بنـاء الهـويـة عند الشباب الجزائريpdf

 أومـيـلاد الهـويـات الصاعدة.

  د.رشيد حمدوش.

جامعة الجزائر 02(الجزائر)

 Résumé :

   Les question de la construction identitaire est très liée a la question de la culture . de ce point de vue, la société algérienne a connue l’une des générations qui se sont succédées a travers l’histoire . ce qui a conduit a des situations d’acculturation qui ont a leurs tour conduit a des situation d’ambivalence particulièrement chez la catégorie des jeunes dans la société algérienne contemporaine

   Notre contribution porte donc sur la construction identitaire chez cette catégorie dans un cadre théorique de ca qualité ; tradition et modernité . nous essaierons de répondre a des questions telles que :somme-nous devons une crise d’identité ou une identité  de crise ?

   Le concept d’identité est un concept polysémique nous tenterons une esquisse des différentes études anthropologiques sur l’identité imposée .

    Et sur la question de l’identité et de la construction identitaire est une question très importante dans la recherche sociologique nous avons  essayé une approche qui englobe en même temps des penseurs contemporains ainsi que des classiques . 

  مقدمة:

 ترتبط مسألة الهوية ارتباط كبيراً بالمسألة الثقافية. ومن هذه الناحية، يمكن القول أن المجتمع الجزائري عرف ويعرف حركية وديناميكية ثقافية كبيرة وهذا بفعل تعدد وتعاقب مختلف الثقافات خلال مساره التاريخي وذلك بفعل احتكاكه بها وبمختلف الحضارات التي مرت به (سواء الرومانية، القرطاجية، العثمانية، العربية أو الأوروبية). كل هذا أحدث فسيفساء وتنوع ثقافي حاول أفراد المجتمع ضمن هذه الوضعية التثاقفية أن يعمل ويتعايش في هذا الإطار تعايشا ثقافياًّ. مما ادى الى ظهور تناقضات بين عناصر هذه الثقافات الشيء الذي يشكل عائقا أمام تحقيق ذلك التكامل والتجانس بين أفراد المجتمع، والذي يمكن أن نلمسه عند فئة "الشباب" خاصة. وكل هذا تم بعد بروز نظام قيم حديثة وذلك بدءا من الاحتلال الفرنسي، وانتشارها أكثر مع التفتح على العالم وعولمة الاتصال. مما جعل موضوع الهوية يستهوي الكثير من الاختصاصات. و يشكل إحدى الرهانات الأساسية للجزائر المعاصرة وللعالم العربي بصفة عامة. بحيث سيطر و لا يزال يسيطر  على النقاشات في الفكر العربي منذ أكثر من قرن (منذ عصر النهضة)، نقاش يرتكز أكثر على محوري التقليد والحداثة كما يشير إلى ذلك كمال راربو.(1) وبما أن الجزائر جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، فهي بحكم التحولات التي تعرفها على جميع المستويات الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية والثقافية...الخ، فهي إذاً تمر بمرحلة انتقالية من مجتمع "محلي تقليدي" إلى مجتمع "تعاقدي-حديث" هذا ما أدَّى إلى إفراز "أزمة هوية" على حد تعبير الباحث محمد بوخبزة.(2) ومما يزيد مسالة الهوية هذه اهمية ، هي تلك الظروف المتسمة بالصراعات و"الأزمات" والبحث عن الذات. فأصل الأزمة إذّاً قد يكمن في ذلك التناقض الموجود بين ثوابت المجتمع الجزائري- المحلية والتقليدية- وتلك الممارسات اليومية المنافية لهذه القيم والثوابت. بعبارات أخرى، يمكن القول بأن أزمة الهوية تكمن في ذلك التعبير الواضح لذلك الجدال والتناحر القائم بين الرجوع إلى مصادر ومراجع الهوية الأصلية والأصيلة، والإرادة في تصور مشروع جديد للهوية الحاضرة والمستقبلية وفي ظل كل هذه المعطيات و ما يعرفه المجتمع الجزائري من تغيرات وتحولات، نجد أن الفئة التي تشكل الحلقة الضعيفة و الهشة للمجتمع هي "فئة الشباب" التي يجب أن تقوم بخيارات واختيارات ضمن هذا الجو المعقد، لكن عملية الاختيار هذه صعبة ومعقدة هي الأخرى. يجد هؤلاء "الشباب" أنفسهم أمام نماذج مختلفة ومتناقضة بدءاً من الأسرة، المدرسة، فالشارع، ثم مختلف وسائل الإعلام الوطنية -المحلية- والدولية وصور أخرى تستوقفهم وتتخلل مخيالاتهم وتصوراتهم: كيف لا يكون الاختيار صعب ومعقد وبالتالي متناقض؟ إنه حقيقة "سن الاختيارات" لنستعير العبارة من كاترين جوكالب.(*)

 إن ما يهيمن على كل النقاشات الدائرة حول الثقافة والكون الثقافي في الجزائر هو تلك الازدواجية في الطرح والمتمثلة في النقاش حول "التقليد والحداثة" أو الأصالة والحداثة، إننا أمام حشد وكم كبير، كما يشير إلى ذلك كمال راربو، من الكتابات التي تتناول هذه المحاور والتي تسيطر على الحقول السياسية، الاجتماعية

 والثقافية الجزائرية منذ عقود كبيرة وأعيد إحياء النقاش فيها خلال الثمانينات(1)، خاصة بعد الانتفاضات الشبانية التي عرفتها الجزائر وإثارة المسائل الثقافية وكل الآثار التي خلفتها "سياسة صناعية" غير ناضجة من آفات كالهجرة الريفية مثلا وما أدت إليه هي الأخرى من مشاكل عرفها ويعرفها المجال الحضري. فعلماء الاجتماع أو علماء النفس الاجتماعي أو علماء النفس يتفقون حول نتيجة واحدة: "تعايش" و"تواجد" لنموذجين، لثقافتين متناقضتين ومتضاربتين. ولقد أسهب الكثير من الباحثين أمثال ب.إتيان (2) ون.مقيدش(3) وغيرهم في هذا السياق، في القول بأن النقاش الثقافي يمكن حصره في مجال يتصادم فيه الماضي بالحاضر، العادات بالتطور والتقدم، التكنولوجيا والمعرفة بالأمية والجهل...الخ. هذا ما لا يتفق معه الباحث كمال راربو بحيث يبدي تحفظاً حيث يرى بأن كل هذا "النقاش ماهو إلا ثمرة لصراع رمزي وعلمي (أي سياسي- اجتماعي) يرمي إلى تحديد المسألة الثقافية بالجزائر بمعناها المهيمن والشرعي وليس الاكتفاء بتحديد الحداثة والتقاليد والعلاقة بينهما في إطار حقل ثقافي جزائري محايد وخال من النزاع"(4) ويشير الكاتب كذلك، بأن هذا الصراع والهيمنة الرمزية التي ترمي لتفسير الوضعية الثقافية بالجزائر لها آثار تتركها على الجسم الاجتماعي لأن "العلم (المعرفة) ليس محايداً" كما يقول(5)، ومن بين هذه الآثار لتلك الصراعات العلمية العلاقة القيمية لهذين المفهومين: فغالباً ما يعبر ويقصد "بالتقاليد" معنى "التخلف"، وعلى العكس يأخذ مفهوم "لحداثة أو العصرنة" معنى المستقبل، التكنولوجيا والتفتح. هذا ما يؤثر بالطبع على النسق التصوري لفئة الشباب التي تهمنا في ورقتنا، والتي سنحاول من خلالها توضيح الكيفية التي تنتهجها هذه الفئة لبناء هويتها.

 إن التطرق لمسألة الأصالة والمعاصرة تدخل في نطاق فلسفة تعبر عن الخصوصية الجزائرية والعربية والتي يطبعها مبدأ "الثنائية" من خلال ربط الحداثة بالنهضة، وربط الأصالة بالعودة إلى التراث أو بتعبير أنور عبد المالك "الخصوصية"(6) التي تجسد الأزمة الثقافية التي يتخبط فيها المجتمع العربي بصفة عامة. مما أدى إلى انتقال مسألة الأصالة/الحداثة من سجل ومن مرحلة الخلافات الإيديولوجية إلى سجل الإقترابات العلمية الموضوعية.

 وهكذا أصبح الصراع بين هذين التيارين مركز تفكير في العقدين الأخيرين في الجزائر والعالم العربي ككل، حيث أصبحت هذه الثنائية- المشار إليها أعلاه تعني الحفاظ على الذات الذي يعني الانسحاب من العالم والركب الحضاري في حين أن الانخراط في الحضارة يستدعي رفض الذات هذا ما يلخص أبجديات هذه الأمة وماهيتها وهي تعبير واضح عن التخلف الحضاري الذي تعيشه هذه المجتمعات، حيث أنه من "خصائص المجتمعات التي فقدت مدنيتها والتي تعيش تخلفا حضارياًّ أن تتفاوت فيها الثقافة مع الحضارة، وأين يتعارض فيها مطلب الهوية أو الذات مع مطلب الحداثة".(7)

 وما يمكن تسجيله و ملاحظته أن هذه المجتمعات غالباً ما تعجز عن التوفيق بين قيم الثقافة المحلية وقيم الحضارة الصاعدة .فنجد مثلا أن الحكم السياسي في جزائر الاستقلال لم يستطع أبداً الفصل في هذا الصراع، بل أنه يرتكز أحيانا على الأول (تيار الأصالة) وأحيانا على الآخر (الحداثة).(8) ويشير ح.حنفي بأن الجمع بين الأصالة والحداثة من البديهيات، بحيث يرى فيهما  وحدتين متجانستين قابلتين للاجتماع والترابط بحيث "لا تحدث هذه الوحدة العضوية بين الطرفين الأصالة والحداثة إلا بوجود طرف متوسط ثالث تتحقق فيه هذه الوحدة (...)، هذا الطرف الثالث هو الواقع، حياة الناس العصر الحاضر، روح العصر، دور الأجيال."(1) ويضيف بأن هذه الوحدة لا تتحقق نظرياً بل عملياً في الزمان والمكان، وفي عصر معين ومكان معين وجيل معين.

