"لغة"الوشم في الوسط العقابيpdf

 أ/امزيان ونـاس

 جامعةالحاج لخضر  باتنة  - الجزائر

Résumé: 

     le tatouage est un dessin réalisé a l’aide des aiguilles en insérant des produits chimiques dans la peau tel que l'encre de Chine ou de la cendre naturelle et de la poudre de la brique et de  tuile ; L’utilisation du tatouage dans le milieu carcérale revient à l'administration pénitentiaire, qu'elle a utilisée pour identifier les prisonniers, et avec le temps il est devenu comme moyen de communication entre les devenus malgré la lutte de  l'administration actuelle.

     Le tatouage est une expression complexe de la communication non verbale, il joue dans de nombreuses situations prisonnières  le rôle de la langue parlée par tous ses privilèges ; il n'est pas uniquement des dessins et des symboles, mais c’est  un langage compréhensible entre la plupart des prisonniers et quelques gardiens de prison et policiers.

 

1- مقدمة:

         إن استعمال الوشم Tatouage في الوسط العقابي لم يكن يوما من ابتكار المساجين، بل نجد أن الإدارة هي من أدخلت الوشم إلى السجون، فخلال الحرب العالمية الثانية كان السجناء يوضعون في محتشدات الاعتقال ولكي تميز الإدارة بين السجناء خصوصا الذين سوف يتم إعدامهم كانت تستعمل علامات معينة بالحبر على ملابسهم ويتم التخلص من ملابسهم عند إعدامهم، لكن ذلك الحبر يتم إزالته في بعض الأحيان مما جعل سلطات المعتقلات تعتمد طريقة وضع الأوشمة على الأبدان، حيث يقوم الواشم Le Tatoueurبثقب الرقم التسلسلي لكل مسجون على الجزء العلوي الأيسر من كتفه ويتم حكالجرح الذي ينزف بالحبر لتحديد  الأشخاص خلال  حياتهم  وعندما  يموتون مهما كانت  طريقة  وفاتهـم (1)وبعد الحرب العالمية أستعمل الوشم  بصفة رسميا من طرف الإدارة العقابية على يد  ألفونس بيرتون حيث كان يضع وشما معينا على جسم كل مسجون  في كل مرة يدخل فيها إلى السجن  لكي يسهل  التعرف على  معتادي الإجرام ومرتادي السجون حتى خارج السجن، وفي الجزائر تقوم إدارة السجون بمحاربة الوشم باعتباره تشويه للجسد وتسارع إدارة كل سجن إلى تقييد كل الوشمات القديمة(العدد والأنواع) عند دخول أي موشم LeTatoué إلىالسجن وكذلك تلك التي يكون قد أضافها خلال تواجده بالسجن في سجل الحبس للتعرف على هوية كل موشم في حالات شتى مثل الفرار ووقوع الالتباسات، (2) ولكي يتوافق ما هو مدون  بالسجل مع ما هو مرسوم على الجسم، كما تحذرهم الإدارة من الوشم وتصادر الأدوات المستعلة من طرف المساجين في عملية الوخز وتعاقب كل من الواشم  والموشم،و نأخذ مثالا  من مؤسسة إعادة التأهيل تازولت سنة 1995 إذ كانت  تحتوي على 567 موشوما، وقد وصل عدد المساجين  الذين  وشموا في السجن 20 مسجون وهذا العدد  يدل على التراجع عن الإقبال على الوشم من ناحية ومن ناحية أخرى  يمثل  يقظة  الإدارة  الدائمة  التي تحارب الظاهرة، ومع الوقت تحول الوشم في مجتمع السجن إلى نشاط خطير خصوصا أنه تجمع غير عفوي  لفئة واسعة من مختلف أنواع  المنحرفين وطبيعي أن يكون بين هؤلاء كثيرا من الواشمين  والموشومين، وأصبح الوشم  رمزا  للانحراف ويمثل حكما نهائيا على أن حامله لا يرجى منه الخير بل هو مرشح بأن  ينغمس أكثر في وحل الآفات التي  ينبذها  المجتمع  بكل  تعاليمه.(3)

2- تعريف السجن:

       السجن هو المكان الذي يؤدي فيه المذنب عقوبة الحبس لمدة معينة، وهو مؤسسة لها هدف عقابي ولها أنظمة وتحكمها قوانين، يقوم على إدارتها أفراد إختصاصيون وهي معدة خصيصا لاستقبال المحكوم عليهم بعقوبات مقيدة للحرية وسالبة لها، حيث يحرم المحكوم عليهم من الخروج أو متابعة الحياة بشكل عادي وفي أجواء طليقة، والحيلولة دون ممارسة أي نشاط ، كما يعرف النظام القانوني الجزائري السجن أو المؤسسة العقابية على أنها "هي مكان للحبس تنفذ فيه وفقا للقانون العقوبات السالبة للحرية، والأوامر الصادرة عن الجهات القضائية، والإكراه البدني عند الاقتضاء.(4)

3- تعريف السجين:

        حسب القانون السجين هو كل شخص تم إيداعه بمؤسسة عقابية تنفيذا لأمر أو حكم أو قرار قضائي ويصنف المساجين إلى ثلاثة أصناف و هم: المساجين المحبوسين بصفة مؤقتة و هم الذين لم يصدر بشأنهم أمر أو حكم أو قرار قضائي نهائي، و المساجين المحكوم عليهم، و هم الأشخاص الذين صدر في حقهم حكم أو قرار قضائي أصبح نهائيا وأخيرا المساجين المحبوسين تنفيذا للإكراه البدني(5) contraignable par corps وعموما تشير كلمة السجين إلى جميع الأفراد الذين سلبت حريتهم سواء كانوا من المتهمين أو ممن ثبت ارتكابهم عملا إجراميا،(6) وهم أشخاص قاموا بخرق القانون وبالتالي يشكلون خطرا على المجتمع الذي تلزم حمايته من شرورهم من جهة وردعهم بعقوبة الحبس وحرمانهم من الحرية من جهة أخرى(7) فلا يملكون  أدنى إمكانية لاختيار نمط حياتهم بل يعيشون تحت إشراط  الحراس بالكامل، ويعانون من معوقات وحواجز الاتصال والتبادل الاجتماعي مع الخارج والداخل  وتسحق فيهم الرغبات الفردية ويفتقدون معنى الشخصية والملكية تصبح لا معنى لها مثلها مثل الوقت، يتخلون تدريجيا عن ثقافتهم الخاصة في حين يتعرضون إلى نوع من الانصهار الثقافي فيفتقدهم تدريجيا خصوصياتهم.

