ظاهرة الاتساع والإيجاز ومقاصدها التداوليةpdf

 عند النحاة العرب الأوائل

من خلال كتاب سيبويه         

  فازية تقرشة              

 جامعة تيزي وزو- الجزائر

  اتخذت هذه المداخلة كتاب سيبويه –باعتباره أول أثر نحوي- سبيلا إلى إعادة قراة التراث النّحوي العربي، وبيان ما انبنى عليه من أسس أصيلة ونظام متماسك تسترسل فيه معاني النّحو بين الجهاز النظري والإنجاز الكلامي. وقد سعى سيبويه إلى إبراز مختلف الاستعمالات اللّغوية المرتبطة بالظروف والأحوال المحيطة بالخطاب وسندرس المقاصد التداولية لسيبويه من خلال المعطيات التالية:

 *معتقدات المتكلم ومقاصده التبليغية وتكوينه الثقافي ومن يشاركه في الحدث اللّغوي.

 *الوقائع الخارجية أو ما يعرف بملابسات الموقف، ويشمل الظروف والأحوال المحيطة بالموقف الذي يصدر فيه الخطاب وجميع القرائن الحالية التي تصبغ الخطاب ودلالته بصبغة خاصة.

 *المعرفة المشتركة بين المتخاطبين وهي معرفة جدّ معقدة وبهذا نشير إلى المعنى التداولي، باعتبار أنّ الاستعمالات اللّغوية التي سجلها سيبويه على ألسنة المتحدثين بالعربية سليقة، كانت مشحونة بمقاصد المتكلمين وأغراضهم، وعلى هذا الأساس كان لا بدّ لنا الوقوف عند نظرية أفعال الكلام من جهة، وتحديد المقاصد التداولية من جهة أخرى. وذلك أنّ البحث التداولي يدور حول أفعال الكلام وما يتصل دوما بمفاهيم القصد التواصلي (L’intention communicative) ومقام التواصل وما يكون من علاقة بين مقاصد المتكلم من ناحية وإمكانات الاختيار للتراكيب المناسبة الموضوعة في اللّغة للتعبير عن الأغراض والمقاصد من ناحية أخرى.

 مفهوم الاتساع: الاتساع لغة من وسِع اتساعا وسعة، والسعة نقيض الضيق وقد وَسِعَهُ يَسَعُهُ ويَسِعُهُ سَعَةً، وهي قليلة أعني فعل يفعل[1]. أما اصطلاحاً فيحمل معاني عدةمنها:

 علم الدلالة:وهو ما يتعلق بالمفردات فقد يقصد من الاتساع في اللّغة العربية الترادف أي اختلاف اللّفظين والمعنى واحد لقل ابن جني: "أمّا الاتساع فلأنه زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجود ونحوها البحر، حتى إنه إن احتيج إليه في شعر أو سجع أو اتساع استعمل استعمال بقية تلك الأسماء، لكن لا يفضي إلى ذلك إلاّ بقرينة تسقط الشبهة... ألا ترى أن لو قال: رأيت بحرا وهو يريد الفرس لم يعلم بذلك غرضه فلم يجز قوله، لأنه إلباس وإلغاز على الناس"[2] وقد يقصد منه الاشتراك اللّفظي وهو اتفاق اللّفظين والمعنى مختلف.

 علم النحو:وهو ما يختص بالتركيب وقد يقصد منه من هذه الناحية الاختصار والتجوز وهو  ما جاء على اتساع الكلام والاختصار كما قد يقصد منه ما جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى أو لعلمه بالمحذوف.

 المجاز:قد يقصد من الاتساع المجاز إذ يرد اللّفظ لغير المعنى الحقيقي الدال عليه لقول ابن جني: "وإنّما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة وهي: الاتساع، والتوكيد، والتشبيه، فإن عدم هذه الأوصاف كانت الحقيقة البتّة"[3] فهو استعمال للألفاظ لغير ما وضعت له، وقد أكد ذلك الجرجاني (ت471هـ) قائلا: "كل كلمة جُزت بها ما وقعت له في وضع الواضع ما لم توضع له، من غير أن تستأنف فيها وضعا لملاحظة بين ما تجوز بها إليه وبين أصلها الذي وضعت له  في وضع واضعها فهي مجاز"[4]

 وقد استعمل سيبويه المعاني السابقة في كتابه بصيغ متعددة منها: الفعل:اتسع، اتسعوا[5]/ المصدر: الاتساع[6]/ الاسم السعة[7]. إلاً أننّا سنركز على المعنى النحوي للاتساع بنوعيه إذ فيه تظهر المقاصد الدلالية للمتكلم ذلك أن "الاتساع يبتدئ من دائرة الكلمة المفردة لينتهي إلى دائرة الجملة الملفوظ أو بعبارة لسانية أخرى من المعجم إلى التركيب وكلها تتحكم فيها قيود التداول أو بمعنى آخر حرية المتكلم في التصرف الخاص بمجال القول الطبيعي دون غيره من سائر أنواع الأنساق اللّغوية التي تتسم بالضيق والانحصار"[8]  وباعتبار أنّ التداولية اتجاه في الدّراسات اللّسانية يعنى بأثر التفاعل التخاطبي في موقف الخطاب ويستتبع هذا التفاعل كل المعطيات اللّغوية والخطابية المتعلقة بالتلفظ وبخاصة المضامين والمدلولات التي يولدها الاستعمال في السياق"[9]

 الاتساع بمعنى الإطالة:

 ظاهرة الإطالة أو التّثنية(Recursiveness) : تعد ظاهرة الإطالةمن بين الظّواهر اللّغوية التي كشفت عنها عبقرية الخليل بن أحمد وتلميذه سيبويه، ومعناها قدرة الشيء على التّكرار إلى ما لا نهاية، وهي من بين المميزات بين الجملة والكلام في الحد الإجرائي فإذا كانت الجملة هي الحد الصّوري [مسند + مسند إليه] فإن الكلام هو [مسند + مسند إليه.... س] فالسين هنا يمثل الحد الصّوري للكلام غير النّهائي الذي يمكن أن ينتجه الإنسان انطلاقا من حد الجملة أي   [المسند + المسند إليه]. وهو الجانب الذي يؤكد أن سيبويه قد اعتمد النظرة الفعلية للغة من خلال متابعته للاستعمال اللّغوي للمتكلم العربي كما أنّه ممّا يُجمل ملاحظته أن سيبويه في إصراره على استعمال لفظة (كلام) بدل لفظة (جملة) إصرار على ترسيخ البعد التداولي[10]