 أزمة هوية أم هوية أزمة؟

 وقبل التطرق إلى الزاوية التي ننوي الاقتراب منها من موضوع الهوية والذي يهمنا في ورقتننا، نرى أنه من الضروري الإشارة ولو بسرعة إلى الفترة التي أعقبت مباشرة فترة الاستقلال، حيث عرفت الجزائر وضعية ثقافية أقل ما يمكن القول عنها أنها وضعية متعارضة ومتناقضة (ثقافياًّ وإيديولوجيا)، بحيث حاول ذوي القرار آنذاك المزج والتزويج بين الاشتراكية كمنهج اقتصادي وكإيديولوجية سياسية باعتبار الجزائر بلد تقدمي، والتصريح بالإسلام "كدين الدولة" مما أدى بالأستاذ مصطفى الأشرف بالقول:"بأن [الجزائري] هو محل نشاط وحركة دائمة للذهاب والإياب، تضعه في وضعية [متعارضة ومتناقضة] يستحال فيها العودة إلى الماضي من جهة، ومن جهة أخرى وضعية يستحال الوجود والتواجد في الوضع الراهن وضع تقدم وتطور يسعى الجميع لتحقيقه".(2) هذا بالطبع يعبر عن ذلك الغموض والحيرة التي كانت تطبع المعالم الثقافية آنذاك والتي كانت تبنى على أساسها الهوية الجماعية مما أدى بالأستاذ والباحث نور الدين طوالبي ثعاليبي بالتعبير عن هذه الحالة باستعماله لمفهوم "الازدواج الثقافي" أ.(3) نتسأل مع الأستاذ طوالبي في هذا المستوى: ألا يمكن اعتبار هذا "الازدواج الثقافي" سبباً في كل التناقضات و التعارض الذي نشاهده ونلاحظه على مستوى أغلبية المواقف، الاتجاهات والسلوكات لدى الأفراد خاصة الفئات الشابة منها؟ ازدواجية وتناقضات سبق وأن أشار إليها العديد من المفكرين والباحثين أمثال بيار بورديو (1974)، برونو إتيان (1977)، ون.مقيدش (1981)، وردية طوالبي (1994)، وفي فترات مختلفة و متعاقبة من تاريخ الجزائر، والتي كانت سبباً في كل الحالات المرضية (الأنومية على حد تعبير دوركايم) التي شهدتها ويشهدها المجتمع الجزائري؟ فالملاحظ اذن هو إن عملية بناء الهوية هي عملية معقدة، مستمرة ودائمة. فبالنظر إلى النماذج المعروضة المتنوعة والمتناقضة، من طرف الأسرة المدرسة، الشارع، أو حتى وسائل الإعلام المحلية والدولية، يجد الفرد نفسه في حيرة من أمره مما يجعل الاختيار صعباً. لأن عملية البناء هذه للهوية هي عبارة عن كل  (Un Tout) ، فهي تركيبة لحوادث، تقلبات وتبادلات، وواقع معاش سواء أكان بطريقة مقصودة أو غير مقصودة، بطريقة داخلية أم خارجية. فهي بمثابة "حدث اجتماعي كلي" كما يعبر عنه م.موس.

 ويعتبر البحث عن الهوية عند الكائن البشري حركة مستمرة ودائمة، بحيث أن ما يميز هذا الكائن هو البحث عن ذلك التوازن، التلائم والانسجام الداخلي. لكن كيف يمكن للفرد الجزائري بصفة عامة وللشاب الجزائري بصفة خاصة، أن يكون له ذلك في ظل كل التحولات والتغيرات والحركية التي يعرفها المجتمع الجزائري وذلك بمروره وانتقاله من وضعية ثقافية محلية متوازنة و مستقرة نوعا ما، تستمد وتستقي مرجعيتها من نماذج وقيم تقليدية، إلى وضع ميزته الحركية، التحول والتغيرات السريعة يستمد مرجعيته من قيم ومرجعيات جديدة؟ وفي ظل كل هذه المتغيرات، يجد الشاب نفسه في وضعية أقل ما يمكن القول عنها أنها وضعية "أزمة" أزمة الهوية: بحيث يجد نفسه أمام خيارات عديدة تمزج بين المحلية (التقليدية) والتعاقدية (الحداثة) بعبارات أخرى، نجد أنه أمام هذه النماذج الثقافية المختلفة يقوم هؤلاء الشباب بالبحث عن معالم يرتكزون عليها، لكن العثور عليها تبقى مهمة صعبة الشيء الذي يجعل هؤلاء كذلك في حالة تذمر وإحباط وفقدان للتوازن. وهذا ما يساعد على تفسير حالة اللامعيارية التي وصل إليها المجتمع بحيث اجتمعت عناصر مثل تعدد المرجعيات والنماذج وتعارضها وغياب لمعالم واضحة بالإضافة إلى الفراغ الثقافي الذي ساد لسنوات عديدة مما ترك المجال واسعاً لعملية التثاقف وذلك أمام عولمة الاتصال. لكن ما يجدر الإشارة إليه هو أنه من جيل إلى جيل آخر، نجد أن القيم والمعايير تأخذ وتحمل معاني مختلفة ومتغيرة. فكما يرى ن.دكار وآخرون، فإن استقلال الجزائر لم يحدث قطيعة على المستوى الثقافي. فبعد أكثر من ثلاثين سنة لم نتمكن من استرجاع الهوية الوطنية. حتى الأجيال الجديدة التي لم تعرف الآلام الاستعمارية أصابها شيء من آثاره وجرحاته، [و هذا كله بسبب] عدم إمداد وتسليم الأجيال السابقة للأجيال الجديدة نموذجاً ثقافياًّ جاهزاً ومهيكلاً".(1)

 هذا ما يجعل بناء الهوية أمراً صعباً و معقداً ، بحيث على الشباب إيجاد وبناء نموذجاً وفق التصورات التي يرونها كفيلة للتعبير عن ذواتهم ومنه عن هويتهم. ويرى الأستاذ نور الدين طوالبي بأن "النماذج و العملية التي يتم وفقها بناء الهوية لا يمكن حصرها في مجال الأشياء التي تكتسب بأثر رجعي"، وإنما تدخل وتتم ضمن إطار الحريات الفردية والجماعية".(2) فالحديث عن "أزمة هوية" أو"هوية أزمة" يبدو لنا أنه تضخيم للأمور، فالأجدر ربما أن نتحدث عن رغبة فئة الشباب على اختلافها وتباينها في إبراز ذواتهم، خصوصياتهم وتميّزهم وتفردهم.

الهوية مفهوم متعدد المعاني:

أما إذا جئنا الآن لتعريف مفهوم الهوية نجده مفهوما متعدد المعاني بحيث لفظ الهويةنجده مشتق من الكلمة اللاتينية والذي يأخذ معنى حالة الشيء كما هو نفسه، كما تأخذ معنى التشابه، بحث وإعطاء معنى للشيء ومساءلة الاختلاف.(3) أما التفسير الفلسفي للمفهوم فنجده عند ديكارت الذي اعتمد على مفهوم الهوية للفصل بين الجسد والروح. أما التعريف النفسي له نجد بأن التعريف الذي أعطاه تاب وآخرون مناسبا بحيث يرى بأنها "نظام من تصورات الذات" وأنها "نظام مشاعر إزاء الذات"(4) فهوية الشخص إذاً هي عبارة عن تلك الحصيلة لمجموع الخصائص الجسدية، النفسية، الأخلاقية، القانونية الاجتماعية والثقافية التي يرويها ويقصّها الفرد عن نفسه ويصور ذاته لغيره والتي بواسطتها يحدد موقعه من غيره وهي بالتالي "هوية خطابية"  .

تاريخيا، يمكن القول بأن الدراسات الخاصة بالهوية انصبت في السنوات الخمسينات والستينات حول محاور مثل تصور الذات، الشعور بالذات ونظريات الآنا، أما في الثمانينات بدأ الاهتمام بدراسة الهوية من الناحية النفسية الاجتماعية و الحديث عن استراتيجيات الهوية، وبالتالي نجد أن الاهتمام بدراسة الهوية حاول مواكبة ما يقع من تغيرات اجتماعية ومسايرته حسب ما لاحظه نور الدين طوالبي.(5) ويعتبر الباحث والأخصائي النفسي الأمريكي إيركسون (1950) أول من كان له الفضل في استعمال هذا المفهوم في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. أما في الأونة الأخيرة، وبالتحديد في نهاية القرن العشرين عرفت الدراسات الخاصة بالهوية تطوراً وتنوعاً، خاصة تلك التي اهتمت بالمغتربين، والشباب بصفة عامة، والشباب المنحرف بصفة خاصة، حيث تم التطرق إلى الهوية بتوظيف مخزون لغوي متنوع مثل اكتساب الهويةعبر محاور ثلاث: التشخصية، التفردية أو البحث عن الذات  ، وعملية التنشئة الاجتماعية

