نظرية أفعال الكلام في الخطاب التخييليpdf

بين سيرل وجينات

  منصوري مصطفى         

 جامعة سيدي بلعباس-الجزائر

تقديم:

يعد أوستين Austin المؤسس الأول  لما سيسمى نظرية أفعال الكلام، حين عمد إلى توجيه الفلسفة إلى دراسة اللغة بوصفها الوسيلة المثلى لوصف العالم. وبذلك صار يسيرا لديه أن يحكم على كل الجمل ماعدا الجمل الطلبية ( الاستفهام، الأمر التعجب) بكونها صادقة أو كاذبة، وفق مطابقتها لمحك وصف العالم، أما حين لا تقوى على ذلك الفعل فهي كاذبة. وطبيعي أن تستثنى الجمل الطلبية من تلك القاعدة، لأنها لا تصف بل تسعى لإحداث تغيير ما،وسيصبح مقياسها مغايرا، إذ تقرن بالتوفيق أو الإخفاق. غير أن ذلك التمييز لا يقوم على ضبط دقيق، فكثيرا ما توصف بعض الجمل بالطلبية دون أن تتوفر على الخصائص التي تميزها عن الجمل الوصفية

( تصف العالم فحسب) كأن لا تكون مسندة إلى ضمير المتكلم.

استحدث أوستين تمييزا جديدا يراعي تلك الاستثناءات، وينسجم مع مقولة، إن كل ملفوظ يقابل بإنجاز عمل لغوي. وبذلك تسنى له  وضع تصنيف ثلاثي:

-        فعل الكلام Acte locutoire*، يتحقق بمجرد التلفظ

-        فعل متضمن في القولActe illocutoire الفعل المتحقق انطلاقا من القول.

-        فعل تأثيري بالقولActe perlocutoire: العمل الناتج عن فعل الكلام.1

وبذلك صار كل ملفوظ عنده مقترنا بالتصنيفين الأوليين على الأقل، وقد يضاف لبعضها التصنيف الثالث، عند ظهور نتائج الفعل.

واصل سيرلSearle مشروع أستاذه مدققا ومعدلا ومقترحا مواطن بحث جديدة، لم يكن أوستين قد عمق البحث فيها بحكم حداثة ما كان ينجز. فكان كتابه أفعال الكلام(Les actes de langage essai de philosophie du langage) استمرارا لما كان يبحث عنه أوستين في منح النظرية تقريعات دقيقة تصبح من خلالها قادرة على استكشاف طرق إنجاز الأفعال انطلاقا من التصنيف الثلاثي الذي تبناه سيرل ووسع مجالاته وضبط تقلباته، لتصبح قابلة أن تشمل في كليتها أنواع الكلام بغض النظر عن طبيعة تحققه. ولعل أكثر الإضافات أهمية لدى سيرل سعيه إلى التمييز بين الأفعال المتضمنة في القول والأفعال التأثيرية، إذ مدار أفعال الكلام قائمة على ذلك التمييز.

 رأى سيرل أن الأفعال المتضمنة في الأقول قصدية، فإذا أنت (( لم تقصد أن تعطي وعدا، أو تصدر  حكما، إذا فأنت لم تطلق حكما، غير أن الأفعال التأثيرية لا يجب أن تؤدى قصديا بالضرورة. قد تقنع شخصا بشيء ما أو تدفعه إلى فعل شيء(..) دو أن تقصد ذلك))2 على الرغم من أن العمليتين مرتبطتان، فالأولى عادة ما تقود إلى الثانية. بيد إن سيرل  لم يكتف بذلك التمييز على أهميته بل عمد إلى تتبع طبيعة بناء الملفوظ المقترن بما سماه الفعل المتضمن في الكلام، محددا الشروط التي تضمن إنجاز الفعل، إذ إلى جانب القصدية، يراعي الفعل من حيث محتواه ونمطه. ومن ثم يصبح الإنجاز مقرونا بطوابع دلالية وأخرى شكلية.

