الحجاج في الصورة البلاغيةpdf

 

 الدكتور:بوجمعة شتوان

 ترتبط دراسة الصورة البلاغية بشرطيين أوليين ومسبقين هما معرفة مبدأ التعاون coopération، والتشاكل  isotopie

أولا : مبدأ التعاون:

ونقصد بمفهوم (مبدأ التعاون)ذلك المبدأ الحواري العام الذي يسهم فيه كل من المتكلم والمخاطب" بالقدر الذي يتطلبه الحوار، وبما يتوافق مع الغرض المتعارف عليه،  أو الاتجاه الذي يجري فيه ذلك الحوار"[i]، وهو مبدأ يجري على ضوابط تحكمه وقواعد يدركها كل من المخاطب والمتكلم.والذي ينظم هذا المبدأ في قصيدة على بن الجهم هي ضوابط يفترض أن المشاركين فيها يمتثلون لشروطها. ومن هذا المنطلق يمكننا حسب (J.-M. Klinkenberg)  ملاحظة  طبيعة العقد المشترك بين أطراف العملية الحوارية بالعودة إلى On entend par coopération un principe qui règle tous les échanges sémiotiques, et auxquels les participants de l’échange sont censés se conformer.تصور مثالي لمبدأ لا يكتمل فهمه إذا لم نضع المثل الأعلى للتواصل داخل القصيدة الشعرية الغزلية النموذجية موضع تساؤل عند عودة المتحاورين إلى قواعد شعرية متميزة تجعل من الصورة البلاغية صورة تشي بخصوصية وفرادة أسلوب صاحبها.حيث يبتعد أسلوبها عن حرفية الشيء / الحدث بدرجة واضحة. وكأن الأمر لا En utilisant le terme de coopération, on ne veut pas dire que l’idéal de toute communication est que les partenaires se réfèrent à des règles stables coulées dans un code unique, qui serait parfaitement identique pour chacun d’eux; on ne veut pas davantage suggérer que ces partenaires occupent une place fixe dans la relation qu’ils entretiennentيتعلق حسب دورة التواصل بمعلومة منقولة بطريقة أحادية الاتجاه في الدورة التخاطبية، , وإنما يتعلق  بممارسة تفاعلية، حيث المرسل والمرسل إليه.يهدفان في الوقت نفسه إلى تحقيق السيرورة التداولية وديمومتها المختلفة وتفعيلها.وانطلاقا من هذه السيرورة يمكن تمثل الجهاز المفهومي الخاص بدينامكية الدورة الدلالية، وأنها تمر عبر مبدأ التعاون:

1- لأنها نتاج تفاعلات يُسندها الالتزام بآلية تواصل  مدرجة في ثقافة الشركاء المعنيين.

2- لأن التواصل، على النحو الذي هو عليه داخل القصيدة الشعرية، يمكن أن يكون صريحا كما يمكن أن يتم بصورة ضمنية. ويمكن أن يصبح قاعدة توافق، كما يمكن أن يفرض نفسه بطريقة مؤلمة للغاية. وهو، إضافة إلى ذلك، أظهر منذ البداية كفاءة بناء مجرى النسق التواصلي.

 3- وهو أخيرا لا يصاغ في شكل حكم أو أمثال سائرة.  

4- يعد مبدأ التعاون، على السواء، حجر الزاوية في البلاغتين ( بلاغة الحجاج وبلاغة الصورة) وفي القصيدة الشعرية، فهو يتميز بداخلهما بخضوعه لشرطين أساسيين، فهو مُسند في(أ) إلى صراع، و لا يظهر هذا الصراع في (ب ) بمظهر لا يمكن التغلب، لأنه مبنيٌّ على فكرة تفاعل يستوعب وجهات نظر مختلفة / وربما متباينة ويقدمها بأدوات حجاجية تراعي المسافة الفاصلة بين شركاء العملية التواصلية دون التفريط به (مبدأ التعاون).