ولقد عمد الباحثون إلى تصنيفات عديدة ومتنوعة لتناول موضوع الهوية، سواء من حيث مكوناتها (الهوية المادية، الهوية الخاصة أو الذات، أو الهوية الاجتماعية)، وكل هذا بالطبع حسب المقاربات النظرية التي وظفها كل واحد منهم. وحسب اهتمامات كل منهم، كما نرى، يمكن القول أن الهوية هي متعددة الأبعاد والعناصر، وهي كما سبق وأن أشرنا هي حصيلة لمجموع كل هذه العناصر والأبعاد. فنجد بأن الفرد متعلق ويسجل حضوره الاجتماعي في عدة سجلات مختلفة ومتنوعة: نجد ما هو متعلق بعلاقاته وروابطه الأسرية (جنسه، معاييره الاجتماعية، هويته الاجتماعية والعرقية)، وما هو مرتبط بتلك المكانات والأدوار التي يمكن أن يتقمصها، أو ما يتعلق بانتماء هذا الفرد الإيديولوجي والمعتقدي. ومن بين الباحثين الذين أسسوا وساهموا ببحوثهم حول موضوع الهوية نجد عالم النفس النمائي إركسون كما قلنا والذي ركز على فئة المراهقين في دراساته بحيث يعتبرها الفئة التي يتم فيها بناء وهيكلة الهوية، لكن لم تسلم أعمال إركسون من الانتقادات خاصة فيما يتعلق بتصوره لتأثير المجتمع على نمو الأفراد. ولقد استعمل مفهوم "غموض الهوية" للتعبير على الأزمة التي يمر بها الشاب المراهق. ويعرف إركسون الهوية بقوله أنها: "شعور ذاتي ونشيط بوحدة واستمرارية ذاتية".(1) وهي عبارة عن عملية معقدة بحيث تشمل على تداخل لعدة عناصر وعوامل كهوية الذات، هوية الآخر، التقييم الذاتي والمقارنة الاجتماعية، النماذج الثقافية والمثل الأعلى الفردي. وبالتالي فمفهوم الهوية لديه هو تركيبة لعدة أفكار كالاستمرارية ورغم فعل التغيرات التي يمكن أن تحدث عبر الزمن، وفكرة الوحدة والانسجام وذا فكرة بناء وإنشاء علاقات بين الأشياء. فمفهوم الهوية إذاً عند إركسون يجمع بين العوامل البيولوجية، التصورات واستجابات البيئة الاجتماعية وهي بالتالي هوية حيوية وديناميكية. ونستخلص من كل هذا أن تصور إركسون للهوية تصور سياقي أي أن عملية بناء الهوية عملية (سيرورة) مستمرة وتتم في إطار من الصراع بالرغم من أن هذا الصراع عادي وضروري كما يراه إركسون نفسه. لكن بالرغم من مساهمات إركسون، إلا أن أعماله تلقت عدة انتقادات مثل تشديده على العنصر الأخلاقي عند تناوله للهوية والتركيز فقط على تلك الحالات المرضية. كما أغفل عدة جوانب كما سنراه في تقدمنا في هذا الفصل لدراسة مسألة الهوية عند بعض المفكرين المعاصرين أمثال ، أو غيرهم.

الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية لموضوع بناء الهوية (*)

لقد ساهمت هذه الدراسات مساهمة فعالة في توضيح أهمية البعد الثقافي في بناء وهندسة الهوية. ومن بين المفكرين الرواد في هذا المجال نجد م.ميد ودوفرو. ولقد أوضح هذا الأخير بأن دخول المجتمع في أزمات يحدث خللا في نسق الهوية مما يمس "بالجزء النووي من نفسية الإنسان" كما يقول.(2)

ولقد انتهت الدراسات الأنثروبولوجية إلى اعتبار الثقافة ليس كمجموعة من المضامين  الفلكلورية بل كنسق شامل، معقد ومتداخل يحتوي على تصورات تحيط بالعالم واستراتيجيات وُجُودِيَّة يلجأ إليها الإنسان ويستثمرها خلال وجوده.

تعتبر الثقافة طريقة عيش مجتمع ما. فبالإضافة إلى وظائفها الاجتماعية، تقوم الثقافة بوظائف نفسية هامة خاصة في محافظتها على أطر العلاقات والروابط الاجتماعية للأفراد. كما أنها تساعد على توفير تلك المعالم التي تميز الأفراد فيما بينهم أو الأجيال أو الجماعات وما يساعد كذلك على استمرار تواصلهم. فهي تساعد الفرد على اكتساب واستبطان ثقافة المجتمع عن طريق التثقيف  وذلك بواسطة مؤسسات التنشئة الاجتماعية. بالإضافة إلى عملية التثقيف، يتعرض الأفراد كذلك إلى عملية أخرى لا تقل أهمية ألا وهي عملية التثاقف أو التعايش الثقافي وهي عمليات دائمة ومستمرة وليست بالظرفية، وهي التي سوف تشكل الهوية الثقافية للأفراد ويتم كل هذا كما قلنا في إطار مؤسسات كالأسرة، المدرسة، المحيط وبفعل وسائل الإعلام وعولمة الاتصال التي جعلت من العالم قرية صغيرة. على عكس الهوية الوطنية، فالهوية الثقافية لا يمكن اعتبارها هوية مؤسساتية المعبر عنها بالجنسية أو ببطاقة التعريف الوطنية.

وللهوية وظائف تؤديها لخصها س.كاميليري(**)وآخرون في ثلاثة وظائف: الوظيفة المعنوية باعتبارها وحدة دلالة كالثقافة، ووظيفة واقعية براجماتية والتي ترمي إلى جعل الفرد يتأقلم و يتكيف مع محيطه، فلا يمكن للهوية أن تبنى بمعزل عن الآخرين وعن الواقع وذلك بكل تناقضات هذا الواقع الذي قد يؤدي إلى تهديد وحدة الأنا - للفرد - لكن بانتهاج هذا الأخير لطريقة التفاوض  فإنه يعمل على التقليل من حدة هذا التهديد. أما الوظيفة الثالثة التي يصورها كاميلري فتتمثل في الوظيفة القيمية بحيث يعمل الفرد على الاستظهار لذات حاملة لقيم - قيمة - واحترام تساعده على الاندماج في الواقع ونسج علاقات وروابط مع الغير، بحيث يرمي هذا الفرد أثناء عمليات التفاوض مع بيئته ووسطه لبناء هوية تكون مقبولة عند الآخرين، أو تصوير الذات   ما جاء عند جوفمان.

ولاحتواء الأزمات والصراعات التي يواجهها الفرد "خاصة الشباب" خلال مراحل بناءه لهويته وما يتعرض له من تثاقف، يعمد هذا الفرد إلى استثمار وتوظيف مجموعة من العمليات و المناورات المحسوبة وذلك وفق ما يريد الوصول إليه الفرد من اعتراف (من الغير) وتمييز لشخصيته ومكانته في المجتمع. ويمكن التعبير عن هذه المجموعة من العمليات والمناورات المحسوبة بكلمة و لفظ - الإستراتيجية -  والتي يعرفها لبيانسكي على أنها: "أساليب يوظفها الكائن (أفراد أو جماعات) بصفة شعورية أولا شعورية لتحقيق غاية ما، وهي أساليب تتوقف على وضعية التفاعل، أي وفقاً لمختلف المحددات الاجتماعية، التاريخية، الثقافية، و النفسية لهذه الوضعية."(1) فتبني هذه الاستراتيجيات الهوياتية قد يقصد منها تحقيق للتشابه و الامتثال أو التنكر و محو للهوية ، أوقد يسعى لتحقيق الاندماج وكل هذا طبعاً سعياً وراء حل لتلك الأزمات والصراعات التي قد يتخبط فيها الشاب داخل الجماعة أو المجموعة. ومن جهة أخرى، قد يسعى الفرد في توظيفه لهذه الاستراتيجيات إلى إبراز بعض خصائص هويته التي تجعله متميزاً عن الآخرين وبالتالي إثبات فرديته وتميزه ومنه الاعتراف بالاختلاف والتميز والوضوح الاجتماعي  فعندما يعجز الفرد عن تحقيق التشابه والاندماج، يتبنى الاختلاف والتميز كإستراتيجية لإزالة الخطر والتهديد الذي يحدق بهويته الخاصة.

 وغالبا ما يلجأ الأفراد إلى هذه الاستراتيجيات الهوياتية في وضعيات الأزمات والتوترات الاجتماعية مثل وضعيات التحولات أو التغيرات الاجتماعية السريعة أو البطيئة: فيعتمد إذا الرفض، القبول أو التفاوض كإستراتيجية لتحقيق هويت

  بناء الهوية : الهويات الصاعدة:

 ومن خلال هذا العرض الأولي لموضوع الهوية يمكن القول بأن الهوية هي عبارة  عن سياق  وعملية اختيار  ومسألة مسار كما يؤكد على ذلك لبيانسكي.(2)

 أما فيما يخص مساهمتنا، نرى بأن موضوع الهوية شديد الصلة بمسالة الروابط الاجتماعية. فمسألة  الرباط الاجتماعي أولا وقبل كل شيء هي مسألة لها علاقة كبيرة بالاتصال أي ما يجمع الأفراد يوحدهم خاصة مسألة اللغة ، كل الكلمات ومعانيها. لكن الاتصال لا يتوقف عند الفعل، بل يتعداه إلى المواقف والسلوكات وحتى التحفظات. فمن خلال التفاعلات تبرز الهويات، الفئات والتصنيفات أو الترتيبات الاجتماعية، ونجد من بين أولائك الباحثين المعاصرين الذين ساهموا مساهمة جيدة وجديدة في اقتراحهم لعدد من المواضيع الخاصة بدراسة الهوية - مواضيع جديدة - واقترابات معاصرة، نجد كلود دوبار الذي يقول بأن "الهوية الاجتماعية ليست عملية "نقل" من جيل إلى جيل، بل تبنى الهوية من طرف كل جيل وذلك على أساس ما توارثه الجيل [الحالي] من فئات ومواقف من الجيل السابق، ولكن عملية البناء تتم كذلك عن طريق تلك الاستراتيجيات الهوياتية المنشورة عبر المؤسسات التي يمر بها الأفراد والتي يساهم هؤلاء في تغييرها بصفة حقيقيّة".(3) إن ما يريد كلود دوبار الإشارة إليه، هنا هو الحديث عن تلك "الهويات الصاعدة" Les identités émergentes)) والتي تمس خاصة فئة الشباب، هذه الهويات التي لا يمكن التفاوض بشأنها داخل الأسرة. ويعتبر موضوع الهوية موضوعا ذو صلة كبيرة بمسألة العلاقات الاجتماعية وفي مجتمع يعرف تحولات كبيرة وسريعة كالمجتمع الجزائري، نجد أن هذه العلاقات الاجتماعية تبقى حبيسة للضغوطات المحلية الداخلية وللتعليلات والتبريرات المتعارضة والمتناقضة. مما يجعل من هذين العنصرين أو"المنطقين" عوامل وعناصر تثبيت لتلك العلاقات الاجتماعية وفي الوقت نفسه عوامل إضعافها وهشاشتها. وبالتالي يجد الفرد نفسه خاصة الفئة التي تعتبر أكثر هشاشة في المجتمع ألا وهي فئة الشباب، داخل سياق يحاول من خلاله تسيير تلك التناقضات والمفارقات، والبحث في نفس الوقت عن الإجماع والتوافق. إن الشيء الذي يربط الأفراد فيما بينهم، هي عبارة عن نسيج ضعيف من العلاقات وهزيل، وفي نفس الوقت صعب ومعقد. ولا يمكن تخيل علاقة أو رباط دون إعادة النظر فيها خلال عمليات التفاعل الاجتماعي. وضمن هذا السياق البنائي للذات وللآخر، تبرز هويات (بصيغة الجمع وليس هوية) واختلافات. وتشكل الهوية كما سنراه، العنصر الأساسي لمسألة التواصل الاجتماعي و منه العلاقات الاجتماعية. إن العلاقات الاجتماعية التي تقام و تنشأ على مستوى أو آخر بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين، إنما هي تجسيد و تكريس لعلاقات الهيمنة والسيطرة التي نجد جذورها في المجتمع. ومن هذا المنطلق يرى كلود دوبار بأن "الهوية ما هي إلا نتيجة في نفس الوقت لتلك العملية المستقرة، الظرفية والمؤقتة، الفردية والجماعية، الذاتية والموضوعية، البيوغرافية والبنائية لمختلف العمليات التنشؤية والتي تعمل بطريقة موحدة ومشتركة على "بناء" الأفراد وتحديد المؤسسات"(1) فأشكال الروابط الاجتماعية ومنه العلاقات الاجتماعية إنما هي نتيجة وناتجة لتلك العملية المستمرة والمتواصلة ولذلك التبادل الذي يتم بين/وعلى مختلف المستويات المنتجة للهوية. وحسب إرفين جوفمان يمكن تقسيم الهوية إلى عدة "فئات" وذلك حسب ما نحمله من صور وأحكام عن "الآخر" وفق متتالية تنازلية: هوية اجتماعية (الحقيقيّة أو الافتراضية)، هوية شخصية وهوية للذات (identité pour soi).(2)

