النسق القيمي  للعامل و علاقته بدرجة الإنضباط في التنظيم الصناعيpdf

  أ.د/ مصطفى عوفـي

أ/ داود بلقاسـم

 جامعة الحاج لخضر باتنة(الجزائر)

 Résumé:

 Les valeurs sont d'une grande importance, comme un thème contemporain pour le processus des communautés et donc l'évolution des organisations.

 Où la plupart des observateurs conviennent, qu'ils considéraient que les dispositions et les normes des individus, des groupes ou des moyens, des objectifs, des intérêts, des compromis et des devoirs et obligations.

 Les modèles de comportement dans les communautés se comportent itinéraire en fonction d'un ensemble des valeurs. ce dernier sujet peaufiner  par le cadre général de la communauté  reflète dans le type de culture dominante qui, comme les valeurs de toute société est un pilier important et décisif en raison de son rôle actif dans le contrôle et la direction comportement humain vers Côté positive.

 Quand la réunion a lieu entre l'individu et l'organisation, chacun d'entre eux essaient de changer les valeurs de l'autre, et ceci à travers les normes réglementaires ou par l'organisation individuelle.

 Que veut dire est de tenter de établir des règles pour au processus de normalisation par appariement de d'organisation sociale entre les jumeaux les deux principaux acteurs dans les attentes des individus et des attentes de l'organisation en conformité avec le degré de discipline

 

مقدمـة:

 يركز غالبية الصناعيون، المنظمون والمشرفون بالدول السائرة في طريق النمو، قبل تبنيهم لمشروع ما، على الجانب الآلي ذو الخصوصية التقنية المادية للمشروع، وحتى إن كانت هناك التفاتة في بعض الأحيان للجانب البشري  فغالبا ما يكون تناول ذلك بشكل سطحي، حيث يتم التركيز على الجانب الآلي، محاولين بذلك قدر الإمكان الحصول على أحسنه، وليس ذلك فحسب، بل عادة ما يتم تكبد تكاليف باهضة جراء هذا الاختيار، في حين يتم المساهمة بنسب متواضعة في تفعيل الجانب البشري الذي يدير المشروع.

 إن الكثير من المؤسسات توفر برامج تكوينية للفرد، كما هو الحال في مؤسسات التعليم بمختلف أطواره   وحتى المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، غالبا ما تزود عمالها وفاعليها بفترات تدريبية، لكن جل ذلك يقتصر على الجانب التقني لعملية التعليم أو التدريب، ولا يكاد يمت بصلة لترسيخ صفات وقيم تتطلبها ممارسة مهمة ما "كما هو الحال بالنسبة للسائق الذي يتعلم قوانين المرور ولا يحترمها"(1)، ويتقن التحكم في قيادة السيارة ولكنه لا يتحلى ببعض الصفات المحبذة أثناء القيام بهذه المهمة، كالصبر والإحساس بالمسؤولية إزاء أمنه وأمن الآخرين والسيارة ومختلف منشآت الطريق، بيد أن دور المكوِّن هو خلق ومن ثم ترسيخ استجابات آلية لدى المكوَّن، لتصبح فيما بعد تتسق مع الصفات السلوكية المحبذة في المهنة المنوط به القيام بها، وهذا إيمان بالدور المحوري للفاعل البشري في معادلة التنظير الصناعي، وتأثر هذا الأخير بالمرجعية المجتمعية، باعتبار أن دراسة الإطار الثقافي والاجتماعي للمنظمة يساهم في بلورة، فهم وتفسير سلوك الأفراد وسيكولوجياتهم والقيم التي يؤمنون بها، فقيمة العمل، الوقت، درجة الانضباط ومستوى الإنجاز، هي سمات ضرورية للنجاح ضمن أي إطار تنظيمي وأن كيفية توظيفها، تختلف باختلاف الثقافات، وهو طرح يتناول بالتحليل العلاقة بين كل من المؤسسة والمجتمع الذي هي موجودة به، "إنها ليست بشكل تقني، لا زمني وخارج عن تاريخ المجتمعات لأنها تتغذى من الوسط المؤسساتي، الاجتماعي والثقافي لحقبتها التاريخية" (2)، باعتبار أن التنظيم أو المؤسسة في بنياتها التنظيمية وطرقها الاجتماعية الداخلية إنتاج المجتمع، إذ تستقي شرعيتها من القوانين، الثقافات والقوى الاقتصادية والسياسية لمرحلة ولتاريخ محدد بصفة دقيقة، لكن لا توجد معرفة حول المؤسسة، دون فهم استقلا ليتها الاجتماعية، "بحيث لا يمكن اختصار التنظيم في قراءة ظرفية للنظم والنماذج التي تصقل بنياتها الصورية، وعليه يتوجب فهم منطق الخصوصية لهذه البنيات الاجتماعية، خاصة في ظل مراحل التحولات والأزمات"(3) وذلك باعتبار "أن التنظيمات هي المصبات الأساسية التي عادة ما تلتقي أو تتفاعل داخلها أنشطة البشر  فإنها عرضة بطبيعتها لتنوع تلك الأعمال والأنشطة البشرية من حيث أشكالها، طبيعتها والأهداف المبتغاة من ورائها"(4) غير أنه وفي غالب الأحيان هناك في أي مجتمع، نسق اجتماعي أو تنظيم فوق عضوي، يحكم ونحتكم إليه في حياتنا الاجتماعية وكطرح آخر، إن معظم ما يحدث في المجتمع هو وليد ونتيجة لعمل القوى الاجتماعية الكامنة المستترة والتي تتسبب في كل مخرجات المجتمع، وعلى هذا النحو فإنه إذا حدث طارئ ما أو خطأ معين أو انحراف في المجتمع وأنظمته المختلفة، فهذا يعني أن هناك تدخلا أو تعديا قد حدث على هذه القوى الاجتماعية، ولهذا  فالاعتقاد بان أي علاج لأي مشكلة تواجه المجتمع، هو الامتثال لعمل هذه القوى الاجتماعية، مع ضرورة الاعتراف بأن عمل هذه القوى هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الصعوبات والتحديات.

 1- نسـق القيـم:

 إن المجتمع الإنساني في حقيقته، بمثابة بناء معياري يعكس حياة معنوية، يمتثل لها الافراد، ويتميز بالقوة والتأثير، هذا البناء المعياري يحتوي على صور الحياة الاجتماعية، ولا يعني هذا، أن البناء المعياري أمرا مجردا من التصورات الجافة، بل إنه في الحقيقة ينطوي على عوامل محركة، فثمة قوى واقعية فعالة تمد وتساند تلك، هي القوى المعنوية التي تسمو على القوة الطبيعية، هذا البناء المعياري يحقق للإنسان والمجتمع غايات المستقبل المنشود، ويتجدد هذا البناء المعياري ويتغير في فترات التوترات والأزمات الاجتماعية، التي تتمخض عنها فترات خلاقة مجددة، يتجه فيها الناس تحت ظروف متنوعة إلى التقارب فيما بينهم، وتنشأ معايير وقيم جديدة، تعكس بدورها أنواعا جديدة من العلاقات وأنماط السلوك.

