الحق في التنمية كأساسpdf

 لتنمية الموارد البشرية وتحقيق التنمية الشاملة

   د/ لعلى بوكميش

 الجامعة الإفريقية أدرار- (الجزائر)

 

The abstract :

 The total development is considered as an ideal objective to different politics and plannings applied in all countries wether they are poor or rich.Thus, we can not realize this total development without developing human resources, this development which provides to humans food, health and needed education which enables the to be able to change and develop in society.

 The bill of the right development appeared in 1986 as an international act enforces the right of individuals and people for development and asked governments to work for it.

 In these papers I tried to draw a clear picture between the right of individuals in development to develop human resources and the total development. This because the confession of individual and people rights of development leads of course to develop human resources in a way that will realize the total development.

   Key words: the right of development, developing human resourses, the total development.    

    مقدمة:

 إن التحولات التي يعيشها العالم اليوم ضمن إطار ما يسمى بالعولمة والثورة التي يعيشها العالم في مجال التكنولوجيا والمعلوماتية، تحتم ضرورة الاهتمام بشكل مستمر بتنمية الموارد البشرية سواء من حيث تلبية احتياجاتها الأساسية، أو من حيث تكوينها وزيادة فرص توظيفها في السوق الدولية للعمل، هذه الأخيرة التي أصبحت تعتمد كثيرا على الرأس المال المعرفي.

 لقد أصبح موضوع تنمية الموارد البشرية من بين القضايا الهامة التي باتت تشغل اهتمام القادة والمفكرين ليس فقط في الدول النامية وإنما حتى في الدول المتقدمة،فالموارد البشرية أصبحت تعتبر الركيزة الأساسية لتنفيذ مشاريع وبرامج التنمية، وهكذا فان تحقيق التنمية الشاملة لا يمكن أن يتم دون وجود موارد بشرية تتوفر فيها مواصفات معينة، هذه المواصفات لا تأتي هكذا جزافا بل لا بد من وجود جهود حقيقية تعمل على تنمية وتطوير هذه الموارد وهو ما يصطلح عليه بتنمية الموارد البشرية.  

 وفي سنة 1986 ظهر إعلان الحق في التنمية لينادي بضرورة ووجوبية تنمية الأفراد الشعوب والدول، فهو بذلك قد ألقى التزاما قانونيا على الدول وعلى المجتمع الدولي ووفر إطارا قانونيا لعملية التنمية سواء ما تعلق منها بتنمية الموارد البشرية أو بالتنمية الشاملة، وهكذا فان الدولة أو الدول أو المجتمع الدولي كل حسب اختصاصه وإمكانياته قد أصبحوا مسئولين عن تنمية الإنسان سواء كفرد أو مجموعة أو كشعب أو كمجتمع دولي.

 إن المتأمل لواقع العالم اليوم يجد فيه العشرات من الملاين ممن يعانون من الجوع والأمية وانعدام الرعاية الصحية، بل هناك الملا يين ممن فقدوا حياتهم وممن أصبح حقهم في الحياة مهدد بسبب الحروب الدولية والأهلية.

 إن الحق في التنمية في واقع الأمر يدعو إلى تنمية الإنسان بتوفير الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، وكذلك إعطائه  حرية التعبير وحقوقه وحرياته السياسية وغير ذلك، ولا يقف عند هذا الحد بل يدعو إلى توفير الأمن والطمأنينة له وإبعاد شبح الحروب والنزاعات عنه، كما يدعوا المجتمع الدولي إلى التعاون والتكافل فيما بينه لتتحقق في النهاية تنمية الموارد البشرية وتتحقق التنمية الشاملة. 

 من خلال ماسبق فان اشكالية هذه المداخلة تتمثل في ابراز دور إعمال الحق في التنمية في تنمية الموارد البشرية وفي تحقيق التنمية الشاملة، وذلك من خلال محاولة الاجابة على التساؤلات التالية:

 -      مالمقصود بتنمية الموارد البشرية؟

 -      ماهي مرتكزات تنمية الموارد البشرية؟

 -      مالمقصود بالحق في التنمية؟ وكيف نشأ؟

 -      ما علاقة الحق في التنمية بتنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة؟

 -      ما هو الواقع في العالم النامي خصوصا والداعي لإعمال الحق في التنمية لتحقيق تنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة؟

 -      ما هي الآليات الوطنية والدولية اللازمة لتفعيل الحق في التنمية ومن ثم تحقيق تنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة؟

 أولاً- تعريف تنمية الموارد البشرية:

 قبل أن نتطرق إلى تعريف ماهية تنمية الموارد البشرية، فإننا نرى بداية ضرورة تحديد المقصود بالموارد البشرية.

 يقصد بها في المشروعات (المؤسسات) جميع الأفراد الذين يعملون بها، بينما يقصدبالموارد البشرية في الدولة جميع الأفراد الذين يحملون جنسية هذه الدولة ويقيمون بها بصفة دائمة (4).

 غير أننا نرى بأن الموارد البشرية تشمل جميع السكان المقيمين في دولة معينة سواء كانوا أصلين أو غير أصليين .

 ومفهوم الموارد البشرية يضع الإنسان على نفس مستوى الموارد المجتمعية الأخرى إلا أنه مورد من أغلى الموارد، فهو القادر على تحويل الموارد إلـى طاقة منتجة ونافعة، ذلك أن الإنسان هو صانع هذا التحول في الموارد الأخرى وهو الموظف لها، وهو بذاته مورد لا تنضب طاقاته وهو في نهاية الأمر الغاية والهدف الذي من أجله يتم استثمار وتشغيل طاقات مختلف الموارد الأخرى (1).  وبشكل مختصر فإن الموارد البشرية هم البشر .

 بعد أن عرفنا معنى الموارد البشرية بقي علينا أن نعرف معنى تنمية الموارد البشرية؟

   تعرف تنمية الموارد البشرية بأنها: " إعداد العنصر البشري إعداد صحيحا بما يتفق واحتياجات المجتمع، على أساس أنه بزيادة معرفة وقدرة الإنسان يزداد ويتطور استغلاله للموارد الطبيعية، فضلا عن زيادة طاقاته وجهوده "(2).

 وقد أشار تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1990  أن التنمية البشرية تعنى بتوسيع نطاق الاختيار أمام الأفراد وذلك بزيادة فرصـهم فـي التعليم والرعاية الصحية والدخل والعمالة(3).

 وهكذا لا يظهر هناك تعارض بين التعريفين السابقين، فتنمية الموارد البشرية تركز بشكل أساسي على تحسين الظروف الحياتية للإنسان من ناحية الصحة والتعليم والحياة الكريمة، وبهذه الإجراءات يمكننا توفير الموارد البشرية القادرة على إحداث عملية التنمية المستدامة والشاملة .

 وقد أشار " مكتب العمل العربي"(4)  أن مفهوم تنمية الموارد البشرية قد تطور، ولم يعد يقتصر فقط على التعليم والتدريب، بل أصبح يركز على تطوير أنماط التفكير والسلوك، ونوعية التعليم والتدريب، ونوعية مشاركة الجمهور في اتخاذ القرارات والعلاقات الإجتماعية والعادات والتقاليد، وثقافة الشعوب، وطرق وأساليب العمل والإنتاج أي تعبئة الناس بهدف زيادة قدراتهم على التحكم في مهارتهم وقدراتهم.

وهكذا نستخلص بان التنمية البشرية أصبحت تتسم بالشمولية والاتساع ولم تعد تقتصر فقط على الجوانب الصحية والتعليمية.

ثانياً -المرتكزات الرئيسية لعملية تنمية الموارد البشرية:

تشير تقارير الأمم المتحدة ان تنمية الموارد البشرية تركز على ثلاثة محاور أساسية، تتمثل في الآتي(5):

  1 -أن يعيش الناس حياة مديدة وصحية ( خالية من الأمراض) .

   2- أن يكتسبوا المعارف (التعلم) .

   3-أن يحصلوا على الموارد اللازمة لمستوى معيشة لائق .

 بالإضافة إلى ما سبق يرى أحد الباحثين أن المحاور الرئيسية لعملية تنمية الموارد البشرية تتمثل في ما يلي (6):

 1- مدى إشباع الحاجات الأساسية للنمو الجســدي : وتشمل الغذاء، والماء، والكساء، والصحة والسكن، وحماية الجسم من الاعتداء والإصابة.

 2-مدى إشباع الحاجات الاجتماعية والثقافية : وتشمل التعليم وتحصيل المعرفة، وتنمية المهارات والمواهب، والعمل النافع المجزي للفرد والمجتمع، والتواصل الاجتماعي من خلال إتاحة المعلومات والخبرات وتكوين الوعي الاجتماعي.