 فالهوية الاجتماعية تبنى على أساس رموز وعلامات اجتماعية توحي بالمواقف، اللغة، اللباس...الخ كإسقاط مؤقت - إفتراضي  - لذلك الانتماء الاجتماعي الذي سيجسد وتُؤكد عنه العلاقات المستقبلية. هذه هي إذاً الهوية الاجتماعية التي سوف يتشكل منها الـ"نحن" (Le Nous)، و"هم" أو"الآخرين" (Les autres). ما الهوية الشخصية يقول إ.حوفمان. فهي تجمع بين "العلامات والسمات البارزة أو حاملة الهوية، والمزج الوحيد للخصائص البيوغرافية والتي سوف تكوّن جزء لا يتجزأ من هذا الفرد وذلك بالتحديد بواسطة العناصر المكونة لهويته".(3) لكن ما يجب توضيحه هو أنه لا ينبغي أن يفهم بأن هذين النوعين أوالنمطين من الهوية هما نوعان متقاطعان وغير متواصلين، بالعكس هما نمطان يتداخلان وبصفة مستمرة ومتواصلة لإنتاج تواصل اجتماعي و/أو الغيرية. والجدير بالإشارة هنا هو أنه عوض الحديث عن التفكك أو حصول انكسار وشرخ في العلاقات والروابط الاجتماعية، يستحسن الحديث عن ارتخاء (relâchement) هذه العلاقات في المجتمع الجزائري. وللتوضيح فقط نعني بالتواصل الاجتماعي ذلك النمط الإنتاجي لكل ما يشترك فيه الأفراد، الفئات أو الجماعات الاجتماعية. في حين تشكل الغيرية (l'altérité) تلك الأنماط الإنتاجية للفروقات والاختلافات بين الأفراد، وعليه فإن النمطين سواء إنتاج وتقوية الروابط الاجتماعية أو الغيرية هما نمطان يتعايشان معاً ولا يمكن التمييز بينهما وأساسهما هي عمليات التفاعل الاجتماعي. وتكتسب الهوية في إطار تلك التفاعلات الاجتماعية المتضاعفة والمكثفة والتي يتم تجسيدها في إطار تلك الصفقات الاجتماعية.

 إن الأخذ بالدراسة لموضوع الهوية أو البناء الهوياتي يعتبر المكان الأنجع الذي تجرب فيه المردودية العلمية والاستكشافية. فمثلا، إذا قمنا باستجواب عينة من الأفراد أو عمدنا إلى تمرير استمارة استبيان عليهم، فإننا نسعى من خلال ذلك للكشف عن ما يخلج في "فكرة" هؤلاء الأفراد وليس فقط الآراء الأولى التي بإمكانهم التعبير عنها. وكما أشرنا سابقاً في بداية هذا العرض ، يمكن التطرق لهذا الموضوع من خلال عدة اقترابات وإشكاليات. لكن تصورنا وطبيعة الموضوع تملي علينا تبني تلك المساهمات النظرية لكلود دوبار أستاذ علم الاجتماع بجامعة فرساي (فرنسا) وباحث بالمركز الوطني للبحث العلمي (باريس CNRS)، مساهماته في هذا المجال (دراسة الهوية) خاصة تلك المحاولات التي ترمي للتوضيح كيف يمكن لنا الأخذ بعين الاعتبار ذاتية المفردات الاجتماعية في إطار المنظور السوسيولوجي، أي محاولة "تفسير الاجتماعية بالاجتماعي" تبعاً "لوصفة" إميل دوركايم. من هنا، سوف ينصب عملنا على محاولة رصد وفهم لنلك العمليات التفاعلية التي يتم وفقها عملية بناء الهوية الاجتماعية للأفراد، الشباب بالدرجة الأولى، بعبارة أخرى سوف نحاول فهم العملية التي يتم وفقها وبواسطتها بناء خطاب عن الذات وعن الصورة التي تعرض للغير.

 فما يمكن ملاحظته هو أن الإشكالية التي نعزم استثمارها هنا ليست بالجديدة ولا الغريبة عن ما عهدناه في إطار التقليد السوسيولوجي. إن أعمال جوفمان، بيكر ، ستراوس ، والأعمال الحديثة والمعاصرة لكوفمان وكلود دوبار  وغيرهم أمثال لاهير ، كلها أعمال توجّه و تنظّر لعلم اجتماع الهويات.

 ولقد ذهب جان كلود كوفمان(*) ليقدم اقتراحاُ جديداً وتفسيراً جديداً لتلك الحركة الاجتماعية، بحيث يقر كوفمان بأن الفرد في مجتمعنا أصبح المتعامل والمتصرف الأساسي لذلك الانسجام المعرفي، الأخلاقي أو حتى الإيديولوجي. ولقد أشار كوفمان في عدة أعمال ونظرية له، خاصة ذلك العمل المشترك مع كلود دوبار وفرانسوا دوبي علم اجتماع التجربة إلى بروز لذلك "الفرد الذي يعاني من أزمة" ونجد نفس الفكرة هذه جاءت في أعمال أ.إهرنبرغ بحيث عبر عن معاناة الأفراد بمصطلح "تعب أو زهد من الذات" ، كما نجد نفس الفكرة في أعمال بيار بورديو لكن ليس بنفس الحدة. لكن لا يجب أن يفهم من "أزمة الهوية" هذه وبطريقة آلية وميكانيكية بأن هوية الأفراد هي في أزمة أو هي عبارة عن هوية أزمة. فالفرد أصبح عبارة عن كيان اجتماعي، أو"حدث اجتماعي" كما يسميه دور كايم، بحيث أن كل فرد اجتماعي "مفرد"(singulier) مجبر على أن يصبح ويتقمص ثوب الفرد الاجتماعي "الخاص"(particulier) وذلك مثلا عندما يحقق الفرد شيء خارق للعادة أو خارج عن المألوف أو أي نشاط اجتماعي آخر داخل المجتمع. ولكي يصبح الفرد فرداً اجتماعياً فهذا يتطلب منه المرور عبر كل الأشكال والمحطات للاندماج الاجتماعي أوما يجمع عليه علماء الاجتماع وما يطلقون عليه اسم التنشئة الاجتماعية، أو ما يعبر عنه علماء النفس وعلماء النفس الاجتماعي بالتجارب الفردية.

 إن الكثير من التفسيرات التي جاءت معنا فوق، والتصورات أو وجهات النظر، إنما هي أو الكثير منها يحمل نظرة و صبغة إيديولوجية مرفوضة وغير مقبولة، لأن الفرد  المقصود هنا ، هو ذلك الفردالذي ينتمي إلى مجموع العلاقات الاجتماعية، وإلى العلاقات مع غيره من الناس. لهذا نرى أنه من المستحيل الحديث عن تحليل سوسيولوجي لفرد منعزل تماماً!! فالفرد يجب أن يؤخذ ويتناول بالدراسة في إطاره الكامل، في إطار علاقاته مع غيره لتشمل حتى تلك العلاقات الحميمية والخاصة (شخصيته، هويته،...)، هنا تكمن المفارقة بالنسبة للفرد الذي كان سائداً قبل "التفرد" ، أي ذلك المعنى الاجتماعي الذي يحملونه -بالنسبة للفهم الاجتماعي- في إطار علاقات التنشئة فقط، فإن الشيء الذي يميز هذين النمطين من الأفراد هي تلك الأسس التي صقل وبني على أساسها كل واحد منهما كأفراد، أي ذاتيتهم.

 من هنا يتضح لنا جلياًّ لماذا ركز التحليل السوسيولوجي كثيراً على تلك التناقضات التي يتخبط فيها الفرد المعاصر من جراء ما تتجاذبه من قوات متناقضة في المجتمع من "ما هو منتظر منه كأدوار" والتي تم استدخالها عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية، وتلك القيم والظروف الاجتماعية التي تواجهه حالياًّ. وفي هذا المعنى يمكن لنا أن نتبنى ونتبع جان كلود كوفمان الذي اعتمد المنظور السميلي(la perspective simmelienne) نسبة إلى جورج سيمل ، بحيث يحدد موقع الفرد في مفترق دوائر الانتماء المختلفة، وتعاريف الذات المتنوعة التي تدفع بهذا الفرد "الحائر" إلى اتجاهات متناقضة وإلى السلوك بطرق غير منتظمة. ذلك الفرد الذي يجد نفسه عرضة لمحددات وتعريفات مختلفة ومتنوعة ومستمرة.