إذا نظرنا إلى المجتمع نظرة تحليلية، فإننا نجده يتكون من عديد من النظم الاجتماعية، مثل النظام الاقتصادي، السياسي، الديني، الأسري... وهكذا، حيث يتكون النظام من قيم معينة تحدد هويته، "ويعكس النظام من ناحية أخرى هذه القيم في مجموعة من المعايير، قد تكون مكتوبة فتأخذ شكل القوانين، أو شفهية فتأخذ شكل العرف أو التراث"(5) وهذا يعكس أي نظام، مجموعة من التنظيمات الاجتماعية يسلك الفرد داخلها أنماط من السلوك تعكس العادات الاجتماعية أو الطرائق الشعبية، والتي تعكس بدورها اتجاهات الأفراد نحو النظام.

نظرا لكون القيم لها درجات متفاوتة في التأثير على الفعل الإنساني، فهذا مرده إلى التباين من حيث الأهمية وتبعا لترتيبها ضمن السلم القيمي، ففي بعض الحالات إن قيمة ما قد تكون وسيلة في مواقف بعينها ولكنها تكون هدفا   أو غاية في ظل مواقف أخرى، فطالما أن القيمة هي محصلة التجربة المستمرة، فإن كل نسق يحتوي بدائل مقبولة اجتماعيا سانحة للفرد أو المجتمع بأن يكونا في توافق مع المواقف الجديدة أو المشاكل دون صراع مجتمعي أو فردي "إلى درجة أن تكون فيها هذه الميكانيزمات البديلة دينامية وفعالة، فإن نسق القيم يكون أكثر نشاطا في أداء وظائفه"(6).

تعتبر القيم معيارا لتقويم المعطيات، التجارب والسلوكيات لكونها ذات بعد تأثيري، يمكن تبنيها "كمتغير مستقل وفاعل يؤدي إلى نتائج على البناءات الحضرية، الاجتماعية، الدينية، العائلية والتربوية"(7) وهي (القيم) تتجلى وتتجسد في مواقف الاختيار وضمن إطار منظومة الحياة الاعتيادية الطبيعية، بيد أن التوجهات القيمية التي تدفع الإنسان إلى ملاحظة قوانين محددة في الاختيار بين البدائل المتاحة، ليست عملية عشوائية "ولكنها تميل إلى تشكيل النسق، الذي بدوره يحوّل الفرد نحو مجموعة من القوانين المنظمة له"(8).

اتساقا مع هذا الطرح، وإيمانا بتنوع النسق القيمي، وثراءه تبعا لانتماءاته والمصبات التي قد تغير سكونيته  خاصة في ظل المجتمع الحديث، حيث توجد مجموعة من القيم، المعايير أو الجماعات المتصارعة أو المتناقضة، وفي نفس الوقت توجد في كل مجتمع، مجموعة من الأساليب القادرة على ضبط هذا الصراع القيمي، وتحقيق ما يسمى بالتعايش السلمي (القيمي)، يمكن أن نعرض بعضها في شكل هذه  النقاط:

 1.  هناك ميل  في كل مجتمع وفي كل جماعة إلى ترتيب القيم المختلفة ترتيبا تدريجيا، حيث تتحدد درجة أهمية كل قيمة على سلم معين، وضمن هذا التناول تسهل عملية الانتقاء على حسب كل موقف على حدى.

 2.  يوجد في كل مجتمع ما يمكن أن نطلق عليه صمامات الأمان، وتتجسد في شكل نظم ثانوية تسمح بتخفيض القلق والتوتر الذي يسببه الامتثال أو محاولة الامتثال التام للنظم والقيم الأساسية التي تحتل الصدارة والمكانة الأولى داخل الجماعة، ضمن إطار من الضبط المقبول.

 3.  يمكن تحقيق ما يسمى بالتعايش السلمي بين القيم والمعتقدات المتباينة داخل مجتمع واحد، إذا ما تحقق الفصل النسبي بين الجماعات المختلفة، التي تتبنى كل منها مجموعة من القيم أو المعتقدات أو تقوم بنماذج سلوكية تختلف عن تلك التي تقوم بها الجماعة أو الجماعات الأخرى.

 4.  يمكن أيضا تبني الطرح السابق، وإسقاطه على التناول الفردي الخاص، حيث يمكن للشخص الواحد القيام بأداء عدة أدوار متباينة أو حتى متصارعة إذا استطاع الفصل بينها موقفيا وزمنيا.

 5.  على الرغم من احتمال وجود قيم متصارعة بين عدة جماعات متباينة "إلا انه لابد من وجود قيم مشتركة بين هذه الجماعات، وإلا استحال تواجدها معا(9).

 2- التعايـش القيـمي:

 هذه النقاط السالفة الذكر تناول موجز لطرح نظري أو بالأحرى تصنيف رالف لنتون للتوقعات ومؤداه أنه إذا تم ملاحظة ثقافة أي مجتمع متجانس، نجد أن محتوى هذه الثقافة، يضم ثلاثة أقسام من العناصر الفاعلة، تعود إلى مدى اشتراك أفراد المجتمع في ممارسة وتفعيل كل قسم منها وتتمثل في:

 أولا العموميات: تشير إلى الخصائص الجوهرية والسمات الأساسية التي يتطلبها المجتمع مثل القوانين، الإجراءات الحكومية، الأنساق الاقتصادية والدينية، الأفكار، العادات والتقاليد، طرق التفكير وأنماط السلوك "التي يشترك فيها غالبية أفراد المجتمع العاقلون"(10)

 كما تشمل العموميات اللغة التي يتكلمها الناس، طريقة الأكل، طريقة ارتداء الملابس والأنماط الأساسية للعلاقات الاجتماعية، كما أن اشتراك أفراد الجماعة في العموميات يؤدي إلى ظهور الاهتمامات المشتركة، الجامعة والملمة لهؤلاء الأفراد، وظهور هذه الاهتمامات المشتركة، حقيقة سيكولوجية هامة، تبني على أساسها وحدة الجماعة وأهدافها المشتركة.

 إذا كان أساس بقاء الجماعة، هو تنمية ما يسميه لنتون بروح الجماعة، فإن اشتراك الأفراد في هذه العموميات، من شأنه المساهمة بشكل وظيفي في اكتساب هذه الروح الجماعية، كذلك تشتمل العموميات على التاريخ المشترك للجماعة، بما فيها من ذكريات وماضي مشترك، مما ييسر على الأفراد توثيق عرى الوحدة بينهم، فالأفراد يشعرون بأن لهم ماض وتاريخ مشترك مما يؤدي إلى بلورة نمط نفسي ذو دلالات سلوكية، يمكن على أساسه بناء اتحادهم، كما أبرز سانسيلو عملية التشبث بالقيم الثقافية الماضية والإبداع فيها، عندما يتعلق الأمر بهوية الأفراد، إذ أن الفاعل يتمتع بماض ثقافي، وبعادات مكتسبة تخص التماثل والإدراك، إلا أن الفضاء الاجتماعي الذي يخاطر فيه، مرهون بالاعتراف الذي يمكن أن لا يكون ما كان عليه سابقا، كما يمكن للقيم الثقافية السابقة العجز عن تحقيق النصر في العلاقات الحالية "إذ أن تعلم قدرات إستراتيجية جديدة في علاقات العمل، تبلور وعيا جديدا، خاص بقوى الفعل في المجتمع"(11) إذ إن معيار العلاقة في أغلب الأحيان، تعبير مباشر عن قيم عامة مكتسبة سالفا.