4- تعريف الوشم:

          لغة يقال وشم الجلد، يشمه وشما، أوشم فلان أي عابه وسبه، والوشيمة من الشر والعداوة، وهو(8)  عبارة عن رسومات تنقش على الجسم وذلك بغرز الإبر في البدن لإحداث ثقوب في طبقات الجلد، حيث يتم في البداية اختيار نموذج  الوشم ، ثم طبع هذا النموذج على المكان المختار لوضع الوشم ، على أن يكون ملائما للمساحة المخصصة له، ثم بعدها يأتي دور الإبرة المتصلة بقلم دوار تقوم  بعد ذلك بإدخال المواد الصبغية الملونة إليه، وهي مواد كيماوية أو طبيعية وأقدمها استعمالاالرماد ومسحوق الآجر والقرميد، وذلك في الطبقة السفلية للجلد بدقة لنحصل في النهاية على الوشم المطلوب وفق النموذج المختار، غالبا ما يقوم بهذا العمل واشمين محترفين ، لكن تبقى المشكلة في الأدوات المستعملة،(9) عند حصول النزيف تذر عليه مختلف المواد إن لم تدخل مباشرة بالإبرة إلى طبقات الجلد وبعد شفاء الجروح تصبح جزءا دائما من مكونات خلاياالبشرة التي تكتسب ألوانا ثابتة تبقى مدى العمر يصعب إزالتها إلا بإحداث جروح على موقع الوشم بالنار أو بالعملية الجراحية أو باستخدام الليزر،(10)  غالبا ما يقوم بهذا العمل واشمين محترفين، وإن تعذر الأمر يتولى الهواة عملية الوخز التي تتطلب دقة متناهية وتستغرق من ساعة إلى ساعتين تقريبا حسب مهارة الواشم، يتم في البداية اختيار نموذج الوشم، وتحديد مكان الوشم في الجسم بقلم دوار، ثم طبع ذلك النموذج على المكان المختار لوضع الوشم، على أن يكون ملائما للمساحة المخصصة له وبعد الانتهاء من الوخز يحصل الموشم في النهاية على الوشم المطلوب وفق النموذج المختار، هناك أنواع عديدة من الوشم منها الوشم الرمزي symbolique الذي ينقش بمناسبة معينة بالنسبة لصاحبه مثل وفاة شخص عزيز أو نجاح شخصي باهر، ومنها كذلك وشم الزينة  décoratif  و هو وسيلة يزين بها الموشم نفسه ويفتن بها لكي يجذب الآخرين اليه، وهناك الوشم بغرض العلاج curatif وهو ممارسة قديمة بغرض إزالة بعض آلام الرأس والالتهابات وغيرها، وهناك الوشم الدال على الانحراف والخروج عن المعايير الاجتماعية وهو ما يهمنا في هذه الدراسة هو الوشم الذي يحمل دلالات significations  شخصية واجتماعية معينة تفصح في أغلبها على اتجاه سلبي مضاد للمجتمع.(11)

5- طقوس ممارسة الوشم:

        تزيين الجسد لدى المساجين ممارسة مرغوبة جدا وتجري طقوسية خاصة، حيث يتم في السرية بعيدا عن أعين الحراس الذين يمنعون استخدام الإبر التي يسربها أهالي وأصدقاء المساجين خفية إلى السجن تماما كما يفعلون مع المخدرات، ولا يتم الإبلاغ عنها من طرف المساجين(12)  ويضعونها مع أدوات ولوازم الوشم في أماكن يصعب على الحراس اكتشافها عند التفتيش، وتجري عملية الوشم غالبا بصفة جماعية حيث يتم إغناء هوية مولوعة بالتقليد ببصمات هوية أخرى ناجحة في نظر الأولى وهي مصاحبة في غالب الأحيان بتعاطي المخدرات وممارسة الجنس،(13) عندما يكون الشخص على موعد مع الوشم، يعيش حالة وجدانية غريبة، فبالنسبة للواشم لا يمكنه أن يرسم في أي وقت بل حين يكون منفعلا وكأنه على موعد مع الإبداع خصوصا إذا كان محترفا وطال عليه الموعد مع هوايته المفضلة فإنه يشعر كأنما شيء ينقصه ويتطور ذلك إلى انفعال وتوتر لا يشعر بالراحة منه إلا بعدما يجد ضالته ويقوم بنقش وشمة معينة لأحد المساجين وبعد الانجاز يشعر بللراحة والطمأنينة، أما الموشم فيشعر قبيل الوشم بحنين لشيء ما لمكان ما لشخص ما شيء ما ينقصه يبحث عنه حتى يجده إنه انتظار بكل بشغف وقت بروز الوشم فوق الجسد، يأخذ الموشوم كأنه مستلقيا على  كرسي مسندا رأسه إلى فراش وثير ويكون قد نزع ثيابه وترك نصف جسمه عاريا، وعادة يضع نظارات على عينيه لكي يتمكن من التركيز ويبدأ في الخيالات والهوامات والأفكار الوردية التي تكون مصاحبة للرسم والنقش على الجلد لأجل الابتعاد عن الواقع والتركيز من أجل التقليل من الألم  وقد يستعين في ذلك بالمشروبات الروحية أو المخدرات، وقد يستمتع بالوخز وبالألم وكأنه في حوار صامت ولكنه ساخن مع جسده الذي سيكون بعد الوشم نائبا عنه في مخاطبة الآخرين،ويستحضر الرموز والمعاني التي من أجلها نقش الوشم ومن أراد أن يفهم تلك الرموز لا بد له أن يتوحد معها ويقترب من صاحبها(41) وإذا لم يسبق له أن نقش على جسمه وشما ويخاف الدق أو الضرب بالإبرة فإنه يشد يد أحد المساجين ويزيد في الشد كلما اشتد عليه الألم، غير أن الحالة الوجدانية والحالة العقلية التي يكون عليها الموشم عادة تلعب دورا مناهضا للألم فقد تقلل من الإحساس به أو قد تلغيه نهائيا أو تجعله محببا ومصحوبا بالسرور وهنا بالطبع يكتسي الألم معنى خاصا بالموشم(15) ويحاول الواشم في كل مرة ومع كل راضخ جديد أن يتحرر من مخلفات العمل الذي سبقه، فرغم أنه يكرر عادة مجموعة من الصور يقوم بنقشها على أجساد الشباب عموما ولكن تناولها يختلف من شخص لآخر تبعا لمعطيات عدة منها خبرته المتراكمة والموضع الذي سوف ينقش عليه الرسم وكذا علاقته النفسية والمعنوية بالماثل بين يديه حيث يجري حوار الأجساد لذلك قد يتفنن الواخز في وخزه ويتلذذ بذلك وقد يتبادل اللذة مع الراضخ بين يديه.(16)