 وفي وسط كل هذه الصراعات والتناقضات يقترح ك.دوبار (**) محاولة لفهم أزمة الهويات التي من الممكن أن تواجه الأفراد اليوم في مجتمعاتنا، وما هي "الإجابات" التي يحملونها بالنسبة لهذه المسألة: سواء عن طريق "الانكماش للذات" (Repli sur soi)، وبالتالي الإلحاح والرجوع إلى ما هو"محلي" (Communautaire)، أو عن طريق ما يسميه وما يقترحه كل من برجر ولوكمان (1)، وذلك باعتماد الفرد لعملية "التحوّل والانتقال"(Transition) التي بوسعها مصاحبة وإضفاء الشرعية على "الرد/الجواب الهوياتي" والتي يحرص ذلك الفرد على تقديمها، ذلك الفرد الذي يعاني بالطبع من الأزمة.

 ويشير ك.دوبار كذلك إلى ذلك الفرد/الفاعل المفرد (individu/sujet)، الذي يعاني من الأزمة يقول بأنه هو كذلك فرد/فاعل مفرد اجتماعي: فالشيء الذي يهمه هو إيجاد مرجعيات، معالم، وتعريف جديد لنفسه، لغيره وكذا للعالم الذي يحيط به. إنّ هذه المعالم الجديدة، وهذه المرجعيات الاجتماعية الجديدة التي تختلف عن سابقتها، تسمح تدريجياًّ بإدماج تصور آخر للهوية، اتفاق آخر بين الأشكال "المحلية/ العشائرية" (Communautaires) و"المجتمعية التعاقدية" (Sociétaires)، بين "هوية للآخر" (identité pour autrui) ، و"هوية للذات" (identité pour soi)، ويضيف ك.دوبار في نفس المرجع الذي ذكرناه أعلاه، بأن كل تحول يصيب التغير الهوياتي يمر بمثل هذه الأزمات التي تأتي مصاحبة خاصة وبصفة عامة لتلك "الأوقات واللحظات الدقيقة والحرجة" في حياة الفرد، وكذا التغير في المراكز والمكانات الاجتماعية وكل تلك الأحداث السياسية التي ترتبط بتاريخ الفرد الشخصي. إن هذه المعالم والمرجعيات الجديدة تستلزم كذلك إعادة بناء لهوية شخصية "جديدة"، مختلفة عن الشخصية "القديمة" (السابقة)، وذلك ليس بسبب تغير المركز/ لمكانة الاجتماعية بصفة "موضوعية"، ولكن يجد الفرد نفسه في هذه الحالة ملزماً على التعامل والتسيير بطريقة "ذاتية" لعلاقات جديدة مع الغير وخاصة العمل على الحفاظ على الاستمرارية والتواصل بين ماضيه، حاضره ومستقبله. إن ما نستشفه من تحليل ك.دوبار هو أن الفرد الاجتماعي في الواقع الملموس هو ذلك الفرد الذي يمر "بأزمة" وفي نفس الوقت هو ذلك الفرد الذي يحمل ويحتوي على قوة الرد والمواجهة لما قد يواجهه في الواقع ومنه استعداد وقوه للحفاظ على ذلك الانسجام للذات.

 نؤكد مرة أخرى وعلى ضوء ما جاء انه  لا يمكننا أن نصبح أفراداً بمفردنا، بل نصبح كذلك عند دخولنا في علاقات مع الآخرين.

 إن عملية بناء وهندسة الهوية تتم بواسطة مواجهة غيرنا من الناس ومعرفة ما هي صورة الذات التي تعكسها هذه المواجهة. وفي هذا الصدد، يشير بيار بورديو ويؤكد بأن ما نحن عليه الآن وما نمثله هي عبارة عن مسألة اجتماعية محظة.(2)

 يعتبر بناء الهوية عبارة بناء اجتماعي. وعلى هذا الأساس تعتبر المؤسسات الاجتماعية التي تحدد وتصف تلك السلوكات أو الأنماط السلوكية للأفراد، أو تلك التي تشرف على عمليات المكافآت سواء المادية أو الرمزية أو حتى تلك المؤسسات التي تعمل على قولبة الأفراد وصقلها داخل مجموعة من الضوابط، أو تلك التي تعاقب و تقوم بأعذار هؤلاء الأفراد، أنما هي [المؤسسات] هي عبارة عن وسائل قوية لبناء ونحت الهوية الفردية. وهي بالتالي كأنها تقوم بتحديد ما ينتظره المجتمع من هذا الفرد، أي كأنها تملي علينا ما هي الصورة التي يجب أن تكون عليها هوية الأفراد. بعبارات أخرى، فما على الفرد إلا تأدية وتجسيد ما تم رسمه وتسيطره من تاريخ فردي هُيّئَ وأُعِدّ من طرف هذه المؤسسات. لكن لا يجب أن يفهم من هذا الكلام أن هذا المقياس والاقتراح هو عبارة عن "قانون وقاعدة" سوسيولوجية، بحيث أن الهوية الفردية ما هي إلا ثمرة لذلك البناء والنحت المؤسساتي. أي لكي نصل لفهم كل معالم هويته الفردية أي هوية الفرد الشخصية، ما علينا إلا القيام بوصف لتلك البيئة المؤسساتية التي يتواجد بها ذلك الفرد. لكن وبالرغم من التحفظ الذي قد نبديه، يجب الاعتراف بأن لهذه المؤسسات الاجتماعية سلطة وقوة ضغط تمارسها على الأفراد. لكن يبقى أنّ هذه الضغوطات تخضع إلى شروط من بينها قدرة كل فرد على استغلال الفرص التي تتاح له وتمنح من طرف تلك المؤسسات، أو الاكتفاء والرضى بها، تجاوزها أو حتى معارضتها. وبعبارات أخرى، يجب البحث هنا عن محرك البناء الهوياتي للفرد كما كان ينادي به أرسطو(*)، تشغيل هذا المحرك أو تحريك الجانب المطلبي فيه. ولهذه النقطة الأخيرة أهميتها الكبرى. وهنا يمكن الاستنجاد والاستعانة بمفهوم بورديو "للعادة المكتسبة أو الطباعيّة" (Habitus) وكما وظفها هذا الأخير في هذا المجال أي هي -الطباعيّة- ذلك النمط الذي يدمج ويحمل  في طياته تلك الشروط والاحتمالات سواء منها الاجتماعية أو الفردية للهوية الشخصية. حقيقة إن مفهوم العادة المكتسبة لبورديو يمثل إطار نظري لا يستهان به لدراسة الرباط الاجتماعي بصفة عامة، وبناء الذات أو الهوية بصفة خاصة، لأن هذه الأخيرة خلال عملية البناء إنما "توظف وتستثمر مبادئ مستدخلة لطباعة مكتسبة ، مولد للحركة و الديناميكية".(1) كمبدأ مولد ومنتج للممارسات، فإن الطباعية هي عبارة عن نتاج للتشريب واستدخال لتلك الاستعدادات و"يفترض [وجود] مسارات وعمليات تعلم كأداة لاستدخال البنى و الهياكل الاجتماعية".(2) فنظرية بورديو للممارسة (la pratique) تعطي الأولوية للتحليل الفوري والآني للظاهرة (privilégie l'analyse "in situ") . فهي تسجل كل ممارسة في تقاطع ماضي مستدخل (طباعة) ومجال اجتماعي، وسياق (الحقل)، أين يتم ملاحظة الممارسات والتفاعلات. فالطباعيّة حسب بورديو هي "نسق من الاستعدادات المستدخلة" تحت شكل من "التصورات التي يمكن إدراكها" والمحددة "(...) كمبادئ للنظر، التصور والعمل على التطبيق بشكل عام (...) والتي هي نتاج لكل ما استدخل من بنيات واتجاهات العالم، (...) والتي ستسمح من التكيف في سياقات تتغير بصفة جزئية ومنه بناء الوقائع - الحالات- كمجموعة تحتوي وتتمتع بمعنى".(3)

 "فالشاب المؤطَّر" تارة و"المؤطِّر" تارة أخرى، يجد نفسه أمام عوامل وأكوان ثقافية ومنه أمام مرجعيات متعددة بحكم كذلك انتماءاته المتعددة والمتنوعة، حالات معقدة ميزتها الضبابية وعدم الوضوح، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى التفكير في أن هذا الشاب يكون قد استدخل طباعية "مشوشة" (Habitus perturbé) أو على حد تعبير بورديو  (Habitus fragmenté) . لكن هذا لا يعني أبداً استدخال لعادة مكتسبة أو طباعية غير منسجمة. بحيث إذا ما تمعنا النظر جيّداً في هذه الطباعية وهذا من خلال التفاعلات الشبانية وما جاء في القابلات الجماعية معهم، نجد بان هذه الطباعية تأخذ مبدأ المرشد العقلاني للأذواق، العواطف، المصالح والسلوكات بشكل عام. عادة مكتسبة إذا تتضمن كل ما هو اجتماعي أو فردي لهوية الفرد الشخصية. مما يستجوب قراءة تجمع بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي.