 ثانيا الخصوصيات: هي تلك العناصر التي تشترك وتساهم فيها مجموعة معينة من الأفراد، لها تنظيمها الاجتماعي الخاص بها، والذي لا يشترك في فعالياته جل أفراد المجتمع، غير أن الفوائد الناجمة ذات طرح عام وشامل لجميع أفراد المجتمع، رغم الخصوصية في اللغة والتفكير ومن ثم تبني نسق من القيم خاص بمجموعة ما دون غيرها، يتم تحديده (النسق القيمي الخاص بأي مجموعة) من قبل المجتمع لتغطية مختلف أنشطة وأنماط الحياة فيه.

 ثالثا البدائل: هي تلك العناصر الثقافية البديلة المتبناة من قبل أفراد معينين، لكنها لا تكون مشتركة بين أفراد الثقافة الواحدة "وإنما تسود بين أفراد فئة أو جماعة، لها تنظيم اجتماعي معين"(12)  حيث تمثل  هذه العناصر البديلة، استجابات مختلفة وردود أفعال متباينة لمواقف متشابهة أو ظروف استثنائية، لتحقيق أهداف متشابهة، وكطرح آخر، هي (البدائل) عبارة عن عناصر قيمية، مترددة، حائرة وطائفة على سطح الثقافة، قبل أن تتحول إلى عناصر ثقافية تخصصية أو عامة، لتثبت وتستقر بعد ذلك، مما يستدعي إحداث عمليات جديدة من التكيف، تتطلب بدورها إعادة البناء الاجتماعي وفقا للظروف الجديدة.

 نستنتج من خلال هذا التناول أن عنصر البدائل خاص بالأفراد، أما الخصوصيات فخاضعة لإطار الجماعات والعموميات مرجعيتها محك المجتمع.

 3- قيم التنظيم أم قيم المجتمع:

 تندرج ثقافة المؤسسة في العلاقة العضوية بين ثقافة جل الفاعلين داخل التنظيم من الوجهة النظرية والمنهجية التي طبعت ولا تزال تطبع الأدبيات في هذا الميدان، إطار النموذجين الرئيسيين، النموذج الوظيفي والنموذج النقدي  حتى في ظل توافر مقاربات فرعية فهي تصب في الغالب ضمن هذا النموذج أو ذاك.

 إن الحديث عن هذين النموذجين، يجرنا إلى الكلام عن المسالة التي سايرت وتساير الموقفين التقليديين  الموقف التوفيقي الداعي إلى التكامل في الوظائف والموقف النقدي الداعي إلى التحليل  على أساس التناقض في المصالح والأهداف "فالأول يتصور إعادة الإنتاج في شكل اندماج اجتماعي، أما الثاني يطرحها في صيغة هيمنة اجتماعية"(13).

 إن أغلب التنظيمات مطبوعة بالخصائص السوسيوثقافية لمجتمعاتها، من خلال هذا يتجلى التأثير الجوهري للمكان والزمان في صقل هذا التطور، وبالتالي محاولة لمزاوجة الأشكال التنظيمية مع الواقع السيوسيوثقافي المحلي، "فحتى العلماء والباحثون عندما يفكرون ويعملون، ليسوا بمعزل عن نسق القيم الذي يحكمهم، كما أن معتقداتهم وقيمهم السابقة تتدخل في أعمالهم، ولها تأثير عليها وعلى ما سيقومون به من تحليلات"(14)، حيث تطرق السوسيولوجيون بشكل مباشر أو غير مباشر إلى مسألة القيم في التنظيم، وتحليلاتهم تظهر عالما ثقافيا غير متجانس له علاقة بعدم التجانس الاجتماعي لمختلف فاعلي المجتمع كطرح عام، ولفئات العمال كتناول خاص، فهؤلاء لا يأتون أو يلتحقون بالمؤسسة، وهم محرومون وغير مزودين قيميا، فهم يحملون إليها في الغالب قيم المهنة وأحيانا ثقافات الطبقة "باعتبار أن تجارب الإنسان في المجتمع هي تضافر لكل من التركيب الداخلي والضغوط الخارجية، كما أن ردود فعله عليها، تشتمل على كلا جانبيها الفردي والمغزى الاجتماعي"(15)  وهذا إقرار للعلاقة التفاعلية ذات البعد الاندماجي بين قيم المجتمع وقيم التنظيم، حيث تعتبر هذه الأخيرة مزودة بنظام وسلطة من شأنها ترجيح كفة التأثير، التأهيل فالتغيير على الأقل كطرح نظري.

 تتميز قيم التنظيم باحتوائها على ثقافات صغرى، تترعرع في كنف المؤسسة، هذه الثقافات الصغرى يتم اختراعها من قبل العمال، لتبين بوضوح، أن ثقافة المؤسسة ليست معطى سابقا، ما على العمال إلا اعتمادها، هذا من جهة، وكونها (الثقافات الصغرى) "ليست فعلا فرديا خالصا ولا رد فعل مجردا من قبل الطبقة، بل سلوك يحيل إلى مجموعة انتماء أي مجموعة عمل محسوسة تتقاسم ثقافة مشتركة، مصنوعة من لغة مشتركة، من طريقة تصرف مشتركة، من علامات للتعرف ومن هوية مشتركة"(16) في نهاية المطاف، تقع ثقافة المؤسسة في تقاطع مختلف الثقافات الصغرى الموجودة في كنفها، وهذه الثقافات الصغرى الفرعية، "أو المجتمعية"(17)  لا تنسجم بالضرورة مع بعضها البعض، واحتكاكها لا يتم حتما بلا مصادمات، تظهر علاقات قوة تبين هنا وهناك الرهانات الاجتماعية، وكطرح آخر إذا كان لمفهوم قيم التنظيم ملائمة سوسيولوجية فليس هدفها بالتأكيد، الدلالة على منظومة قيمية، تستبعد منها كل أنواع التناقض والصراعات هذا من جهة وإقرار للطرح القائم على دراسات التنظيم في عالم مغلق من شأنه أن يفرز ثقافة  كاملة الاستقلال، بل على النقيض، فإن التنظيم الحديث، شديد الارتباط بمحيطه، سواء على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي والثقافي، فحتى في ظل التنظيمات المجسدة للشركات الأجنبية المتواجدة على الأراضي الغيرية، "فإن نجاح أي تنظيم منوط، باستيعاب وتبني ثقافة الغير بل أن حضارة المنظمة في معظمها مكتسبة من واقع الخبرة والتعلم، وإن احتوت على شق موروث"(18) باعتبار أن "الرؤية التي يكونها العمال عن أنفسهم وعن المجتمع، تُشَكِّلُ إطارا أساسيا لتبلور ثقافة محددة داخل المنشأة "(19).