 3- مدى إشباع الحاجات النفسية: وتشمل الطمأنينة وإبعاد عوامل الخوف والقلق والمحبة، والاعتراف بقيمة الإنسان في أسرته ومحيطه الاجتماعي، حب الاستطلاع والتجربة والاختبار واكتساب الخبرة، والانتماء والهوية.

 4- مدى القدرة على المشاركة في صنع القرار ومتابعة تنفيذه وتقييمه، والمشاركة العادلة في ثمرات العمل.

 5- مدى إشباع الحاجات المعنوية: وتشمل القدرة على التعبير دون كبت أو قهر، القدرة على الفعل والتأثير، القدرة على إبعاد الظلم والتعسف، القدرة على التجديد والابتكار والإبداع.

 وهكذا نلاحظ بان مرتكزات وجوانب تنمية الموارد البشرية كثيرة ومتنوعة تمكننا في النهاية من الحصول على مواطن سليم من جميع الجوانب، مواطن يمكن أن يساهم بشكل فاعل ومسؤول في عملية التنمية.

 ثالثا- مقاييس تنمية الموارد البشرية:

 يتم قياس تنمية الموارد البشرية من خلال ثلاثة مؤشرات أساسية، وهي(7):

 1-العمر المتوقع عند الولادة : ومعناه عدد السنوات التي من المتوقع أن يحياها طفل حديث الولادة، في حالة استمرار أنماط الوفاة السائدة وقت ولادته على ما هي عليه طوال حياته .

 2-معدل القراءة والكتابة بين الكبار : المقصود به النسبة المئوية للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم (15) سنة أو  أكثر ، والذين يستطيعون أن يقرءوا وأن يكتبوا بفهم فقرة بسيطة عن الحياة اليومية .

 3-نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي : هو عبارة عن حاصل قسمة الناتج القومي الإجمالي على عدد السكان، وغالبا ما يعبر عن هذا النصيب الدولار، وما يعاب على هذا المقياس كونه لا يعكس حقيقة دخل الفرد.

 وللإشارة فانه ويطلق على المقياس الذي يتكون من المؤشرات الثلاثة السابقة اسم دليــل أو مؤشرالتنميــة البشرية (IDH)، وتتراوح قيمة المؤشر بين صفر وواحد(0-1) وتكون دلالة هذا المؤشر  حسب الجدول التالي:

 جدول رقم (01) دلالة مؤشر التنمية البشرية:

(المصدر: تقرير التنمية البشرية للعام 2009، المرجع السابق، ص 204 )

   وقد تم تصنيف الدول وفقا لهذه المستويات إلى مجموعتين أساسيتين هما:

أ- الدول المتقدمة: وهي الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جدا.

ب- الدول الآخذة في النمو: وهي باقي الدول ذات المستويات الثلاثة من التنمية وهي المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة.

وقد يتم استخدام مقاييس أخرى إضافية تشتمل على: معدل وفيات الأطفال، نسبة السكان الذين يحصلون على مياه مأمونة، عدد السعرات الحرارية يوميا.

وهذا ما قد يؤدي إلى بعض التداخل بين مقاييس تنمية المـوارد البشـرية والمقاييس المتعلقة بنوعية الحياة  Quality of Life Indexes.

وبشكل عام فان مقاييس تنمية الموارد البشرية تركز على قياس الشروط والمهارات اللازمة لتطوير قدرات الأفراد، والتي تؤدي دورا في التنمية الاقتصادية في المجتمع.

بعدعنعرفنا معنى تنمية الموارد البشرية ومرتكزاتها وأهدافها ومقاييسها ننتقل لنتعرف على المقصود بالحق في التنمية؟

 رابعا- تعريف الحق في التنمية:

 يجدر بنا قبل الحديث عن الحق في التنمية وتعريفه أن نحدد المقصود "بالتنمية".

 إن أول استخدام لكلمة تنمية " DEVELOPPEMENT " بالمعنى المعاصر يرجع إلى " يوجينستيلي" "EUGENE STALYE  "، الذي اقترح خطة لتنمية العالم سنة 1939(8).

   وقد انتشر استخدام هذا المفهوم بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد موجة التحرر التي شهدتها دول العالم الثالث، والتي كانت قابعة تحت الاستعمار، ومن ثم ظهرت التنمية كآلية للقضاء على التخلف والوصول إلى مصاف الدول المتطورة.

 وفي البداية ظهر مفهوم التنمية الاقتصادية، التي تركز على العوامل الاقتصادية لإحراز التنمية، وهي تهدف إلى" تضييق الفجوة في دخل الفرد بين الدول المتقدمة والدول الفقيرة(9)، وزيادة الدخل القومي.

 ولكن بعد الستينات من القرن الماضي تغير مدلول التنمية، حيث تأكد انه لا يمكن الاعتماد على العوامل الاقتصادية وحدها لتحقيقها، بل لا بد من الاهتمام والتركيز على العديد من العوامل المختلفة والمتنوعة الاقتصادية منها والاجتماعية والثقافية والسياسية والإدارية(10).

 وتعرف التنمية وفق التصور الحديث بأنها:" تعني حصيلة تفاعلات سياسية واقتصادية واجتماعية وإدارية متداخلة ومستمرة، تشكل كل منها وبدرجة متفاوتة عاملا مستقلا وتابعا في آن واحد"(11).

 كما تعرف أيضا بأنها:" التحريك العلمي المخطط لمجموعة من العمليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية من خلال إيديولوجية معينة، لتحقيق التغيير المستهدف من أجل الانتقال من حالة غير مرغوب فيها إلى حالة مرغوب الوصول إليها"(12).

 وبالرجوع إلى " إعلان الحق في التنمية " نجده يعرف التنمية في الفقرة الثانية من الديباجة بأنها:" عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم"، والمقصود هنا جميع السكان في الدولة الواحدة وفي العالم بأسره، وجميع الأفراد بدون تمييز بينهم . 

 من خلال ما سبق يمكن تعريف التنمية بأنها التغيير والتطوير والتحسين الواعي والمقصود والمنظم في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإدارية، بهدف الانتقال بالمجتمع من حالة غير مرغوب فيها إلى حالة مرغوبة.

 بعد أن عرفنا المقصود بالتنمية يمكننا الآن التعرف على" معنى الحق في التنمية"

 يعرف "ك. فاساك" الحق في التنمية بأنه:" حق موحد يضم عددا من حقوق الإنسان المعترف بها، ويعززها من اجل إعطاء قوة دفع فعالة لإقامة نظام اقتصادي جديد"(13).

 نلاحظ من هذا التعريف أن الحق في التنمية هو حق مركب من عدد من حقوق الإنسان المعترف بها، أي الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كما أن هذا التعريف يؤكد بان الحق في التنمية يعمل على تعزيز هذه الحقوق، أي إعمالها وتحقيقها حتى يمكن الوصول إلى نظام اقتصادي دولي جديد، وكأن إعمال الحق في التنمية والتمتع بالحقوق المكونة له لا يتم إلا في إطار نظام اقتصادي جديد، وعندما نتكلم عن نظام اقتصادي جديد فان المقصود بذلك نظام عالمي تسوده العدالة والمساواة والتضامن بين الشعوب والدول، وينتهي فيه الاستغلال والهيمنة على الدول المتخلفة والفقيرة.

 ويعرف "أوريلوس كريستسكو" الحق في التنمية بأنه:" يعني خطى التقدم الضرورية للتمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أعلنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "(14).

 نلاحظ أن هذا التعريف قد ربط بين الحق في التنمية ومسألة التطور أو التقدم في التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أي انه يشكل المحصلة النهائية لإعمال هذه الحقوق، كما نلاحظ على هذا التعريف بأنه اقتصر فقط على الجيل الثاني وأغفل الجيل الأول من حقوق الإنسان (الحقوق المدنية والسياسية).

 وبالرجوع إلى إعلان الحق في التنمية نجده يعرف الحق في التنمية بأنه:" حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف، وبموجبه يحق لكل إنسان ولجميع الشعوب المشاركة والإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، والتمتع بهذه التنمية التي يمكن فيها إعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية"(15).

