العالمي . فضلا عن تخلصها من أزمتها المالية وإشكالية ديونها المتراكمة.

 وتعد العلاقات العربية-الأمريكية متميزة على الساحة الدولية لارتكازها على محاور خاصة، إضافة إلى مسارها التاريخي، وتأثيرها على المحيط الدولي بما يملكه كل طرف من وزن وبعد استراتيجي . ويمكن تلخيص أبرز تلك المحاور في الآتي :

 أ- المحاور الأساسية في العلاقات العربية-الأمريكية

 1- إسرائيل:

 يدرك أغلب المختصين أن ذ الانحياز الأمريكي لإسرائيل ليس وليد الساعة، بل هو قضية تمتد بجذورها إلى الماضي البعيد. ولقد عرفت العلاقات بين الولايات المتحدة وهذه الدولة الناشئة تطورا كبيرا وملحوظا حتى صارت توصف من الطرفين بالعلاقة الفريدة والمتميزة،وهو الأمر الذي حير الكثيرين فإسرائيل ليست مستعمرة أمريكية أو غربية في المنطقة،كما أنها لا تمثل مجرد موقع استراتيجي كجبل طارق مثلا،إضافة إلى عدم وجود تحالف واضح عسكري أو اقتصادي يربط الطرفين، فماذا تمثل إسرائيل للولايات المتحدة؟.

 حاول البعض الإجابة عن هذا السؤال بالقول:"إن العلاقة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل قائمة على أساس الدور الذي تقوم به إسرائيل في خدمة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط"، فعندما بدأ الصراع بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي هذه المنطقة إبان الحرب الباردة،أصبح الأمريكيون أكثر تأييدا لإسرائيل التي صاروا يعتبرونها الحليف الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه هناك.[1]

 ويرى أكثر مؤيدي إسرائيل حماسة في الولايات المتحدة، أنها باعتبارها المجتمع الديمقراطي الوحيد في المنطقة، تمثل نموذجا للتقدم والتنمية تحتاج إليه الدول العربية نفسها، وعليه فإنهم يرون أن نمو إسرائيل يعتبر مصلحة أمريكية حيوية، ويصل هذا الرأي ذروته إلى حد الاقتراح بأن تكون إسرائيل حجر الزاوية، والأداة السياسية المختارة في التعامل مع الدول العربية المحيطة بها.[2] التي زادت الضغوط عليها لتوطين اللاجئين الفلسطينيين وضمان عدم عودتهم إلى إسرائيل التي من مصلحة هذه الدول تطبيع العلاقات معها باعتبارها النموذج السياسي والاقتصادي الناجح الذي سيدير عجلة التقدم والتغيير في المنطقة، وبهذا المعنى لم تعد إسرائيل مجرد أداة للحفاظ على المصالح الأمريكية فحسب ولكنها فوق ذلك كله قوة غربية تمثل من ناحية الحضارة الغربية بكل قيمها ورموزها، كما أنها تمثل من ناحية أخرى امتدادا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وبالتالي فإن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل-حسب كثير من المحللين-هي في الأساس علاقة التزام من جانب الولايات المتحدة تجاه إسرائيل ،حيث يتفق جميع هؤلاء على أن إسرائيل من المنظور الأمريكي هي تجسيد للدولة اليهودية المنشودة . وبهذا لم يعد يختلف اثنان على وجود التزام أمريكي تجاه إسرائيل ليس فقط بالمحافظة على أمنها ووجودها وتطورها،وإنما بمدها بكل أسباب ووسائل التفوق على الدول العربية مجتمعة،وبالتالي يوجد إجماع على أن إسرائيل هي مصلحة أمريكية على أي حال.

 غير أن التحليلات العربية تتباين حول حدود ونطاق هذه المصلحة وأسبابها ووسائل وآليات تحقيقها،وحول ما إذا كانت مصالح إسرائيل ورؤيتها للمنطقة تتطابق مع مصالح ورؤى الولايات المتحدة ، فمن قائل بأن إسرائيل مجرد أداة وظيفية تستخدمها الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها وأهدافها الإستراتيجية ، فالصراع الأساسي هو مع الولايات المتحدة لا مع إسرائيل ومن قائل بأن السياسة الأمريكية الموالية لإسرائيل هي نتاج النفوذ القوي لجماعات الضغط واللوبي اليهودي في أمريكا، الذي تقوده لجنة الصداقة الأمريكية الإسرائيلية" AIPAC"، وبالتالي يمكن لسياسة عربية رشيدة تحسين موقف الولايات المتحدة من الصراع الدائر في المنطقة بين العرب والإسرائيليين[3]، ومن دون الدخول في تفاصيل هذا الجدل فإنه يمكن القول أن التحليل الموضوعي والأكثر إلماما بهذا الموقف يفضي إلى عدد من الحقائق يمكن إجمالها  فيما يأتي:

 أولها:أن قدرة إسرائيل على الولوج إلى أعماق التفكير الأمريكي، والتأثير على الرؤية الأمريكية لصالح إسرائيل ليس دليلا على نفوذ اللوبي الصهيوني وحده-رغم أهميته- وإنما لعوامل أخرى عديدة ، تاريخية ودينية وحضارية ،إضافة إلى الاعتبارات الاستراتيجية والأمنية .