6- لغة الوشم:

         إن التخاطب بالوشم يعتبر عملية معقدة من الاتصال غير الشفهي تشمل المجتمع الضيق ذكورا وإناثا وهو يخص المنحرفين وذوي السوابق العدلية والصيادين وبعض العسكريين، وممارسي رياضات القوة والعضلات لإبراز قوتهم وإظهارقدراتهم في محاولة لبث الرعب والخوف في قلوب الغير(17) فالوشم في الجزائر بقي إلى عهد قريب حكرا على الزينة فقط لدى الاناث والذكور على حد سواء حيث كانت الوشمات عبارة عن خطوط بسيطة ومعبرة وذلك مثل رسم الصومعة ،النخلة والمقص وهي نفسها التي تزين بها الأواني الفخارية والزرابي التي تنسج بأيدي الموشمين والموشمات، فإذا كان الوشم رسما معقدا وتعدى مجرد الخطوط، فإن ذلك يدل على أن صاحبه سيء السمعة، وقد دخلت في السنوات الأخيرة شريحة واسعة من الشباب المقلدين لما يقوم به الفنانون والرياضيون في الدول الغربية، غير أنه لا يمكننا أن نطلق عن الوشم صفة اللغة إلا في الأوساط التي يكثر فيها الموشمون وذلك في السجون على وجه الخصوص حيث تكثر جلسات الوشم التي تفرز في كل مرة المزيد من الموشمين، فعندما يودع الإنسان بالسجن تتعطل لغة الكلام لديه بسبب القيود المعنوية والنفسية والاجتماعية، والرقابة المضروبة عليه والضبط المطبق وفرض الصمت وكثرة الممنوعات حتى يخال للبعض أن الحديث به ممنوعا ولا يتم التخاطب بين المساجين إلا بالإشارات ويبقى الحديث حكرا على الحراس فقط، وفي هذه الظروف تتعطل لغة التواصل Communication  وتنشط لغة التخاطب غير اللفظية Non verbal ألا وهي الوشم، حيث يطور المساجين ثقافة خاصة بهم للرد على الحرمان السجني وهو ما اصطلح عليه بالتحييزdétentionnalisation حسب جاك ليوت (1968) JacquesLeaute  (18) إذ يؤدي الوشم في كثير من الوضعيات السجنية دور اللغة المنطوقة بكل امتياز حيث يكون هناك أشخاص يرسلون رسائل وآخرون يستقبلونها ويفسرونها ويتأثرون بها، إذن الوشم ليس مجرد رسومات ورموزا، بل أضحى لغة مفهومة وذات مقاصد واضحة بين جل المساجين ولدى القلة من الحراس، لأن المساجين في كل مرة يهتدون إلى رمز معين يستعملونه نيابة عن لغة الكلمات ويجسدونه في رسم يختصرون به العديد من الجمل أو يختزلون حوارا كاملا في وشمة معينة، إنها لغة قائمة بذاتها تختزل قصص وتعبر عن رغبات وتدل على أنماط من الشخصيات، يتخاطب بها فئة الموشومين في صمتبعيدا عن لغة الحروف والإشارات وحتى الإيماءات الوجهية، إنه  لغة عالمية موحدة  بين معظم  الشعوب لكن لا يعرفها  إلا المنخرطين في زمرة الموشمين، فحتى رجال  الشرطة  أو حراس السجون مثلا نجد أن معظمهم  لا يعرفون  هذه اللغة  رغم احتكاكهم  الطويل مع الموشمين، غير أن "لغة" الوشم تتميز بعدد من الخصوصيات وهي تتمثل فيما يلي:

- إن استعمال الوشم للتعبير والتخاطب بقي حكرا على فئات محدودة من المجتمع وباعد بالتالي بين الموشمين وغير الموشمين أو الذين لا يعرفون تفسيرا لتلك الرسومات التي يتوارى الكثير منها تحت الثيابن حيث يقابلون بعضهم بالتجنب وتفضيل عدم الاختلاط مع بعضهم.

- الوشم وما يرمز إليه وما يمثله من رغبات ونزوات ونداءات وذلك التهديد وكل المعاني التي نقشت على الجسم تبقى على حالها لا تتغير رغم تغير حاملها وتغير الظروف إلا انها تعبر عن نفس الشيء على الدوام بنفس القول بنفس اللغة هي نفس الرغبات ونفس الرفض نفس الآلام الأبدية تساير الموشم حتى يموت.

- يمكن اعتبار الوشم كأسلوب للتعبير عن الرغبات والنزوات وغيرها عقوبة للموشم ذاته لأنه اختار لغة خاصة جدا صعبة القراءة وصعبة الفهم والتفسير والتواصل بها، ولكنها ناطقة على الدوام بشيء ما.

- كأن الموشم بتلك الوشمات التي نقشها على جسمه لكي تعبر عنه في زمن ما، قام بحبس الزمن في جسده الذي يتكلم ويردد نفس النغمة بصفة دائمة، يخاطب نفسه ويخاطب الآخرين بنفس المشاعر التي قلما تتغير أو تتحول وإن حصل ذلك فليس بالأمر اليسير، وكانه عاقب جساده ونفسه مدى الحياة.

-  الموشوم يتكلم بدون كلمات ويخاطب الناس من حوله قصد ذلك  أم لم  يقصد، خصوصا أولائك العارفين  بتلك اللغة خصوصا إذا كان هناك تناسق ما بين لغة الوشم ولغة الجسد حيث يكون التعبير عن الرغبات والوضعيات والحاجات واضحا.