 نستخلص من هذا التعريف أن الحق في التنمية واحد من حقوق الإنسان غير قابل للمساومة، وانه عن طريق إعمال هذا  الحق يمكن  تحقيق التنمية الشاملة في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتمتع بها ( أي نتائج التنمية)، وهذه التنمية المحققة هي التي تشكل البيئة الملائمة للتمتع بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

 من خلال التعاريف والتعاليق السابقة يمكن تحديد خصائص الحق في التنمية في الآتي:

   - أنه حق مركب من عدد من حقوق الإنسان (الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).

   - أنه من حقوق الإنسان غير القابلة للمساومة.

   - أنه حق يهدف إلى تغيير الأوضاع القائمة، وإحداث عملية التنمية الشاملة في جوانبها وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.

   - أنه وسيلة للتمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية (الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).

   - انه حق يحتاج في تحقيقه إلى تغيير النظام الاقتصادي الدولي، وإقامة نظام جديد يقوم على العدل والمساواة وإنهاء حالة الاستغلال وتكريس التعاون والتضامن في العلاقات الدولية.

      وهكذا يمكن تعريف الحق في التنمية بأنه حق مركب من عدد من حقوق الإنسان المعترف بها، ويهدف إلى تغيير الأوضاع القائمة وتحقيق تنمية شاملة في أبعادها المختلفة، للوصول إلى التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ويتطلب إعمال هذا الحق إقامة نظام اقتصادي جديد يقوم على التعاون والتضامن الدولي وإنهاء حالة التبعية والاستغلال وتقليل الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة (16).

خامسا- نشأة الحق في التنمية:

لقد مرت نشأة الحق في التنمية بالعديد من المراحل والتطورات، وما اعتماد إعلان الحق في التنمية سنة 1986 إلا كتتويج لسلسلة مراطونية من  المداولات والجهود الدولية بشأن حقوق الإنسان، التي اعتبرت منذ البداية بأنها مجموعة واحدة ومتكاملة من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 هذه الفكرة (وحدة حقوق الإنسان) بدأت في إعلان فيلادلفيا لمؤتمر العمل الدوالي سنة 1944، وتجسدت في ميثاق الأمم المتحدة الذي تم اعتماده في السنة الموالية، وفي سنة 1948 اقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بشكل واضح هذه الفكرة.

 وبعد اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان من المفترض أن يبدأ العمل بإعداد عهد واحد يشمل جميع الحقوق المبينة فيه لمنحها صبغة معاهدة دولية، ولكن نظرا للانقسام الذي شهده العالم بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الحرب الباردة، وبدلا من إن تدون تلك الحقوق في عهد واحد دونت في عهدين دوليين سنة 1966، أحدهما خاص بالحقوق المدنية والسياسية والآخر خاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولكن هذا التقسيم لم يرضي المجتمع الدولي، ففي سنة 1968 ذكر إعلان طهران : " نظرا لكون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية غير قابلة للتجزئة فإنه يستحيل التحقيق الكامل للحقوق المدنية والسياسية من غير التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "(17).

 وقد أكد الإعلان حول التقدم والإنماء في الميدان الاجتماعي لسنة 1969 على الترابط الوثيق بين هاتين المجموعتين .

 وخلال فترة السبعينات قام المجتمع الدولي، ممثلا في الوكالات الرسمية وفي الهيئات الأكاديمية غير الرسمية والمنظمات غير الحكومية، ببحث ومناقشة مختلف جوانب الحق في التنمية بصورة متكررة.

 وفي سنة 1977 أوصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في الفقرة الرابعة من القرار رقم 4 ( د-33 ) المؤرخ في 21 فيفري من نفس السنة، بأن يقوم الأمين للأمم المتحدة بالتعاون مع اليونسكو والوكالات المتخصصة الأخرى لإجراء دراسة حول موضوع:" الأبعاد الدولية للحق في التنمية كحق من حقوق الإنسان من حيث علاقته بحقوق الإنسان الأخرى القائمة على التعاون الدولي بما في ذلك الحق في السلم(18).

 وفي سنة 1979 قامت لجنة حقوق الإنسان في قرارها رقم 5 (د-35) المؤرخ في 2 مارس من نفس السنة، بإدخال عدة مفاهيم لتوجه عملها المقبل حول الحق في التنمية بصفته أحد حقوق الإنسان الأساسية، وقد صدرت في هذا الإطار بعد ذلك قرارات الجمعية العامة التالية: القرار رقم 34/46 المؤرخ في 23 نوفمبر 1979، والقرار رقم 35/174 المؤرخ في 15 ديسمبر 1980.

 واستمرت التقارير والمناقشات في لجنة حقوق الإنسان والجمعية العامة وانتهت بصياغة مشروع إعلان الحق في التنمية والذي اعتمدته الجمعية العامة في كانون الأول/ ديسمبر 1986(*).

 وما تجدر الإشارة إليه أن إعلان الحق في التنمية لسنة 1986 لم يستند إلى إجماع كامل في الآراء(19)، رغم كونه قد حظي بدعم كبير من طرف اغلب الحكومات، الأمر الذي أدى في السنوات اللاحقة إلى بروز العديد من المحاولات لزيادة درجة التوافق في الآراء أو الإجماع، وتم ذلك من خلال عقد العديد من المؤتمرات والمفاوضات الدولية بلغت ذروتها في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا سنة 1993، أين تم التوصل إلى توافق سياسي وذلك بعد أن تم التسليم بان الحق في التنمية حق عالمي وغير قابل للتصرف وجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية.

وتم تعزيز هذا التوافق في إعلان " ريو دي جانيرو" بخصوص البيئة والتنمية، وإعلان المؤتمر الدولي للسكان والتنمية المنعقد في " القاهرة "، وإعلان مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية المنعقد في " كوبنهاجن "، ومنهاج عمل المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة المنعقد في "بيكين"(20).

ونتيجة لهذا الاتفاق لم يعد يوجد هناك تحيز لتقرير مجموعة من الحقوق على حساب المجموعة الأخرى، وإنما أصبح الآن العمل المطلوب هو إعمال هذه الحقوق جميعا، وأي انتهاك لواحدة منها  يعتبر انتهاكا لجميع الحقوق، وهكذا فقد انتقل المجتمع الدولي إلى دراسة مسألة إعمال هذه الحقوق كجزء من الحق في التنمية، وأصبح تأمين إعمال الحق في التنمية يشكل جانبا كبيرا من اهتمامات الدول والحكومات، نظرا لكون إعماله يحمل في طيا ته إعمال العديد من حقوق الإنسان.

 سادسا- علاقة الحق في التنمية بتنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة:

 قبل أن نتحدث عن علاقة الحق في التنمية بتنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة، فانه من الضروري الحديث عن علاقة هذا الحق بكل من حقوق الانسان وحقوق الشعوب، هذه العلاقة تساعدنا في فهم أعمق للحق في التنمية وفي تصور علاقته بتنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة، ومن ثم إمكانية وضع الآليات اللازمة لإعماله.

 1- علاقة الحق في التنمية بحقوق الإنسان:

 إن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية هي حقوق يكتسبها جميع البشر بالولادة، وهي حقوق غير مستمدة من القانون، وإنما هي مرتبطة بمفهوم الكرامة الإنسانية، وهي سابقة في وجودها على القانون.

 ولكن السؤال الذي يطرح هنا هو: هل الحق في التنمية واحد من حقوق الإنسان أم لا؟ وما هي علاقته بهذه الحقوق؟

 فيما يخص ما إذا كان الحق في التنمية واحدا من حقوق الإنسان أم لا، فقد دار نقاش مستفيض حول هذه القضية، ويمكن القول بأن هذه القضية قد سويت بعد حصول الإجماع في الآراء حول إعلان برنامج فيينا سنة 1993 الذي أعاد تأكيد أن :" الحق في التنمية كما هو مبين في إعلان الحق في التنمية بوصفه حقا عالميا وغير قابل للتصرف وجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان الأساسية"، وفي موضع آخر يذكر الإعلان ذاته  أنه:" لا تقبل الطبيعة العالمية لهذه الحقوق والحريات أي نقاش"، كما أكد هذا الإعلان أيضا: " بأن على جميع الحكومات أن تعامل الحق في التنمية بوصفه واحدا من حقوق الإنسان في جميع معاملاتها وصفقاتها"(21).

وبالرجوع إلى المادة الأولى من إعلان الحق في التنمية نجدها تؤكد بأن:" الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف"، أي غير قابل للمساومة.

هذا ويشير تقرير فريق الخبراء العامل المعني بالحق في التنمية إلى أن الحق في التنمية حق منحقوق الإنسان، يولد التزامات معينة ويستتبع  واجبات على كافة الدول في المجتمع الدولي(22).