 ثانيها:إثبات إسرائيل لفعاليتها كحليف للولايات المتحدة في مقاومة الأعداء المشتركين:الاتحاد السوفياتي سابقا،والنظم الراديكالية ذات التوجه القومي أو الإسلامي في المنطقة.

 ثالثا:أن إسرائيل تعتبر نواة لمشروع صهيوني كبير لم يكتمل بعد،وما تزال مستمرة في العمل لاستكماله وفق أساليب وآليات تحرص على أن لا تضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وفي المرات العديدة التي حدثت فيها خلافات كبيرة وعلنية بين البلدين حول قضايا بعينها ثبت أن إسرائيل هي الأقدر دائما على تطويع واحتواء الموقف الأمريكي في اتجاهها ولصالحها وليس العكس.

 رابعا: نجـاح إسرائيـل في استغـلال الخلافـات العربية - العربية من جهة والتناقضـاتالعربية-الأمريكية من جهة أخرى[4]،وعملت على توظيفها جميعا لصالحها والحيلولة دون بناء علاقات عربية-أمريكية سليمة وقوية بمحاولة إفهام الولايات المتحدة بأن العرب هم أعداء مشتركون لكليهما على اعتبار أن هذا العداء العربي موجه بشكل عام ضد الحضارة الغربية بكل قيمها ورموزها وفي مقدمتها الحرية والديمقراطية.

 وتبعا لكل ذلك فقد كان للعلاقات الإسرائيلية-الأمريكية انعكاساتها المؤثرة على تطور العلاقات العربية-الأمريكية من ناحيتين أساسيتين تمثلت أولاهما في إشكالية الأمن الإسرائيلي والأمن القومي العربي ، أما الناحيـة الثانيـة فتمثلتفي انعكاسات تأثيـر العلاقـات الإسرائيلية-الأمريكية على العلاقات العربية-الأمريكية والتي برزت من خلال الدور الأمريكي في عملية السلام،فعلى الرغم من التأكيدات المستمرة للإدارات الأمريكية المتعاقبة على التزامها بدور الوسيط الأمين والنزيه في مفاوضات السلام العربية الإسرائيلية،فإن ممارساتها وسلوكياتها كشفت عن أن موقفها ينسجم مع المفهوم الإسرائيلي للسلام (أمن إسرائيل) ،فهو اقتصر على ما تم الاتفاق عليه بين إسرائيل و الفلسطينيين ،من غير اللجوء إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل لتقديم تنازلات في المفاوضات معهم،في الوقت الذي مارست فيه ضغوطا كبيرة من أجل إلغاء المقاطعة العربية لإسرائيل ،وهي الضغوط التي نجحت في دفع الكثير من الدول العربية إلى التطبيع الكامل مع إسرائيل.

 كما سعت الولايات المتحدة إلى إدماج إسرائيل في خريطة التفاعلات في المنطقة بدعمها لمشروع "الشرق أوسطية" الذي كان ظاهره اقتصاديا،إلا أن جوهره سياسي بحيث يجعل من إسرائيل محور تفاعلاته ، مع ما يتضمن ذلك من تمييع للهوية العربية وخلق هوية شرق أوسطية جديدة.

 إضافة إلى ذلك الاستعمال المتكرر لحق الفيتو كلما حاول المجتمع الدولي إدانة السياسة الإسرائيلية في المنطقة،في الوقت الذي تحاول في إيهام العالم بأنها تقوم بجهود كبيرة من أجل لوقف دائرة العنف والصراع في المنطقة.[5]

 و لم تتغير السياسة الأمريكية بتغير الرؤســاء والإدارات في البـيت الأبيـض ، فحتى الرئيس أوباما الذي حاول أن يظهر بوجه مخالف ينادي لتغيير السياسة الأمريكية داخليا وخارجيا ، ويعد بالمساعدة على إقامة دولة فلسطينية في أقرب الآجال . لم تكن سياسته تختلف كثيرا عن سابقيه،  وظل الحلم الفلسطيني بإنشاء دولة تحوز على عضوية الأمم المتحدة وعلى حقوقها الكاملة صعب المنال ، كما ظلت السياسة الأمريكية  منحازة دائما لإسرائيل حتى في علاقاتها مع دول الجوار العربي  خاصة تلك التي لازال جزء من أرضيها محتلا.