 الهوية كسياق، كعملية متواصلة وكبناء عملياتي:

 إذاً ما يمكن تسجيله إلى حد الآن هو أن الهوية الفردية التي يسعى الفرد لبنائها ليست بهوية جامدة إستاتيكية أو فاقدة للحركة، ولا هي بالموروثة أو القائمة. كما أنها ليست مبنية بشكل خطي وفق منطق اجتماعي محدد مسبقاً. فالهوية الفردية لا تعني التقليد فقط. فهي بالتالي لا تتكون ولا تحتوي على عناصر التشابه فحسب، بل تشمل وتحتوي كذلك وتقر بالاختلافات والتمايز حتى وإن شملت تلك الدوائر القريبة والحميمية التي يتواجد بها الفرد كالأسرة، جماعة الرفاق أو جماعات الانتماء بصفة عامة...إلخ وبالتالي، فالهوية الفردية –الشخصية- إذاً هي عبارة عن سيرورة وبناء عملياتي مستمر ومتواصل. كما تعتبر عملية البناء هذه للهوية عبارة عن عملية ذهاب وإياب (Va et vient)، دوران، كبت (refoulement) وتنشيط لهذا المكبوت (le refoulé) فهي (الهوية) تستلف وتستمد من الآخرين ولكن في نفس الوقت تنفصل وتتميز عنهم، تقلد ولكن ضمن عملية تحويل لهذا المقلَّد. فهذه الهوية كما نلاحظ، عبارة عن عملية معقدة ومركبة، فهي إذاً كما يعبر عنه إدقار موران E.Morin، عبارة عن ذلك المعقد البشري (Complexe humain).

 الهوية كعملية بحث عن الانسجام:

 لا يمكن اعتبار الهوية إذاً كذلك الكلّ المتجانس أو ذلك الكل المنسجم. فإذا كانت مجموعات الانتماء سواء أكانت جماعات أو مؤسسات اجتماعية التي ينتمي إليها، الفرد، جماعات تلعب دور هام في الإحاطة وهيكلة البناء الهوياتي للفرد، فهذا لا يعني أنها تحيط إحاطة تامة بالفرد أو تفصح عن الصورة الحقيقة له وبصفة مرضية. فتحديد ومحاولة فهم هوية الفرد لا يمكن أن تتم بدون الرجوع إلى تلك التجارب الفردية الخاصة به، مساراته والتزاماته. باختصار، نقول أنه لا يمكن أن يتم هذا التحديد للهوية إلا إذا تم الجمع والتنظيم لتلك الانتماءات السابقة بطريقة "ذاتية". فبحثا عن الانسجام يحاول الفرد إعطاء صورة - خارجية - تكون مقبولة لدى الأفراد - الآخرين - اعتمادا في ذلك على خطاب مبني بطريقة جيدة محافظاً بذلك على الانسجام الهوياتي. وهكذا يكون الفرد "المفرد الخصوصي" (Singulier) هو المحافظ على انسجامه الهوياتي وصانعه.

 الهوية، الآخر و الغيرية l’altérité:

 لا يمكن اعتبار أو تصور الهوية خارج اعتبارات الآخر والغيرية. إذا أردنا أن نصور موقع هذه الهوية الشخصية - الفردية- نجد أنه لا يتمثل في الفرد نفسه أو لحاله، بل الفرد المقصود هو ذلك الفرد المأخوذ في إطار نسيج من العلاقات مع الغير. فمسألة الهوية إذاً هي مسألة معقدة ومتشابكة بحيث تتواجد وتتموقع ضمن وفي واقع اجتماعي متداخل ومتشابك. فالتجانس يؤدي إلى الاعتراف المتبادل أي الاشتراك في سمات وخصائص كبيرة. أما التباين المفرط لهذه السمات يؤدي إلى التمييز و التمايز ومنه إلى النبذ والإقصاء.

 إن الهوية المُطَالب بها أو"الهوية الخطابية" التي يقوم الفرد ببنائها عن طريق بناء خطاب على شكل قصة للهوية التي يريدها إنما هي إنتاج خصوصي (Singulier) كما سبق وأن أشرنا فوق. وبالتالي فإن الهوية الفردية غير معطاة ولا تتوارث أي ليست عبارة عن إرث خام. بعبارة أخرى، لا يمكن الحديث عن هوية جاهزة أو عن هوية بكل محتوياتها (Kit identitaire) . لكن اكتساب هوية، معناه التأكيد عن "أناه" أي "أنا" الفرد. هذا ما قد يؤدي بنا إلى القول بأن المقولة المشهورة والمتداولة في المجتمعات البريطانية والأمريكية      (do it yourself) أو (DIY) "إصنعه بنفسك" يمكن تطبيق هذا المبدأ حتى في مجال البناء الهوياتي.

 ويعمل الفـرد من خلال بنـاء الهويـة على إنتـاج الاختـلاف أو التمـايز، خاصة إذا علمنا أن الهوية التي نقصدها عي تلك الهوية الفردية.

 الهوية من الاختلاف المفروض إلى الاختلاف المرغوب فيه:

 إن المقصود بالاختلاف المفروض (D. Subie) وهذا فيما يخص مسألة الهوية دائماً فنعني بها تلك – الهوية – التي يحملها ويفرضها الغير أو الآخر عن الفرد. أما الاختلاف المرغوب فيه (D. Voulue) تتمثل في تلك الهوية "الإيجابية" التي يتصورها الغير عن الفرد أي تلك الهوية التي هي في صالح الفرد.

 إن ما أسميناه "بالاختلاف المفروض" أو المسلط كثيراً ما يواجه مقاومة وتذمّراً من طرف "الشباب" خاصة وهذا من جرّاء كل تلك الممارسات التي قد يتعرض لها هؤلاء كالوصم مثلا على حد تعبير جوفمان، أو كالتقليل من شأن قدرات هذه الفئة "الشبابية" مثلا في تحمل مسؤوليات تجاه نفسها وتجاه المجتمع، وكأنما "مركز أو مكانة القاصر" لهؤلاء هو قدر محتوم عليها. في حين نجد أن "الاختلاف المرغوب فيه" هو عبارة عن اختلاف مثمن وذو قيمة بالنسبة للأفراد. وكأن هذا النوع من الاختلاف المرغوب فيه بالطبع، هو وسيلة لتحويل ذلك الاختلاف المفروض أي وسيلة للانتقال من ذلك الوضع أو المكانة التي يراد بها تقزيم الفرد وجعله في وضعية قاصر دائمة، إلى وضعية ومكانة يبلغ فيها الفرد - الشاب- تلك الوضعية التي يتمتع بها بكل حقوقه كبالغ وكراشد.

 فالهوية إذاً في خضم كل التحولات و التغيرات التي يعيشها هذا الفرد – الشاب خاصة – يمكن القول بأنها تشكل هوية "واحدة" و"متعددة" أو"متنوعة" في آن واحد. فهي بعبارة أخرى هوية يمكن نعتها بالعمومية والخاصة وهي هوية تمتاز بالحركية ولكن يبقى الحديث دائماً عن هوية واحدة لا غير. فالهوية الفردية، كما رأيناه في فصل آخر مستقل من دراستنا، هي عبارة عن هوية – شخصية – تتجاذبها قوتان بحيث نجد أن هذه الهوية هي حصيلة المعادلة التي تجمع بين مختلف الهويات الفرعية/الجزئية للفرد. هذه الأخيرة التي هي حاصل أو نتيجة عملية التثاقف الذي يتعرض له الفرد. وكل هذا يؤدي إلى "أزمات" كما يشير إلى ذلك كل من كلود دوبار(1)وجان كلود كوفمان(2) بحيث أدى الانفصال والانقطاع المؤقت والظرفي عن الأشكال التقليدية المحلية  إلى ترك فراغاً أدى بدوره إلى خلق وزرع نوع من التذبذب واللاتوازن في الهوية الفردية، بحيث لم تتمكن الأشكال "المجتمعة، التعاقدية الحديثة" من تعويض ذلك الفرد من الفراغ الذي أصابه. ومن هنا جاءت كل تلك المتاعب و الآلام التي يتخبط فيها الفرد أثناء عملية بحثة عن الذات كما أشرنا ذلك في بداية هذا الفصل، كما جاء وأكده كل من كرستوف دجور 1998)) وآلان إهرنبرغ (1998) في دراستهما. هذا ما قد يؤدي بنا ربما إلى الحديث عن الانفجار أو التفكك الهوياتي، أو عن تفتيتها وتجزئتها، بعدما كانت تعم و تسود الوحدة الهوياتية. ففي وسط أكوان اجتماعية مفككة ومجزأة، يجد الفرد - الشاب- نفسه في حيرة من أمره، مما يؤدي به إلى بناء واكتساب هوية سمتها التجزئة والتفكيك.