 إذن فالحق في التنمية هو "حق من حقوق الإنسان".

أما فيما يتعلق بعلاقة الحق في التنمية بباقي حقوق الإنسان فقد بينت ذلك صراحة المادة  الأولى من إعلان الحق في التنمية، والتي بينت بأنه من خلال إعمال الحق في التنمية يمكن إعمال جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية  إعمالا تاما.

وقد بينت كذلك الفقرة الثانية من المادة السادسة من نفس الإعلان بأن: "جميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية متلاحمة ومترابطة، وينبغي إيلاء الاهتمام على قدر المساواة لإعمال وتعزيز حماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

كما أوضحت أيضا الفقرة الأولى من المادة تسعة بأن:" جميع جوانب الحق في التنمية (...) متلاحمة ومترابطة وينبغي النظر إلى كل واحد منها في إطار الجميع".

ويؤكد السيد "راؤول فيريرو" علاقة الحق في التنمية بباقي حقوق الإنسان بقوله: "وهكذا يتصل الحق في التنمية بالتمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بقدر ما يتصل بالتمتع بالحقوق المدنية والسياسية"(23).

إذن فالحق في التنمية له علاقة وثيقة بباقي حقوق الإنسان (الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، فهو يشكل الأرضية التي يمكن من خلالها التمتع بهذه الحقوق، ويمكن تصوير هذه العلاقة على النحو التالي:

                         عملية التنمية

الحق في التنمية                        التمتع بالحقوق المدنية والسياسية

                                         والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 إذن من خلال ما سبق يمكن القول بان الحق في التنمية هو حق من حقوق الإنسان،  يوحد بين الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مجموعة واحدة مترابطة غير قابلة للتجزئة، وهو السبيل إلى إعمالها، وان أي إنكار لأي حق من هذه الحقوق ينطوي على إنكار الحق في التنمية، وعليه فان أي محاولة  لإعمال الحق في التنمية يجب أن تقوم على أساس كفالة أو ضمان حماية جميع هذه الحقوق.

 2- علاقة  الحق في التنمية بحقوق الشعوب والدول والمبادئ التي تحكم العلاقات الدولية:

 لاشك أن ما يميز الحق في التنمية هو كونه حق راسخ من قبل في حقوق ومبادئ أخرى سابقة تحكم العلاقات الدولية، ومن ثمة فان إعماله يقتضي الاحترام التام لمبادئ القانون الدولي المتعلقة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة.

 وقد أكد ذلك صراحة إعلان الحق في التنمية عندما بين بأن هذا الحق له علاقة وطيدة ببعض حقوق الشعوب والدول وعلى رأسها حق الشعوب في تقرير المصير، الحق في السلم، والحق في ممارسة الدول للسيادة التامة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية (24)

إذن فالحق في التنمية هو حق مركب أيضا من حقوق الشعوب والدول والمبادئ تحكم العلاقات الدولية، لكن ما هي هذه الحقوق والمبادئ؟

يشير إعلان الحق في التنمية وبعض المراجع إلى أن هذه الحقوق والمبادئ تتمثل في(25):

- حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.

- الحق في السلم.

- الحق في ممارسة الدول للسيادة التامة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية.

- مبدأ التعايش السلمي بين الدول.

- مبدأ التعاون والتضامن بين الدول.

- حق الشعوب في المساهمة على أساس المساواة في منهج اتخاذ القرارات المتعلقة بالاقتصاد الدولي والتنمية والسلم.

- حق الشعوب في اختيار نوع التنمية والنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

من خلال ما سبق يتبين بان الحق في التنمية، بالإضافة إلى كونه حق مركب من الحقوق المدنية  السياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فهو أيضا حق مركب من الحقوق والمبادئ التي تحكم العلاقات الدولية، فهو إذن حق ينطوي على حقوق وحريات يجب إعمالها على المستوى الوطني وحقوق ومبادئ يجب إعمالها على المستوى الدولي، ويمكن توضيح هذه العلاقة بالشكل التالي:

                                             

من خلال استعراض علاقة الحق في التنمية بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، ومن خلال التعريف السابق لهذا الحق تتجلى لنا العلاقة الوطيدة بين الحق في التنمية وتنمية الموارد البشرية، هذه الأخيرة التي تعتبر نتيجة لإعمال الحق في التنمية، ذلك أن هذا الحق في الواقع يعمل على تفعيل وإعمال جميع حقوق الإنسان بداية من الحق في الحياة  إلى الحق في العيش الكريم وما يقتضيه ذالك، إلى الحق في التعليم والصحة والحق في المشاركة السياسية في إدارة شؤون الدولة، وليس فقط عند هذا الحد إذ ما الفائدة من توفير كل الحقوق السابقة ويبقى الانسان يعيش في وسط دولي غير آمن تمزقه الحروب والنزاعات، يكون فيه مصيره أو حقه في الحياة مهددا، لذلك فان الحق في التنمية قد خرج بالتنمية البشرية من كونها مسألة داخلية تهم الدولة إلى كونها مسألة دولية تهم المجتمع الدولي بأسره، وذلك من خلال تكريس السلم العالمي، وتكريس روح التعاون بين الدول، خاصة تلك الفقيرة التي تحتاج إلى مساعدة.

 وهكذا فان الحق في التنمية يمزج بين تنمية الموارد البشرية وبين التنمية الشاملة، فعندما نتكلم عن الحقوق الاقتصادية فان ذلك يعني التنمية الاقتصادية، وعندما نتكلم عن الحقوق السياسية فان ذلك يعني التنمية السياسية، وعندما نتكلم عن الحقوق الثقافية  فان ذلك يعني التنمية الاجتماعي وهكذا.

 فهذا الحق يكرس تلك العلاقة الجدلية والاندماجية بين تنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة، فتنمية الموارد البشرية لا تتحقق دون وجود تنمية شاملة توفر الموارد اللازمة لتنمية العنصر البشري وكذلك الحال فانه لا يمكن تحقيق التنمية الشاملة بدون موارد بشرية ذات تنمية عالية، إذن فالعلاقة متبادلة، وعليه فان إعمال الحق في التنمية يصب في حقيقة الأمر في إطار تنمية العنصر البشري تنمية متكاملة ومن جميع الجوانب، ويصب أيضا في إطار تحقيق التنمية الشاملة، وهذا بالطبع ليس فقط على مستوى المجتمع وإنما على مستوى العالم.

 وهكذا نلاحظ بان الحق في التنمية يقدم لنا مدخلا متكاملا وشاملا لتنمية الموارد البشرية ولتحقيق التنمية الشاملة، كما أنه جعل من تنمية الموارد البشرية حقا اقتضائيا يجب على الدولة الوفاء به (شيء أو مطلب من واجب الدولة توفيره لمواطنيها)، وسوف تتضح الأمور أكثر عندما نتحدث عن آليات تفعيل الحق التنمية لاحقا.

 سابعا- الواقع العالمي والحاجة إلى إعمال الحق في التنمية وتنمية الموارد البشرية:

 لا شك أن الحديث عن ضرورة إعمال الحق في التنمية وتنمية الموارد البشرية ليس من باب اللغو أو الترف ولكنه نابع من واقع محلي وعالمي يدعوا إلى ضرورة الإسراع في تطبيق إعمال هذا الحق وتفعيل هذه التنمية، هـذا الواقع الذي يمكن قراءته من خلال بعض الحقائق والمشكلات، والتي من بينها: مشكلة الفقر وسوء التغذية، مشكلة النمو الحضري والتلوث ، مشكلة الزيادة السكانية، مشكلة الجفاف والتصحر، هذه المشكلات تجعلنا بعد عرضها نبحث في كيفية التغلب عنها.

مشكلة الفقر وسوء التغذية:1

 رغم التطور الذي بلغه العالم ورغم الإعانات الدولية وغير ذلك إلا أن هناك أكثر من 800 مليون شخص يعانون من الجوع ، وهناك أكثر من مليار شخص يعانون من سوء التغذية، كما أن هناك أكثر من مليار شخص يعانون من العجز بسبب سوء التغذية(يتجسد هذا العجز في الإصابة بالإعاقة الذهنية أو العمى أو ضعف القدرة التعليمية) (26).

 وتشير إحصائيات منظمة الأغذيـة والزراعة التابعة للأمم المتحدة" FAO" إلى الأرقام التالية (27) :

 -       يتراوح عدد الذين يحتاجون إلى معونة غذائية عاجلة في الجنوب الإفريقي ما بين 13 و 26 مليون شخص.

 -       هناك 54 مليون شخص يعانون من ويلات الجوع في أمريكا اللاتينية والكاريبي.