 2 - النـفـط:

 يحتل العالم العربي موقعا استراتيجيا هاما في قلب العالم القديم بين القارات الثلاث الآسيوية،الإفريقية والأوروبية،ورغم أن ثمانين بالمائة من أراضيه صحراوية إلا أنه يزخر بموارد وثروات طبيعية كبيرة يعتبر النفط أهمها على الإطلاق،إذ تحتوي المنطقة العربية وخاصة الخليجية منها على مخزونات هائلة منه ،وتمثل بذلك أكبر الاحتياطات في العالم ،ولهذا كانت هذه المنطقة محل تنازع لأطماع القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة صاحبة  الاقتصاد الأقوى في العالم والمعتمد على النفط كمصدر رئيسي للطاقة ، ومن هنا جاء الاهتمام الأمريكي البالـغ والمتزايد بهذه المنطقة بالذات.

 وبعد نمو الاقتصاد الأمريكي وازدياد الحاجة إلى الطاقة بدأت الشركات الاستثمارية الأمريكية تبدي اهتماما أكبر بالاحتياطي الخارجي من النفط يدفعها إلى ذلك عدة عوامل منها: النقص المتوقع في النفط الأمريكي والتخوف من الاحتكار البريطاني لأهم منابع النفط المكتشفة والذي برزت أهميته الاستراتيجية أثناء الحرب العالمية الأولى،وأخيرا توقعات الكشف عن احتياطي كبير في المنطقة العربية والذي ظهرت ملامحه في البدايات الأولى لعمليات التنقيب[6].

 وسعت بعد ذلك لضمان التحكم في سوق النفط العالمي لأطول وقت ممكن من خلال السيطرة على النفط الخليجي إنتاجا وتسويقا وتسعيرا[7]، وتعميق الانقسام داخل منظمة الدول المصدرة للنفط OPEC. وتهميش الدول المنتجة الأخرى والخارجة على هيمنتها في هذه المنطقة التي سببت لها الكثير من الإزعاج قبل ذلك،هذه من جهة،ومن جهة أخرى لدفع هذه الدول(الخليجية) حتى تقوم بتسديد الفواتير الضخمة للحروب وتنفق الباقي من مواردها على القوات الأجنبية المتواجدة على أراضيها وعلى مشترياتها من الأسلحة الأمريكية للحفاظ على أمنها[8].

 إذن فالنفط كان ومازال يعتبر محورا أساسيا مؤثرا في العلاقات العربية-الأمريكية،حيث تحولت بسببه -في كثير من الأحيان- إلى علاقات هيمنة من طرف الولايات المتحدة، وخاصة على الدول الخليجية المنتجة له، كما أن النفط العربي الذي يمثل الاحتياطي الأكبر في العالم أصبح في هذه المرحلة الوسيلة المثلى بالنسبة للولايات المتحدة لإدارة النظام الاقتصادي العالمي الجديد بمفردها.

 ب- المحاور الثانوية الأخرى

 إضافة إلى النفط وإسرائيل هناك محاور أخرى لها تأثيرها الخاص على شكل وطبيعة العلاقات العربية-الأمريكية، وإن كان ذلك بشكل أقل حدة،ومن أهم وأبرز تلك المحاور ما يأتي:

 - جماعات الضغط (اللوبي): حيث نجد أن هذه الجماعات تتدخل في صناعة القرار الأمريكي بشكل أو بآخر،وهي تتكون من ذوي المال والنفوذ وأصحاب الشركات الكبرى ومديري وسائل الإعلام الضخمة،والقادة العسكريين وممثلين للجاليات الكبرى المتواجدة على التراب الأمريكي.ويعتبر اللوبي الصهيوني أنشط تلك الجماعات على الإطلاق وهو ما أثر بشكل واضح على السياسة الخارجية الأمريكية الداعمة دوما لإسرائيل على حساب العرب. واللوبي الصهيوني ليس كتلة متراصة واحدة بل قوة متشعبة الفروع،وقد اعترفت إسرائيل منذ قيامها بجهود هذا اللوبي وأهميته،فهو يزود السياسيين الإسرائيليين بشكل روتيني بتقارير عن السياسات التي ستنتهج من قبل الإدارة الأمريكية تجاه المنطقة العربية. أما ناشطو اللوبي المؤيدون للعرب فينتشرون على فئات متعددة غير موحدة ولا متناسقة الجهود لأنها تابعة لبلدان عديدة عكس اللوبي الصهيوني،كما لم يعر العرب اهتماما كبيرا لنشاطات اللوبي العربي رغم الكثير من الفوائد التي قدمها للسياسيين العرب.