 يمكن القول إذاً بأن الشروط والظروف الاجتماعية والتاريخية التي أحاطت ببناء ونحت الهوية الشخصية و الفردية للأفراد هي التي عرفت بعض الاضطرابات وانجرّت عنها تلك الأزمة المتحدث عنها فوق. وكما لا يخفى على أحد، فإن التاريخ الاجتماعي مليء بخصائص تميزها "الأزمات" من بينها أزمات الهوية. هذا هو المعنى الذي نراه مناسباً لما يسميه ر.كاستيل (1995) بـ: اللانسبية أو فقدان النسب" أو(la désaffiliation)، عند وصفه لتلك العلاقات الاجتماعية التي تتسم بالحركة والتي هي تعبير عن "اللانسبية جديدة"، وهي في حقيقة الأمر نتيجة لإعادة تفاوض لكل ما هو محلي وتقليدي. ونجد الكثير من الباحثين في إطار التقاليد السوسيولوجية قد جعلوا من الهوية الاجتماعية الفردية شيء متعدد الانتماء الذي يجمع بين ذلك "نحن"  الجماعي، والدخول في ممارسات فردية تسمح باستعمال ضمير"أنا" (Je). وقد يكون استعمال ضمير "أنا" عند الأفراد – الشباب منهم خاصة- استعمالاً ظرفياًّ فقط وذلك في إطار عملية محاولة الاستقلال ولو النسبي عن ذلك الفكر الجماعي المذكور أعلاه. وفي كل الأحوال، فإن بروز وظهور "أنا" لا يتم إلا في إطار عملية تخطي وتجاوز أو التخلي و لو الجزئي لذلك "نحن" الانطلاق. بعبارة أخرى، كأن نقول بأن تواجد الفرد لا يمكن أن يتم بدون الجماعة، العشيرة بالمعنى التونيزي (Sens Tonnisien) للكلمة. ويمكن ان نقول هنا كذلك بأن الأطروحة الدوركايمية حول التضامن الآلي والتضامن العضوي ليست غريبة تماماً عن تلك النظرة المتعلقة بتلك العلاقات السلميّة والتراتيبية التي تتم بين الـ "نحن" و"أنا". فإذا كان ذلك الازدواج بين الأنانية والإيثار (égoïsme/altruisme)، التي يتحدث عنها دوركايم قد قلت حدته طبعاً بواسطة ذلك "التأثير ولو المعتدل الذي يحدثه المجتمع على الأفراد"(3)، لكن يبقى حاضراً ومتواجداً "منذ البداية، في كل الضمائر البشرية".(4) إذاً فالبرغم من هذا يمكن أن نجد نوعاً من التطور في المسار يقول دوركايم، وذلك من الوعي/الضمير الفردي (Conscience individuelle) المغزو من الضمير/الوعي الجماعي"(5)، إلى ضمير/وعي شخصي خاص (Conscience personnelle) ، نمت وتطورت فيه "الفردانية كقيمة مطلقة".(6) باختصار نقول أن هذا يعبر عن انحراف وانزلاق من ذلك "النحن" إلى "أنا". وفي نفس السياق والتحليل، نجد أن نوربر إلياس يرى في العملية الحضارية حركة "تحول لذلك التوازن بين نحن-أنا  .(7) ولكن يواصل نوربر إلياس في تحليله ويذهب ليؤكد بأنه لا يمكن أن تتواجد هوية لـ"أنا" بدون هوية "نحن". بعبارة أخرى، لا يمكن الحديث عن الهوية الفردية بدون هوية جماعية. وما يهمنا هنا في أطروحات كل من دوركايم والياس هي تلك العلاقة التي يقيمونها بين الكيان الجمعي والكيان الفردي، أي عندما يتعلق الأمر ببناء الهوياتي الفردي، فإن العلاقة تصبح علاقة متبادلة. وما يعطي هذه المسألة صبغة عمومية، هي تلك الأقطاب التي تبنى عليها هذه العلاقة والتي يرتكز عليها كل هؤلاء المفكرين: فنجد ثنائيات قطبية مثل أناني/آثر حسب دور كايم، ونجد نحن - قطب- اجتماعي/أنا - قطب فردي حسب نوربر إلياس، ونجد من جهة أخرى "نحن"جماعي/"أنا" مجتمعي حسب كلود دوبار  . أي أن الحدة والشدة القطبية، هي التي سوف تحدد خصائص ومميزات الهوية التي سوف يعمل الأفراد على بنائها. فكأنما أصبحت قضية بناء الهوية هذه، قضية يميزها الصراع: صراع بين "الجماعة" و"المجتمع" وسوف تحدد الغلبة لمن يتوصل لفرض قواعده وقوانينه. لكن وفي كل الأحوال، فإن عملية إنتاج وبناء الهوية ترجع للأفراد أنفسهم و بالتالي لم تكن (الهوية) لِتُعطَى لهم أو لتُجَهَّزَ، فهي من صنع هؤلاء الأفراد الذين يلجأون لعملية "التفاوض"  هنا كذلك وذلك بالرجوع تارة "للمجموعة" المرجعية المحلية وتارة أخرى "للمجتمع".

 إن ما يمكن قوله وتسجيله كما أوضح ذلك دوركايم بأن مجتمع التقسيم الاجتماعية للعمل كما كان يسميه، أو مجتمعات الأفراد كما كان ينادي به ن.إلياس ، ما فتئ يعمل على تجريد الأفراد من نسبهم "أي" اللانسبة/اللانتمائية"الأفراد لدرجة تمثيل وتصوير هؤلاء الأفراد بأنهم يسلكون اجتماعياً وكأنهم عبارة عن جزيئات أو إلكترونات حرّة. لكن في إطار وسياق عملياتي جديد: أي عملية تحويل لتلك التصورات الذهنية، ولكل تلك العلاقات والسلوكات إلى أشياء أو شيئية (réification) كاستنتاج أوليّ، نقول أن مسألة بناء الهوية إنما هي عملية تفاعل اجتماعية.

الهوية والتغير الاجتماعي:

 و باعتبار ان الفرد هو الحامل للهوية، راعيها ومحوّلها ومغيّرها. ولأن التحول والتغير هذا في مجال بناء الهوية هو عامل غير مستبعد وغير مستحيل، هذا ما يزيد من حدتها وأهميتها. أما الشيء الذي نراه بأنه يجعل من التغير شيء ممكن، هو ربما ما يمكن تسميته بالتنظيم البنائي (الهيكلي) للهوية. هذا ما يؤدي بنا إلى الإشارة لأهمية عنصر الزمن الذي يتم فيه رواية والرجوع إلى الخطاب الذي يبنيه ويرجع إليه الأفراد خاصة جذورهم الأسرية، هذه المواد الأسطورية إن صح التعبير للخطاب الهوياتي. ويجب التسجيل هنا أن مواداً أخرى إلى جانب المواد الأسطورية هذه، يتم الإشارة إليها كما يتم توظيفها عندما يتعلق الأمر ببناء الهوية مثل طقوسية بعض عناصر الهوية الأسطورية. ولقد أشار العديد من الأنثروبولوجيين إلى تلك العلاقة التي يمكن أن تحدث بين الأسطورة، الخرافة والطقوس. فمجموعة كبيرة من هذه الطقوس موجودة وتتواجد لتؤدي وتعيد تنشيط الأسطورة، وكذا لتأدية وظيفتها الرمزية والمعنوية.

 فالملاحظ عند جيل الشباب الذين تم استكشافهم(*راجع أطروحة دكتوراه دولة الاستراتجيات العلائقية و الرباط الاجتماعي...من اعداد حمدوش رشيد2006-   2007  )  وبخصوص بناء الهوية وهذا بالطبع تبعاً للخطاب الذي يحمله كل واحد من هؤلاء حول هذه المسألة، يمكن التصريح بأن هذا البناء لا يتم بطريقة ميكانيكية وآلية كما قد يخيل، أي هو مجرد عملية جمع وتركيب لمجموعة من العناصر والقصص ورواتها، ولكن ما يجب أن يفهم من هذه العملية والمعنى الذي يمكن أن تأخذه، هو أنها نشاط "إبداعي" فردي مؤطّر بمجموعة من الطقوس التي لها علاقة بالهوية كأسطورة. هذا ما يؤدي بنا القول بأن الهوية في نهاية الأمر ليست أكثر ولا أقل من أسطورة. ولكن كأسطورة، فالهوية سوف تعمل على تزويد الأفراد بنماذج تصورية ونشاطية التي سوف تساعدهم لبلوغ أسطورتهم الفردية والشخصية.

 وإذا ما جئنا إلى تحليل أصل كلمة "الشخص" (personne) ، أو كذلك الشخصية (personnalité) نجد أن الكلمة مشتقة من اللاتينية (persona)  التي تعني "قناع" (masque) الذي كان يرتيده ممثلين المسرح. وكل شكل من الأقنعة كان يمثل ويعبر عن شخصية معينة ومنه عن سلوك معين وردود أفعال وسلوكات وتصرفات مقولبة. هذا ما يسمح ويفتح المجال أمام التحولات والتغيرات السلوكية، وحتى ربما التعتيمية والتمويهية منها.

 وعلى غرار الدور، الضبط أو الرقابة، مفاهيم أخرى مسرحية رفعت إلى مصاف المفاهيم الأساسية للعلوم الاجتماعية، فالشخصية مثلا أتت لتصور وتحيط بكل السلوكات الفردية المتوقعة بالنظر إلى توقعات البيئة الاجتماعية وليس المتفرجين بلغة المسرح.

 خلاصة:

 كما رأينا فوق، إن الحديث عن الهوية وبنائها ليس بالشيء الهين، خاصة إذا حاولنا أن نخرج من ذلك الإطار النظري الذي عهدناه عندما يتعلق الأمر بمحاولة دراسة الهوية: ألا وهو ذلك الإطار الذي يحصر هذه المسألة في إطار الحداثة والتقليد، الأصالة والعالمية. وكأن دراسة الهوية هذه لا يمكن لها أن تتم إلا داخل هذا الإطار. ولقد حاولنا الاقتراب من هذا الموضوع عبر مفكرين معاصرين دون أن نهمل الإرث النظري المعهود.

 فالفرد "الشاب" هنا كذلك نجده يعتمد على عملية التفاوض عندما يتعلق الأمر ببناء هويته، فهو يبحث عن "هوية صاعدة"، معاصرة لكن دون الانفصال تماما عن الجماعة المرجعية، المحلية وعن التقاليد. فالهوية ليست شيئا يكتسب وشيء يعطى كما رأينا، بل يخضع بناؤها إلى عملية ومسار.فهي من صنع وبناء الأفراد أنفسهم.

 إن الهوية كما راينا ، هي هوية "خطابية" و"روائية".

 ومن بين المفاهيم التي ترددت معنا كذلك، مفهومي "الأزمة" و"التفاوض"، اللذين إن أحسن توظيفهما، سيساعدان كثيرا على استيعاب الطريقة التي يتم بواسطتها بناء الهوية. فأزمة الهوية مثلا قد تكمن في ذلك التعبير الواضح لذلك الجدال والتناحر القائم بين الرجوع إلى مصادر الهوية الأصلية والأصيلة، والإرادة في تصور مشروع جديد للهوية الحاضرة والمستقبلية .

 وفي ظل غياب العوالم والشواهد الثقافية من جهة، وتحت ضغط تعدد النماذج المرجعية .هل يمكن حقيقة الحديث عن صراع أو نزاع؟ من الصعب الإجابة على هذا السؤال، خاصة إذا علمنا أنه من جيل إلى آخر  نجد بأن القيم والمعايير تأخذ معاني مختلفة تماما، فهي في عملية بناء وتفكيك دائم.

ما يمكن الإشارة إليه هو أن  الهوية أنواع وأشكال منها: الهوية المتطلعة، هوية للذات، وهوية الآخر،...الخ.