يححد سيرل  تبعا لذلك مجموعة من الشروط تضمن للأفعال المتضمنة في الأقوال النجاح وتجنبها الإخفاق، وهي عنده كالآتي:

-   القواعد التمهيدية( التحضيرية): وتخص شروط التواصل، إذ تستدعي أن يتحدث  المتكلم  بغلة يفهمها السامعون، تضمن للمتكلم القدرة على إنجاز الفعل ، وتجعل السامع مدركا لإمكانية فعله أيضا.

-      قاعدة المحتوى القضوي: ومنه يتم إعلان حدوث فعل في المستقبل من المخاطب، فالوعد مثلا يقتضي من المتكلم إنجاز فعل في المستقبل.

-      القواعد الأساسية: وتتضمن محاولة تأثير المتكلم في المخاطب لينجز فعلا.

-      النزاهة: تستدعي أن يكون المخاطب راغبا في جعل المخاطب ينجز فعلا(ويشترط في الإثبات أو الوعد أن يكون نزيها).

-      القاعدة الجوهرية: التزام المتكلم بإثبات النزاهة، مع تحديد نوع التعهد المعلن.

المقصدية والمواضعات: تحدد المقاصد والطرق اللسانية المختارة لتنفيذ المقاصد بناء على المواضعات اللغوية.3 ووفق تلك القواعد تصنف الأقوال، فهي إما نزيهة وإما دون ذلك. ومادامت الأقوال متنوعة لا تتنظم وفق معايير متطابقة، فإن اعتماد تلك المعايير في حرفيتها يثير إشكالات وأسئلة حول هويتها.

1-    المرجعية الوهمية لأفعال التخييل

يربط سيرل بين الكلمات والجمل المنطوقة والأفعال المتضمنة في القول، إذ بمجرد نطقها يتم إنجاز الفعل، وذلك أمر يتفق مع فرضيته الأساسية القائمة على اعتبار فعل الكلام أو فعل الكتابة في أي لغة مقترنا بإنجاز أفعال كلام. وهي في الغالب لا تبتعد عن طرح أسئلة أو إصدار أوامر أو التماس أعذار أو إعلان وعود4. وحين تصبح كذلك فهي أفعال متضمنة في القول.

غير أن تصوره يواجه إشكالات محيرة حين يعتزم وصف ملفوظات الخطاب التخييلي وإلحاقها بأفعال الكلام، ذلك أن مكونات المحكي لا تحتفظ بمعانيها المألوفة المتداولة، ومن ثم يصعب إدراك قوانينها، لأنها ببساطة غير قابلة للملاحظة، أو أنها بعبارة أدق لا تخضع للمعايير المؤطرة للكلام غير التخييلي.

حاول سيرل قبل أن يصدر حكمه حول أحقية انتماء التخييل للأفعال المتضمنة في القول التمييز بين ما هو تخييلي وما هو أدبي.وعلى الرغم من إدراكه صعوبة الضبط الدقيق للحقلين، إذ ليست كل الأعمال التخييلية أدبية  بالضرورة، وليس كل ما هو أدبي تخييلي أيضا. مما يدل على الخيط الدقيق الذي يجمع بينها، والذي يفصل بينهما أيضا. فالهوية الأدبية لا تنطلق من وضعيات داخلية خاصة ولا من قوانين مصطلح عليها تميز الأدبي وغير الأدبي، وإنما تعود في الأساس إلى أحكام القراء وأذواقهم، ولا يحق للمؤلف أن ينعت عمله بالأدبي، فيما يملك شرعية إقحامه ضمن ما هو تخييلي. إذا كان  الأمر كذلك، فإن ما يخص التخييل قد ينسحب عما ما هو أدبي، وقد يفارقه، انطلاقا من طبيعة الأحكام المصاحبة لعمل المؤلف.

لا يقف سيرل عند التمييز بين الأدبي والتخيلي، بل يعمد إلى الفصل بين خطاب التخييل وخطاب الصور، فيعد الخطابين منفصلين، يستقل كل واحد بخصائص يتفرد بها عن الآخر. فالمجاز عنده ليس خاصية تخييلية، فهو موجود فيه وفي غيره. مما سيقود إلى تصنيف خطاب الصور ضمن ما سماه غير الحرفي، أما خطاب التخييل فقرنه بغير النزيه، والفرق واضح  بين الوصفين.