 من خلال هذه النقاط التي تعتبر بمثابة خصائص بنائية لصياغة مفهوم لثقافة المؤسسة والتي يشار إليها على أنها "نسق من المعتقدات، القيم، المثل العليا المبادئ والأخلاق التي يشترك فيها أعضاء المؤسسة أو المنظمة الواحدة"(20)  كذلك يمكن التطرق إلى هذا المفهوم على أنه "الأنماط المكونات والممارسات التي تحدث أثناء العمل وقد تكون نتيجة للأفراد أنفسهم أو نتيجة للأنظمة، القوانين، الأعراف، والإجراءات التي يحددها المجتمع ذاته أو المنطقة نفسها"(21).

 وبالتالي إرساء لقواعد الثقافة المشتركة، هذه الأخيرة عبارة عن "نموذج من المعتقدات المشتركة، الاتجاهات، الافتراضات والقيم داخل التنظيم"(22)  باعتبار أن ثقافة المؤسسة تتجسد من خلال المجموع المتجانس للمواقف المشتركة لكل الأجراء في وضعية عمل هذا من جهة، ولكون المؤسسة الصناعية، عبارة عن تنظيم محلي يعكس الصراعات الموجودة في المجتمع بوصفه تنظيم كلي من جهة أخرى، بيد أن التحليل السوسيولوجي للتنظيم، لم يعد قادرا على تجاهل السياق، وبعبارة أخرى لا يمكن اختزال ثقافة المؤسسة إلى مجرد ثقافة تنظيمية.

 4- التناقـض القيـمي:

 تؤدي تناقضات القيم إلى مجموعة من المشاكل التنظيمية، التي يصعب في غالب الأحيان التعرف على أسبابها القيمية، لهذه المشاكل انعكاسات على العمل والفاعلين في التنظيم، يمكن تقسيمها إلى أربعة مراحل حسب درجة التناقض وقوة الانعكاسات، وهي تتدرج من سوء التكيف البسيط إلى سوء العلاقات البشرية ثم الصراع فالانسحاب، وأقوى رد فعل وأخطره، يتجلى في ظاهرة التخريب.

 أولا صعوبة التكيف: إن قوة التناقضات والاختلافات بين القيم داخل التنظيم، تؤدي الى صعوبة التكيف وعدم القدرة على تحمل ضغوط مختلف القيم المتعاكسة، فكلما زادت الاختلافات والتناقضات زادت صعوبة التكيف، وأدت إلى انعكاسات أوسع مدى وأكثر قوة.

 ثانيا فشل التكيف: وفي هذه المرحلة تبرز مظاهر الفشل في ثلاث صور: (23)

 أ- سوء العلاقات الإنسانية: هناك اختلاف في طبيعة القيم وتباين في درجات الثقافة والتكوين بين العمال أنفسهم، وبين العمال والمسؤولين حيث تغلب القيم التقليدية على ذهنيات العمال بينما تتغلب القيم الحديثة وتؤثر على سلوكات الإطارات، هذا الاختلاف والتناقض، قد يصل إلى درجة توتر العلاقات الإنسانية داخل التنظيم، باعتبار وجود ثقافتين كحد أدنى، والغلبة لمأطري  خاصيتي "الإجماع والشدة"(24) فالخاصية الأولى تشير إلى عنصر المشاركة لنفس القيم في المنظمة من قبل الأعضاء، أما الخاصية الثانية فترمز إلى قوة وشدة تمسك أعضاء المنظمة بهذه القيم.

 ب- انخفاض الرضى المهني: إن سوء العلاقات الإنسانية، يؤدي إلى انخفاض الرضى المهني لدى العمال، ونقص الحوافز والدوافع نحو الانجاز "مع صدارة اللامبالاة وانخفاض في الروح  المعنوية"(25).

 ج- الإجهاد الذهني والبدني: إن مشاكل العمل وانخفاض الرضى المهني مع تناقض القيم، يؤدي إلى التعب والإجهاد نتيجة الضغوط النفسية التي يتعرض لها العامل، وبالتالي غياب عنصر الالتزام "والشعور بعدم الانتماء إلى المنظمة"(26).

 ثالثا المواجهة: إن صعوبة العمل في التنظيم وعدم القدرة على مسايرة التغيير، باعتبار أن هذا الأخير "يمكن أن يكون في شكلين، فهو إما استجابي، أي استجابة لعوامل محيطية، اضطرت التنظيمات للاستجابة لها، وإما تنبئي، سابق للأحداث مستعدا لها، بهدف التأثير على مجرياتها"(27) يؤدي لا محالة إلى بروز آليات دفاعية، تتجسد في "الانسحاب، الصراع، التخريب"(28) .

 رابعا الصراع والانسحاب: هذا الأخير يتجسد وفق نمطين، إما ترك العمل نهائيا وبالتحديد في ظل توافر عوامل مساعدة لهذا الخيار من رخاء اقتصادي سانح للعاملين من إيجاد فرص عمل ضمن تنظيمات أخرى، وأحيانا يفضل العامل البطالة على التعرض لضغوط العمل في التنظيم وما يحتويه من تناقضات، أما الطرح الثاني المعبر للانسحاب، فيتمثل في البقاء في العمل مع التخلف، التغيب، التمارض، تجنب العمل وإنتاج أقل ما يمكن إنتاجه.

 أما الصراع فيتمثل في مواجهة المواقف بصورة أكثر عنفا، وتكون في صيغة صراعات عمالية وإضرابات واختلافات واضحة، حيث نادرا ما يتم تشخيص السبب القيمي للمشاكل من قبل المسؤولين، وفي ظل هذا الوضع المتفاقم ليصل إلى مرحلة التخريب، وهي خطوة ذات صبغة نهائية، تدفع العامل إلى تخريب آلته، لخلق مبرر مقبول للتوقف عن العمل ولو لمدة.

 درجـة الانضباط:

 يتميز العصر الحالي الذي نعيش فيه، بهيمنة التنظيمات وشمولها لكافة مناحي الحياة، ومن المعروف، أن لكل تنظيم هدف ورؤية، يسعى لتحقيقها، من خلال مجموعة من الأعمال، يقوم بها أفراد يملكون مؤهلات وقدرات معينة، ويبذلون جهدهم لتحقيق أهداف التنظيم، وبالمقابل يحصلون من خلال هذا التنظيم على عدة مقومات من شأنها إشباع بعض حاجاتهم، وعليه فالعلاقة بين العاملين والتنظيم، علاقة تكامل، فمصلحة التنظيم تقتضي الاحتفاظ بالعاملين الأكفاء الذين تم بذل المال والجهد في سبيل اختيارهم، تدريبهم وتوظيفهم وبالتالي ضمان التزامهم برسالة التنظيم ومن ثم انضباطهم وفق أطر ومحددات تم صياغتها في صيغة الرؤية العامة للتنظيم.