 -       هناك 815 مليون شخص في العالم يعانون من سوء التغذية المزمن.

 ويتوقع المختصون أن يصل عدد الفقراء في العالم سنة 2020مليار شخص(28).   

 وهذا الواقع يدعوا إلى التفكير في إيجاد حل لمشكلة الفقر وسوء التغذية التي تعيشها دول العالم خاصة النامية منها، ولا شك أن الحل يتمثل في الاهتمام بالتنمية وبالتركيز على الزراعة وعلى تحقيق الأمن الغذائي.

2- مشكلة النمو الحضري والتلوث:

إن نمو المدن واكتظاظها يحيطها بمشاكل خطيرة إيكولوجية ومادية ومالية وإدارية، تعرض آمال سكانها المتزايدين للخطر بل وتعرض صحتهم للضرر وحياتهم للخطر، وذلك بسبب التلوث.

ومن بين أنواع التلوث الذي تعيشه المدن التلوث الهوائي الناتج في حالات كثيرة عن انبعاث الرصاص الذي يضر بصحة الصغار خاصة وبنموهم الذهني، وكذلك الغازات المنبعثة من المحركات والمداخن، وكذلك الغبار والسناج، والإشعاعات النووية والغازات السامة.

وتعمل الغازات والملوثات الهوائية على زيادة درجة حرارة الكرة الأرضية بدرجة تتراوح بين 2 و 4 درجات مئوية (29).

ولتوضيح خطورة التلوث الهوائي تشير الإحصائيات إلى أن هناك ما بين 4000 و 16000 شخص يموتون في مصر وحدها على سبيل المثال بسبب التلوث الهوائي(30).

ومن بين المشكلات المرتبطة بالنمو الحضري مشكلة نقص المياه الصالحة للشرب ومشكلة الصرف الصحي.

ففي أحيان كثيرة يؤدي شرب المياه الملوثة إلى الإصابة بالأمراض والى الوفاة، فعلى سبيل المثال يرجع السبب في وفاة 6 % من وفيات بانكوك السنوية إلى الإصابة بحالات الطاعون والتفوئيد والدوسنتاريا والالتهاب السحائي وذلك بسبب المياه الملوثة، كما ترجع نسبة 30 % من حالات الإصابة بجميع الأمراض في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى المياه الملوثة (31).

أما فيما يتعلق بمشكلة الصرف الصحي فتشير الإحصائيات إلى أن هناك أكثر من 20 مليون نسمة لم يستفيدوا من خدمة الصرف الصحي(32).

هذا علاوة على أن مياه الصرف الصحي تتسبب في حد ذاتها في أمراض للمدن والأحياء المعنية (روائح كريهة مشكلة البعوض- مرض الملاريا)، أو للمدن والأحياء التي تمر بها(نفس المشكلات السابقة).

وفيما يتعلق بمشكلة نقص مياه الشرب ومشكلة الصرف الصحي تشير الإحصائيات  إلى أن هناك مليار نسمة-معظمهم في الدول النامية- لا يتيسر لهم الحصول على المياه الصالحة للشرب، وهناك 1.7 مليار نسمة لا تتوفر لديهم مرافق الصرف الصحي، وهناك ما بين 2 و 3 مليون طفل يموتون سنويا بسبب الأمراض المرتبطة بنقص المياه وعدم توافر مرافق الصرف الصحي، وما يقارب 90 مليون نسمة من السكان في العالم وغالبيتهم في الدول النامية- يموتون سنويا أيضا بسبب الأمراض المرتبطة بنقص المياه وعدم توافر مرافق الصرف الصحي.(33)

وهذا الواقع يدعوا إلى التفكير في إيجاد حل لمشكلة التلوث ومشكلة نقص المياه الصالحة للشرب وكذلك مشكلة الصرف الصحي، باعتبارها مشكلات تنجم عنها مشكلات أخرى وأمراض تفتك بصحة الإنسان وتهدد بقاءه، وذلك بالاهتمام بشكل خاص بمسالة التخطيط الحضري.

3- مشكلة الزيادة السكانية:

تشكل الزيادة السكانية إحدى التحديات الكبرى لعملية التنمية، وذلك من خلال زيادة الاحتياجات البشرية من الغذاء - ضرورة توفير الغذاء الكامل والمتوازن لجميع الأفراد- الأمر الذي يهدد بانتشار المجاعة والإصابة بسوء التغذية وما ينجر عن ذلك من أمراض ومشاكل صحية تؤثر بشكل سلبي على أداء القوى العاملة.

ومن جهة أخرى تؤدي الزيادة السكانية إلى زيادة النشاط ومن ثم زيادة  الضغط على النظم الإيكولوجية، ففي نهاية الثمانينات تم تدمير ما بين 7 إلى 10 في المائة من الغابات الاستوائية والأراضي الرطبة، كما تم استنزاف العديد من طبقات المياه الجوفية، وتلويث المناطق الساحلية بدرجة غير مسبوقة.(34)

ويدعوا واقع مشكلة الزيادة السكانية هذا إلى ضرورة الاهتمام بتنظيم النمو السكاني، وضرورة الاهتمام بمسألة تخطيط الموارد البشرية سواء على المستوى المحلي أو الدولي، هذا بالإضافة إلى توعية الأفراد بتنظيم تفاعلهم مع البيئة وضرورة الحفاظ عليها.

 
 4- مشكلة الجفاف والتصحر:

 تشهد العديد من المناطق في العالم اليوم تراجعا كبيرا في مستوى المياه وفي منسوب الأمطار، الأمر الذي أدى إلى تراجع النشاط الزراعي بها، وتحول المناطق الزراعية إلى أراضى قاحلة شبه صحراوية.

 وتشير إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إلى أن هناك 10ملايين شخص مهددون بخطر الجفاف في أربع دول جنوب القارة الإفريقية، وبان هناك نصف مليون من الرعاة الأثيوبيين في إقليم "آفار" يعانون من الجفاف القاسي.(35)

 وهذه المشكلة-الجفاف والتصحر- تدعو إلى ضرورة الاعتناء بالثروة المائية وحسن إدارتها.

 إن الواقع العالمي الذي تم عرض جانب بسيط منه يدعوا في حقيقة الأمر الدول والمجتمع الدولي إلى تحمل المسؤولية والتفكير بجد لإيجاد الحلول الممكنة لمعالجة هذا الوضع وتفعيل آليات التنمية داخليا والتعاون الدولي خارجيا، إن هذه الآليات تصب في جوهرها أو تتفق مع آليات تفعيل وإعمال الحق في التنمية، هذا الحق وكما أشرنا سابقا يساهم أو يعتبر جوهر تنمية الموارد البشرية والطريق نحو تحقيق التنمية الشاملة، وسوف نتعرف على هذه الآليات في العنصر الموالي.

 ثامنا- آلياتإعمال الحق في التنمية لأجل التنمية البشرية والتنمية الشاملة:

 لا شك أن الحقوق والحريات تبقى حبيسة النصوص والأوراق إذا لم يتم إيجاد آليات وأجهزة لتفعيلها وإعمالها، وكذلك الشأن بالنسبة للحق في التنمية، ووعيا بأهمية هذه المسألة عمدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سنة 1993 بإنشاء "فريق عامل مفتوح العضوية أول" لولاية مدتها ثلاث سنوات، اجتمع خلالها خمس مرات، وقدم تقريرا شاملا إلا أنه لم يحضى بالإجماع من طرف الدول، الأمر الذي أدى إلى إنشاء فريق عمل ثاني سنة 1996 لولاية مدتها سنتين، وقام هذا الفريق بتقديم تقريره سنة 1998، اقترح فيه استراتيجية عالمية لإعماله الحق في التنمية تستند إلى جهود الأمم المتحدة ووكالاتها والدول الأطراف والدول المعنية.

 وفي نفس السنة قررت لجنة حقوق الإنسان في قرارها رقم 1998/72 وكجزء من آلية متابعة إعمال الحق في التنمية أن تعين خبيرا مستقلا معنيا بالحق في التنمية، يكون دوره تقديم دراسة عن الحالة الراهنة للتقدم  المحرز في مجال إعمال الحق في التنمية، تكون كقاعدة لإجراء مناقشات مركزة في كل دورة من دورات الفريق المفتوح العضوية، المنشأ لرصد واستعراض التقدم المحرز في مجال تعزيز الحق في التنمية وإعماله.

 وهكذا يتبين لنا بان آلية متابعة إعمال الحق في التنمية تتمثل في كل من الفريق العامل المفتوح العضوية  والخبير المستقل(**).