 ما يمكن ملاحظته هو أن مسألة الهوية عنصر هام باعتبارها إحدى مكونات الواقع الذاتي، وباعتبار هذا الأخير يتواجد في علاقة جدلية مع المجتمع. فالهوية كما جاء معنا هي مكونة وتبنى على أساس عمليات اجتماعية واستراتيجيات يلجأ إليها الأفراد. وعندما تتجسد فهي تحفظ، تغير وتعدل، أو حتى يعاد بناؤها عن طريق عمليات التفاعل الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية التي تنسج في الواقع الاجتماعي.

 ولكل هذه الأسباب، يمكن استخلاص ما يلي :   تموقع  فئة الشباب على أطراف تلك النماذج (المحلي والتعاقدي)، قد يبرز صراعا رمزيا قد يبدأ خفيا ثم يفجر على مختلف الأنماط. ومحور الصراع هذا هو النفوذ والسيطرة حتى ولو كانت رمزية، هذا ما يجعل من رسم حدود الأنماط هذه أمرا صعبا بما أنها حدود غير واضحة.

 فما قد يبدو ازدواجا وتناقضا، يمكن أن يكون نتيجة للتحديث والتجديد، أي أن المجتمع يتطور ويتخذ أساليب جديدة وقيما ومعايير حديثة تشمل عدة مجالات منها الاستهلاك، العمل، الترف ومواقف من بعض العادات والتقاليد والطقوس تتم مقاومتها من طرف بعض القوى المحافظة التي قد تبدي رفضا وعدم اتفاق على مرجعية واحدة في مجال معيارية السلوك مثلا.

 قائمة المراجع

 -       أنور عبد المالك ،الوعي و الوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر ،باندونغ البيضاء،منشورات عيون،1988

 _حنفي حسن ، الأصالة و المعاصرة، ،المستقبل العربي ،مركز دراسات  الوحدة العربية،بيروت السنة4 ،عدد29 ،1981

 _غليون يرهان،الوعي الذاتي، بيروت،منشورات عيون،1986

 -الاستراتيجيات العلائقية ،الرباط الاجتماعي و اشكالية التقاليد و الحداثة من خلال التصورات الشبانية. دراسة ميدانية,مدينة الجزائر نموذجا توضيحيا.اطروحة دكتوراه دولة في علم الاجتماع الثقافي.قسم علم الاجتماع.جامعة الجزائر.اعداد حمدوش رشيد2006-2007

 _Berger, P.Luckman, T.., La construction sociale de la réalité .Paris, A.Collin, 2eme edit.1996.

 _Boukhobza, M.Octobre1988, évolution ou rupture ? Alger, ed. Bouchene, 1991.

 _Boudon, R, La place du  désordre, critique des théories  du changement social, Paris1984.

 _Bourdieu, P.Ce que parler veut dire, l’économie des échanges linguistiques.Paris, Fayard, 1982.

 _Bourdieu, P, choses dites.Paris, Minuit, 1987.

 _Bourdieu, P. ; Méditations Pascaliennes.Paris, 1997.

 _Bourdieu, P., Reponses.Paris, seuil, 1992.

 _Camilleri, C.Crise socio-culturelle et crise d’identité dans les sociétés du tiers-monde : l’exemples des sociétés maghrébines,psyco-française.Paris,N°3_4,1979.

 _Dekkar, N., etal.La démographie algérienne face aux grandes questions de société.Alger, CENEAP, FNUAP, mai 1999.

 _Devreux, G.Essai d’éhno-psychiatrie générale, Paris, Gallimard, 1970.

 _Dubar, C, La socialisation, construction des identités sociale et professionnelles.Paris, Armand collin, 1995,2eme édition.

 _Dubar, C. ?La crise des identités, l’interprétation d’une mutation.Paris, PUF, 2000.

 _Durkheim, E.De la division du travail social.Paris1978.1°édit.

 _Elias, N, La société des individus.Paris, Feyard, 1991.

 -Etienne, B., L’islamisme radicale.Paris, ed.Hachette, 1989.

 _Erikson, E, Adolescence, et crise, la quête de l’identité.Paris, Flamarion, 1972.

 _Ferdinand, T, Communauté et société.Paris, 1ère edit.1887.

 _Gokalp, Catheine, Quand vient l’age des choix : emploi, résidence, mariage.Paris, PUF, sans date.

 _Goffman, E.Stigmate, les usages sociaux des handicaps .Paris, Minuit, 1975.

 _Kaufmann, J.C., Ego ; pour une sociologie de l’individu .Paris ; Nathan, 2001.

 _Lipionsky, E.M., Identité et communication.Paris, PUf, 1992.

 _Lacheraf, M, Algérie, nation et société .Paris, Maspero.1965.

 _Mekidéche, N.  , Adolescence et identité.Alger, ENAC, 1984.

 _Mendras, H, Forsé, M., Le changement social.Tendance et paradignes.Paris .1983.

 _Nandin, J., Du pareil au même.Revu Naqd,N°10,1996

 _Rabo, K. L’Algérie et sa jeunesse : marginalisations sociales et désarroi culturel.Paris, l’harmattan.1995.

 _Sahlins, M., Age de pierre, age d’abondance, Paris, 1976.

 _TAP, P., Pi-Sunyer, M.T, Crise d’identité et troubles d’altérité a l’adolescence. Annales des Vaucresson, 1_1988, N°28.

 _Toualbi, N, Changement social et expression du sacré en Algérie.Revue algérienne de psychologie et des sciences de l’éducation, N°2,1986.

 _Toualbi, N, école idéologie et droit de l’homme, 2eme édition, Casbah ed, Alger2004.

 _Yefsah, A., La question du pouvoir en Algerie.Alger, ENAP, 1990


1) Rarbo, K., L'Algérie et sa jeunesse: marginalisations sociales et desarroi culturel, Paris, l'Harmattan,

    1995, p.169.

2) Boukhobza, M'Hamed, Octobre 1988, évolution ou rupture? Alger, éd. Bouchene, 1991, p. 212.

*) Goklap, Catherine, Quand vient l'age des choix: emploi, résidence, mariage, Paris, PUF, Sans date.

1) Ibid., Rarbo, K., p.171.

2) Etienne, B., l'islamisme radical, Paris, éd. Hachette, 1989, p.97.

3) Mékideche, N., Adolescence et identité, Alger, ENAL, 1984, p.197.

4) Ibid., Rarbo, K., pp. 172-173.

5) Ibid., p.173.

6) أنور عبد المالك عن محمود أمين، الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر، باندونغ البيضاء، منشورات عيون، 1988، صص.54-55.

7) غليون، برهان، الوعي الذاتي، بيروت، منشورات عيون، 1986، ص. 151.

8) Yefsah, A., La question du pouvoir en Algérie, Alger, ENAP, 1990, p.511. (بتضرف)

1) حنفي، حسن، الأصالة والمعاصرة، المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، السنة 4، العدد 29، 1981، ص. 133.

2) Lacheraf, M., Algérie, nation et société, Paris, Maspéro, 1965, p.318, in N.T.Thaalibi, Ecole, idéologie et droits de l'homme, 2ème édition, Casbah éd., Alger 2004, p.56.

3) Ibid, p.56.                                                                                                                                 

1) Dekkar, N., et al, La démographie algérienne face aux grandes questions de société, Alger, CENEAP, FNUAP, Mai 1999, p.80.

2) Ibid, p.71.

3) Nandin, J., Du pareil au meme, Revue NAQD, N°10,1996.

4) Tap, P., Pi-Sunyer, M.T., Crise d'identité et troubles d'altérité à l'adolescence, in Annales de Vaucresson, 1-1988, N°28, p.17.

5) Toualbi, N., Changement social et expression du sacré en Algérie, Revue Algerienne de psychologie et des sciences de l'éducation, N°2, 1986, p.19.

1) Erikson, E., Adolescence et crise, la quete de l'identité, Paris, Flamarion, 1972, p.13.

2) Devreux, G., Essai d'ethnopsychiatrie générale, Paris, Gallimard, 1970, p.103.

نحن مدينون في هذا الجزء من الدراسة إلى العمل القيم حول موضوع الهوية الذي قام به الباحث ميشيل ميسو  من المخبر (*)

Grass  cnrs  _france_

**) Camilleri, C., Crise socio-culturelle et crise d'identité dans les sociétés du tiers-monde: l'exempledes sociétés maghrébines, psycho-francaise, Paris,  N°3-4, 1979.

1) Lipiansky, E.M., Identité et communication, Paris, PUF, 1992, p.24.

2) Ibid, p.35.

3) Dubar, C., La socialisation, construction des identiotés sociales et professionnelles, Paris, Armand Colin, 1995, 2ème édit., p.126.

1) Ibid, p.111.

2) Goffman, E., Stigmate, les usagers sociaux des handicaps, Paris, Minuit, 1975 (بتصرف)

3) Ibid, p.74.

*) Kaufmann, J.C., Ego, Pour une sociologie de l'individu, Paris, Nathan, 2001.

**) Dubar, C., La crise des identités, l'interprétation d'une mutation , Paris, PUF, 2000, pp.: 172-173. (بتصرف)

1) Berger, P., Luckmann, T., La construction sociale de la réalité, Paris, A.Colin, 2ème édition, Préface M.Maffesoli, 1996.

2) Bourdieu, P., Ce que parler veut dire, l'économie des échanges linguistiques, Paris, Fayard, 1982.

  Aristote, Ethique et nicomaque, S.N.L.D.                                                                         راجع وانظر:(*

1) Bourdieu, P., Choses dites, Paris, Minuit, 1987, p.19.

2) Durand, J.P., Weil, R., Socilogie contemporaine, Paris, Vigot, P.191.

3) Bourdieu, P., Méditations pascaliennes, 19bis, Paris, 1997, p.201.

1) Dubar, C., La crise des identités, l'interprétation d'une mutation, Paris, PUF, 2000.

2) Kaufmann, Jean-Claude, Ego, pour une socilogie de l'individu, Paris, Nathan, 2001.

3) Durkheim, E, De la division du travail social, Paris, 1978, 10 ème édition, p.174.

4) Durkheim, E., ibid, p.175.

5) Durkheim, E., ibid, p.175.

6) Durkheim, E., ibid, p.176.

7) Elias, N., La société des individus, Paris, Fayard, 1991, p.207.