 أولا الضبط الذاتي:

 إن كل تنظيم اجتماعي يقوم من الناحية الوظيفية بواجبين أساسيين وهما:

 -الواجب الأول: العمل على إشباع الحاجات الأولية والدوافع، الميول والرغبات الأساسية مع القيام في نفس الوقت "بفرض لون من الضبط، الرقابة والسيطرة على الأفراد في تعبيرهم وتلبيتهم لتلك الدوافع، الميول والرغبات"(29) مثل الحاجة الأولية في الحصول على الغذاء والمأوى.

 -الواجب الثاني: وهو ضبط سلوك الأفراد والسيطرة عليهم، مع ضرورة تعديل مواقفهم إزاء ميولهم واتجاه معاملاتهم مع البعض الآخر.

 مما يساعد في تبني الطرحين السالفين الذكر وتفعيلها، انطواء البنية الاجتماعية على عمليات وأجهزة من شأنها ترويض الأفراد وتعويدهم على تقبّل ما يفرضه عليهم التنظيم الاجتماعي من ضوابط منذ نعومة أظافرهم، لتساهم بشكل فعلي في تكوين الانضباط الذاتي، الذي يعد السمة التي تقوم عليها حياة الفرد العملية معتمدا ومعتدا بذلك على مؤسسات للضبط الاجتماعي أهمها "الأسرة كهيئة ضابطة، المدرسة كنظام ضابط، المجتمع كفاعل ضابط والأجهزة العامة الرسمية والأهلية كسلطة ضابطة"(30)

 نستقرئ من خلال هذا الطرح إن الضبط الذاتي- هذا الأخير وليد الضبط الاجتماعي- يعتبر ضرورة لازمة وملازمة لاستقرار النظم والمؤسسات الاجتماعية، ولضمان استمراريتها، وديمومة فاعليتها "وفق نموذج وصورة تحفظ الشكل البنائي والهيكل الوظيفي للجماعة أو التنظيم " (31) هذه الضرورة تنبثق من طبيعة النسق الاجتماعية ، فلكل مجتمع نسق خاصة تتفق مع القيم السائدة فيه، والموروثات الثقافية المنقولة إليه، وكل جماعة مهما صغر أو كبر حجمها ترتضي بعض القواعد العامة الخاصة بها.

 إذن الانضباط الذاتي طرح قابل للاكتساب وفق عمليات سبق الإشارة إليها، أعلاه لكن ما الذي يجعل الأفراد غير قادرين على اكتسابه (الانضباط الذاتي) ومواجهة دواعي تدمير الانضباط الذاتي، هناك ثلاث عقبات نذكرها في النقاط التالية:

 -العقبة الأولى: انحراف مؤشر الهيئة الضابطة الأولى المتمثلة في الأسرة واتجاههم نحو التدليل غير المبرر للأفراد، فالمدللون في حياتهم ، غالبا لا يعرفون كيف يحرزون النجاح عبر العمل الجاد، لاتكالهم على الغير (الأبوين)في أدائه .

 -العقبة الثانية: وتتمثل في النزعة نحو الكمال، فإذا عجز المرء عن انجاز عمله بصورة مثالية ، فلن يعمله أبدا ، فالتفوق الباهر هو كل شيء ، وبالتالي إما كل شيء أو لا شيء البتة.

 -العقبة الثالثة: وتتجسد في الشعور بالنقص، إن الكثير من الأفراد ، لا يفرقون أو يميزن بين الشعور بالنقص وكونه ناقصا، لأنه في حقيقة الأمر ليس هناك شخص ناقص، وإنما هناك فقط فرد أدنى وأقل من الآخرين في مهارة معينة.

 ثانيا : استراتيجة الالتزام الوظيفي:

 لقد درج تناول الانضباط أو الالتزام في بيئة العمل، تظمينه لعدة مجالات مثل : الالتزام نحو العمل، الانضباط نحو الواجبات والمهام الداخلية للعمل، الالتزام نحو المنظمة والالتزام نحو جماعة العمل وغيرها، لكنها بالضرورة وكطرح عملي، هذه المتغيرات ذوات قواسم مشتركة، لا تخرج عن أطر تم تحديدها " في التوافق بين قيم الفرد وقيم العمل للتنظيم، رغبة الفرد في البقاء في التنظيم، الفرد يعمل من أجل تحقيق أهدافه وأهداف التنظيم"(32) ولتحقيق هذا التقارب ، يتم ذلك وفق:

 أ‌-  الرؤية النظرية: أو الفكرية، والتي تنظر إلى الالتزام المهني على أساس أنه وجهة نظر تعكس طبيعة جودة العلاقة بين العامل والتنظيم، وحسب هذه الرؤية ، فإن الفرد ذو الانضباط الوظيفي المرتفع والعالي، هو الذي لديه إيمان عميق بقيم وأهداف التنظيم الذي ينطوي تحت لوائه وعلى أتم الاستعداد لبذل الجهد الكبير في سبيل هذا التنظيم، كما لديه الرغبة الصادقة في البقاء فيه .

 ب-الرؤية السلوكية: التي ترتكز بشكل رئيسي ومحوري على العملية التي يستخدمها الفرد في ايجاد ، استخراج وبلورة شعور بالارتباط ليس بالتنظيم ولكن لتصرفاته الخاصة، وتنص هذه الرؤية على كون الفرد يحاول الحفاظ على كل شيء ذي قيمة له، قد يخسره نتيجة تركه للتنظيم مثل النقود ، هذا النمط من الرؤية تجسيد لفكرة تايلور"حيث أثرت آراؤه حول العمل على ممارسة الإدارة وعلى السياسات في حركة العمال الأمريكيين"(33)، فقد تشكلت هذه الإستراتجية كاستجابة لتقسيم العمل إلى أعمال ومهن صغيرة.

 إن مستوى أداء الفرد ضمن هذه الرؤية يرتبط ارتباطا طرديا والحافز المادي المتاح والمقدم من قبل التنظيم ، أي أن الإنتاج يزيد، كلما زادت السيطرة ، أما الرؤية الأولى (الرؤية النظرية) الإنتاج يزداد كلما زاد الانتماء، هذا الأخير يتعدى الطرح المادي فحسب، وقد بدأ عدد كبير من المنظمات بإزالة مستويات المركزية والهرمية، وربط الجودة بنشاطات الإنتاج وبمستويات تنظيمية أقل، تشجع المشاركة وتتسم بمزيد من المرونة في ظل تبني استراتيجيه واضحة المعالم للانضباط، تكون توقعات ارتفاع الأداء عالية، وهذا يؤدي إلى إنجاز الأهداف وإلى التطوير المستمر للتنظيم.