 أما فيما يتعلق بالجهود التي يجب القيام بها لإعمال الحق في التنمية، فان الأمر في الواقع يتطلب جهودا مضنية على المستويين الوطني والدولي، وسوف نحاول فيما يلي شرح وتوضيح هذه الجهود.

 أ- على المستوى الوطني:

 لقد حدد إعلان الحق في التنمية العديد من الالتزامات والجهود التي يتعين على كل دولة القيام أو الوفاء بها لإعمال الحق في التنمية، وتتمثل في الآتي(36):

 -     الاهتمام بالسكان الذين يعانون من الفقر والحرمان لرفع مستواهم المعيشي وقدرتهم على تحسين أوضاعهم.

 -  إفساح المجال للجميع للمشاركة الفعالة في التنمية والاستفادة منها، وتشجيع  المشاركة الشعبية في جميع المجالات بوصفها عاملا هاما في التنمية وفي إعمال جميع حقوق الإنسان.

 -     إتاحة الفرص المتكافئة للجميع في إمكانية الوصول إلى الموارد الأساسية، والتعليم، والخدمات الصحية، والغذاء، والإسكان والعمل.

 -  ينبغي على الدول اتخاذ التدابير اللازمة لضمان وصول الفقراء والمجموعات المحرومة، بمن فيهم الفلاحون والمعدمون والسكان الأصليين والعاطلون عن العمل، إلى الأصول الإنتاجية مثل الأرض والائتمان وسبل الاشتغال بالمهن الحرة (37).

-     التوزيع العادل للدخل وللفوائد الناتجة عن التنمية.

-     إجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية مناسبة، بهدف استئصال المظالم الاجتماعية.

-     ضرورة الاحترام التام للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

-     ضرورة وضع سياسات إنمائية وطنية ملائمة، واتخاذ التدابير اللازمة من أجل تحقيق عملية التنمية التي يمكن من خلالها إعمال الحق في التنمية.

-  ضرورة اتخاذ خطوات جدية لإزالة العقبات التي تعترض سبيل التنمية، والناشئة عن عدم مراعاة الحقوق المدنية والسياسية، فضلا عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك لأن إعمال هذه الحقوق شرط ضروري لإعمال الحق في التنمية، نظرا لكون جميع حقوق الإنسان وحرياته الأساسية متلاحمة.

-  ضرورة اتخاذ خطوات حازمة للقضاء على الانتهاكات الواسعة النطاق والصارخة لحقوق الإنسان الخاصة بالأفراد، والناشئة عن الفصل العنصري وجميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

-  القيام بإجراء تغيرات  تشريعية ودستورية بهدف إعطاء المعاهدات الأسبقية على القانون الداخلي، وان تكون أحكام المعاهدات واجبة التطبيق مباشرة في النظام القانوني الداخلي (38).

-  تشجيع مشاركة أكبر للمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وبالخصوص تلك التي تمثل الفئات المحرومة والضعيفة، ومنظمات حماية المستهلك والبيئة ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في اتخاذ القرارات المحلية(39).

وللإشارة فان هناك مشكلة كبيرة تقف أمام إعمال الحق في التنمية بشكل خاص وحقوق الإنسان بشكل عام ألا وهي مشكلة شح الموارد، وللتغلب على هذه المشكلة ينصح باتباع نهج أو مدخل حقوق الإنسان، وهو نهج يركز الاهتمام على الأفراد أو الفئات الأكثر فقرا وحرمانا، وهو يقوم على مبادئ عالم الاقتصاد "راولز"(40) التي تنص على تحقيق أقصى فائدة لأفقر الناس بغض النظر عن آثار هذه العملية على امتيازات باقي الأفراد الآخرين. وفي هذا الإطار يجب أن تكون البرامج التنموية قائمة على أساس تحسين قدرات الفقراء.

ب- على المستوى الدولي:

لقد حدد كذلك إعلان الحق في التنمية العديد من الالتزامات والجهود، التي يتعين على المجتمع الدولي التعاون للوفاء بها لإعمال الحق في التنمية، وتتمثل في الآتي(41):

 -       إزالة العقبات الدولية التي تعترض التنمية.

 -   ضرورة قيام الدول بالوفاء بالتزاماتها وأداء واجباتها على نحو يعزز عملية إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، يقوم على أساس المساواة في السيادة والترابط والمنفعة المتبادلة بين جميع الدول.

 -   ضرورة قيام الدول بالتعاون من أجل تعزيز وتشجيع وتدعيم الاحترام العالمي لجميع الحقوق والحريات الأساسية، دون تمييز بين الأفراد والشعوب بسبب العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين.

 -     تشجيع إقامة وصيانة وتعزيز السلم والأمن الدوليين، والعمل على نزع السلاح المدمر واستخدام الموارد الناجمة عن ذلك لأغراض التنمية الشاملة ولا سيما تنمية الدول النامية.

 -       إنهاء الاستعمار والسيطرة والاحتلال الأجنبيين، والعدوان والتدخل الأجنبي، والتهديد بالحرب.

 -        احترام السيادة الوطنية والوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية للدول.

 -        احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.

 -   ضرورة قيام الدول باتخاذ خطوات بشكل فردي أو جماعي لوضع سياسات إنمائية دولية ملائمة لتيسير إعمال الحق في التنمية إعمالا تاما وكاملا.

 -   ضرورة التعاون الدولي الفعال لتزويد الدول النامية بالوسائل والتسهيلات الملائمة لتشجيع وتسهيل تنميتها الشاملة، وكذلك بذل الجهود المستمرة لتعزيز تنمية هذه الدول بشكل سريع.

 -   ينبغي للمجتمع الدولي أن يبذل كل ما في وسعه من اجل المساعدة على تخفيف عبء الدين الخارجي الملقى على عاتق البلدان النامية، بغية تكملة الجهود التي تبذلها حكومات هذه البلدان (42).

 -    وفيما يتعلق بالمنظمات الدولية فيجب أن تواصل المفوضية السامية لحقوق الإنسان الحوار مع البنك وصندوق النقد الدوليين وغيرها من المؤسسات جل المساعدة على تخفيف عبء الدين الخارجي الملقى على عاتق البلدان النامية،المالية، بهدف إدراج مبادئ الحق في التنمية في سياساتها وبرامجها ومشاريعها(43).

 بعد أن رأينا كيفية إعمال الحق في التنمية على الصعيدين الوطني والدولي، فقد اقترح الخبير المستقل "أرجون ك. سانغوبتا" (44)خطة تدريجية لإعمال هذا الحق، وذلك من خلال تشجيع التعاون الدولي ( نقل الموارد من البلدان الصناعية إلى البلدان النامية)، على أن يستند هذا التعاون إلى شكل عقد أو اتفاقية بين البلدان المانحة التابعة لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والمؤسسات المالية والبلدان النامية، للبدأ بتنفيذ الحقوق الأساسية المتمثلة في: الحق في الغذاء، والحق في الرعاية الصحية الأولية، والحق في التعليم الابتدائي، وذلك لفترة زمنية محددة على أن يتم بعد ذلك الاهتمام بإعمال باقي الحقوق المشكلة للحق في التنمية، وقد قام الخبير المستقل باختيار هذه الحقوق الثلاثة نظرا لعلاقتها الوثيقة بالحق في الحياة، الذي يعتبر الحق الأساسي الأول ضمن حقوق الإنسان.

 فالحق فالغذاء لا بد منه للبقاء على قيد الحياة، والرعاية الصحية الأولية لا بد منها كشرط أدنى للعيش بدون مرض في السنوات الأولى من حياة الإنسان على الأقل، والتعليم الابتدائي لا بد منه للنمو العقلي للإنسان ليتمكن من النمو كفرد له كامل المقومات، ويبرر "الخبير" كذلك اختيار هذه الحقوق الثلاثة إلى وجود عدة منظمات دولية تعمل في هذا المجالات بخطط عمل، ويمكن أن تتحول بسهولة إلى برنامج عالمي لحقوق الإنسان له مقومات الإنجاز أو إمكانية التنفيذ، والباحث يؤيد هذا الاقتراح نظرا لكونه اقتراح عملي قابل للتطبيق خاصة وان هناك منظمات دولية تعمل في هذا الإطار، ويمكن تحويل نشاطها للعمل ضمن برنامج دولي خاص بحقوق الإنسان، على أن يتم توسيع هذا البرنامج ليشمل عددا أكبر من الحقوق فيما بعد.