 لاحظ الخليل أن المواضع البنوية من (ع- م- خ) يمكن أن تحتلها كلمة أو لفظة بل وتركيب. وهنا تظهر "أهمية [الموضع] كمفهوم إجرائي كبيرة جدا فالموضع قد يحتوي على كلمة أو لفظة أو تركيب، وقد يكون المعمول الأول أو الثاني تركيبا أيضا مثل:

 عج م1 (أن تصوموا) م2 (خير لكم)، وع ج م1 (زيد)م2 (رأيته)، وع (طنّ) م1 (زيد) م2 (أن عمرا قائم)، وع (أرَدْ) م1 (تُ) م2 (أن أقومَ)، وكذلك هو الحال بالنّسبة إلى المخصصّ: ع (جاء) م1 (زيد) خ (وهو يركض) فهذا سر وخاصية تمتاز بها اللغات البشرية كلها: أن يقع في موضع أكثر من مفردة فيحصل بذلك تداخل(Embedding)"[11]. ويقصد بالتّداخل: تداخل مستويات اللّغة فيما بينها. والإطالة نوعان: إطالة اندراجية أو تضمنية وإطالة خطية أي غير اندراجية.

 ·           الإطالة الاندراجية: وتكونباندراج المستوى الأعلى في الأسفل وهي نوعان:

 أ- نوع يحصل بتضمن وحدة من المستوى الأسفل لوحدات من المستوى الأعلى أو احتوائها، ويكون ذلك بمجرد قيام تركيب أو لفظة مقام الاسم، ويكون ذلك عند سيبويه في ستة مواضع هي: "موضع اسم مبتدأ، أو موضع اسم بني على مبتدأ، أو موضع المفعول به ، أو موضع الحال، أو موضع المضاف إليه، أو موضع الصفة (النعت)"[12] وهذه الحالات هي على الشكل الآتي:

 *ما يقع في موضع اسم مبتدأ مثل:

 

 والمقصود هنا من المبتدأ موضع الابتداء لأن (قائم في هذا المثال اسم قام، قام مقام الفعل، مع وجوب دخول أداة الاستفهام عليه أو نفي وامتناع دخول (إن) مثلا، وقد أطلق سيبويه على هذا الاسم (مبتدأ) على الأفعال وقال "الفعل المبتدأ"[13] وكذلك على الحروف فقال: "لا تكون إن إلا مبتدأ"[14] إذ يستخدم سيبويه المصطلح نفسه للمفهوم نفسه، فيقول: "في موضع مبتدأ... في موضع ابتداء"[15] فهو يقصد في كلا الاستعمالين الموضع |ع|.

 *ما يقع في موضع المبني على المبتدأ مثل:

وهنا نلاحظ تداخل في موضع المبني على المبتدأ  م2 حيث اندرج تحته تركيب يمكن تحليله إلى (ع، م1، م2) أي جملة فعلية. وقد يندرج تركيب آخر يمكن تحليله إلى (ع= Ø، م1، م2) أي جملة اسمية مثل:  

 

وقد يحتل الموضع نفسه م2 أي تركيب فعله لازم لا يتعدى إلى المفعول به مثل:

وهنا يجب احترام الرّتبة أي لا يمكن تقديم م2، فإذا تقدم التّركيب فإنه يتحول من جملة اسمية إلى جملة خبرية.

 *ما يقع في موضع المفعول به الثاني مثل:  

أو:

أو:

 فالاندراج وقع في موضع م2 أي موضع المفعول به الثّاني.

 *ما يقع في موضع الحال مثل:

 والاندراج كما هو واضح من خلال الجدول نجده في التّركيب (يقول ذاك)، والذي يمكن تحليله إلى       (ع- م1- م2). وهنا أيضا يجب احترام الرّتبة، فلا يمكننا (خ= موضع الحال) على  (ع- م1- م2).

 *ما يقع في موضع المضاف إليه مثل:

احتل الموضع (2) وهو موضع التّداخل تركيباً يمكن تحليله إلى (ع= فعل- م1- م2). وكل تركيب يقع موقع المضاف إليه يكون مسبوقا باسم زمان (يوم، حين...).

 *ما يقع في موضع النّعت مثل:

 وقع التّداخل –كما هو واضح في الشّكل- في الموضع (3) أي موضع النّعت داخل اللّفظة، إذا احتل موقعه تركيب حلل إلى (ع- م1- م2).

 ب- يقع الاندراج في هذا النّوع من الإطالة بواسطة الرّبط، الذي ينقسم إلى نوعين:

   1- النّوع الأول:يشمل الحروف المصدرية، وهي: أن المصدرية، وأنّ المفتوحة وماالمصدرية.وهذه الحروف المصدرية تنقسم بدورها مجموعتين: مجموعة خاصة بالأفعال، وهي: أنّ وما. فتجعل الأفعال وما تحل فيه محل م1 أو م2 أو معمولي العامل الاسمي، وكذلك الموضع 2 داخل اللّفظة بمعنى موضع المضاف إليه.

 • ما يحلّ محلّ م1:يبين لنا الحاج صالح ما يحل موضع م1، كما سبق له أن وضح في تحليله مثال  (أن تصوموا خيرا لكم) ومثل لذلك الشّكل الآتي[16]:

نلاحظ من خلال الشّكل أعلاه أن الاندراج الذي وقع موضع م1 يشغله إما المبتدأ أو الفاعل أو اسم كان المؤخر.

ما يحل محل م2: وهو ما يوضحه الشّكل التّالي[17]:  

إنّ ظاهرة الإطالة كما هو واضح في الشّكل أعلاه تركيب بواسطة رابط في موضع اسم واحد وهو موضع م2 الذي يشغله المفعول به في هذه الحالة.

ما يحل الموضع 2 داخل اللّفظة: ومثل له الحاج صالح بالشّكل الآتي:

 

 يظهر التّداخل في هذه الحالة في الموضع 2¬  من اللّفظة الاسمية وهو موضع المضاف إليه. ويمكن للمضاف الذي يأتي مصدرا أن يعمل في الجار والمجرور كما هو واضح في مثل:  (خوفا من أن يخرج زيدٌ).