 -النخبة الحاكمة: يتميز النظام السياسي الأمريكي باستقرار يندر وجوده في أي بلد آخر،فتبادل السلطة يجري بسلاسة وانتظام بين حزبين كبيرين،وهناك تباين واضح بين إيديولوجيات وبرامج وسياسات ومواقف كل من الحزبين على المستويين الداخلي والخارجي،فداخليا من المعروف أن الحزب الجمهوري أكثر ارتباطا بالفئات والشرائح العليا في المجتمع وأكثر تعبيرا عن مصالحهم،خاصة كبار الملاك والرأسماليين ،ورجال الأعمال والشركات الكبرى،بينما يبدو الحزب الديمقراطي أكثر ارتباطا بالفئات المتوسطة والفقيرة وبالأقليات الإثنية والعرقية ،وبالتالي أكثر تعبيرا عن مصالحهم وطموحاتهم.

 أما خارجيا فقد يتباين أداء السياسة الخارجية للإدارات الجمهورية والديمقراطية من إدارة إلى أخرى،ولكن هذا التباين لا يمس القضايا الأساسية والجوهرية والمصالح الأمريكية العليا، سواء في علاقتها بالعرب أو بغيرهم،كما أنه يتصل بالوسائل والأدوات وليس بالأهداف كما أن الثوابت والغايات والأهداف التي تتصل باستراتيجيات طويلة الأمد تعدها جهات مختصة، فمثلا تبدو الإدارات الجمهورية أكثر ميلا واستعدادا وجرأة من الإدارات الديمقراطية للتدخل العسكري في شؤون العالم العربي،كما يتعلق هذا التباين بالأزمات الدولية والخصائص والسمات الشخصيةلرجال الإدارة أنفسهم[9] .

 أما على المستوى العربي فإن الأنظمة العربية الحاكمة والتي تهتم في غالب الأحيان بالتمسك بالسلطة أكثر من اهتمامها بمصالح شعوبها فقد عرفت سياستها تجاه الولايات المتحدة تعددا في الرؤى وتباينا وصل حد التناقض في كثير من الأحيان في المصالح والأهداف، فرغم ما يجمع العرب من روابط وأواصر تاريخية وثقافية تؤكد على مستقبلهم ومصيرهم المشترك إلا محاولاتهم للتعاون أو التكامل والوحدة والتعامل مع العالم الخارجي ككتلة أو حتى كمجموعة إقليمية ذات مصالح مشتركة باءت جميعها بالفشل وفي هذا السياق بات من السهل على الولايات المتحدة أن تكتشف من خلال تعاونها الثنائي مع كل دولة على مدى حجم وعمق تلك التناقضات وتستغلها بالشكل الذي يخدم مصالحها[10].

 - الجماهير الشعبية: يعتبر الرأي العام الشعبي في الولايات المتحدة عنصرا أساسيا محددا للتغيرات في السياسة الداخلية أو الخارجية ، فالجماهير الشعبية بالنسبة لكل إدارة أمريكية تمثل الناخبين الذين يتوقف على أصواتهم مصير تلك الإدارة في الدورة الانتخابية القادمة.أما على المستوى العربي فإن الأنظمة الحاكمة في العالم العربي تحاول بشتى الطرق كتم ولجم وقمع أي مظهر من مظاهر التجمهر أو التظاهر أو التعبير الشعبي خاصة عن الرفض والغضب حيال السياسة المتبعة، ولذلك فهي تحاول دائما امتصاص مشاعر الغضب الشعبي بطريقة أو بأخرى لأنها تعلم جيدا بأن وصوله إلى حد ما سيؤدي لا محالة إلى إسقاطها وزوالها. وهو ما حدث مع بعض الأنظمة في الثورات الأخيرة .

 كما تحاول الولايات المتحدة في علاقتها مع الدول العربية أن تراعي هذا الجانب وتحافظ بقدر الإمكان على مشاعر الشعوب العربية وتحسن صورتها لديها*،لعلمها أن أي مشاعر سلبية على المستوى الشعبي العربي قد تؤدي إلى الإضرار بمصالحها ،ليس فقط سياسيا من خلال إسقاط الأنظمة أو الضغط عليها، ولكن اقتصاديا كذلك من خلال حملات المقاطعة للسلع الأمريكية مثلا، والتي تعمل كل ما في وسعها لإفشالها،أو حتى عسكريا من خلال آلاف المتطوعين الذين يعبرون الحدود لقتال القوات الأمريكية في كل مكان ، إضافة إلى الاعتداءات على الرعايا والمصالح  الاقتصادية أو الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة.