هذا مع ضرورة إدراج الحق في التنمية ضمن التشريعات الوطنية، وإيجاد آليات إدارية وتشريعية مناسبة لإعمال هذا الحق ومنع أي انتهاك له.

الخاتمة:

بقي في الختام أن نشير إلى نقطة مهمة تتعلق بالطبيعة القانونية للحق في التنمية، حيث يشير الخبير المستقل التابع للجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة(45)أنه طالما أن الحقوق المتصلة بالحق في التنمية لم تدون في عهد دولي واحد فان الالتزام بها لا تكون له حرمة القانون الدولي، وان كان القبول الطوعي لإعلان الحق في التنمية يعني ضمنيا الالتزام الأخلاقي به والذي يشكل الأساس لأي نظام قانوني.

  ولكن وكما رأينا بان الحق في التنمية مركب من مجموعة من الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وكذلك حقوق الشعوب والدول والمبادئ التي تحكم العلاقات الدولية وتعتبر قواعد ومبادئ القانون الدولي، وهي جميعا إما مدونة في عهد دولي أو في معاهدات واتفاقيات ومواثيق دولية، الأمر الذي يعطي هذا الحق قوة قانونية، فهو محصلة نهائية أو مركب لمجموعة من الحقوق والمبادئ المعلنة والتي لها قوة في القانون الدولي، ومع هذا فإننا نأمل أن يتم تدوينه في عهد دولي حتى يأخذ صبغة واضحة وجلية ليصبح بذلك قاعدة قانونية ملزمة(**).   

إن إعمال الحق في التنمية بشكل فعال ما يزال في بداية الطريق، ويحتاج إلى وقت طويل والى مجهودات وطنية ودولية، ولا يرجع السبب في ذلك إلى كونه لم يدمج في معاهدة أو عهد دولي، ذلك أن الحقوق المدنية والسياسية قد أخذت وقتا طويلا منذ صياغتها وقبولها من طرف الكثير من الحكومات واعتمادها وإدماجها ضمن التشريعات الوطنية والدولية، والى غاية اليوم لا يعتبر إعمالها وتطبيقها شاملا وعالميا.

كما أن قبول إعلان الحق في التنمية أو حتى إدماجه ضمن القوانين الوطنية والدولية لا يشكلان ضمانة لإعماله وتنفيذه، فالأمر يحتاج إلى وجود قناعات وإجراءات وطنية ودولية لإعمال هذا الحق، وإيجاد آليات وطنية ودولية كذلك لمراقبة تنفيذه ومحاربة وردع كل انتهاك له.

إن العالم اليوم يعيش حالة من الفوضى والتذبذب والمساس بالمبادئ والقواعد الدولية التي تشكل الركيزة الأساسية لإعمال الحق في التنمية، ولعل من أبرزها انتشار الحروب والنزاعات المسلحة، والمساس بسيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمساس بمبدأ التعايش السلمي بين الدول، والمساس أيضا بمبدأ عدم التدخل، وكذلك المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية.

كما أن العالم اليوم يعيش أيضا حالة من اللاتكافؤ بين الدول المتقدمة أو الغنية والدول النامية أو الفقيرة، واتساع الفجوة بينها، وكذلك انتشار الفقر والمجاعات والأوبئة والأمراض الفتاكة في قطاع كبير من دول العالم، هذا بالإضافة إلى مشكلات التلوث البيئي ومشكلة طبقة الأوزون التي أصبحت تهدد الصحة والحياة البشرية على وجه المعمورة.

وإذا ما توقفنا عند هذه المشكلات والتحديات فإننا نتساءل عن كيفية إعمال حق ديست قواعده الأساسية وهزت أركانه، أي هل يعقل أن نتحدث عن بيت هدمت أركانه؟

إن مثل هذه التحديات والمشكلات تجعل من الضروري التفكير في استراتيجية شاملة على المستوى الدولي والوطني تعمل على حل تلك المشكلات والتخفيف من تلك التحديات والتناقضات، مع تفعيل دور الهيئات والمنظمات الدولية، ومراعاة الآليات والجهود الواجب بذلها على الصعيدين الوطني والدولي، التي سيق ذكرها، وكذلك مقترحات الخبير المستقل في التدرج في إعمال هذا الحق.

إن الوضع في العالم حسب ما تم بيانه سابقا يشير بان العالم في حاجة كبيرة إلى التنمية البشرية والى التنمية الشاملة، وفي هذا الإطار فان تفعيل الحق في التنمية سيلعب دورا كبيرا في تحقيق ذك، فهو إلى جانب توفيره للعناصر الأساسية التي تركز عليها عملية  تنمية الموارد البشرية يوفر وينمي جوانب أخرى واسعة لدى الإنسان ويحث على ضرورة التعاون الدولي من أجل التنمية.

من خلال العرض السابق يمكن الخروج بأهم النتائج التالية:

- إن الحق في التنمية يوفر مدخلا شاملا لتنمية الموارد البشرية ولتحقيق التنمية الشاملة، ويحدد آليات ذلك.

- إن إعمال الحق في التنمية يساهم في تحقيق تنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة.

- إن العالم اليوم ما يزال بحاجة إلى إعمال الحق في التنمية، ومن ثم الحاجة إلى المزيد من الجهود التنموية التي تصب في إطار تنمية الموارد البشرية والتنمية الشاملة.

   ومن هذه النتائج وإضافة لما سبق بيانه حول آليات تفعيل الحق في التنمية فانه يمكن إضافة بعض الاقتراحات والتوصيات:

-   الاهتمام أكثر بتنمية الموارد البشرية، والتركيز بداية بالحاجات الأساسية المتمثلة في: توفير الغذاء، الرعاية الصحية، التعليم، وإنشاء صندوق وطني خاص لهذه الحقوق الثلاث.

-       إدراج الحق في التنمية ضمن معاهدة دولية، وادراجه ضمن المنظومة التشريعية الوطنية.

-       تعزيز علاقات التعاون وتبادل الخبرات مع الدول في مجال وضع وإدارة برامج التنمية.

-   الاعتماد على التخطيط في مجال تنمية الموارد البشرية، وضررة  بناء هذا التخطيط على أساس إطار شمولي ذو أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية.

 الهوامش:

 (1)- حامد عمار(1987)، " العوامل الاجتماعية في التنمية "ورقة مقدمة ضمن بحوث ومناقشات ندوة تنمية الموارد البشرية في الوطن العربي المنعقدة في الفترة من 18-29 نوفمبر، بالكويت، ص1.

 (2)- موسى اللوزي(2000)، التنمية الإدارية: المفاهيم، الأسس، التطبيقات، ط1، عمان: دار وائل للنشر والتوزيع، ص 87.

 (3)- الأمم المتحدة،تقرير التنمية البشرية لعام 1990، ص1.

 (4)- مكتب العمل العربي(1997)، "الموارد البشرية العربية ودورها في الحياة الاقتصادية "، مجلة العمل العربي، منظمة العمل العربية، القاهرة،عدد(98)، ص ص 117 142.

 (5)- الأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية لعام 1995، ص 11.

 (6)- حامد عمار، المرجع السابق، ص 2.

 (7)- مجد الدين خيري(1993) ،" مؤشرات التنمية العربية وتطوراتها "، مؤتة للبحوث والدراسات، جامعـة مؤتـة، الأردن، 8(3)، ص ص 13-148.

 (8)- إسماعيل العربي(1994)، التنمية الاقتصادية في الدول العربية والمغرب العربي، الجزائر:الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،ص 32.

 (9)-  نفس المرجع، ص 33.

 (10) voire: - Charles Debbasch(1972), Science  Administration, Paris: Dalloz, 2 émme édition, pp. 3-4.

                   - Gérard Timist(1986), Théorie de  L’Administration, Paris : Edition Economisa, pp. 335-340.

 (11)- محمد صادق(1983)، إدارة التنمية وطموحات التنمية، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، عمان، الأردن، ص 20.

 (12)- عاطف غيث، في تقديمه لكتاب، نبيل السمالوطي(1974)، علم اجتماع التنمية: دراسة في اجتماعيات العالم الثالث، الإسكندرية:الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص  .VI –V

 (13)-  نقلا عن: راؤول فيريرو(1986)، النظام الاقتصادي الدولي الجديد وتعزيز حقوق الإنسان، منشورات الأمم المتحدة، ص 35.

 (14)- أوريليوس كريستسكو(1981)، تقرير المصير وتطوره التاريخي من خلال صكوك الامم المتحدة، منشورات الأمم المتحدة، ص 104.

 (15)- المادة رقم (1) من إعلان الحق في التنمية الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1986.