5- يستند مبدأ التعاون إلى خصوصية بلاغية تستوعب تواصلا يتضمن مسافة مكانية واجتماعية فاصلة بين شركاء العملية التواصلية، ويستغني في الآن نفسه عن حاجته إلى هويتين متفقتين في المواقف، أو إلى هويتين حاملتين لصفات متغايرتين تماما.

ثانيا: الصورة البلاغية والطابع المركب للمعنى :

وتضيف جماعة µ -بعد مرور سبع سنوات من البلاغة العامة- بعض التسويات المحتشمة لنظريتها في البلاغة الجديدة، إنها الشعرية هذه المرة، فالعملية البلاغية تستطيع أن تحتفظ بتعدد المعاني (لكلمة واحدة) افتراضيا، على أنّ الكلمات تضل  اعتياديا بوضعها في السياق ولا توجد "في أية حالة غموض" ما دامت " مبرمجة في الملفوظ"[ii] و تسمح أيضا بإدخال المعانم ((sèmes في المعيمنات(Sémèmes) التي لا تصوّر البداية:

1- إنّ فهم الصورة مرتبط دائما بصعوبة إيجاد المعنم (Le séméme) المختفي، حيث يظهر التقاطع عن طريق امتداد التحول الشعري

2- أهمية السياق في استخراج و تأويل المجازات

ويمكن رسم خطوات هذه الفرضية الخاصة بالصورة البلاغية انطلاقا من تشكيل دلالي يستند حسبMAX BLACK(1962) ومن بعدهPAUL RICOEUR (1975) وclaudia casadio (1990) إلى استخدام أدائي تتقاطعه:

- الكلمة البؤرة ، وتمثل مركز التأويل.

- البنية الدلالية أو الإطار الحامل للعالم الدال الذي يوثق العلاقة بين المقولات السيمية ومحتوى الخطاب.

- السياقات المختلفة التي يقتضيها مبدأ التلاؤم بين ظروف إنتاج الرسالة وبين تداولها واستهلاكها.

إن التسليم بمركزية الوظيفة التي يقوم بها تداخل هذه العناصر وتفاعلها داخل خطاب الصورة، يضعنا في قلب إشكالية الإمساك بقواعد إنتاج مادتها من جهة وبكيفية تأويليها من جهة ثانية. وعليه فان النقاش حول نظرية لإنتاج الصورة البلاغية سيدور في المقام الأول حول الطابع المركب للمعنى من زاويتين لا يمكن الفصل بينهما :

- تحمل الصورة البلاغية اللغةَ على تجاوز معانيها التقريرية والاندماج في مخطط تلفظ تحكمه موجبات مرتبطة ومحينة ومتداولة عبر مركب سياق الإرسالية.

- تستند خصوصية الصورة البلاغية وتميزها إلى الإدراك الذي تؤسس له لعبة الإحالة من الكلمة البؤرة إلى الجملة الإطار.

 وبرؤية أكثر شمولية فان الزاويتين السابقتين تمتلكان بنية ذات طبيعة وظيفية تتخصص ب:

-      استناد إيحاء الصورة البلاغية إلى تفاعل المادة التعبيرية المولدة لدلالة الصورة ذاتها. ولا وجود لتفاعل إلا باعتباره سبيل دلالة تحمل طابعا معرفيا.

-      جعل التأمل المعرفي في الصورة البلاغية سبيل التساؤل التداولي حول الصورة ذاتها.

- إمكانية أن يساهم هذا النوع من المقاربة في استبعاد عناصر التجسيد التقريرية والمباشرة، وإحلال محلها شكل مدلول لغة إيحائية تمتلك إستراتيجيتها المعرفية الخاصة بها.