إن نعت خطاب التخييل بغير النزيه، يقصيه بالضرورة من أفعال الكلام ومن الأفعال المتضمنة في القول التي هي مدار حديثه هنا. فعندما يقول الروائي

 ( ينزل المطر) فذلك لا يعني أن المطر كان ينزل حين كان ذلك الروائي يكتب روايته، ولعل ذلك ما يقصي التخييل من دائرة ما يهتم به سيرل. والنزاهة ليست مرتبط بالحرفية كما يبدو، فمقطع مثل ( في قديم الزمان كانت فتاة تعيش في ظل مملكة يحكمه ملك حكيم، وكانت له فتاة جميلية) 5فعلى الرغم من حرفيتها إلا أنها غير نزيهة.

يستند سيرل في رفض فكرة انتماء التخييل للأفعال المتضمنة في الأقوال إلى مقارنة بين مقطعين لغويين، الأول مأخوذ من جريدة New Times  جاء فيه:( رفضت مجموعة من الشخصيات المنتمية للحكومة الفدرالية المحلية مقترح الرئيس نيكسونNixon القاضي بدفع الحكومة الفدرالية للحكومات المحلية مساعدات مالية للتقليل من ارتفاع  الضرائب على الملكية))، والثاني مقتبس من رواية الأخضر والأحمر لإريس موردوخ Iris Murdoch ( عشرة أيام أخرى من المجد بدون أحصنة، هكذا كان يفكر  الملازم الأول أندريه شاس وايت، المحول حديثا إلى الكتبية المتميزة (حصان الملك إدوارد)، بينما كان يعبث بكثير من الابتهاج في حديقة بدبلن في يوم أحد مشمس من أيام شهر أفريل سنة 1913)6

يرى سيرل أن كلا المقطعين صيغا صيغة حرفية، عدا كلمة ( يعبث) في الرواية الذي تبدو عليه بعض مميزات "غير الحرفي". غير أن ذلك لا يجنب المقطعيين اختلافات واضحة. فالمقطع الصحفي يقدم إخباراAssertion ويستجيب لكافة القواعد التي يتطلبها فعل الإخبار:

-       الصدق

-       لقدرة على تقديم دليل الصدق

-       النزاهة.7

فيما لا يحوي المقطع الروائي أيا من تلك القواعد، مما يجعله خارج اهتمامات أفعال الكلام. غير أن المقطع المقصى يتوفر على كامل مواصفات الإخبار. ومن هنا السؤال كيف يمكن للإخبار بالصيغة التي وردت في الرواية أن يسمى إخبار، وهو لا يستجيب للقواعد المنظمة لفعل الإخبار؟

يعتقد البعض كما يرى سيرل أن  صاحب الرواية لا ينجز إخبارا، وإنما يقوم بفعل آخر يعدونه فعلا متضمن في القول أيضا، ويقصدون به فعل إنجاز رواية. وعليه يصبح المقطع الصحفي منجزا للإخبار، أما المقطع الروائي، فينجز رواية. غير أن سيرل يرفض هذا التصور أيضا لاعتبارين:

أ‌-        إن أفعال الكلام أو الأفعال المتضمنة في القول مقترن بمعنى الجملة دون سواها.

ب‌-   إن الزعم يجعل التخييل ينجز أفعال كلام، لا يعني غير شيء واحد، هو أن ثمة أفعال كلام جديدة، لا عهد لنظرية أفعال الكلام بها.

لكن إذا كان Iris Murdoch لا ينجز فعل الإخبار، ولا ينجز فعلا آخر من خلاله، سواء أكان كتابة رواية أم غيرها، فما ذا يفعل إذا؟ إنه في رأي سيرل:

-  إما يوهم بإنجاز أفعال.

-  إما يرواغ/ يخادع بإنجاز أفعال.

-  إما يقلد طريقة إنجاز أفعال الكلام.

وفي كل الحالات فالتخييل يدعي/ يرواغ  Feindre/ إنجاز أفعال متضمنة في القول، غير أن نيته لا ينبغي أن تقرن بالخداع، على الرغم من أن من دلالات المراوغة الخداع، بيد أن مقصدية المؤلف هنا مستبعدة، وإن كان مجرد تحديد جنس النص يدخل القارئ أو المحل في دائرة تلك المقصدية.8 سواء كانت أجناسيته معلنة أم مضمرة.

