نظرية الحدث الكلامي من أوستين إلى سيرلpdf

  د/العيد جلولي        

جامعة قاصدي مرباح – ورقلة - الجزائر

 يتجه علم اللغة الحديث في دراسته للغة وانظمتها اتجاهين مختلفين , احدهما يتجه إلى دراسة اللغة دراسة شكلية معزولة ومفصولة عن كل سياق ثقـافي أو اجتماعي مركزا على دراسة النـظام اللغوي وعلاقة عناصره بعضها ببعض , فاللغة حسبهم لا تدرس بوصفها خطابا بل بوصفها نظاما مجردا ويمثل هدا الاتجاه فرديناند دي سوسيرF.de Sussure  وكل الاتجاهات التي اتكأت على محاضراته ودروسه كالبنيوية والنحو التحويلي التوليدي وغيرهما . والاتجاه الثاني يهتم بدراسة الاستعمال اللغوي , ودراسة الضوابط التي تحكم هذا الاستخدام ,  ودور المقام أو السياق غير اللغوي في التواصل الإنساني ,  ويهتم كذلك بالمتكلم والسامع والعلاقة بينهما , وما يرافق الكلام من حركات الجسم , وتعبيرات الوجه , ومن يشاركون في الاتصال اللغوي , وبيئة الحدث , وقدرة السامع على فهم مقاصد المتكلم , ومدى استجابته لهذه المقاصد وما يتطلبه التواصل من معان مقامية , ويمثل هذا الاتجاه أصحاب اللسانيات الاجتماعية والتداولية (1). وفي هدا المقال سنتناول الاتجاه الأخير أي التداولية التي تقوم على رفض ثنائية اللغة/الكلام  (Langue/Parole  ) التي نادى بها دوسوسير وسنركز اهتمامنا على دراسة نظرية الحدث الكلامي أو نظرية أفعال الكلام  باعتبارها أهم الجوانب الأربعة التي يقوم عليها البحث التداولي وهي : الإشارة , والافتراض السابق , والاستلزام الحواري , والأفعال الكلامية , وسنتناول نظرية الأفعال الكلامية  في مرحلتين أساسيتين هما : مرحلة الظهور والنشأة والتأسيس عند ج.ل.أوستنJ.L.Austin  , ومرحلة النضج والضبط المنهجي عند ج.ر.سيرل J.R.Searle. 

والتداولية ترجمة للمصطلح الإنجليزي (Pragmatics ) أو الفرنسي (   Pragmatique ) وتعني العلم الذي يسعى إلى دراسة علاقة العلامات بمفسريها أو بعبارة أبسط تهتم بطريقة توصيل معنى اللغة الطبيعية أو العادية بين متكلم تصدر عنه رسالة , وسامع يتلقى هذه الرسالة ليفسرها , فهي دراسة اللغة في الاستعمال والتواصل .

والتداولية لا تنضوي تحت علم من علوم اللغة الكثيرة والمتشعبة , ولكنها تتقاطع معها متمددة في كثير منها كعلم الدلالة , وتحليل الخطاب , وعلم اللغة الاجتماعي , وعلم اللغة النفسي ," وتأتي أهمية التداولية في كونها تهتم بمختلف الأسئلة الهامة , والإشكالات الجوهرية في النص الأدبي المعاصر , لأنها تحاول الإحاطة , بعديد من الأسئلة , من قبيل :

-        من يتكلم وإلى من يتكلم ؟

-        ماذا نقول بالضبط حين نتكلم ؟

-        ما هو مصدر التشويش و الإيضاح ؟

-  كيف نتكلم بشيء , ونريد قول شيء آخر ؟  " (2)

وتختلف التداولية ( Pragmatique) عن المذهب الذرائعي (Pragmatisme)  في الفلسفة  غير أن البعض يرى في الذرائعية أو النفعية  مصدرا من مصادر التداولية رابطين ما طرحه تشارلز موريسC. Morris  بالسياق الذرائعي لشارلزسانديرس بيرس   C.S.Peirce  وخصوصا مفهوم بيرس عن العلامة والفكر, فهو يرى أنه لا يمكن  التفكير بلا علامات , وكل تفكير هو بالعلامات وقد تبنى بيرس عقيدة ( العلامة الفكر ) , ولهذا سارت التداولية منذ ذلك الوقت في اتجاهين هما : الدراسات اللسانية والدراسات الفلسفية , بل وتشعبت وكثرت مجالاتها وتعددت اتجاهاتها فمنها:

-        تداولية البلاغيين الجدد .

-        تداولية السيكو-سوسيو.

-        تداولية اللسانيين .

-        تداولية المناطقة والفلاسفة .(3)

 وربما هذه الاعتبارات هي التي دفعت المترجمين العرب إلى ترجمة هذا المصطلح بالذرائعية والذريعية و النفعـية وعلم الاستعمال وعلم التخاطب والتداولية  غير أن هناك من الباحثين من يرفض هذه الترجمات ويكتفـي بمصطلـح التداولية . (4)

 ويعود استعمال مصطلح (التداولية ) Pragmatique إلى الفيلسوف تشارلز موريس  Charles Morris سنة 1938م حين اعتنى بتحديد الإطار العام لعلم العلامات أو السيميائيات من خلال تمييزه بين ثلاثة فروع وهي :  

- التراكيب أو النحو(Sytax)  وهو دراسة العلاقة الشكلية بين العلامات بعضها ببعض .

- الدلالة (Semantics)  وهي دراسة علاقة العلامات بالأشياء التي تؤول إليها هذه العلامات .

- التداولية ( Pragmatics ) وهي دراسة علاقة العلامات بمستعمليها وبمؤوليها .