 إنّ الرّابط (أن) لا يدخل إلاّ على الأسماء. وعلى هذا الأساس فإنه لا يدرج إلا القطع من النّوع: Ø م1- م2 أي الجملة الاسمية. كما تختص (أنّ) دون سائر أخواتها المشبهة بالفعل بأنها تؤول مع ما بعدها بمصدر، فتشكل مع صلتها مجموعة بمنزلة اسم واحد، أي تقع موقع اسم معمول م1 أو م2 على نحو الشّكل الآتي:

 
  يمكن أن نلاحظ من خلال الجدول الفرق الموجود بين (إنّ) و(أن)، إذ تتحول (إن) إلى (أنّ) كلما احتلت مع صلتها موضع اسم واحد وهو المصدر. ولا يمكن أن تقع في بداية الكلام. كما نلاحظ تحول الفعل (حسبت) من فعل يتعدى إلى مفعولين إلى فعل يتعدى إلى مفعول به واحد.

   2- النّوع الثّاني: الأسماء الموصولة: وهي (من، ما، الذّي، أي) وأشباهها، وتكون مع صلتها  -مهما طالت- اسما واحدا، كما أن جميع العناصر المندرجة يمكن أن تطول إلى ما لا نهاية، وهي في موضع اسم واحد. كما أنّها تحتل كل المواضع التي تشغلها الرّوابط التي سبق ذكرها دون أي شرط. وكل هذه الأسماء تحتل معنى التّعريف الذي تدل عليه إما أداة التّعريف (أل) في (الذي) أو يكون التّعريف ضمنياً في مثل (من) و(ما) أو يكون بالإضافة إلى معرفة كما هو الحال في (أي)، لذا فإن الأسماء الموصولة وصلاتها، لا يمكنها أن تحل إلا مواضع الأسماء المعرفة. فلا تقع موقع الحال أو التّمييز مطلقاً.

 يتميز الموصول عن حروف المعاني بأنهيحتاج إلى أن يربط بالصّلة بواسطة ضمير يعود عليه وذلك سواء أكان في مستوى التّركيب أم في مستوى اللّفظة، ويمكن أن نمثل للحالتين كالآتي:

 • تداخل في مستوى التّركيب:

• تداخل في مستوى اللّفظة:

 

نلاحظ هنا أن الصّلة التي تتمم أواخر الكلمة أو اللّفظة (الاسم)، يقول سيبويه: "به يتم اسما"[18] ولهذا فالصّلة لا يمكنها أن تتقدم على الموصول أبدا، ولا يمكنها أن تعمل في العناصر التي سبقتها. وهو ما ينطبق على صلة الرّوابط (أن) و(أنّ) و(ما) وكذلك على الوحدات النّحوية التي تندرج في المواضع السّتة التي سبق ذكرها، فهي تحتل مواقع ثابتة.

 ·الإطالة الخطية (غير اندراجية): وهي المواضع التي يتسع كل منها إلى ما لا نهاية من العناصر أفقياً، مثل الموضع (2) و(3) في مستوى اللّفظة الاسمية، أي أنها تكون على خط مستقيم. وتتحقق بطريقتين:

 الطريقة الأولى: وتكون بمجرد تكرير الموضع فيسمى تعددا إذا كان التكرار دون رابط: كتعدد الخبر في مثل: الدّرس مفيد/ الدّرس مفيدٌ مختصرٌ/ الدّرس مفيدٌ مختصرٌ واضحٌ. وإذا كان التّكرار بواسطة رابط فهو اشتراك، أو ما يسمى بعطف النّسق في مثل: الدرس مفيدٌ ومختصرٌ وواضحٌ.

 الطريقة الثانية: تكون بتكرار الموضع دون محتواه أي بزيادة العنصر نفسه في الموضع نفسه  للتّوكيد أو ما يقوم مقامه للتّوضيح وهو (عطف البيان) والتّوكيد الذي يكون إما بتكرار اللّفظنفسه، وهنا نجد العناصر غير المنفردة التي لا تتكرر إلا بتكرار اللّفظة التي تحتويها في مثل: (قمت) تكراره: (قمت، قمت) أو يكرر منفصلا (قمت أنا). وإما زيادة لفظ خاص يفيد التّوكيد مثل (كل، أو عين أو نفس...). أما البدل فلا يكون بتكرار اللّفظ وإنما يكون بزيادة تقوم مقامه من أجل التّوضيح. مثل: كرم الأستاذ الطالب المتفوق منجز الواجب.

 ونجد في الإطالة الخطية عناصر زائدة قابلة للانفراد والانفصال كما أنه لا يجوز تقديم الصّلة أو أي شيء منها على الموصول، ولا الصّفة على الموصوف، ولا المبدل على المبدل منه، ولا عطف البيان على المعطوف عليه، ولا العطف الذي هو نسق على المعطوف عليه..."[19]فهي عناصر لا يمكن أن تتقدم على العنصر المكرر.

 والإطالة التي تحدث بالتعدد لا يمكن أن تحصل إلا في المواضع التي تحتلها أفعال يمكن استبدالها بأسماء، وهي المواضع الخمسة التي أشرنا إليها في التّداخل الخاص باندراج المستوى الأعلى في المستوى الأسفل وهي: موضع المبني على المبتدأ وموضع المفعول به، وموضع الحال، وموضع المضاف إليه، وموضع الصفة. أما الإطالة الخطية فهي التي تحدث بالاشتراك أو العطف فمجالها أوسع.

  الاتساع في المعنى والاختصار في اللّفظ:

 أورد فاضل صالح السامرائي تعريفا دقيقا لهذا النوع قائلا: "قد يؤتى بالعبارة محتملة لأكثر من معنى، وقد يؤتى بها لتجمع أكثر من معنى وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فبدل أن يطيل في الكلام ليجمع معنيين أو أكثر، يأتي بعبارة واحدة تجمعها كلها فيوجز في التعبير ويوسع في المعنى"[20] فالاتساع يكون في المعنى والاختصار في اللّفظ ذلك أن التغيير حاصل بالمعنى، أي أنّ الحذف في هذا النوع الغرض منه التوسيع في المعنى.

 لا يمكنأن نتكلم عن حرية المتكلم بشكل مطلق،فهناك قواعد سياقية أخرى تتحكم في اختياراته كموقف المخاطب والعرف الاجتماعي وهي أمور تراعيها المقاصد التداوليةوهذا عكس ماذهب إليه كيس فيرشتيخ Kess Verteegh عند حديثه عن مصطلح الاتساع في النحو العربي قائلا: "إن مفهوم الاتساع يرتبط بشكل من الأشكال بالحرية الفردية للمتكلم"[21] إضافة إلى أن التداولية تنظر إلى كيفيات تداول المتكلمين للأقوال الطبيعية في مقامات إنجازية معينة وسيبويه تبنى هذه النظرة الفعلية للغة كونها استعمال فعلي للمتكلم العربي حسب ما يفرضه النظام اللّغوي المجرد المحقق فعليا بآليات التداول الممارسة. لذا ترتبط التحاليل الدلالية والتداولية منها خاصة التحليل اللّغوي بسياقات التواصل باعتبارها أنماطا يتوصل بفضلها محلل التراكيب اللّغوية إلى اكتشاف نوايا ومقاصد المتكلم، لكشف المقاصد التداولية وراء كل استعمال لغوي مهما كانت درجة استعماله التعبيري حقيقة أو مجازا.