7- التعبير بالوشم:

      يعتبر الجسد نافذة الانسان على العالم الخارجي حيث من خلاله يتم التفاعل مع الآخرين ومع الإطار الحياتي بصفة عامة، فهو الذي يعبر عن الإنسان قبل أن يعبر هو عن نفسه بالكلام أو بطرق أخرى،(20) ويقول د. أونزيو D . Anzieu  يمثل الجلد منطقة التبادل المفضلة بالنسبة للموشم مع العالم المحيط به،  حيث يتحول الجسم لدى الموشمين إلى كراس للذكريات وألبوم من الرسومات ووسيلة لاستعراض عدد من المشاعر كالحب والكره، الخيانة الغدر، يحمل وبصفة دائمة رموز الحياة ورموز الفناء، (21) وبالنسبة للمساجين فإن أجسدهم تعاش كتجربة وجودية وتظهر عليها نواياهم ومقاصدهم ومعاناتهم الوجودية، ما الوشم وما يحمله من صور إلا انعكاس لنظرة المسجون إلى وجوده وقيمته الذاتية، فالوشم في الوسط العقابي هو تعبير عن الهوية لأن جل الرسومات التي ينقشها المساجين على أجسادهم تدل على انتماء معين، وهو مخالف للإتجاه العام للمجتمع، وهو تأكيد عن الذات في محيط بالغ السلبية، ذلك التعبير الذي لا يمكن للسلطة العقابية أن تصادره مثلما تصادر أدوات ومستلزمات الوشم، فالوشمات تكون إشارة مرئية للانتساب الى هذه العصابة أو تلك وبالتالي تمييز الذات عن أغلبية المجتمع الذي تكون لديه قاعدة تجمعه في الشخصية والسلوكات وإبراز الذات وتحقيقها، فجملة الرسوم المنقوشة على أجساد مجتمع المساجين يعتبر سجل من معايير والقوانين والقواعد وأنظمة العلاقات والمشاعر والمعاناة وغيرها وهي تفصح عن نفسها وعن حامليها من خلال الرسومات ومعانيها فهناك بعض الرسومات موجهة لصاحبها وتعنيه هو دون غيره مثل وشمة "كل شيء ممكن "tout est possible" هذا الرسم يوشمه الأشخاص الذين فعلوا كل المحرمات وارتكبوا مختلف الأنواع من الجرائم في حق أنفسهم وفي حق الغير، لذلك يصلون مع تقدم سنهم إلى مبدأ (كل شيء ممكن) أي أن باب الانحراف والجريمة مفتوح ويمكن أن يرتكبوا أي منها في أي وقت وضد أي شخص، ووشمة الكسـول le fainéant هذا الرسم يوشمه الشخص الكسول ويكون بادي للعيـان وهو يمثـل  الرجل المكسيكي الذي ينعـت بين الموشمين بأنه كسول، حيث لا يستطيـع تحريـك حتى يده  لإبعاد الـذباب عنه والمسجون هـنا يقول للآخرين من أصدقائه وأهلـه: إنني مثل المكسيكي لا تعولون عـلي في شيء، أما بالنسبة لاختصار تلك الوشمات في تسميات معينة، فإن ذلك يكتسي أهمية في التخاطب بالوشم بين المساجين إذ نجدها تستعمل كلمات حادة وتراكيب دقيقة تؤدي معنى واضحا تختصر فعلا جملة من المشاعر أو تلخص موقفا اجتماعيا معينا، إذ نجد مثلا المرأة في الوردة femme au fleur ،هذا الرسم يختصر حبا حقيقيا ويحمل الوفاء للمرأة مدى العمر، وهي محفوظة في القلب ويحيطها بالرعاية الكاملة لكي لا يصيبها أي أذى، كما نجد وشمة( النار والفار والعبد الهدار) هذا الوشم يختصر موقفا رافضا لأي شخص يمتهن النميمة ويوقع بين الناس فهو كالنار التي تلتهم الأخضر واليابس و كالفار المعروف عند عامة الناس بانه مفسد، لذلك فإن حامل هذا  الوشم يتحاشى أهل السوء والنميمة والغدر وخلد ذلك بالوشم أما (ذو الوجهين  double face) فهو تعبير عن وشم  يختصر إنكار مشاعر الغدر والنميمة ورفض ذو الوجهين الذي يلعـب دور الصديـق تارة ويتحول إلى عدو تارة أخرى كما يختصر مشاعر التذمر من هذا الشخص (الشباب الضائع la jeunesseperdu)، وهوتعبير عن وشم يختصر موقفا هو أن صاحبه استفاق بعد مضى عمره في اللهو والضياع وذهب شبابه هباءا بـدون أن يحقق  أي شيء، أما مواضع الوشم وأماكن نقشها فوق الجسم فلها أهميتها بالنسبة للتخاطب بالوشم ، فحسب ب شيلدر Schilder  Pهو من اهتم بالإمكان الجلدية في الجسم الأكثر تمثيلا هي غلى الخصوص اليدين والوجه واللسان (22) وبالفعل تأخذ الوشمات التي تنقش على الوجه واليدين أهمية خاصة في لغة الوشم لأن صاحبها يضعها في تلك المواضع وهو يعلم بأن الآخرين سوف يطلعون عليها، فعندما يسلم الإنسان وجهه للوخز بالإبرة فإن من وراء ذلك رغبة كبيرة تدفعه إلى ذلك الفعل تفوق الإحساس بالألم باعتبار أن الوجه مقدس عند صاحبه فهو موضع لرسم المودة وإظهار المشاعر وهو يمثل صاحبه عند غيره من الناس وهو من يصور وتوضع صوره في البطاقات الرسمية أو حتى تحفظ للذكرى، إذن الوجه خط أحمر إذا استعمله الموشوم كحيز للتعبير فإن ما رسمه فوقه يعد على غاية من الأهمية بالنسبة له، أما محتويات أو الصور التي تنقش على الجسم فهي كذلك لها مغزى ومعنى وتفصح عن العديد من خبايا المسجون، إذ نجد أن الغالب على وشمات هؤلاء هي رسوم للحيونات المفترسة كالتنين والنمر والأسد أو الطيور الجارحة كالنسر، وكذلك الأفعى والعقرب جماجم البشر، النار أو صور للخناجر والسكاكين وغيرها كثيرة، كلها تثير الرعب والريبة في نفس ناظرها وتعطي لحاملها مهابة وتجعله محل خوف وتجنب من طرف الآخرين، وهناك نوع آخر من الصور يتمثل في زجاجات الخمر والكأس والسجائر وأوراق اللعب والميزان والأسلاك الشائكة ، الأوراق النقدية وغيرها وهي تشير في معظهما إلى الطيش واللصوصية ويتعرض حاملها الذي يظن في نفسه بأنه (رجلة) للسخرية والازدراء من الآخرين في بعض الأحيان، أما عندما تكون محتويات الوشمات عبارة صور للزهور، الفراشات والعصافير، أعين ودموع، شروق الشمس القلوب المتداخلة وغيرها فهي توحي للناظر إليها أن حاملها شخص حساس ورؤوف لا يمكن أن يأذي الآخرين، غير انه لا يكون هو الأخر محل ثقة بل فإن الشك والريبة تلاحقانه أينما حل ويتفاداه معظم الناس، يحدث ذلك لهؤلاء رغم اختلاف رسوماتهم لأن مظهرهم الخارجي تغير وذلك يكون لديه تأثير على السلوك المتوقع وذلك ما يؤكده ب شورتزB Chortez أي تغيير في المظهر الجسمي له تأثير على سلوك الفرد ،علما بأن إدراك الفرد لذاته ولجسمه قد يكون مباشرا ويساهم المجتمع في ذلك عبر ردود أفعاله ،فالفرد لا يمكن أن يعطي صورة لذاته إلا من خلال تصوره عن ذاته وعن الصورة التي يظن الآخر يدركه بها.(23)