يقيت الإشارة بعد كل هذا إلى الوقوف على الطريقة التي تتم بها المراوغة. إن عمل المؤلف يبدو قريبا من توهم الأطفال بسياقة السيارة، فهو يجلسون في المقعد، ويقومون بحركات مشابهة للحركات التي يقوم بها السائق، بيد أن السيارة لا تبرح مكانها، وكذلك يفعل المؤلف يرواغ بدعوى إنجاز أفعل متضمنة في القول، ولكنه في الحقيقة لا ينجز غير أصوات بتعبير أوستين.9

ثم بعد ذلك تتباين طرق المرواغة تبعا لطبيعة الصياغة، فالمحكي المصاغ برواية بضمير المتكلم يراوغ فيه المؤلف بوجود شخص آخر غيره يراوغ، فيما المؤلف المسرحي، لا يرواغ بادعاء إنجاز إخبارات، وإنما يقدم توجيهات في طرق المراوغة ليلتزم بها الممثلون. وقد تتم المراوغة بواسطة اختلاق شخصيات ذات مرجعيات وهمية. أما حين تحيل بعض شخصيات التخييل إلى أشخاص حقيقين ( الأمكنة، الأزمنة، الأحداث التاريخية)، فإن تصنيفها لا يتم إلا وفق معايير غير لسانية، وفي الحالتين فالمؤلف حين يراوغ بالإحالة إلى أشخاص أو أحداث، فإن في الوقت ذاته يختلق شخصياته التخييلية.

يختم سيرل يالإجابة عن سؤال يكون قد رافق القارئ من بداية عرض تصوره، يخص الغاية من الاهتمام بملفوظات التخييل على الرغم من أن أفعال الكلام ضمنها مراوغة. لا يجد سيرل ردا سوى  التنويه بدور الخيال في حياة الإنسان وأهميته في الحياة الاجتماعية10. فلا عجب أن يكون التخييل مدار نظرية أفعال الكلام، وإن كانت لا تستجيب للشروط التي اعتدها أوستين وبعده سيرل. غير أن تصور سيرل لا يقوى على سد كثير من الثغرات التي تظهرها دلائله، فلا مفهوم النزاهة خاضع لقواعد صارمة، ولا المراوغة محددة تحديدا لا لبس فيه، إذ لا مقياس يحدد متى يحق نعت ملفوظ بكونه مراوغا مادامت المراوغة ذاتها لا تكشف عن فعلها، ومتى بدت غير ذلك لم تعد مراوغة أصلا.

 2-       نزاهة ملفوظات التخييل

إذا كان سيرل قد أقصى أفعال التخييل من دائرة أفعال الكلام بوصفها أفعالا غير نزيهة، لا تستجيب لشروط اقتران القول بالفعل، فإن جيرار جيناتGérard Genette وهو الذي اقترن اسمه بالإجراءات الآلية لقراءة النصوص السردية لم يستسغ ذلك الإقصاء، أو أنه لم يقتنع بالدلائل الذي قدمها سيرل للتدليل على صحة ما ادعاه.

وجه جينات اهتمامه حين عزم الرد على سيرل إلى الخطاب السردي دون غيره من الخطابات، بوصفه خطابا يتميز بخصوصية تخييلية، لا يمكن الجزم في قوة درجتها مع الخطابات الأخرى، وبذلك فتصوره لا يخص الأدب في كليته، لأنه يرى أن قضية العلاقة بينه وبين أفعال الكلام قد عولجت في سياق خاص، لم يراع التمييزات الدقيقة بين ما هو أدبي وما هو تخييلي، إذ هما غير مقترنين، لا يستدعي الأول الثاني بالضرورة. وطبيعي بعد ذلك أن يستثني الخطاب الدرامي، لأن صيغته مختلفة، تصبح معالجته بعيدة عن إطار ما هو سردي. فالكتابة المسرحية قائمة على التمثيل مع مراعاة دور المخرج في نقل الأقوال إلى أفعال، انطلاقا من الاشتغال على صيغ خاصة، تقرب الدراما من الواقع.