 1- مراحل الالتزام:

 إن الالتزام الوظيفي الذي يتضمن معنى ارتباط الفرد السيكولوجي مع منظمتة وولائه وإيمانه بقيمها مع إحساسه باندماجه في عمله، يترسخ لدى الفرد عبر مراحل يمر بها في تنظيمه وهي:

 ×  مرحلة الطاعة وتعني قبول الفرد العامل الإذعان للآخرين و"السماح بتأثيرهم عليه بغية الحصول على أجر مادي ومعنوي"(34) وغالبا ما تتجسد هذه المرحلة ما بعد التعيين (التوظيف) مباشرة ،مدتها حوالي عام واحد،يكون الفرد خلالها خاضعا للإعداد، التدريب والاختبار ويكون توجهه الرئيسي خلال هذه الفترة، الحصول على القبول والأمن من قبل المنظمة وأيضا  محاولة التعايش والتأقلم مع البيئة التنظيمية الجديدة.

 ×  مرحلة الإندماج مع الذات وتعني قبول الفرد العامل تأثير الآخرين من أجل تحقيق الرضى الدائم له في العمل، وتحقيق الانسجام مع الذات، مع الشعور بالفخر والكبرياء لكونه ينتمي للمنظمة ، مدة هذه  المرحلة حوالي 4 سنوات حيث يسعى الفرد من خلالها لتأكيد مفهوم الإنجاز لديه ، حيث تتميز هذه المرحلة  بالخبرات التالية:"الأهمية الشخصية، الخوف من العجز وظهور قيم الالتزام للتنظيم والعمل"(35)

 ×  مرحلة الهوية: وهي المرحلة التي تشير إلى اكتشاف الفرد أن المنظمة جزء منه وهو جزء منها، وأن قيمها تتناغم مع قيمه الشخصية، حيث تبدأ هذه المرحلة حوالي السنة الخامسة منذ بدء التحاق الفرد بالتنظيم وتمتد إلى ما بعد ذلك، حيث تتعزز لدى الفرد العامل اتجاهات الالتزام الوظيفي التي تكونت في المراحل السابقة نحو التنظيم، حيث تنتقل من مرحلة التكوَّن إلى مرحلة النضج.

 2.   معوقات الالتزام الوظيفي: من أهم العوامل المؤثرة في تطوير الالتزام الوظيفي نذكر:

 ‌أ.  عوامل شخصية: وهي عوامل ذات العلاقة بالفرد العامل نفسه مثل: "شخصية  الفرد العامل وقدرته على تحمل المسؤولية، توقعات الفرد للوظيفة أو ارتباطه النفسي بالعمل"(36) أو التنظيم الذي يود الالتحاق به، أو عوامل تتعلق باختياره العمل.

 ‌ب.  عوامل تنظيمية: وهي العوامل التي تتعلق بالخبرة العملية، أو نطاق العمل نفسه كالتحدي، التغذية الراجعة والاستقلالية، كذلك تشمل تمسك أعضاء جماعة العمل بأهداف التنظيم ومشاركة العاملين في اتخاذ القرارات، دون أن ننسى فاعل محوري يتجلى في الإشراف المباشر وغير المباشر، "وتبني فكرة المسؤول القدوة"(37) فالفرد العامل يتأثر سلبا وايجابيا بمن يتخذه قدوة له، ولا تنعكس سلوكياته في المجتمع الذي يعيش فيه إلا من خلال ما يكتسبه من القدوة التي يتأثر بها ويؤثر في غيره عن طريقها.

 ‌ج.عوامل غير تنظيمية: وهي عوامل ترتكز في الغالب على مدى توافر فرص عمل بديلة للفرد العامل بعد اختياره لقراره الأول في الالتحاق بالمنظمة، حيث يكون مستوى الالتزام لدى العاملين مرتفعا عندما يكون الأجر المتوافر ضمن الفرص البديلة أقل مما يحصل عليه ضمن نطاق  منظمته، مما يولد لدى الفرد العامل تبريرا لاختياره الأول، أو حين يرى أن اختياره مطلق نسبيا في ظل عدم توفر فرص لاحقة بديلة لتغيير قراره الأول.

 كذلك يمكن تبني عنصر تأثير الأجواء العامة، فحينما يعيش الفرد ضمن  إطار مجتمع سليم يخضع للنظام والقانون وتسوده حالة وهالة الانضباط، فإنه في الغالب ما يتطبع ويتربى على ذلك ويتفاعل مع هذه الاتجاه السائد، بينما إذا أحاطت به أجواء متسيبة، فسينجرف معها، حيث نسمع كثيرا عن أفراد يبدأون مسيرة عملهم بالتزام  وانضباط في المؤسسات أو القطاعات التي يلتحقون بها، ثم ما يلبثون أن يطلقوا تلك الحالة الايجابية ويصبحون جزءا من الوضع المنحرف "والسبب في ذلك هو تأثرهم وتكيفهم مع المحيط العام"(38).

 ثالثا الانضباط بين الأسلوب المنفتح ونمط الإدارة المتسلطة:

 إن الانضباط كطرح عام خاضع لمحددات موضوعية تتصف بخاصتي الأنا والنحن ومدى مساهمتهما في صياغة  وبلورة انضباط عملي وفق معطى تنظيمي كتناول خاص، خاضع للعلاقة بين المسؤول والعمال، فهذه العلاقة في ظل المجتمعات الحديثة، رسمية حيث يعرف في كل جانب وفاعل في هذه العلاقة واجباته، صلاحياته وطرق تصرفه ضمن مختلف المواقف، حيث يقوم العمال بواجباتهم المأجورين عليها، دون اعتبار للعلاقات غير الرسمية التي تربطهم بمسيريهم، فالحياة الخاصة للمسيرين لا تؤثر كثيرا على علاقاتهم بالمستخدَمين في مواقع العمل بينما تتأثر العلاقات بين المسيرين والعمال في الدول النامية بالثقافة المحلية والقيم التقليدية، دون اعتبار للقدرات المهنية، فالعلاقات الأسرية والقبلية هي التي تحدد علاقات  الأفراد ضمن مواقع العمل.

 ‌أ.        أساليب التسيير بين الطرح المحلي والتناول الغربي:

 ورثت الجزائر بعد استقلالها نمطا غربيا في تسيير التنظيمات، "ثم تحولت إلى تطبيق ما يسمى التسيير الاشتراكي"(39) ثم عادت أخيرا إلى التفتح على العالم من خلال  اقتصاد السوق في حين بقيت قيم واتجاهات المسيرين والعمال على حالها ولم تساير التغير في أسلوب ونمط التسيير، حيث في الغالب يمكن التمييز بين أسلوبين للتسيير، حيث تختلف استجابات العمال لها تبعا لتمايزهما.

 -  أسلوب الإدارة المفتوحة: تتجلى في شخص المسؤول القائم على بناء علاقات متفتحة مع العمال، احترام النصوص القانونية، وما تتطلبه من إجراءات ولجان لصنع القرارات، فلا يتخذ قراران دون العودة إلى ممثلي العمال ونقابتهم، ومكتبه مفتوح لكل العمال الذين يرغبون الاتصال به دون حواجز ولا إجراءات، "أما النتيجة فكانت أن العمال يحتقرونه ويعتبرونه مديرا ضعيفا، كما أن غالبية رؤساء العمال كانوا يتجاوزون صلاحياتهم ولا يحترمون سلطة المدير"(40).