8- مسار الوشم لدى المساجين:

     الوشم كلغة يتعامل بها المساجين وغيرهم لها بعض القواعد حيث يتبع كل من الواشم والموشوم نوعا من النظام في نقش الوشمات، إذ توجد مثلا الوشمة الأولى والوشمة الأخيرة، الوشمة الخاصة بالمراهقين وغير ذلك، وأن اتخاذ القرار بنقش رسم معين ليس بالشيء السهل على الشخص المبتدأ، وكذلك الأمر صعب عندما يكون بصدد اختيار الرسم الذي يعبر عنه أو يلائم مشاعره ويتماشى مع شخصيته من بين النماذج الموجودة في ألبوم الواشم، أو يحاول تصميم الوشم وهنا أشبهه بالشخص المقبل على الإمضاء لأول مرة في حياته ويقوم بتجريب العديد من الامضاءات والخربشات ويستهلك من الوراق لكي يصل ربما بعد الكثير من المحاولات وبعد عدة ساعات أو ربما أيام للإمضاء الذي يرضيه وكأنه يبحث عن أجزاء من شخصيته بين تلك الخربشات، كذلك الشأن بالنشبة لاختيار الرسم الذي سوف ينقشه على جسده، والوشم يختلف عن الامضاء كون هذا الأخير يمكن تغييره بكل سهولة، بينما الوشم هو قرار يتخذه الشخص في وقت معين أي الآن فيكون معبر عنه مدى الحياة، لكن بعد فترة قد تطرأ تغيرات على شخصية الموشم وسوف لن يعكس ذلك الوشم رؤيته لنفسه مثلما كان يفعل من قبل، وعموما أن أن المبتدئين يقومون أول  مرة برسم  القلب الذي هو علامة على الحب وهم  يقصدون به الأم، حيث  يضيفون إليها حروف (M . A .T) التي تعني أمي قبل الجميع maman avant tous ، هذا الرسم عادة يوشمه صغار السن فوق الزند، يكون ظاهرا لأعين صاحبه لكي يتذكر أمه التي عرف  قيمتها الحقيقية فقط عندما أودع بالسجن فهي التيتزوره وتموله وتراسله وتدفع باقي إفراد الأسرة لزيارته، فهي الرابطة مع العالم الخارجي يتذكرها كلما حصل له مكروه ويشتاق إلى دفء حنانها ويكون ذلك هو عزاؤه الوحيد  ندما يلاقي الصعوبات، أما هذه الأحرف (A .P .T) التي تعني الحب دائما amour pour toujours تكثرعند المراهقين إذ يرسمه المسجون الذي أصر على حب  حبيبه مهما كانت وضعيته وسمعته فإنه يبقى وفيا له أبد العمر ولا يسمح لقلبه بأن يحب غيره، وهي ترسم فوق اليد لكي تكون بادية للآخرين، لأنها أصلا موجهة إليهم لكي لا يطمع احد في النيل من قلبه وحبه أما كبار المبتدئين فيكتفون بنقش المشعل كرمز للحرية، ثم تتوالىالرسومات والرموز الأخرى حسب الأهمية التي تكتسيها عند صاحبها مثل النقاطالثلاثة التي توضع  قرب الإبهام أو فوق الرأس الأصلع أو المحلق بصفةدائمة وهي تدل على أن حاملها ضد القانون (contre la loi) أما المحكوم عليهم بالسجن المؤبد أو بعقوبات طويلة فيكتبون  (marche ou crève)التيتكتبفي الرجل، والمحكوم عليهم بالاعدام يوشمون فوقالرقبة كلمة (merde ) أما جملة(pas de chance) يكتبها المسجون العئد فوق الزند وهي علامة على استحسان الآخرين واستعطافهم لأنه يعتبر نفسه إنسان غير محظوظ في الحياة  وتعتبر كذلك عبرة  له  بأن  لا ينتظر  بعد الآن الخير من أي  كان لأنه حكم على نفسه  بسوء  الحظ، أما رسم أربع نقاط  على الأصابع  ويعني بها حاملها لا أب، لا أم، لا أخ، لا أخت (ni père, ni mère, ni frère, ni sœur ) فيضعها المسجون عندما يسجن بعيدا عن أهله ويطول غيابهم عنه فيشعر بأنهم قسوا عليه فيشطبهم من حياته بتلك العبارة لكي لا ينتظر منهم الزيارة مرة أخرى وإن زاروه فمن الممكن أن يرفض الخروج إليهم، أما نقش نقطة  فوق الخد أو الشارب معناها (suis moi) أي اتبعني،  يرسمها المنحرفون جنسيا، ويلون الزند  بالأزرق وتدعى اليد السوداء بمعنى أن صاحبهالا يرحم حيث  فقد الأمل بعد أن عانى  من الحرمان الطويل والقاسي مما جعل قلبه يقسو على كل الناس ولا يرحم أحدا، كما توشم  ثلاث  نقاط فوق الأذن وهي تعني (ما شفت، ما سمعت، ما نهدر) وكذلك يوشم رأس القط فوق حلمة الثدي عند الأنثى والذكر وهي تعني أن صاحبها متمرد عن الطبيعة البشرية كالقط المتوحش وأصبح شريرا يجب اتقاء شره، ومن أشهر الوشمات نجد وشم الحرية la liberté الذي يرسم فوق الزند ويكون بادي للعيان وهو جد منتشر بيـن أوسـاط المساجين ينقش المسجون عندما يشعر لأول مرة بفقدان الحرية، فيتـوق إليهـا كثيرا  لدرجة تدفعه إلى رسمها وعلامتها هنا هي المشعل ذو الجناحان، ثم نجد وشم المكبل l'enchaîné الذي يرسم  فوق الزند يريد صاحبه القول بأنه شخص طيب ويعيـش وحيـدا وهو مكبل لا يستطيع الخروج من السجن وهو يختطب نفسه بالقول (حبيت أنطير وما قدرتش) ونذرك كذلك وشم تألم واسكت إذا كنت رجلا تذكر soufre et tais toi si tu es un homme rappelle toi  هذا الوشم يرسمه المسجون الذي عانى كثيرا من السجن ويريد أن يتخلص من معاناته ويبتعد عن طيشه، إنه يريد أن يتعظ من تجربته التي آلمته كثيرا،  إذ يخاطب نفسه بهذا الرسم الذي يحمل مغزى معين والناطق  وعضا وإرشادا وهو يوضع فوق الكتف لكي لا يراه الآخرون لأنه موجه لصاحبه فقط، ثم وشم العدالة العمياءla justice aveugle  هذا الرسم الذي يتمثل في امرأة معصبة العينين وتحمل بيدها ميزان بكفته الثقيلة كمية من المال وبكفته الصاعدة من الخفة إنسان وهي في نفس الوقت تضع الكتاب الذي يمثل القانون جانبا بيدها الأخرى، ينقش عادة فوق  الظهر لأنه موجه لصاحبه فقط حيث يداريه عن الآخرين، و المقصود به أن العدالة تهمل قانون العقوبات وتزن  الإنسان مع المال ويظهر ذلك في الميزان  حيث أن الإنسان لا وزن له لأن العدالة تفضل عليه المال و ترميه هو وتضع القانون جانبا وفي هذا الشأن يوجد مثال يتداوله المساجين بشأن العدالة (ما عندكش الفلوس تموت كما الفلوس)، وفي الأخير يرسم اسم الجلالة  اللهفي السبابة  اليمنى  وهي دليل على التوبة النهائية وهي آخر ما يرسمه الواشمون، بحيث يعلنون أنهم وصلوا إلى النهاية ويطلبون من الله عز وجل المغفرة والرحمة، والملاحظ أن الكتابة غالبا ما تكون بالحروف اللاتينية إيمانا من زمرة الموشمين بأن الخط العربي مقدس لأنه كتب به القرآن الكريم، وأن استعماله في الوشم تدنيس له وللدين الاسلامي ماعدا إسم الجلالة فهو يكتب بالعربية (24) وإن مجرد إلقاء نظرة على الرسومات المنقوشة لدى جسد مسجون معين قد يتبين لنا ذلك التناقض في الرسومات التي تحمل دلالات متناقضة وحسب ب. بريني P.Brunney  فإن ذلك الشخص قد ضاع منه موضوع ومسار الوشم، ففي كل مرة يظهر لديه موضوع جديد يمكنه من تسجيل حضوره والتشبث بالحياة من خلاله.(52)  