تأسيسا على ما سبق فالحوارات داخل الخطاب السردي لا تثير إشكالات كبيرة، فهي عند جينات أفعال كلام أصيلة ونزيهة ممارسة ضمن العالم التخييلي12،فما يقطع من وعود وعهود لاتلزم المؤلف فحسب بل تلزم الشخصيات أيضا. وحين تصبح بتلك المواصفات، فإنها قادرة أن تصبح:

أفعال كلام

أفعال متضمنة في الكلام

أفعال تأثيرية12

وما يؤكد تصوره عدم قدرة قارئ الملفوظات السردية أحيانا تعيين المتكلم فقد يكون المؤلف أو الشخصية أو السارد، وبخاصة في الملفوظات المصاغة بالأسلوب غير المباشر الحر.

أما موضع الإشكال فمقترن بطبيعة أفعال الكلام ضمن المحكي المروي بضمير الغائب، حيث السارد ليس شخصية (أو ما يسميه جينات براني الحكاية/الحكي Hétérodiegetique). لايرى جينات ضرورة لطرح سؤال مشابه لما قام به سيرل (هل هي أفعال كلام أم لا؟) بل عمد إلى طرح سؤال جديد رآه أكثر أهمية: هل تلك الأفعال وصفها دقيق واقتصادي ومجد وأفضل من أي طريقة أخرى؟ وذلك يستجيب لخلفيته المعرفية، حيث يرتكز سؤال الشعريات حول ما هي أفضل طريقة وأقبح طريقة لقول ما قاله المؤلف.13

         يتفق جينات مع سيرل في عدم استجابة الإخبارات assertions ضمن الملفوظات التخييلية للشروط التي تتطلبها أفعال الكلام ( النزاهة، الالتزام، القدرة على تدليل الأقوال) ومن ثم عدها إخبارات مراوغة تماما مثل ما فعل سيرل. غير أنه يستدرك في إمكانية أن تكون بعض الإخبارات المراوغة حاملة لرسائل لا تقل نزاهة عن أفعال الكلام (ما تقوم به بعض الخرافات مثلا، فهي توجه وتعظ). كما أن جينات لا يتقاسم مع سيرل عدم اعتبار كتابة رواية ما من أفعال الكلام.

  إذا كانت قاعدة المرواغة قائمة على أننا حين نرواغ بفعل شيء ما، فإننا نراوغ بفعل شيء آخر، فذاك يقتضي أن المراوغة بفعل إخبارات يقود بالضرورة إلى إنجاز فعل آخر هو إنتاج فعل تخييلي. ومن ثم يصبح السؤال: هل إنتاج التخييل والمرواغة بالقيام بإخبارات لا يعد من الوجهة التقنية فعلا متضمنا في القول؟

         يتخذ الملفوظ التخييلي شكل دعوة للولوج لعالمه الخاص، فتصبح تلك الدعوة بمصطلحات الأفعال المتضمنة في القول من قبيل الطلب،الاقتراح.. لا تختلف عنها إلا في الدرجة. فجملة ( كانت فتاة تعيش مع أمها في الغابة) المصاغة بهيئة إخبارية، تعني شيئا يشبه ( تخيلوا معي فتاة كانت)، إن هذه الوضعية الأولية لفعل التخييل يمكن أن توصف بيسر بالمصطلحات نفسها التي اقترحها سيرل، أي أن السامع  يطلب(ويطلب مطابقة واقع الخطاب)14 معلنا رغبته أن يتدخل السامع ليشاركه فعله. ومن ثم فالطلب وإن كان ضمينا أو صامتا فإن الاستجابة له مضمونة، مما يجعلها مطابقة مما سماه سيرل الإنشاء Déclaration، فالمؤلف انطلاقا منها يمارس سلطة تشبه سلطة الرئيس حين يعلن الجلسة مفتوحة دون استشارة أحد، وكذلك يفعل المؤلف. ولا شك أن هذا التصور يعد ملفوظات التخييل أفعال متضمنة في القول تستجيب لشرط النزاهة.

أما التصنيف الثالث الخاص بالأفعال التأثيرية بالقول فهي في الخطاب التخييلي ذات طابع جمالي فني، مقترن بفعل إنتاج العمل التخييلي نفسه.