 ثانيا :الاهتمام بالشؤون والعلاقات الدولية ومتابعتها في وسائل الإعلام:

 لقد تزايد اهتمام المجتمعات الحديثة بشكل كبير بالمعلومات الدولية بصفة عامة نظرا لتعقد مظاهر الحياة الإنسانية وتشابك المصالح والعلاقات وزيادة الترابط بين مختلف نقاط وأقاليم العالم،ولهذا كان لزاما على مختلف وسائل الإعلام أن تتكيف مع هذا الوضع وتساير هذا التطور يوميا وتخصص أقساما وأركانا تعالج فيها عديد القضايا والشؤون والمستجدات على الساحة الدولية. وتتابع كافة التغيرات على المستوى العالمي.

أ- القسم الدولي في وسائل الإعلام

أصبح القسم الدولي في وسائل الإعلام من أهم وأبرز الأقسام التي لقيت اهتماما متزايدا بسبب تزايد حاجة الجمهور والرأي العام إلى الإطلاع على مختلف المعلومات والقضايا المطروحة على الساحة الدولية،والتي أصبح الكثير منها ذو أهمية كبيرة في حياتهم اليومية. ولهذا كان على وسائل الإعلام أن توفر كل الدعم والإمكانيات اللازمة لتحسين أداء أقسامها الدولية والتي أصبحت في كثير من الأحيان معيارا لأهمية المؤسسة ووزنها على الساحة الإعلامية الدولية .

وقد أدت التطورات المتلاحقة في وسائل الاتصال والمواصلات إلى تطور نشاطات هذه الأقسام حتى أصبحت تتلقى يوميا آلاف البرقيات من وكالات الأنباء العالمية المشتركة فيها،كما توسعت فيها أقسام الاستماع الإذاعي [11]،ومتابعة الفضائيات التلفزيونية الإخبارية ،وصفحات الأنترنيت كمصادر جديدة وسريعة للأخبار الدولية خاصة مع التطور المذهل الذي عرفته هذه الوسائل في مجال النقل المباشر للحدث.

ويعمل في الأقسام الدولية عادة محررون أكفاء يجيدون اللغات الحية،ويملكون إطلاعا واسعا على مختلف أماكن التوتر في العالم،ومعلومات كافية عن مناطق الأحداث الأمر الذي قد يساعدهم حتى على توقع الحدث قبل وقوعه فيكونون جاهزين لتغطيته في الوقت المناسب[12]. بل أصبح لبعض الفضائيات مكاتب دائمة في مناطق التوتر.

ويرى سامي ذبيان أن القسم الدولي في أي وسيلة إعلامية يجب أن يشتمل على فرعين أساسيين:

-     أولا: فرع الأخبار الإقليمية والذي يهتم بمختلف المعلومات والأنباء المتعلقة بالدول والمناطق القريبة من بلد المؤسسة الإعلامية جغرافيا أو سياسيا أو تلك التي تجمعها بها روابط معينة تستوجب الاهتمام الدائم بالأحداث فيها .

-  ثانيا: فرع الأخبار العالمية التي تخص مختلف نقاط العالم الأخرى والتي تختلف في أهميتها حسب درجة ارتباطها أو تأثيرها في بلد المؤسسة الإعلامية أو إديولوجيتها التي تجعلها تهتم بمناطق أو قضايا دون أخرى[13].

كما يرى بلقاسم احسن جاب الله في هذا الصدد أنه يجب على المؤسسات الإعلاميةأن تستعين بمختصين في المجال الدولي بصفة عامة أو بشؤون دولة أو منطقة الحدث بصفة أدق لأن ذلك سيساعد لا محالة على إعطاء القارئ صورة كاملة عن الأحداث وخلفياتها الحقيقية وبرؤية مختصة تكسب الرسالة الإعلامية مصداقية وموضوعية واحترافية أكبر،وتخرج بها عن دائرة الرأي والذاتية والتعليق المجرد[14].

فالقسم الدولي في وسائل الإعلام الحديثة أصبح أحد أهم الأقسام التي تعطي للمؤسسة الإعلامية بعدا وحجما ومكانة اكبر في مجال عملها. 

ب-معالجة وسائل الإعلام للقضايا الدولية

تزداد أهمية وسائل الإعلام في تغطية ومعالجة القضايا المطروحة على الساحة الدولية، وقد تكون هي الأقدر في كثير من الأحيان على شرح وتفسير التغيرات الحاصلة في العلاقات بين دول وأقاليم العالم المختلفة وتناول أحداثها ومواضيعها وإشكالياتها بالكثافة والاهتمام اللازمين لإشباع رغبات الجمهور وفضوله، كما أن هناك من القضايا الدولية ما يستوجب تغطية إعلامية كافية لتزويد الجمهور بكل المعلومات عنها[15].