9- الوشم و صورة الجسم:

       حسب الاحتكاك بعينات من الموشمين وسؤالهم عن مشاعرهم تجاه أجسادهم بعد أن أصبح يحمل وشمات ظاهرة وأخرى مخفية تحت الملابس، وقد اتضح أن مشاعر هؤلاء سلبية تتلخص في عدم الرضا عن الجسد نتيجة اختلال صورته بعد أن شوهه الوشم، حيث يعيش الموشم على الخصوص الندم الشديد مباشرة بعد بروز الوشم فوق جسمه إذ بعد تلبية الرغبةيلتفت المسجون إلى جسمه يجده ملونا ويجد بأن رغبته قد تم تلبيتها فيقع  فريسة للندم وتأنيب  الضمير وهنا أذكر قولا مشهورا يتداوله المساجين ويعرفه كل الموشومين وهو:(الوشم أوله عشق ووسطه تظاهر وتفاخر وآخره ندم) إذ يستفيق المسجون فيجد نفسه قد أخطأ خطأ غير قابل للتصحيح فيعيد النظر فيما صدر عنه من سلوك فلا يستطيع فعل أي شيء، لأن الوشم نقش على الجسم، فيشعر بأن جسمه مرفوض من طرفه هو وحتى من طرف الغير، إنه أراد أن يتكيف مع واقع عابر بسلوكات دائمة تبقى دليلا على إدانته، كما أنه أراد أن يندمج مع واقع مرفوض أصلا وذلك عندما يبدأ في الاندماج بالوسط العقابي، وكأني به يعتبر الوشم الذي وضعه على جسده من زلات القلم بل من "زلات الإبرة" وكل خطأ بالطبع يحاول  صاحبه أن يصححه، لكن أخطاء الوشم غير قابلة للتصحيح ولا للمحي ولا تخضع  للتشطيب، ومن أجل تصحيح ذلك الخطأ وفي سبيل إعادة صورة الجسم المفقودة يلجأ بعض الموشمين إلى الكي والحرق واستعمال الأحماض لكن مهما فعلوا فإن آثار الحرق  تبقى دالة على أنه  كان وشما يحكي  قصة ما عن صاحبه، وفي هذه الوضعية الجديدة التي يجد الموشم نفسه فيها يحاول رسم مكانة لنفسه ورسم صورة لجسده تحدد له العلاقة بينه وبين نفسه من ناحية وبينه وبين الآخرين من ناحية أخرى، يحاول في البداية تجاهل الوشم ورفض وجوده ورفض رؤيته وفي أحيان أخرى إنكار وجوده وتجاهله كلية وإنكار الواقع ونفيه، أي أنه لا يعير له أي اهتمام، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يعمد الموشوم إلى قمع جسده ويتجلى ذلك في نوع اللباس الذي يفرضه الموشوم على جسده وضد رغبته الحقيقية وسمة التحفظ التي تطبع بقية حياته، يلغي جسده أو ينفيه تحت الثياب ولا يظهر منه إلا ما كان ضروريا وخاليا من الوشم، وعدم الرضا عن صورة الجسد كثيرا ما يؤثر على حياة الشخص وعلى تفاعلاته الاجتماعية، إذ أن رفض جسد الموشم يكون بصفة رسمية من طرف القائمين على السجن إذ يدونون كل ما هو "مخربش" على الجسم ويعاقبون على كل إضافة إليه، ويمتد هذا الرفض للموشوم من خلال الضغوط الكثيرة التي تمارس عليه من المحيط بكل أطيافه الاجتماعية والدينية والقانونية والأعراف والتقاليد وغيرها، كل ذلك يدفع الموشوم إلى تجنب المشاركات مع الآخرين والنزوع عنهم، وعدم الرضا عن الجسم لا يؤثر فقط على حياة الإنسان الاجتماعية، وإنما يؤثر على احترامه وتفكير لذاته، فقد بينت الدراسات أنه بغض النظر عن الجاذبية الحقيقية فإن مستوى احترام الشخص لذاته يتأثر تأثرا كبيرا بعدم رضاه عن صورة جسده.(27)