         غير أن ذلك كله لا يعني  أن تخصيص أفعال متضمنة في الأقوال للخطاب التخييلي يمكن أن تستكشف منها مقصدية المؤلف، فهي لا تتعدى مقصدية الخطاب. فأفعال الكلام في الملفوظات التخييلية يمكن أن تخفق عندما لا يقوى القارئ على فك شفرتها، تماما حين يخفق فعل كلام غير مباشر ( أنت أسد، السامع يرد إنك مجنون).15 وبذلك فالنصوص الموازية يمكن أن تسهم في التقليل من ذلك الالتباس، وبخاصة أن القصة الواحدة يمكن أن تستقبل بوصفها حقيقة عند البعض وقد تستقبل عند البعض الآخر بوصفها اعتقادا خاطئا.

ومهما يكن فجينات يعد الملفوظات التخييلية إخبارات غير نزيهة وغير حرفية متضمنة ضمن صيغ أفعال كلام غير مباشرة أو أنها طلبات تخييلية. إن هذا الوصف يبدو له أكثر دقة واقتصادا مما لجأ إليه سيرل حين استدعى المواضعات الأفقية والمواضعات غير اللسانية وغير الدلالية التي تقطع الصلة بين الكلمات والعالم، أما تصوره فلا يستدعي غير الاعتقاد بقدرة اللغة على أن تقول أشياء غير الأشياء التي تتمظهر من خلال النطق.

يبدو أن محاولة ربط أفعال التخييل بأفعال الكلام من عدمه ليست بالأمر اليسير كما بدت لجينات وسيرل. فالعملية لا تخضع لضوابط تقنية دقيقة تضم الأول وتقصي الثاني. وقد لا ينتهي الجدال إذا استمر كل طرف في الالتزام بتصوره المعرفي الخاص. ثم أليس من المجدي وضع أفعال التخييلي في خانة خاصة بقواعد مختلفة، لئلا تغدو نظرية أفعال الكلام موقوفة للملفوظات العادية التي لا يلتفت إليها إلا المشتغلون بالأطر الاجتماعية والسياسية. إن غلق الأبواب أمام أفعال التخييل بدعوى عدم نزاهة يدخل الأدب في سؤال والغاية، فلا يهتم بها إلا مقنرنة بالتسلية وقتل الوقت. وهذا أمر يثير سؤالا آخر عن جدوى أفعال الكلام إذا كانت مخصوصة لكلام دون غيره. ألا يقال إن النظريات والمناهج لا تظهر فاعليتها إلا إذا كانت قابلة للتطبيق على أكثر من متن؟

إحالات:

 * لا يتقد االلسانيون العرب وغيرهم، على مقابلات واحدة لمصطلحات نظرية أفعال الكلام.

-         Acte locutoire تقابلها: فعل كلام، فعل قول، فعل لغة، عمل كلام..

-         Acte illocutoire: فعل متضمن في الكلام، فعل تمريري،

-         Acte perlocutoire، عمل تأثيري بالقول، تأثيري بالكلام، أفعال تأثيرية..

1-ينظر، آن روبول، جاك موشلار، التداولية اليوم علم جديد في التواصل، تر. سيف الدين دغفوس محمد الشيباني،المنظمة العربية للترجمة،بيروت،  ص.32.

2-جون سيرل، العقل واللغة والمجتمع الفلسفة في العالم الواقعي، تر. سعيد الغانمي، الدار العربية للعلوم، المركز الثقافي العربي، منشورات الاختلاف، بيروت الجزائر،2006، ص.203

3- ينظر، آن روبول، جاك موشلار، التداولية اليوم علم جديد في التواصل، ص.34

4-John r. Searle , Sens et expression étude de théorie des actes de langage, trad.Joëlle Proust, Paris ; éd,Minuit,1982, p.101.

5 John r. Searle , Sens et expression, p.103

6- Ibid, p.104.105.

7- Ibid, p.105.

8- Ibid, p.108.

9- Ibid, p.111.

10- Ibid, p.118.

11-Gerard Genette, fictin et diction, Paris, ed, du seuil, 1991, p.42.

12-- Ibid, p.42.

13-- Ibid, p.45

14-- Ibid, p.49.50.

15-- Ibid, p.59