ونجد أن من أهم الوسائل التي تستند إليها مؤسسات الإعلام-خاصة في العالم الغربي- في معالجتها الإعلامية لمختلف القضايا والشؤون الدولية،الاتجاه نحو الاستجابة لرغبات الجمهور المستهلك للرسائل الإعلامية،وتتضح نتيجة ذلك في مظهرين أساسيين:

-     أولهما المساحة المخصصة للموضوعات والقضايا ذات الطابع الدولي،

 -     ثانيهما طبيعة المعالجة الإعلامية لتلك المواضيع والقضايا،وموقع ظهورها وقوالب تحريرها ونشرها أو بثها [16].

 جـ- الإعلام الجديد إلى جانب الإعلام التقليدي:

 ضلت الفضائيات التلفزيونية والصحف الورقية والإذاعات وسائل مسيطرة على الساحة الإعلامية لفترة طويلة، وقنوات أساسية لنقل الأخبار والمعلومات للجمهور، وقد عرف العالم في الفترات الأخيرة تطورات مذهلة في المجال الإعلامي، حيث استطاعت التكنولوجيات الحديثة، أن تحول وسائل الإعلام من مجرد أداة لنقل الأخبار والمعلومات إلى متحكم أساسي في توجيه الأفكار والسلوكات، وقد ظهر نوع جديد من الإعلام تختفي فيه الهوية الحقيقية للمصدر، ويسهل من خلاله التعبير بكل حرية ودون رقابة على المضامين التي أصبحت عابرة للحدود، وعالمية التداول، فتقنيات التصوير الرقمي، والنقل الإلكتروني للمعلومات عبر الأجهزة المحمولة، واتساع نطاق استخدام الشبكات الدولية للاتصالات.

   وبهذا شكل اتحاد الإعلام التقليدي، خاصة الفضائيات الإخبارية التي تعتمد على النقل المباشر للأحداث، فضلا عن الإذاعات الدولية والصحف اليومية ذات الانتشار الواسع مع تكنولوجيات ووسائل الإعلام الجديد قوة تأثيرية خارقة، حيث أصبحت المدونات والمواقع الإعلامية والتفاعلية والشخصية على شبكة الواب جسرا جديدا للتعبير عن الآراء والأفكار، وأداة يعتمد عليها لقياس اتجاه الرأي العام. كما تحولت مقاطع الفيديو المصورة بشكل عفوي غير محترف، والصور الرقمية المرسلة الكترونيا ورسائل البريد الالكتروني فضلا عن مساحات الرأي والتعليق التي تفتحتها المواقع الرسمية لوسائل الإعلام التقليدية إلى مصادر جيدة، يمكن الاعتماد عليها في عدد من الظروف والحالات. إلى جانب المراسلين والمصادر الكلاسيكية.   

 د- أثرالإعلام الجديد والتكنوجيات الحديثة على العلاقات الدولية:

 وضع الإعلام الجديد مفهوما جديدا للإعلام الغير خاضع للرقابة والقوانين، بل إن الإعلام الجديد أصبح مصدرا أساسيا لصناعة الرأي العام، ومصدرا مساندا للإعلام التقليدي لما يحويه من هامش واسع للحرية في كشف الحائق وتسريب المعلومات التي يصعب الحصول عليها بالطرق الرسمية. وقد سارع الغرب والولايات المتحدة للسيطرة على هذا النوع من الإعلام الجديد والتقنيات الحديثة، وتم تسخيره للتحكم أكثر في أفكار الشباب والمراهقين والباحثين عن المعلومات والحقائق بغض النضر عن مصدرها .

 وشكل هذا الواقع الجديد خطرا حقيقيا على أمن شعوب العالم الثالث والمنطقة العربية بالخصوص، نتيجة رفض أنظمتها الانفتاح وتغيير الذهنيات، والاستمرار في فرض الحصار على الحريات والأفكار، وهو ما جعل الرأي العام العربي يفقد الثقة والمصداقية و يبتعد شيئا فشيئا عن مصادر المعلومات المحلية، وتتحول الفضائيات التلفزيونية ذات الخلفيات والسياسات الإعلامية المجهولة، ومواقع الفايس بوك والتويتر واليوتوب  وكل ما يصدر على شبكة المعلومات العالميةإلى مصادر ذات مصداقية وتأثير على متلقيها ، وذلك بما تتيحه لهم من فضاء واسع للحرية في التواصل والتفاعل والتلقي والتعبير عن الأراء والأفكار.