 وأمثلة ما نجده في مسألة الاتساع في كتاب سيبويه كثيرة نورد البعض منها على سبيل التمثيل لا الحصر نحو المثال الذي قدمه سيبويه قائلا: "ذهبت الشام"[22] وتقدير التركيب السابق: ذهبت في الشام أو ذهبت إلى الشام والمتكلم العربي المنجز الفعلي لهذا التركيب يقصد ذهابه إلى الشام أو ذهب فيه مذهبا والمخاطب يدرك ذلك أي أنّ المتكلم في هذه الحال يفترض أن المخاطب يعلم ذلك هذا ما يدخل في الاقتصاد اللّغوي، فاختصر مجازا وتوسعا في المعنى. إضافة إلى الأمثلة التي أوردها في باب استعمال الفعل في اللّفظ لا في المعنى لاتساعهم في الكلام والإيجاز[23]. أما عن المقاصد التداولية التي يفصح عنها سيبويه في تحاليله اللّغوية، فيتوصل إلى تقديرها مستعينا بالعناصر  التي سنتعرض إليها في الموضع الآتي من البحث.

 آليات التقدير النحوي عند سيبويه:

 نية المتكلم: مفهوم التوسع في المعنى مرتبط بقصد[24] المتكلم الذي ينجز أفعالا لغوية حسب ما تسمح به القواعد اللّغوية وسنن العدول عن هذا النظام اللّغوي للتعبير عن مقاصده الإبلاغية. يعمل سيبويه على ربط تأويله للمحذوف بتفسير مقصود المتكلم بالإفصاح عن مراد المتكلم في مثل قوله في تعليقه عن قول العرب (اللّيلةُ الهلالُ) "إنما الهلال في بعض اللّيلة وإنما أراد اللّيلة ليلة الهلال ولكنه اتسع وأوجز"[25] والغرض من تفسير سيبويه المقصد التداولي الذي يريده المتكلم هو الإشارة إلى أن الكلام من المستقيم إذا أدرك المخاطب مقصود المتكلم ويدخل في دائرة المحال الكذب إذا خرج عن مقصود المتكلم، فلا يمكن نفي اهتمام القدماء بدور السّياق في تحديد الوظائف النّحوية ودلالة الكلام على صحته من عدمها وهذا واضح أشد الوضوح في هذا النص الذي ذكره سيبويه في "باب الاستقامة من الكلام والإحالة. فمنه مستقيم حسنٌ، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب. فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتُك أمْسِ، وسآتيك غدا. وأمّا المحال، فأن تنقض أوَّلَ كلامك بآخِره، فتقولَ: أتيكَ غـداً وسآتيك أمس. وأما المستقيم الكذب فقولك: حَمَلتُ الجبلَ، وشربت ماء البحر ونحوه. وأما المستقيم القبيح، فأن تضع اللَّفظ في غير موضعه، نحو قولك: قد زيدًا رأيت، وكي زَيدٌ يأتيك. وأشباه هذا. وأما المحال الكذب، فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمسِ"[26] فإذا كانت الاستقامة مرتبطة بالجانب الدّلالي عند سيبويه، فإن الحكم على هذه الاستقامة بالحسن أو الكذب يتعلق بالمعنى الذي تفيده عناصر الجملة عندما تترابط نحويا، مما يعني أن الصّواب السّياقي هو الذي يحدّد الوجه النّحويّ الأكثر ملائمة للسّياق الكلامي، كالكلام المستقيم الكذب فالكذب ليس في التركيب النّحوي ولا على دلالة المفردات في ذاتها ولكنه في العلاقة المتفاعلة بين الكلمات المختارة في الجملة مع وظائفها النحوية، فالسّياق قرينة ضرورية للحكم على الكلام إذا ما كان من المستقيم الكذب، إذ يجب أن يكون الكلام سليما في المستويين. بعبارة أخرى لكي يكون حكم سيبويه على هذه الجملة (حملت الجبل) بأنها من المستقيم الكذب حكما صحيحا، لابد أن يكون المقصود بكلمة (الجبل) مدلولها الأول ومسماها الأول الذي يطلق عليه هذا الاسم، فتكون الكلمة هنا بمعناه الحقيقي، إذ من المحتمل في سياق خاص أن يكون مقصودا بها معنى غير المعنى الحقيقي، كأن يكون المراد بها تشبيه حمل شيء ثقيل جدًا بحمل الجبل في الضخامة والثقل، وتكون العلاقة بين الفعل (حمل) والفاعل –وهو المتكلم هنا الذي تعبر عنه تاء الفاعل- في وقوع الحمل على الجبل ممكنة لا على سبيل الحقيقة بل على سبيل المجاز فالتعبيرات التي قد تبدو غير صحيحة لفساد المعنى قد تصح بالتّأويل والتّقدير والحمل على المجاز حسب مقصد المتكلـم وتكون الجملة بذلك من الكلام المستقيم الحسن على هذا الوجه. وهنا يكون الاعتماد على السّياق الذي تَرِدُ فيه الجملة. وهو أيضا ما يمكن أن يُقَالَ على الكلام المحال الذي لا تخضع عناصره للسّياق اللّغوي أو أن يجري الكلام على غير العادة اللّغوية المألوفة للتّراكيب. إذ يقول: "مررتُ برجلٍ صالحٍ ولكنْ طالحٍ، فهو مُحالٌ، لأنّ لكنْ لا يُتدارك بها بعد إيجاب، ولكنّها يُثْبَتُ بها بعد النفي"[27]، وكذلك حكَم على الكلام بالمحال إذا ما أتى في صيغة نحوية لا تطابق سياق الموقف "وذلك أن رجلا من إخوانك ومعرفتك لو أراد أن يُخبرك عن نفسه أو عن غيره بأمرٍ فقال: أنا عبدُ الله منطلقًا، وهو زيدٌ منطلقاً كان مُحالاً، لأنّه إنَّما أراد أن يُخْبِرك بالانطلاق ولم يقل هُوَ ولا أنَا حتَّى استغنيتَ أنت عن التسـمية لأنّ هُوَ وأنَا علامتان للمضمَر، وإنّمَا يُضمِر إذا عَلم أنّك قد عرفت مَن يَعني. إلاَّ أنَّ رجلاً لو كان خلفَ حائط، أو في موضع تجهله فيه فقلتَ مَنْ أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقاً في حاجتكَ، كان حسنًا"[28]. فالجملة نفسها استحسنها سيبويه في موضع واستقبحها في موضع آخر، واعتراها من الكلام المحال قياسا على الحالة والمقام الذي يكون المخاطَب فيه. وذلك لأن الفعل الكلامي بملابساته كلا واحدا فيغتفر حذف أحد العناصر من الجملة إذا كان في سياقها الكلامي دليل عليه. ويبلغ سيبويه من اعتبار موقف الاستعمال أن يجعله فصلا في الحكم بصحة التراكيب النحوية وخطئها. ومن ذلك أننا نراه يقف إلى الجملة الواحدة فيحكم في موقف من الاستعمال بأنها خطأ وفي موقف من الاستعمال آخر بأنها صواب. وذلك ما نفهمه من حكم سيبويه على الكلام التالي: (أنا عبد الله منطلقا) بأنه من الكلام المحال إذا كان الناطق به من إخوانك ومعرفتك وأراد أن يخبرك عن نفسه بأمر فقال هذا الكلام، لأنه إنما أراد أن يخبرك بالانطلاق، ولم يقل (أنا) حتى استغنيتَ أنت عن التسمية، لأن (أنا) علامة للمضمر إذا علم أنك قد عرفت من يعني. وهذا الكلام نفسه (أنا عبد الله منطلقا في حاجتك) من الكلام إذا كان الناطق بها رجلا خلف حائط مثلا، أو في موضع تجهله فيه فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله منطلقا في حاجتك، هو مرة محال ومرة حسن، ولم يختلف، ولكن الذي اختلف هو السياق الملابس للكلام، فراعوا في أساليبهم علاقة المتكلم بالمخاطب إذ "يكون الكلام مفيدا، ولا الخبر مؤديا غرضه ما لم يكن حال المخاطب ملحوظا ليقع الكلام في نفس المخاطب موقع الاكتفاء والقبول"[29] وهو ما يعرف عند أصحاب علم المعاني بمقتضى الحال، ويظهر هذا النّوع من الدّراسة في الدّراسات اللّغوية القديمة من خلال مقولة القدماء الشائعة (لكل مقام مقال ولكل كلمة مع صاحبتها مقام) فللكلام ظروف تتحكم في اختيار المتكلم المفردات أو التّراكيب، منها العلاقة بين المتكلم والمخاطب.