 -  أسلوب الإدارة المتسلطة: كان مدير وحدة الإنتاج قبل ترقيته رئيسا للإنتاج، عادة ما يتجاهل النصوص القانونية والإجراءات المصاحبة لها، بدعوى كونه المسؤول الأول عن كل الوحدة الإنتاجية، ويرى أنه يقوم باتخاذ القرارات المناسبة وكانت زيارتهم له، تتطلب المرور برؤساء مختلف المصالح، أي احترام السلم الإداري حيث كانت استجابات العمال "تتمحور حول خوفهم من المدير، بل احترامه"(41).

 تنتج من خلال قراءة  هذين النمطين في التسيير بضلوع الثقافة والقيم السائدة في المجتمع وتشكيلها لاتجاهات الأفراد نحو العمل والتنظيم، فالأساليب المفتوحة في التسيير من وجهة النظر الغربية، تساعد على تحسين العلاقات، تسهيل الاتصالات، تخفيض الصراعات ورفع مستوى الشعور بالانتماء  إلى التنظيم والافتخار بالعمل لصالحه، بينما أدى الأسلوب المفتوح، كما لاحظنا بالنسبة للمؤسسة الجزائرية إلى آثار معاكسة للتوقعات، أما النموذج التسلطي الذي يؤدي إلى الصراع، انخفاض الرضى المهني وزيادة الإشكالات ضمن نطاق التنظيم كطرح غربي، هذا الأسلوب في التسيير والانضباط الذي يصاحبه، كانا مقبولين من طرف العمال بأحد التنظيمات كتناول محلي خاص.

 إن التنظيمات الإنتاجية في المحيط الثقافي الخاص بالدول النامية كثيرة الشبه بالأسرة، حيث أن الأب يتصرف كقائد ومسؤول عن البيت، هو رب الأسرة ، حينما تكون شخصية الأب ضعيفة تصبح الزوجة والأبناء يتمتعون بقدر أكبر من المسؤولية، وهذا ما يؤدي إلى ضياع الهيبة والاحترام للأب داخل الأسرة، فالقيادة التسلطية كانت ناجحة في الميدان السياسي أيضا شريطة اتصافها بمعايير الوطنية، العدالة والإخلاص.

 رابعا المحيط الثقافي للتنظيم:

 إن المسيرين في الدول الناميين لا يحاسبون على قدراتهم المهنية ومهاراتهم فقط، بل يحاسبون أيضا على نمط سلوكهم وتصرفهم خارج العمل، ففي ظل إطار محيط محافظ لا يوجد فرق بين سلوك المدير داخل وخارج العمل، فالمجتمع يلاحظ ويحكم على المسيرين وما يمكن اعتباره  شخصيا وخاصا في ظل مجتمعات لها تقاليد صناعية، يصبح حديث العامة والخاصة في ظل مجتمعات لم تكتسب بعد هذه التقاليد، وهي مجتمعات تعبر عن بنيات اجتماعية قبل صناعية، تتجسد في المجتمعات الفلاحية أو الزراعية.

 إن الفلاحين الذين هجروا حقولهم للالتحاق بالتنظيمات الصناعية "أتوا بقيمهم الثقافية وأنماطهم في إدراك علاقاتهم بالآخرين"(42) بيد أن للمناسبات العائلية والظروف الأسرية أولوية على الشغل، حيث يتغيب العامل دون إنذار مسبق لمصاحبة زوجته أو أحد أفراد أسرته لزيارة الطبيب أو لزيارة الوالدين أو الأقارب المرضى، كما أن سقوط المطر في موسم الحرث أو نضج الحبوب في فصل الصيف، أسباب كافية للتغيب عن العمل والانصراف إلى الحرث أو الحصاد، سواء عن طريق الاستفادة بالعطلة القانونية، عطلة مرضية أو بعطلة غير مدفوعة الأجر.

 هناك أيضا كثير من التغيبات أيام السوق الأسبوعية، وخاصة في المدن الصغرى، وهكذا تكون هذه الأسباب كافية أيضا بالنسبة لكثير من العمال كأعذار للتغيب عن العمل، وبالتالي المسير الناجح، يحاول استثمار هذا المعطى الثقافي المحيط بالتنظيم، ويتعامل مع العمال كأنهم أقارب له يسألهم عن أوضاعهم وذلك قبل التحدث عن العمل باعتبار"أن المشاكل لا تعالج بطريقة رسمية، بل يتم معالجتها في سياق اجتماعي وثقافي"(43) وبالتالي يخضع لمجموعة من المبادئ صيغت على النحو التالي:

 -  العلاقات الشخصية الدافئة، باعتبار أنه على المسير الاعتماد على العلاقات الشخصية في معاملاته وبالتالي بناء نسيج من العلاقات يتسم بالثقة والاحترام.

 -     مرونة التعامل والتعاطي مع العمال، على المسير أن يكون مرنا في معاملاته وأن يتجنب التصلب أو التساهل المفرط في مواقفه.

 -     الالتزام بالسلوك الثقافي المقبول في المجتمع، باعتباره أن حسن الأخلاق والمعاملات داخل و خارج العمل يكسب المسير ثقة العمال واحترامهم.

 إن هذه المبادئ تساعد المسيرين بالمجتمعات التي تسودها الثقافة العربية الإسلامية على كسب ثقة العمال والحصول على احترامهم ومساعدتهم على تحديد أهداف التنظيم، عن طريق انضباطهم، إذ أنه لو تم استثمار فعلي للقيم الإسلامية وتفعيلها ضمن الإطار التنظيمي المؤسساتي لأحدثت طفرة على سلوك الأفراد العاملين، باعتبار أن اتخاذ القيم الإسلامية كمبدأ أساسي وفاعل لتنظيم العمل وتسييره، كفيل بالرفع من مستوى انضباط العمال وبالتالي رفع فعالية التنظيمات إذ أن العامل المسلم يجتهد في عمله أكثر، إذا كان الدافع هو طاعة الله تعالى والخوف من عقابه مما لو كان الدافع هو الخوف من المشرف من أجل علاوات مادية"(44) إذ أن  العقيدة الإسلامية التي تدفع المسلم للجهاد والاستشهاد في سبيل الله، قادرة على دفع الفرد للعمل والانضباط والإخلاص فيه.

 خاتمــــة:

 إن اختلاف العوامل المؤثرة في تحديد النسق القيمي للفرد، تتباين بتباين المجتمعات وحتى الأفراد فهي وليدة عملية تفاعل نشط من تناقض، صراع، انسجام بين القيم والمعايير الثقافية داخل التنظيمات.

 فالمطلوب إذن خلق منظومة قيمية، تنسق وطبيعة المجتمع، غير أن الملاحظ، أننا لا نفتقر إلى وجود هذا النوع من القيم، وإنما نفتقد لرؤية توظيفية لها بدليل انتماء هذه الأطر القيمية  إلى المنظومة القيمية الإسلامية، حيث تشكل هذه الأخيرة مجالا خصبا ومخزونا جد ثري في المجال التنظيمي، حرمت المؤسسة الجزائرية من الاستفادة من توظيفه.