 ثالثا : ثورات الربيع العربي ودور الولايات المتحدة والغرب فيها:

 شهد العالم العربي في الفترة الأخيرة منعطفا تاريخيا خطيرا، اختلفت وجهات النظر حوله، مع بداية ما سمي بربيع الثورات العربية التي ستغير حتما وجه المنطقة وعلاقاتها مع العالم بصفة عامة، ومع الغرب والولايات المتحدة بصفة خاصة .

 وكان السبب الأساسي لتلك الثورات هو الأوضاع المتردية للشباب العربي في هذه البلدان، وانتشار الفساد والبيروقراطية والمحسوبية والتهميش والبطالة، إضافة إلى انسداد أفق التغيير السياسي، حيث أن غالبية بلدان المنطقة أنظمة دكتاتورية تحتكر الحكم لسنوات طويلة جدا،معتمدة على القمع ومصادرة الحريات وحقوق الإنسان والسيطرة على الاقتصاد والإعلام وكافة مقدرات الشعوب. هذا فضلا عن الأزمة الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الغذاء التي أدت إلى موجات احتجاج عبر كافة أنحاء العالم.

 وقد لاحظت الولايات المتحدة وكبريات الدول الغربية أن هذا الانسداد خلق عدة أشكال من العنف والتطرف الفكري لدى الشباب العربي، وزاد من موجات الهجرة الغير شرعية والإرهاب الموجه للمصالح الغربية، وأصبح يهدد بشكل متزايد الأمن والاستقرار وحركة الأشخاص ورؤوس الأموال، كما أن بعض الأنظمة العربية أعلنت عداءها الصريح لأمريكا والغرب، وهي ما سميت بالأنظمة المارقة التي تندرج ضمن محور الشر. لذلك كان لابد من تغيير الخريطة السياسية للمنطقة من خلال التحالف مع الجماهير الشعبية بدلا من النخب الحاكمة، أو على الأقل توجيه هذه الجماهير الغاضبة والناقمة على الأوضاع، والمتعطشة للحرية والتغيير لتحقيق تلك الأهداف بشكل غير مباشر. أي قيادة التغيير وركوب موجة الثورات الشعبية الغاضبة، بدلا من نماذج التغيير بالقوة العسكرية أو الحصار الاقتصادي أو الحرب الدبلوماسية والإعلامية المباشرة التي اتبعت في السابق. وهو ما جعل المحللين يذهبون إلى التأكيد بوجود دور أمريكي وغربي وحتى صهيوني في إطلاق شرارة الثورات العربية الأخيرة، خاصة تلك التي جاءت بعد الثورة التونسية على اعتبار وجود نوع من العفوية في بدايتها. رغم  إيمان جل النخب المفكرة في العالم العربي والغرب بحتمية الانفجار الشعبي بالنظر لما وصل إليه سوء الأوضاع .

 رابعا : دور الإعلام خلال مرحلة الثورات العربية الأخيرة:

 لا ينكر أحد دور الإعلام سوءا التقليدي أو الجديد خلال مرحلة الثورات العربية الأخير ، رغم أن الجدل ضل قائما حول طبيعة وحجم وأهمية هذا الدور، فمن يرى أن  ما يحدث هو انفجار شعبي على الاستبداد والظلم ودكتاتورية الأنظمة التي حكمت شعوبها بالحديد والنار وكافة أشكال القمع لسنوات وعقود طويلة ، وما هذه الثورات إلا تطلع مشروع من تلك الشعوب للحرية والديمقراطية  والتنمية وحقوق الإنسان .        

 واقتصر دور وسائل الإعلام في كل ذلك على المتابعة والتغطية وكشف الحقائق التي لم يعد من الممكن إخفاءها في عصر الثورة الإعلامية والتكنولوجية الحديثة العابرة للحدود. ومن يرى بان الغرب والولايات المتحدة حاولوا توجيه هذا الانفجار وركوب تلك الثورات وتوجيه الرأي العام العربي، وتأليبه وتحريضه عبر وسائل الإعلام المختلفة لإحداث نوع من الفوضى الخلاقة التي تضعف الدول العربية وتعيد تشكيل المنطقة بما يخدم المصالح الغربية والأمريكية.

 استخدم لهذا الغرض الفضائيات الغربية الناطقة بالعربية وبعض القنوات العربية، كما استخدمت الأنترنيت بشكل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع مشبوهة مثل " الويكيليكس " وما شابهها، كما استغلت الهواتف النقالة والأجهزة المحمولة وشتى التكنولوجيات الحديثة، فضلا عن الوسائل التقليدية كالصحف والإذاعات ووكالات الأنباء. ولم تكتفي هذه الوسائل بالتغطية والمتابعة بل تعدت ذلك إلى التأثير، وصناعة الأحداث وصياغة الأفكار التي تخفي ورائها إستراتيجية بعيدة المدى.