 والعناية بقصد المتكلم (المعنى الثاني) هو صلب نظرية غرايس (Grice) (1975) عندما افترض أنّ هناك مبدأ عاما يؤسس لتفاعل طرفي الخطاب تفاعلا ناجعا، وهو مبدأ التعاون (Principe de coopération) وقد عرفه بما يلي: "يتعين على مساهمتهم في المحادثة أن تتطابق في المرحلة التي بلغتها مع ما يقتضيه منكم الغرضوالوجهة اللّذان ارتضيتموهما في عملية التخاطب التي سرعتم فيها"[30] ولقد وضع غرايس بذلك أربعة قواعد للمحادثة وهي قواعد يتعين على المشاركين في المحادثة احترامها وحسن توظيفها وقد سماها اقتداء بمقولات كانط  (Kant)"الكم والنوع والكيف والعلاقة"[31] وتتمثل هذه القواعد فيما يلي: تكلم على قدر الحاجة فقط/ لا تتجاوز بإفادتك القدر المطلوب/ تجنب إبهام التعبير/ تجنب اللّبس/ أوجز كلامك/ ليكن كلامك مرتبا. وهذا ما يوافق ربط سيبويه الاتساع بالإيجاز.

 يعتبر طه عبد الرحمن "الأصل في الكلام القصد"[32] فالمتكلم لا يتكلم مع غيره، إلا إذا كان لكلامه قصد، "واعلم أن دلالة العبارة هي استلزام القول للمعنى من سياقه"[33] وهو ما توصل إليه سيبويه بنظره النحوي إذ وقف على المقاصد التداولية التي يريدها المتكلم، وأدرك إلى حد بعيد أنّ دلالة التراكيب الحرفية دلالة سطحية، وتستشف دلالتها العميقة من خلال مراد المتكلم.

 إن الدرس النحوي في كتاب سيبويه مرتكز على عنصر المتكلم باعتباره متكلما مثاليا، كما أن أفعال الكلام في الكتاب هي أفعال لغوية منجزة في مقامات مثالية[34]

 معرفة المخاطَب بموضع الإيجاز: ويصاحب القصد لتحديد الدلالة المواضعة وهو المتعارف عند المجموعة اللّغوية من ألفاظ وتراكيب وهو ما يسميه تمام حسان بالعرف الاجتماعي. وقد استعان به سيبويه في تعليل كلامه قائلا: "وذلك قولك إذا كنتَ تحذّرُ: إِيَّاكَ. كإِنَّك قلت: إيَّاك نحَِّ، وإيّاك باعِدْ، وإيّاك اتّقِ، وما أشبه ذا... ومن ذلك قولهم: مازِ رأسك والسيفَ، كما تقول: رأسَكَ والحائطَ وهو يحذّره، كأنه قال: اتقِ رأسَك والحائط. وإنَّما حذفوا الفعلَ في هذه الأشياءِ حين ثَنَّوْا لكثرتها في كلامهم، واستغناءً بما يَرَوْنَ من الحال، وبما جرى من الذكر"[35] ويتجلى مفهوم السّياق بشكل واضح من خلال طريقة تحليل النصوص وذلك بتصوير الموقف الذي أطلق فيه النص أو ارتجل فيه، حتى يتيسر الوقوف على مجمل الملابسات والدّواعي التي رافقت عملية التعبير في توجيهها واختيار الصيغة البليغة، المعبرة عن المعنى بشكل دقيق. ويمكن أن نحلل مثال (رأسك والحائط الذي يقصد منه اتق رأسك والحائط) كالآتي:

 إنّ الأولوية في التّحليل النّحوي أن يُؤخذ بظاهر اللّفظ، وإن وقع فيه حذف نستعين بالقرائن الحالية والمقالية لتحديد المعنى النحوي، والوصول إلى البنية المحذوفة لأنّ المعنى حاصل بالحذف لمعرفة المخاطَب له.