10- أسباب انتشار الوشم داخل السجون: 

        لقد تباينت الدواعي التي تقف وراء لجوء الانسان إلى التعبير بالوشم حسب العصور وحسب الشعوب التي اتخذت من بعض الرسومات طوطما تحتفل به وتنقشه على صدور رجالها كما تضعه شارة على بيوتها وسيوفها، كما أن البعض يوشم لأجل الاحتماء من السحر والبعض الآخر لأجل العلاج من الامراض المستعصية، والبعض اتخذ من الوشم وسيلة للزينة للذكور والاناث وقد استعمله الجزائريون بكثرة ومازالوا يستعملونه رغم أنه محرم في الدين الاسلامي وذلك بنص حديث سيدنا محمد (ص) "لعن الله الواشمات والمستوشمات المتفلجات للحسن المغيرات في خلق الله" والوشم في الثقافة التقليدية الجزائرية ينتشر بين النساء أكثر من الرجال الذيت تكون أوشامهم عادة بسيطة وغير مبالغ فيها مثل رسم النخلة والهلال، أما إذا كانت غير ذلك فالرجل الموشم  يحتمل أن يكون سيئ السمعة ويبقى معقدا من هويته تلك بقية عمره قد اتضح جليا أن جل من يوشم في العصر الحالي يعانون من القلق النفسي وعدم الاستقرار العاطفي، لذلك فهم يجدون في الرسم على أجسادهم خصوصا ما يكون منه مكشوفا للآخرين أسلوبا من أساليب التعبير عن الذات ولونا من ألوان تحقيق الشخصية وإثبات الوجود، (28) ولو كان ذلك بصفة مؤقتة، وإذا  أردنا أن نسلط  الضوء  على الأسباب  التي دفعت بالمساجين إلى  جعل  أجسادهم  موضعا  لرسومات  مؤلمة  ودالة على إدانتهم  طول الحياة فهي مختلفة  ومتعددة  نذكر  المتواترة  منها لأن  كل  مسجون يعتبر حالة  خاصة في  حد ذاته  ويختلف عن غيره:

- المسجون يعتبر حياته كفاح مستمر خصوصا عندما يكون من وراء القضبان، فهو يكافح ضد الإحباط والتجاهل والمعاناة والحرمان ويتحدى الإدارة بالوشم الذي يعتبر من الممنوعات.  

- يسعى المسجون إلى إشباع حاجاته النفسية والمادية ويسعى إلى تنمية خصائص جديدة للخبرة يستمتع بها حيثما كان وبالطريقة التي تحقق له المتعة الآنية ولو بطريقة خاطئة ويعاقب عليها القانون الذي وضع تحت طائلته.(29)

-  نجد  من المساجين من  يوشم  بمناسبة معينة  أو حادثة مهمة  في حياته مثل  وفاة  أحد  الأقرباء  وهو في السجن إذ  يريد  بالوشم تخليد  الذكرى لكي لا ينساها فهو لا يريد  أن  يعيش آلامه ومعاناته بل  يفضل  أن ينقشها  فوق جسمه  لتصبح  جزءا  من  مكوناته. 

-  كذلك  من المساجين  من  يوشم  بسبب الفضول وحب  التجريب، إذ  تتولد  لديه  رغبة جامحة في الوشم فما عليه إلا  تلبية رغبته  تلك  وتغذية  فضوله  وينضم  إلى  زمرة الموشومين  بدون  أن يدري ويعي ما يفعل.

-  هناك من يكون  تحت  تأثير  المخدرات  فيظن  ساعتها  بأن  شيء ما  ينقصه  ثم   يهتدي  للوشم  ويسلم  جسده  لأحد  الواشمين  فينخر فيه  الإبر،  يتلذذ  هو  بتلك  الآم  التي  تصنع  له هياما وترفع  من  قيمته  المعنوية عند  نفسه  ويخالها  كذلك  عند  باقي  المساجين  فيشعر بالنشوة  وكأنه  يحقق  ذاته  الضائعة.

-  المسجون  الطائش  الذي يظن  بأن اكتمال  شخصيته ورجولته لا  تتم  سوى  بالوشم.

-  كثير من المساجين  تدفعهم  إلى الوشم  رغبة  تخليد  القصص  الغرامية  التي  عاشوها أو  المعانات  التي  يعانونها  في السجن.

-  التعبير عن  الرغبات المنحرفة  كالرغبات  الجنسية  التي تدفع  بالمسجون  إلى رسم  العلامات  الدالة على ذلك  في الوجه  أو السخط  علــى القانون  والمجتمع  والعائلة    و الأصدقاء وقد تكون  دلالة على رغبة الانزواء.

- الفراغ القاتل وعدم الإحساس بالثقة والأمان بالسجنبالإضافة إلى عدم الشعور بقيمة الحياة لذلك يلجأ  إلى الوشم  بدافع  قتل  الوقت  وبدافع  الموعظة  والتذكر لاتقاء  المشاكل التي  كان قد  صادفها.(30)

- لأجل الحصول على منظر أفضل للجسم، أو للفت الانتباه إلى مكان وجود الوشم وإبراز صفات ورغبات معينة عبر الرسومات.