 وفي كل ذلك يمكن القول بأن الإعلام الحديث بكل تقنياته وتطوراته  لم يعد مجرد ناقل للأحداث والمعلومات بل فاعلا ومؤثرا ، وأداة لصياغة العلاقات الدولية الحديثة. الأمر الذي استغل غربيا وأمريكيا بالتحديد في بعث علاقات جديدة مع الشباب والرأي العام والشارع العربي الذي يمكن التأثير عليه بطرق جديدة، وبالتالي إعادة صياغة العلاقات العربية الأمريكية بما يخدم المصالح الاستراتيجية والأهداف المخطط لها. وهو ما ظهر جليا في الثورات العربية الأخيرة.

 خــلاصـة:

 أبرزت الثورات العربية الأخيرة في العالم العربي بكل تفاعلاتها وأحداثها وتفاصيلها اليومية - بما لا يدع مجالا للشك-  دخول العلاقات العربية الأمريكية مرحلة جديدة ، أصبح للإعلام فيها دورا أكثر تأثيرا  وقدرة على توجيه الرأي العام ، بفضل استغلال التقنيات الحديثة والتكنولوجيات الرقمية على نطاق أوسع برز فيه الإعلام الجديد إلى جانب الإعلام التقليدي ، في وقت صارت فيه صناعة القرار على الساحة الدولية تعتمد بشكل متزايد  على الإعلام بمختلف أشكاله.

 لقد تحولت الفضائيات الإخبارية فضلا عن الصحف والإذاعات ومواقع التواصل الاجتماعي على  شبكة الأنترنيت  والمواد الإعلامية ومقاطع الفيديو والنصوص المنقولة عبر الأجهزة الرقمية المحمولة  إلى وسائل جديدة  للتأثير . وأداة هامة  من أدوات الدبلوماسية والسياسة الخارجية . وهو الأمر الذي برز بشكل كبير في الحضور الإعلامي الأمريكي والغربي  الكبير المرافق لمختلف تصريحات والمواقف والتحركات  خلال الفترة الأخيرة من التغييرات في المنطقة العربية، والتي أطلق عليها اصطلاحا اسم الربيع العربي.


 [1] خيرية قاسمية وآخرون،نقلا عن ظاهر عبد الحليم:كارتر والتسوية في الشرق الأوسط،دار ابن خلدون،بيروت،1977،ص210.

 [2] خيرية قاسمية و آخرون،المرجع نفسه ،ص45.

[3]حسن نافعة:وجهة نظر في تطور الرؤية الأمريكية تجاه العالم العربي ،مجلة السياسة الدولية ،العدد 153،جوان 2003،ص75.

[4]  حسن نافعة،المرجع نفسه،ص77.

[5] منى مكرم عبيد:الإدارة السياسية للعلاقات العربية-الأمريكية،مجلة العلوم الاجتماعية، مجلد 25،عدد3،خريف1997،ص144.

[6] المرجع نفسه،ص 27.

[7] أسامة عكنان : إعصار الخليج...رياح الشرق تهب على مستقبل العالم،دار الشهاب، الجزائر،1991، ص 162.

[8] المرجع نفسه ،ص 166.

[9] حسن نافعة ،مرجع سابق ،ص 77.

[10] المرجع نفسه ،ص 78.

* مول الكونغرس والإدارة الأمريكية على عدة فترات مشاريع بملايير الدولارات في إطار حملات إعلامية ودعائية لتحسين صورة الولايات المتحدة لدى الشعوب العربية، وكان ابرزها إنشاء إذاعة "سوا SAWA" وقناة "الحرة" الفضائية.

[11] إبراهيم عبد الله المسلمي :،مصادر الأخبار العالمية في الصحافة،دار العربي للنشر والتوزيع،القاهرة،1992 ،ص8.

[12] المرجع نفسه،ص9.

[13] سامي ذبيان:الصحافة اليومية والإعلام،دار المسيرة للصحافة والطباعة والنشربيروت،1987،ص170.

[14] Ahcene Djaballah,Belkacem:Aspects du nouvel ordre international de l’information, OPU,Alger,1980,p23.

[15] ادوارد وكين ،ترجمة وديع فلسطين:مقدمة إلى وسائل الاتصال،مطابع الأهرام التجارية،القاهرة،1981.،ص57.

[16] عبد القادر طاش:تأثيـر القيم الأخباريـة والاعتبارات المهنيـة في تغطيـة شؤون الإسلام والعرب في وسائل الإعلام الغربيـة،مجلـة الدراسـات الإعلامية ،عدد91،أفريل/جوان1998،ص62.