 وعلى هذا المنظور فقد أولى النّحاة هذا الجانب الاهتمام الكبير فالحكم على أركان الجملة يكون انطلاقا من حالة المخاطَب، الذي نمثل له بالآتي

 +  :  الكلام قابل للزيادة لزيادة المعنى.

 -  : الكلام قابل للحذف لمعرفة المخاطب بالمحذوف.

 Æ  :  يمكن  الاستغناء عن اللّفظ والقرينة

 وكل هذه الحالات يتحكم فيها المخاطَب والموقف الذي يكون فيه.  

 ويفهم المخاطب ما يقصده المتكلم أثناء إنجازه الملفوظ من خلال المعارف المشتركة التي تجمعهم وهو وقد أجمل ابن خلدون القصد والمواضعة بقوله: "فاعلم أنّ اللّغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بدّ أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللّسان وهو في كلّ أمة بحسب اصطلاحاتهم وكانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات إبانة عن المقاصد"[36] فيوجز المتكلم قدر الإمكان لعلم المخاطب بالمعنى لقول سيبويه: "وجاء على اتساع الكلام والاختصار"[37] أي الاتساع في المعنى والاختصار في اللّفظ.

 المقام أو سياق الحال:

 إذا كانت الخطابات هي إنجاز للأفعال اللّغوية في الأساس، بما في ذلك التعبير عن المقاصد وتحقيق الأهداف، فإن كيفية إنجازها وطيقة توظيفها في السياق هو ما يحدونا إلى دراسة اللّغة في استعمالها دراسة تداولية تعني بكيفية إنتاج الخطاب وتوليده الذي يتم وفق ثلاث مراحل هي: "1- إدراك السياق الذي يجري فيه التواصل بكل أبعاده المؤثرة/ 2- تحديد العلاقة بين السياق والعلاقة المستعملة ليتم إنجاز الإستراتيجية التخاطبية الملائمة/ 3- التلفظ بالخطاب"[38] وعليه فعلى المخاطب أن يمتلك كفاءة تفوق كفاءته اللّغوية ليتمكن بها من تحقيق ذلك، ويمكن تسمية هذه الكفاءة بالكفاءة التداولية (La compétence pragmatique) وهي القدرة على استخدام اللّغة في سياقاتها الفعلية التي تنجلي فيها، أو هي المعرفة المتطلبة لتحديد ما تعنيه الجمل أو التراكيب عندما يتكلم بها بطريقة ما في سياق معين[39]

 يتوقف غرايس عند مفهوم آخر يتمثل في مفهوم الدلالة غير الطبيعية والذي يقوم على مقصدين:

 1-    مقصد تبليغ محتوى.

 2-    مقصد تحقيق المقصد نتيجة لتعرف المخاطب عليه.

 فإضافة إلى جانب المقصد الإخباري، ثمة مقصدا آخر يتمثل في المقصد التواصلي الذي هو معنى المتكلم. المعنى التداولي الذي يتعلق بمفهوم الخطاب، إذ ثمة عناصر أخرى تتدخل في فهم هذه المقاصد والتي تتمثل في السياق بمفهومه التواصلي، هذا ما يدعم رأي غرايس أثناء تحديده لمفهوم الدلالة غير الطبيعية وتشديده على نوايا القائل وعلى فهم المخاطب لهذه النوايا في سياق تواصلي معين. 

 يربط سيبويه الأفعال الكلامية المنجزة بالمقام الذي أنجزت فيها وذلك للوصول إلى التأويل الصحيح، أو بعبارة أخرى استعمل سياق الحال أداة لاكتشاف المقاصد التداولية أو المعاني التي ينشئها المتكلم. مقام المدح والتأكيد على ذلك وهذا ما نستخلصه من تعليق ابن جني على قول سيبويه "بنو فلان يطؤهم الطريقُ"[40] قائلا: "فيه من السعة إخبارك عما لا يصح وطؤه بما يصح وطؤه ووجه التشبيه إخبارك عن الطريق بما تخبر به عن سالكيه فشبهه بهم إذا كان المؤدّى له، فكأنه هم وأما التوكيد فلأنك إذا أخبرت عنه بوطئه إياهم كان أبلغ من وطء سالكيه لهم وذلك أن الطريق مقيم ملازم، فأفعاله مقيمة معه، وثابتة بثباته وليس كذلك أهل الطريق، لأنهم قد يحضرون وقد يغيبون عنه، فأفعالهم أيضا كذلك حاضرة وقتا، وغائبة آخر، فأين هذا ممّا أفعاله ثابتة مستمرة ولما كان هذا كلاما الغرض فيه المدح والثناء اختاروا له أقوى اللّفظين، لأنه يفيد أقوى المعنيين"[41] وذلك أن هناك علاقة بين السياق والخطاب، إذ ثمة عناصر لغوية لا يمكن معرفة دلالاتها ومرجعياتها إلا بالرجوع إلى حال الخطاب الذي قيلت فيها، وعملية التخاطب عند العرب تتأسس على تأدية المتخاطبين لأفعال الكلام انطلاقا من بعض المفاهيم التداولية:

 1-    الغرض الذي يرمي إليه المتكلم إلى بلوغه (حمل الشخص على القيام بفعل معين) وهو ما يطابق مفهوم أستين وسيرل للغرض الكلامي.

 2-    مختلف العلاقات التي تربط الواقع بالتمثيلات الذهنية للمتكلم.

 3-  وضعية المتكلم بالنسبة للمخاطب[42] وقد سلك البلاغيون مسلك النحويين في هذا المر فوظفوا الكلام واشتغلوا عليه، وذلك لأن الكلام لا ينحصر في سلسلة من المقطوعات (Sequences of Ward) التي تستوجب تحليلا تركيبيا يصححها أو يخطئها، ولكن على العكس من ذلك يتطلب أخذ شروط إنتاجه (Condition of production)في الحسبان، لهذا قال البلاغيون عبارتهم المشهورة مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

 حدد طه عبد الرحمن عناصر السياق في تحقيق مقاصد المتكلم فيما يلي:

 1-    العنصر الذاتي: يشمل معتقدات المتكلم + مقاصده + اهتمامه + رغباته.

 2-    العنصر الموضوعي: يشمل الوقائع الخارجية (الظروف الزمانية والمكانية).