إن الدوافع  كثيرة والأسباب عديدة  منها  المباشرة والغير المباشرة،  لكن هناك  عناصر ثابتة، غير متغيرة هي التي  تشكل  شخصية  الموشومين  والواشمين منها :

 -  الانحراف  الخلقي والطيش الإجماعي.

 - تناول المخدرات  والانحراف الجنسي.

 -  الحساسية المفرطة والعواطف الفياضة.

- أحيانا  العدوانية  العمياء  المرفقة  نادرا بالندم  والشفقة.(31)

11- خاتمة:

      الوشم طريقة يسجل بها المسجون ظهوره وولاءه  للمضادين للمجتمع وانتماءه إليهم وتلك حاجة ملحة مادام في السجن، يستعمل تلك الوشمات في الاتصال غير اللفظي مع غيره من المساجين ويمرر رسائل مختلفة تخدمه في اوانها، لكن بعد الافراج عنه يفقد الكثير من الروابط والاتصالات مع هؤلاء ولا يجد لمن ينتمي لأنه يشعر في غالب الأحيان بأن تلك الوشمات التي كانت ملحة في السجن باعتبارها لغة المساجين التي لا يتقنها حراس السجون تتحول إلى علامات دالة على الانحراف الذي يعبر عنه المجتمع بشتى أساليب الرفض والتهميش والتجنب للموشم بحيث تعدو لغته تلك غريبة ولديها فهم واحد هو أن صاحبها شخص لا يرجى منه الخير ومنه كل شيء، إنه اختيار سيء، فالرسومات التي زين بها جسده بالأمس يرغب اليوم في إزالنها بأي ثمن، الوشمات التي أراد أن يفتن بها بها الآخر ويجذبه إليه هي نفسها التي تجعل الآخرين  يهربون منه ويتفادونه، إنها تعبير عن المؤقت بشيء دائم وفوق حيز غير قابل للتخلي عنه إنه جلد الانسان الذي يمثل صاحبه أفضل تمثيل بكل ما يحمله من علامات فهي دالة على حامها مهما حاول الآن إحفاءها أو محوها.(32) 

12- المراجع المعتمدة:

1- http://www.ushmm.org/wlc/ar/article.php?ModuleId=10007056  2002/01/10

2-امزيان وناس(2007)  ثقافة الوشم تغزو الشباب الجزائري، الملتقى الوطني حول التغير الاجتماعي والمجتمع الجزائري، جامعة البليدة، الجزائر.

3-  قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين لسنة 2005، المادة رقم 25.

4 -  قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين لسنة 2005، المادة رقم 07

5 -  محمد إبراهيم زيد (1997) الدليل- تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي بالتعاون مع معهد حقوق الإنسان لدى نقابة المحامين بيروت ووزارة الخارجية السويسرية. ، ص : 09

6 - محمد شحاتةوآخرون(1994) علم النفس الجنائي،دار غريب للطباعة و النشر، مصر.

7 - محمد إبراهيم زيد (1997) الدليل- تفعيل القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي بالتعاون مع معهد حقوق الإنسان لدى نقابة المحامين بيروت ووزارة الخارجية السويسرية. ، ص : 35

8- Norbet Sillamy,Dictionnaire de psychologie , paris1978,p515

9-  P GARNIER (1989) QUELQUES ASPECTS DU TATOUAGE DECORATIF Médecine et Armées tome 17 n= 06 PARIS

10 -ميغان كومفورت (2003)  http.//zzz.’ondiploqr.com/auteur826htlm

11 - D. ANZIEU , Le moi-peau , Nouvelle Revue de Psychanalyse

12-  رولو ماي ترجمة فؤاد كامل(2002) شجاعة الإبداع، دار سعاد الصباح للنشر والتوزيعالكويت ص: 25.

13 - ترجمة فؤاد كامل(2002) شجاعة الإبداع، دار سعاد الصباح للنشر والتوزيع الكويت ص:21

14 -طلعت منصور (1982) الشخصية السوية  عالم الفكر، القاهرة، مصر ص: 101.

15 - BRUNNEY  P (1979) LE TATOUAGE   cahier médicale   PARIS. ; p : 05 

16 -philippe combessie  (2001)  sociologie de la  prison  - édition la découverte -  paris  France ; p : 70

17 - مصطفى حجازي(1933) الفحص النفسي، مبادئ الممارسة النفسية، الطبعة الأولى،  دار الفكر اللبنانية ، بيروت لبنان ص: 85.

18- D. ANZIEU (1974) Le moi-peau , Nouvelle Revue de Psychanalyse

19 - صور أخذها الباحث من متحف مدينة الأغواط سنة 2009

20 -Schilder P. (1968)   L’image du corps. Etude des forces constructives de la psyché », traduction fse. par F. Gantheret et P. Truffert, 1 vol., Gallimard éd., Paris.

21 - P GARNIER (1989) ,QUELQUES ASPECTS DU TATOUAGE DECORATIF, Médecine et Armées tome 17 n= 06 PARIS.

22 -امزيان وناس، 2007 ، ثقافة الوشم تغزو الشباب الجزائري، الملتقى الوطني حول التغير الاجتماعي والمجتمع الجزائري، جامعة البليدة، الجزائر.

23-  BRUNNEY  P (1979) LE TATOUAGE  cahier  médicale  PARIS . p.05  

24 -FROHWRTH . C (1976)  SIGNIFICATION DU TATOUAGE    CONCOUR MEDICALE PARIS . P.98

25- 1990داليا كود ، صورة الجسد09 .06 .2006

26 -  صور لوشمات جمعها الباحث من سجني لامبيز والبوني

27 -  طه الهباهبة وآخرون (1990)الوشم فن وعلم أم جهل ووهم ، منشورات وزارة الثقافة ، المملكة الأردنية الهاشمية عمان، ص: 04

28 -  طلعت منصور (1982) الشخصية السوية  عالم الفكر، القاهرة، مصر ص: 105.

29 -  وسيم عمايرالشباب والوشم.. تقليد أعمى أم تمرد على الواقع؟06. 07 .2009

30 - http://www.azzaman.com/azzaman/articles/-20/a99201.htm 2002/01/01

31- امزيان وناس(2012)صدمة الإفراج من السجن،مقال معد للنشر بمجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية جامعة روقلة، الجزائر .