كل هذا يفترض أن الوضع الخاص بتعدد الصور الحاملة لتجربتنا مثل: " زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ "، و" وحينَ أزحنَ القَلبَ عَن مُستَقَرِّهِ "، و" وَأَلهَبنَ ما بَينَ الجَوانِحِ وَالصَدرِ "...الخ. .، هو تعدد يمكن إعادة تصنيفه تبعا للوضع الخاص بتعدد المفاهيم التحليلية المنبثقة عن شروط ذات طبيعة معرفية وتداولية. ومن هنا تصبح إمكانية مقاربة الصورة البلاغية، باستقلال كلي عن شكل التعبير اللساني، كما فعل GEORGE LAKOFF et MARK TUNER مسألة تكتسب أهمية مركزية، لأنها تفتح الباب واسعا أمام مقاربتها مقاربة تظهر إمكان تصور انبثاقها من ذهن الإنسان وتجاربه وليس من الكلمات. وبهذه الحركية يمكن للصورة البلاغية أن تكون منتجة في القصيدة الشعرية وفي الحياة اليومية وأن تكون مجددة ومتجددة لا على مستوى اللغة وحسب، بل، وهذا هو الأهم، على مستوى الحياة الفكرية، وفي نقل أفكارنا وتجاربنا.

إن عزل المعنى عن الكلمات في الصورة البلاغية إجراء يمكن أن يكون ذا فائدة كبيرة في مهمة البحث عن اللغة الواصفة. ففي الشعر، كما في الكلام اليومي، يمكن عزل المداخل المعجمية للكلمات عن مجموع الدلالات الأخرى التي تحقق شروط التواصل. لكن مشكلة المعنى أعقد في الشعر، إذ بينما يكون التكامل بين الوحدات في الكلام اليومي لا يتجاوز مستوى الجملة، فان الجمل في الشعر تتكامل معا بوصفها جزءا من منطوقات اكبر، وتتكامل هذه المنطوقات مع وحدات أكبر حجما..وهكذا حتى نصل إلى كامل العمل[iii]، فمعنى الصورة البلاغية ما داخل قصيدة شعرية، يمكن الإمساك به والتحقق منه في علاقته ببقية معاني استعارات القصيدة كلها. بينما تحول القيمة الحرفية لألفاظ محرفة عن معانيها الأصلية إلى معاني إيحائية بطريقة طبيعية في المحادثة الشفهية[iv]. ومهما يكن من أمر هذه التفرقة فانه من الضروري الإشارة إلى أن الأمر متعلق  بصور مجازية لا يرتبط نشاطها الدلالي بالوظيفة الزخرفية للغة، وأنها تستمر في تأدية وظيفتها التواصلية من خلال تعزيز الطابع التلفظي للجملة بأبعاده الابلاغية والسياقية.

إذن علينا أن نقوم بتقسيم أولي للصورة البلاغية وفقا لمستوى منطوق تشوبه درجة من الغموض بسبب التعارض الظاهر بين مركب من الكلمات مترابطة نحويا، وبين مكون تداولي ( مدمج) يقوم بإعادة تأويل البنية الأولى من أجل الكشف عن معناها. فلنأخذ مثلا الجملة التالية:" تُضيءُ لِمَن يَسري بِلَيلٍ وَلا تَقري "، يقدم لنا التمييز بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي فهما أفضل للقول باستعارية الملفوظ من عدمه. فنحن معنيون هنا، أولا، بإمكانية تقبل السياق الداخلي للجملة كقاعدة انطلاق في تأكيد المعنى الظاهري للجملة الذي يبدو لأول وهلة مقبولا. وثانيا بالتساؤل، هل تسمح  معرفة أن المرأة تضيء في تثبيت استعاريتها. وإذا تم تحديد انتماء الجملة، استنادا إلى مبادرة القارئ وعلى غموضها الذي يتعذر اختزاله، فيمكن أن نصفها بأنها رسالة تحتمل سخرية ناتجة عن كون المرسل لا يمكنه أن يكون فاعلها، وأنها تنطوي على مسافة فاصلة بين المعنى الحرفي للكلمات، وبين السياق الذي يمكنه أن يشير إلى ما إذا كان الأمر يتعلق بامرأة متقلبة أم مطيعة .