 3-  العنصر الذواتي: يعني مابين ذوات المتخاطبين من معارف مشتركة (اجتماعية، ثقافية، وتاريخية) أو ما يسمى بالأرضية المشتركة وهي معرفة معقدة التركيب[43]

 تحقق الإفادة وأمن اللّبس: عند توفر شرط أمن اللّبس يجوز الحذف توسعا وإيجازا، وقد أشار  سيبويه إلى السياق والملابسات الخارجية وعناصر المقام، وما يلابس هذا الاستعمال من حال المخاطب وحال المتكلم وموضوع الكلام، وقد عرض نهاد الموسى أمثلة لذلك عن الحذف ودور السياق في تفسيره، كما عرض لدور السياق في أمن اللّبس، ولبعض طرائق سيبويه لتحكيم المعنى في التحليل[44]

 السياق اللّغوي: وهو العلاقة الإسنادية في اللغة العربية لقول سيبويه: "وهما ما لا يغني أحدهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بداً"[45] ونجد أن سيبويه هنا ربط المسند والمسند إليه بالمقام التواصلي الذي تم فيه إنجاز التركيب أو الخطاب، فأشار إلى مقام الإسناد (Prédicative situation) ومقام التلفظ (Enunciative situation)[46]

 يعتمد النحوي هذه العلاقات للوصول إلى التطابق الدلالي للفظ كعامل تفسيري لتأويل التراكيب الموسّعة واستخلاص المقاصد التداولية ويراعى فيها دائما تحقق عنصر الإفادة في الكلام. وما يجدر الإشارة إليه هو ربط سيبويه السعة بالاختصار[47] في أغلب المواضع طلبا للخفة ويسر الكلام أي الميل إلى الاختصار وهو ما يصرح به في قوله: "إذا كان غدا فأتني، كأنه ذكر أمرا إماّ خصومة وإماّ صلحا، فقال إذا كان غدا فأتني، فهذا جائز في كلّ فعل لأنك إنّما أضمرت بعدما ذكرت مظهرا، والأوّل محذوف منه لفظ المظهر، وأضمروا استخفافا"[48]

 يرى ليفنسون Levinson أنّ "الأساس الأول في نشوء المنهج التداولي كان بمثابة ردة فعل على معالجة تشومسكي Chomsky اللّغة بوصفها شيئا تجريديا، أو قصرها على كونها قدرة ذهنية بحتة، غفلا من اعتبار استعمالها ومستعملها ووظائفها، ثمّ استعرض عددا من الدوافع العامة التي كانت وراء تطور المنهج التداولي، إذ كان منها ما يتعلق بالتراكيب وتحديد المراجع ومنها ما يتعلق بدلالة الخطاب في السياق والتعامل الاجتماعي بين طرفي الخطاب"[49] إلا أننا لا نؤيد ما ذهب إليه لأننا درسنا ظاهرة الإيجاز والاتساع من جانبيها البنوي والتداولي، منه يمكن دراسة الظواهر اللّغوية دراسة بنوية محضة (وهي دراسة نحوية) كما يمكن دراستها دراسة تداولية وهي دراسة إبلاغية إفادية. ذلك أن للقول دلالتان:

 - دلالة حرفية مباشرة تظهر في البنية السطحية

 - دلالة ضمنية تمثل العمل غير المباشر وتظهر في البنية السطحية.

 ومن خلال هذا البحث نلتمس اعتناء النحاة العرب الأوائل بمفاهيم تتصل بالتلفظ وذلك أنهم اعتنوا بمفهوم القصد من خلال القصد التّداولي عند ربطهم الاتساع في الكلام بالإيجاز، وذلك أنّ الاتساع يتم بطريقتين: الأولى زيادة اللّفظ لزيادة المعنى على حدّتعبير ابن جنى والثانية الإيجاز في اللّفظ والاتساع في المعنى، والمقصد التّداولي من ذلك هو قول العرب: "خير الكلام ما قلّ  ودلّ" كاشفا عن العقلية العربية التي تستهدف الإيجاز فهو يربط الاتساع بالإيجاز في كل مواضع الحديث عن الاتساع، وهو المقصد التداولي والإيديولوجية الفلسفية للعقلية العربية. وقد خصص النحاة العرب الأوائل للمواضعة مكانة مهمة في تحاليلهم منذ ذلك العصر المبكر من تاريخ النّظر النّحوي لإدراكهم أهمية السّياق بما فيه من السياق اللّغوي والثّقافي والاجتماعي والملابسات الخارجية وعناصر المقام من حال المخاطب وحال المتكلم وموضوع الكلام، وكلها عوامل تتحكم في فعل الاتساع والإيجاز. وقد سلك البلاغيونمسلكهم في هذا الأمر فقالوا: "لكل مقام مقال ولكل كلمة مع صاحبتها مقام"، وهو ما يسمى في التّداولية بالقصد التّواصلي ومقام التّواصل. ويهدف هذا التحليل إلى إبراز المقاصد التّداولية والوصول إلى تفسير العبارات وتأويلها بردّها إلى مقاماتها الإنجازية، ومن ثم استخلاص المعاني والمقاصد المقتضية وراء تراكيب الاتساع والإيجاز وفقا للمقاصد التبليغية، وبهذا نكون قد أشرنا إلى المعنى التداولي، باعتبار أنّ الاستعمالات اللّغوية التي سجلّها سيبويهعلى ألسنة المتكلمين كانت مشحونة بمقاصدهم وأغراضهم، وعلى هذا الأساس وقفنا عند نظرية أفعال الكلام من جهة، وتحديد المقاصد التداولية من جهة أخرى لأن القصد هو "الأصل في الكلام" كما أشار إلى ذلك الدّكتور  طه عبد الرّحمن.

 قام النحاة العرب الأوائل بالنظر في أصل اللّغة وحدها ووظيفتها من خلال:

 1.      التمييز بين الوضع اللّغوي والاستعمال.

 2.      اعتنائهم بالقول والعلاقة التي تربط بين المتكلم والمخاطب من جهة وبين القول والواقع الذي يصفه المتكلم أو ينشئه إنشاء من جهة أخرى.

 3.   اعتنائهم بمفاهيم تتصل بالتلفظ (Enonciation) وذلك أنهم خصصوا للمقام مكانة مهمّة في تحاليلهم، وقابلوا بينه وبين المقام، واعتبروه محددّا لبنية القول، كما اعتنوا بمفهوم الغرض والقصد، والمراد من خلال القصد التداولي.

 الهوامش


- ابن منظور، لسان العرب، ط3. بيروت:1994، دار صادر، مادة وسع.[1]

[2]- ابن جني أبو الفتح عثمان بن جني، الخصائص، تح: علي النجار، ط2. مصر: 1986، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ج2، ص 444.