 (16)- في إطار التأكيد على تحرير الدول الفقيرة وإنهاء استغلالها وتنميتها يقول "هكتور غروس أسبيل"    أن:" الحق في التنمية الكاملة للفرد هو حق أساسي يشترط ويتضمن في الوقت نفسه الحق في تنمية الدول والشعوب النامية". أنظر: راؤول فيريرو، المرجع السابق، ص 35.

(17)- أرجون ك.سانغوبتا، دراسة عن الحالة الراهنة للتقدم المحرز في تنفيذ الحق في التنمية، تقرير مقدم إلى لجنة حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، الدورة السادسة والخمسون، جنيف، 13-17 أيلول/سبتمبر 1999، ص3.

(18)- هناك خلط في هذه المسالة بين المرجعين التالين: - أرجون ك.سانغوبتا، المرجع السابق،  ص3،

وعمر سعد الله(1994)، حقوق الإنسان وحقوق الشعوب: العلاقة والمستجدات، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، ط2، هامش صفحة  رقم 168. لكن الباحث يرجح ما ذكره الدكتور سعد الله.

 (*)- قام بإعداد إعلان الحق في التنمية فريق الخبراء العامل المعني بالحق في التنمية التابع للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

(19)، (20)- أرجون ك.سانغوبتا، المرجع السابق، ص4.

(21)- حول ما ورد في إعلان فيينا أنظر: أرجون ك. سانغوبتا، المرجع السابق، ص5.

(22)- Keba M, Baye(1972), Le droit au development comme un droit de l’homme, Revue des droits de l’homme, Paris, V   (2-3), p.503.

(23)- راؤول فيريرو، المرجع السابق، ص35.

(24)- المادة (1) فقرة (2) من إعلان الحق في التنمية.

(25)- أنظر: - الديباجة والمواد (1)، (5)، (7) من إعلان الحق في التنمية.

             - عبد الله الولادي، العلاقة العضوية بين حق التنمية وحقوق الإنسان، ورقة مقدمة إلى المؤتمر الخامس عشر لاتحاد المحامين العرب المنعقد بسوسة، تونس، 2-5 نوفمبر 1984، ص 2 (بتصرف).

(26)- حول هذه الاحصائيات أنظر: ويندي.س آريس و أكلس ف. مكالا(1996)، التنمية الريفية والزراعة والأمن الغذائي، التمويل والتنمية ، 33(4)، ص8.

(27)- ww.fao.org/arabic/newsroom/news/2002/

 (28)- باتريشيا آنيز و ألفريد فريندي(1996)، المدن في العالم النامي: برنامج عمل ما بعد مؤتمر الموئل الثاني، التمويل والتنمية، 33(4)، ص12.

(29)-إسماعيل سراج الدين(1993)، حتى تصبح التنمية مستدامة، التمويل والتنمية، 30(4)، ص6.

(30)- باتريشيا آنيز وألفريد فريندي، المرجع السابق، ص 12.

 (31)، (32)- نفس المرجع، ص 13.

 (33)- إسماعيل سراج الدين، المرجع السابق، ص6.

 (34)- نفس المرجع، ص7.

 (35)- ريمون حداد(2000)، العلاقات الدولية، بيروت: دار الحقيقة، ط1، ص 565.

 (**)- هذا ما يفهم من قرار الجمعية العامة رقم 53/155، الذي طلبت فيه من لجنة حقوق الإنسان بدعوة آلية المتابعة – الفريق العامل المفتوح العضوية والخبير المستقل على حد سواء- للنظر في جملة أمور منها مسألة وضع اتفاقية بخصوص الحق في التنمية.

 (36)- أنظر المواد: (1)، (2)، (3)، (4)،  (5)، (6)، (8)  من إعلان الحق في التنمية.

 (37)، (38)، (39)- ورد ذلك في توصيات الفريق العامل في تقريره المقدم سنة1998، أنظر:   E/CN.4/1998/29    نقلا عن: : أرجون ك. سانغوبتا، المرجع السابق، ص4.

 (40)- John, Rails(1971),  Theory of justice, Harvard University.

 (41)- أنظر المواد: (2)، (5)، (4)، (6)، (7)، (8)، (9) من إعلان الحق في التنمية، وكذلك الفقرة (4) من ديباجة نفس الإعلان.

 (42)- أنظر إعلان وبرنامج فينا سنة 1993، نقلا عن: أرجون ك. سانغوبتا، المرجع السابق، ص 10.

 (43)- ورد ذلك في توصيات الفريق العامل في تقريره المقدم سنة1998، أنظر:   E/CN.4/1998/29    نقلا عن: أرجون ك. سانغوبتا، المرجع السابق، ص4.

 (44)- أرجون ك. سانغوبتا،  نفس المرجع، ص ص 15-17.

 (***)- يشير أحد الباحثين أن الحق في التنمية يشكل قاعدة قانونية قطعية شانها في ذلك شان

          سائر قواعد القانون الدولي، أنظر: عمر سعد الله، المرجع السابق، ص 167.

 قائمة المراجع:

 - أرجون ك.سانغوبتا(1999)، دراسة عن الحالة الراهنة للتقدم المحرز في تنفيذ الحق في التنمية، تقرير مقدم إلى لجنة حقوق الإنسان، الأمم المتحدة، الدورة السادسة والخمسون، جنيف، 13-17 أيلول/سبتمبر 1999.

 - إسماعيل العربي(1994)، التنمية الاقتصادية في الدول العربية والمغرب العربي، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.

 - إسماعيل سراج الدين(1993)، حتى تصبح التنمية مستدامة، التمويل والتنمية، 30 (4)، 5-8.

 - أوريليوس كريستسكو(1981)، تقرير المصير وتطوره التاريخي من خلال صكوك الأمم المتحدة، منشورات الأمم المتحدة.

 - إعلان الحق في التنمية، الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1986.

 - الأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية لعام 1990.

 - الأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية لعام 1995.

 - الأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية لعام 2009.

 - القراررقم 53/155الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

   - باتريشيا آنيز و ألفريد فريندي(1996)، المدن في العالم النامي: برنامج عمل ما بعد مؤتمر الموئل الثاني، التمويل والتنمية، 33(4)، 11-13.

 - ويندي.س آريس و أكلس ف. مكالا(1996)، التنمية الريفية والزراعة والأمن الغذائي، التمويل والتنمية، 33(4)،7-9.

 - حامد عمار(1987)، " العوامل الاجتماعية في التنمية "ورقة مقدمة ضمن بحوث ومناقشات ندوة تنمية الموارد البشرية في الوطن العربي المنعقدة في الفترة من 18-29 نوفمبر بالكويت.

 -  محمد صادق (1983)، إدارة التنمية وطموحات التنمية، عمان: المنظمة العربية للتنمية الإدارية.

 - راؤول فيريرو(1986)، النظام الاقتصادي الدولي الجديد وتعزيز حقوق الإنسان، منشورات الأمم المتحدة.

 - ريمون حداد(2000)، العلاقات الدولية، ط1، بيروت: دار الحقيقة.

 - نبيل السمالوطي(1974)، علم اجتماع التنمية: دراسة في اجتماعيات العالم الثالث، الاسكندرية: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 - عبد الله الولادي(1984)، العلاقة العضوية بين حق التنمية وحقوق الإنسان، ورقة مقدمة إلى المؤتمر الخامس عشر لاتحاد المحامين العرب المنعقد بسوسة، تونس، 2-5 نوفمبر.

 - مجد الدين خيري(1993) ،" مؤشرات التنمية العربية وتطوراتها "، مؤتة للبحوث والدراسات، جامعـة مؤتـة-الأردن، 8(3)، 13-148.

 - مكتب العمل العربي(1997)، "الموارد البشرية العربية ودورها في الحياة الاقتصادية "، مجلة العمل العربي، منظمة العمل العربية، القاهرة، (98)، 117 142.

 - موسى اللوزي(2000)، التنمية الإدارية: المفاهيم، الأسس، التطبيقات، ط1، عمان: دار وائل للنشر والتوزيع.

 - Charles Debbasch(1972), Science  Administration, Paris: Dalloz,  2 émme édition.

 - Gérard Timist(1986), Théorie de  L ;Administration, Paris: Edition Economisa.

 -John Rails(1971),  Theory of justice, Harvard: Harvard University.

 - Keba M, Baye(1972), Le droit au development comme un droit de l’homme, Revue des droits de l’homme, Paris, V(2-3), 501-521.

             - ww.fao.org/arabic/newsroom/news/2002/