[ الشاعر يضفها بالمرأة المتقلبة استنادا الى تجارب شعرية سابقة :

الأعشى عمر بن أبي ربيعة- أبو تواس ] [لا توجد المرأة المتقلبة في الشعر العذري].

تواجهنا، إذن، الصورة بوصفها ممارسة تداولية، وبوصفها ممارسة شعرية راقية. وهي بوصفها ممارسة تداولية، ممارسة تهدف إلى رد الاعتبار للاقتصاد اللغوي في حياتنا اليومية والتعبير عن تجاوبنا المختلفة.مثل

وتتألف بوصفها ممارسة شعرية راقية في الدرجة الأولى منإن الخطاب الشعري يمثل بنية بالغة التعقيد. فهو يعتبر، في علاقته باللغة الطبيعية أعقد. وإذا كان مجموع الخبر المحمول بالخطاب الشعري ( نثراً أو منظوماً، في هذه الحالة هذه المسألة لا أهمية لها) وبالخطاب المعتاد متماثلاً فإن الخطاب الفني يفقد كل حق في الوجود وبدون شك سيتعرض للتلاشي. إلا أن الأمور لا تسير في هذا الاتجاه : إن بنية فنية مركبة ومصوغة انطلاقاً من مادة اللغة تسمح بتوصيل مجوعة من الأخبار يتعذر توصيلها بوسائل بنية اللغة الأولية لغة الاستعمال المعتاد أو اليومي]. ويترتب عن هذا أن أن خبراً معطى ( أي محتوى) لا يمكن أن يوجد ولا أن يُنْقَلَ خارج بنية معطاة. وإننا بتحويل قصيدة إلى الخطاب الشائع أو اليومي] ندمر بنيته، وتبعاً لذلك لا نوصل بتاتا إلى ذلك الذي يستمع مجموع الخبر الذي كان يحتويه[v]، ومن هنا كان التشديد على مركزية الاستعارة في خطاب لغوي لا ينفرد به الشعر دون غيره من الخطابات. 

التفاعل يحل محل الاستبدال :

تعد ثنائية المعنى الحرفي / المعاني الإيحائية، موضوع تفاعل للمعانم لا علاقة له بالاستبدال إن اللغة الشعرية ليست وحدها التي تخل بالمعيار. إن "خروقات الخطاب المرضي، أو اللغة الشعبية تسهم هي الأخرى في الإخلال بالمعيار. وهذا أمر يثير قضية شائكة : فالمعتوه والمفصوم يخرقان المعيار بسبب العجز. ولغة تلك العاملة التي حللتها إيفيت ديلصو هي الوحيدة التي كانت تستعملها. فهي لم تنتج هذا الخطاب بعد معاناة وطول تفكير، كما أنها لم تحترف هذا " الفن " ولم تصطنع " اسما " في الأوساط الأدبية. ولو قدر لخطابها أن يعرض على لجنة الامتحانات لكانت درجته الصفر. فهو خطاب مُقصى من المنتديات التي يرتادها الكتاب، كانوا من النخبة أو من العامة. فهو يصلح فقط لإثارة فضول الكاتب المسلي، الذي يعجب بالقريحة العامية للخادمة، عندما ينزل عندها في المطبخ، فيقوم بالتعبير عن هذه التجربة النادرة والعجيبة بنثر فني رفيع وحميمي "[vi]

الهوامش


[i] الشهري، عبد الهادي، إستراتيجيات الخطاب، 121.

[ii]البلاغة و الشعرية، ص.71.

[iii]- ينظر،اللغة والخطاب الأدبي ، ترجمة سعيد الغانمي،ص 47

[iv]-SPERBERet WILSON , 1989,P356

[v]_

15 - Iouri Lotman , La structure du texte artistique ; éd Gallimard , Paris , 1970 , p 38

[vi]_ Actes de la recherche en sciences sociales, n! 4 , p 33