- المرجع نفسه، ص 444.[3]

[4]- الجرجاني أبو بكر عبد القاهر، أسرار البلاغة، تح: أبو فهر محمود محمد شاكر، ط1. مصر: 1991، دار المدني، ص 352.

- سيبويه، أبو بشر عَمرو بن عثمان بن قَنْبر، الكتاب، تح: عبد السلام محمد هارون، ط 2. بيروت: 1988، دار الكتب العلمية، مكتبة الخانجي، ج1، ص 98، 211، 230.[5]

- المرجع نفسه، ص 212، 230.[6]

- المرجع نفسه، ص 213، 222، 229.[7]

[8]- إدريس مقبول، الأسس الإبستمولوجية والتداولية للنظر النّحوي عند سيبويه، ط1. عمان: 2006، عالم الكتب الحديثة، ص 385.

[9]- عبد الحميد السيد، دراسات في اللّسانيات العربية بنية الجملة العربية، التراكيب النحوية والتداولية علم النحو وعلم المعاني، ط1. عمان: 2004، دار الحامد للتوزيع والنشر، ج2، ص 119.

[10]- إدريس مقبول، الأسس الإبستمولوجية والتداولية للنظر النحوي عند سيبويه، ص 276، 277.

- عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، د ط. الجزائر: 2007، موفم للنشر، ج 2، ص 90.[11]

- سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 9، 10.[12]

-  المرجع نفسه، ج 2، ص 128.[13]

[14]- المرجع نفسه، ج 3، ص 120.[14]

- المرجع نفسه، ج 3، ص 10.[15]

[16]- HADJ Salah, Linguistique arabe et Linguistique générale: Essai de méthodologie et d’épistémologie du ‘ILM  AL-‘ARABIYYA" Thèse de doctorat d’Etat , Paris : 1979

 , P 787.

[17]- ibid. P 787.

- سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 128.[18]

- ابن جني، الخصائص، ج 2، ص 385.[19]

- فاضل صالح السامرائي، الجملة العربية والمعنى، ط1. لبنان: 2000، دار ابن حزم، ص 163.[20]

[21] - Kess Verteegh, Freedom of the speaker the term utilise and related notion in Arabic Grammar/ www.inb. htm

- سيبويه، الكتاب، ج1، ص 35. ينظر أيضا المرجع نفسه، ص 35، 212، 176.[22]

- ينظر المرجع نفسه، ج1، ص 217، 218.[23]

[24]- استعمل سيبويه القصد بمفهوم الإرادة في مثل قوله: "ومن ذلك قولهم: أكلت أرض كذا وكذا وأكلت بلدة كذا وكذا، وإنما أراد أصاب من خيرها وأكل من ذلك وشرب" سيبويه، الكتاب، ج1، ص 214. ينظر أيضا: ص 279، 289، 353، 374، 257، 301. كما استعمل القصد بمفهوم المعنى في مثل قوله: "ألقيت زيداً، واعلم أنك إذا أردت هذا المعنى فتأخير الاسم أحسن، لأنّك إنّما تسأل عن الفعل بمن وقع" سيبويه، الكتاب، ج 3، ص 179.ينظر أيضا: ج 1، ص 176، 142، 211، 229، 312، 313، 325، 328/ ج 2، ص 64/ ج 3، ص 169، 170.

- سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 216.[25]

[26]- المرجع نفسه، ج 1، ص 25، 26.

[27]- المرجع نفسه، ج 1، ص 435.

[28]- المرجع نفسه، ج 2، ص 80، 81.

[29]- مهدي المخزومي، في النحو العربي نقد وتوجيه، ط2. لبنان: 1986، دار الرائد العربي، ص 225.

[30]-Georges ELIA SARFAT, Précis de pragmatique, France :2002, Henri Mitterrand, P 42.

[31]- Ibid., P 42.

[32]- طه عبد الرحمن، اللّسان والميزان أو التكوثر العقلي، ط1. الددار البيضاء: 1988، المركز الثقافي العربي، ص 103.

- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.[33]

[34]- صابر الحباشة، أنساق اللّغة والخطاب محاولات في النحو والتداولية، ط 1. مملكة البحرين: 2007، فراديس، ص 199. ينظر أيضا:خالد ميلاد، الإنشاء في العربية بين التركيب والدّلالة –دراسة نحوية تداولية-، د ط. تونس: 2001، جامعة منوبة، المؤسسة العربية للتوزيع، ص 41.

- سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 275.[35]

[36]- ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، ط 3. بيروت: دت، دار الكتاب اللّبناني، مجل 1، ص 1056.

- سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 212.[37]

- عبد الهادي بن ظافر الشهري، إستراتيجيات الخطاب –مقاربة لغوية تداولية-، ط 1. ليبيا: 2004، دار الكتاب الجديدة، ص 63.[38]

[39]- محمد محمد يونس علي، وصف اللّغة العربية دلاليا في ضوء مفهوم الدلالة المركزية –دراسة حول المعنى وظلال المعنى، ليبيا: 1993، منشورات جامعة الفاتح، ص 127.

- سيبويه، الكتاب، ج1، ص 213. ينظر أيضا: ص 214، 215.[40]

- ابن جني، الخصائص، ج 2، ص 448، 449.[41]

[42]- عمر بلخير "إسهامات العرب في دراسة أفعال الكلام المباشرة وغير المباشرة" مجلة التبيين، تصدر عن الجمعية الثقافية الجاحظية، الجزائر: 2000، ع 15، ص 47.

- طه عبد الرحمن، الدلاليات والتداوليات "أشكال الحدود"، سلسلة ندوات ومناظرات، ط 1. الرباط: 1984، مطبعة النجاح الجديدة، ص 302.[43]

[44]- نهاد الموسى، الصورة والصيرورة بصائر في أحوال الظاهرة النحوية ونظرية النحو العربي، ط1. عمان: 2003، دار الشروق للنشر والتوزيع، ص 121 وما بعدها.

- سيبويه، الكتاب، ج1، ص 35.[45]

- إدريس مقبول، الأسس الإبستمولوجية والتداولية للنظر النحوي عند سيبويه، ص 353.[46]

- سيبويه، الكتاب، ج1، ص 229، ،230، 231.[47]

- سيبويه، الكتاب، ج1، ص 224.[48]

[49]- عبد الهادي بن ظافر الشهري، استراتيجيات الخطاب (مقاربة لغوية تداولية)، ط 1. ليبيا: 2004، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ص 21.