 قائمة المراجع:

 01-  بوظريفة حمو. "أهمية العادات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية"، الثقافة والتسيير، أعمال الملتقى الدولي المنعقد بالجزائر 28-30/11/1992، إعداد عبد الحفيظ مقدم، تقديم عمر صخري، الجزائر: جامعة الجزائر، 1992، ص 75.

 02-  بشير محمد. الثقافة والتسيير في الجزائر، بحث  في تفاعل الثقافة التقليدية والثقافة الصناعية، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2007، ص 78.

 03-   بشير محمد.  نفس مرجع ، ص 79.

 04-   عبد الناصر محمد علي حمودة. إدارة التنوع الثقافي في الموارد البشرية، مصر: القاهرة، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2005، ص 161.

 05-   محمد أحمد بيومي. القيم وموجهات السلوك الاجتماعي، مصر: الإسكندرية، دار المعارف الجامعية 2006، ص 78.

 06-   محمد أحمد بيومي. نفس المرجع، ص 80.

 07-  محمد عاطف غيث. علم الاجتماع الحضري، مدخل نظري، مصر: الإسكندرية،دار المعا رف الجامعية، 1988،ص61.

 08-  تهاني حسن عبد الحميد الكيان. الثقافة والثقافات الفرعية، تقديم أحمد مصطفى أبو زيد، مصر: دار المعارف الجامعية، 1997، ص92.

 09-   سعد بشاينية. "التصادم الثقافي في العمل الصناعي"، مجلة العلوم الإنسانية، الجزائر: مطبعة دار الهدى، منشورات جامعة منتوري قسنطينة، عدد 11، 1999، ص 14.

 10-  محمد السويدي. مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ومصطلحاته، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، تونس: الدار التونسية للنشر، ص 83.

 11-   بشير محمد. مرجع سابق، ص 126.

 12- محمد السويدي. مرجع سابق، ص 87.

 13-    بشير محمد. مرجع سابق، ص 6.

 14-   ديفيد بيكمان، رامو جوبال أجاراوالا، سفن يبرميستر، إسماعيل سراج الدين. التنمية والقيم مناقشا ت حرة لنخبة من خبراء البنك الدولي، ترجمة محسن يوسف، مصر: القاهرة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 2006، ص 122.

 15- جمال محمد شنب. السلوك الاجتماعي، مصر: الإسكندرية، دار المعارف الجامعية، 2002، ص 323.

 16- قاسم المقداد. "مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية "،www.awu-dam.org ، منشورات اتحد الكتاب العرب، دمشق، 2002، ص3.

 17- هنادي المباركي." الثقافة"  www.Culture-science.net، ص 1.

 18- عبد الغفار حنفي، عبد السلام أبو قحف، محمد بلال. محاضرات في السلوك التنظيمي، مصر: مكتبة ومطبعة الإشعاع الفنية، ط1، 2002، ص 264.

 19- العياشي عنصر. " تمثلات التمايز الاجتماعي لدى عمال الصناعة في الجزائر" ثقافات المؤسسة، جمال غريد، الجزائر: وهران مركز البحث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافية، 1997، ص 7.

 20- محمد أكرم العدلوني. العمل المؤسسي، لبنان: بيروت، دارابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2002،  ص 44.

 21-   حسين   عبد الحميد، أحمد رشوان. الثقافة دراسة في علم الاجتماع الثقافي، مصر: الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، 2006، ص89.

 22- "الثقافة المشتركة"، مركز التمييز للمنظمات غير الحكومية www.ngoce.org، عدد 18، 06/12/2006          ص 1.

 23-  بوفلجة غيات. القيم الثقافية والتسيير، الجزائر: دار الغرب للطباعة ، ص 51.

 24- رفعت عبد الحليم الفاعوري. إدارة الإبداع التنظيمي، الأردن: المنظمة العربية للتنمية الإدارية، بحوث ودراسات، 2005 ، ص 158.

 25- حسين حريم. السلوك التنظيمي سلوك الأفراد والجماعات في منظمات العمال، الأردن: عمان، دار الحامد للنشر والتوزيع، 2004، ص229.

 26- جيرالد جرينبرج، روبرت بارون. إدارة السلوك في المنظمات، تعريب ومراجعة رفاعي محمد رفاعي، إسماعيل علي بسيوني، السعودية: الرياض، دار المريخ للنشر، 2004، ص 630.

 27- محمد أحمد الزغبي. التغير الاجتماعي بين علم الاجتماع البرجوازي وعلم الاجتماع الاشتراكي، مصر: سلسلة السياسة والمجتمع، ط3، ص 39.

 28-  إقبال سعد الصالح. " ثقافة المنظمة" www.culture of organisation .org، ص 16.

 29-  إبراهيم ناصر.  علم الاجتماع التربوي، الأردن: عمان، مكتبة الرائد العلمية، لبنان: بيروت، دار الجيل، ص 160.

30- صلاح الدين شروخ. علم الاجتماع التربوي، الجزائر: عنابة، دار العلوم للنشر والتوزيع، 2004، ص 107.

31- إبراهيم ناصر . مرجع سابق ، ص 159.

32- محمد حسن محمد حمادات. قيم العمل والالتزام الوظيفي لدى المديرين والمعلمين في المدارس، الأردن: عمان، دار الحامد للنشر والتوزيع، 2006، ص64.

 33-  جان فرنسوا شانلا. العلوم الاجتماعية وإدارة الأعمال دعوة من أجل اعتماد أنثروبولوجيا شاملة، ترجمة محمد هناد، الجزائر: دار القصبة للنشر، 2004،ص51.

34- محمد حسن محمد حمادات. مرجع سابق، ص69.

35-  محمد حسن محمد حمادات ، مرجع سابق، ص70.

36-  محمد حسن محمد حمادات.  نفس مرجع ، ص 71.

37- إبراهيم فهد الغفيلي. "العلاقة والتأثير بين قيم الفرد والمنظمات في بناء أخلاقيات المهنة من منظور الفكر المعاصر الإسلامي"، مرجع سابق، ص09.

38- حسن الصفار. "إتقان العمل"،www.meaning of work.org،جويلية 2000، ص4.

39-  حسن عمر. موسوعة المصطلحات الاقتصادية، مصر: القاهرة، مكتبة القاهرة الجديدة، 1976، ص51.

40-نتيجة بحث قام به بوفلجة غيات في إطار بحث عن تقييم الفعالية التنظيمية، تم إجراء البحث في 07 وحدات إنتاجية لصناعة الأقمشة بالغرب الجزائري، لمزيد من المعلومات أنظر: بوفلجة غيات. القيم الثقافية والتسيير، الجزائر: دار الغرب للطباعة، ص62.

41-  بوفلجة غيات. نفس المرجع، ص65

42- بوفلجة غيات. مرجع سابق، ص 68

43-  بوفلجة غيات. مرجع سابق، ص 66

44-  بوفلجة غيات.  مرجع سابق، ص79