 فالتداولية عنده جزء من السيميائية التي تعالج العلاقة بين العلامات , ومستعملي هذه العلامات  وهو تعريف واسع وفضفاض يتعدى حدود ما هو لسـاني إلى ما هو سيميائي , كما يتعدى المجال الإنساني إلى الحيواني والآلي .(5) وهناك تعريفات أخرى منها تعريف آن ماري ديير( A.M.Diller) , وفرنسوا ريكاناتي (F.Récanati) وهو " التداولية هي دراسة استعمال اللغة في الخطاب , شاهدة في ذلك على مقدرتها الخطابية "  (6) وتحديد جاك فرانسيس JACQUES Francis) ) للتداولية بأنها تتطرق للغة كظاهرة خطابية , وتواصلية , واجتماعية معا . (7)

نظـرية الحدث الكلامي : ويطلق عليها أيضا نظرية أفعـال الكلام وهي ترجمة للعبـارة الإنجـليزية speech act theory  أو العبارة الفرنسية la théorie des actes de parole   ولهذه النـظريـة ترجمات أخرى في اللغة العربية  مثل نظرية الحـدث اللغوي , والنظرية الإنجازية ونظرية الفعـل الكلامي وغيرها من الصيغ والعبارات وهي جزء من اللسانيات التداولية Linguistic Pragmatics  . وقد مرت هذه النظرية بعدة مراحل لعل أهمها مرحلة التأسيس ويمثلها ج.ل.أوستن  J.L.Austin  ومرحلة النضج والضبط المنهجي ويمثلها ج.ر.سيرل J.R Searle .

أولا - مرحلة التأسيس : ويمثلها كما ذكرنا الفيلسوف اللغوي الإنجليزي أوستن الذي ألقى سلسلة من المحاضرات في جامعة أكسفورد ما بين عامي 1952م و 1954م  كما ألقى مجموعة أخرى من المحاضرات في جامعة هارفارد عام 1955 م وقد جمعت المحاضرات الأخيرة في كتاب طبع بعد وفاته عام 1962م وعنونه : " كيف نفعل الأشياء بالكلمات " أو " كيف ننجز الأفعال بالكلمات "How to do things with words  

 ويتلخص فكر أوستن في نقطتين أساسيتين هما :

أ‌-          رفض ثنائية الصدق والكذب.

ب‌-      الإقرار بأن كل قول هو عبارة عن فعل أو عمل .(8)

 وقبل الخوض في هاتين المسألتين تجدر الإشارة أن أوستن متأثر في فكره بفيلسوف اللغة النمساوي لودفيغ  فيتجنشتاين Wittgenestein ) )(1889-1951 ) وبفلسفته التحليلية  وقد انظم فيتجنشتاين إلى فلاسفـة أكسـفورد بقصـد دراسة اللغة الطبيعية مؤسسا لاتجاه جديد أطلـق عليه " فلسفة اللغة العادية "وتعتمد هذه الفلسفة على ثلاثة مفاهيم أساسية هي : الدلالة , القاعدة , ألعاب اللغة (Languag games ) , (Jeux du langage ) وعموما فإن فكر فيتجنشتاين قد مر بمرحلتين , الأولى : مرحلة الرسالة المنطقية الفلسفية وفيها يرى أن كل قضية هي صورة للواقع , وبالتالي فإن دور اللغة هو تصوير الواقع أو وصف العالم , ودور الفلسفة هو التوضيح المنطقي للأفكار فالفلسفة فاعلية وليست نظرية , واللغة التي يقصدها هنا هي اللغة الاصطناعية , والقضايا التي يعنيها ذات طابع تركيبي دلالي . والمرحلة الثانية هي مرحلة الأبحاث الفلسفية والانتقال من نظرية الصورة إلى نظرية الألعاب اللغوية , ومن اللغة الاصطناعية إلى اللغة العادية , ومن الجانب التركيبي الدلالي للقضايا إلى الوظائف الفعلية للغة وكيفية استعمالها , إن فهم لفظ معين هو فهم معنى استعمالاته الفعلية في سياقات مختلفة وبالتالي التأكيد على العلاقة بين الدلالة اللغوية والألعاب والممارسات اللغوية , وأهمية ذلك نابعة من أن هناك ألفاظا كثيرة كألفاظ الكلية لا يوجد مقابل لها في الوجود الخارجي وأرسى بذلك مبدأ مثيرا للجدل عند الفلسفة وهو " المعنى هو الاستعمال " . (9) 

 واعتمادا على هذه الخلفية الفلسفية تصدى أوستن للرد على فلاسفة الوضعية المنطقية الذين كانوا يرون اللغة أداة رمزية لها مقابل في الوجود الخارجي ولا وظيفة لها إلا وصف هذا العالم الخارجي بطريقة إخبارية ثم يكون الحكم بعد ذلك على العبارة المستعملة بالصدق أو الكذب حسب مطابقتها للواقـع وقد أنـكروا العبارات غير الإخبارية فهي عندهم لا معنى لها ومن ثم لا يعـتد بها , في حين ينكر أوستن أن تكون وظيفة العبارة الإخبارية هي وصف حال الوقائع وصفا يكون إما صادقا أو كاذبا وسمى ذلك بالمغالطة الوصفية , إذ توجد ـ حسب أوستن ـ عبارات تشبه في التركيب العبارات الوصفية ولكنها لا تصف شيئا في الواقع الخارجي ولا تحتمل الصدق أو الكذب فإذا رأيت أن توصي ببعض مالك لجمعية خيرية فقلت : " أوصي ببعض مالي إلى جمعية رعاية اليتيم " فهذه العبارة لا تصف شيئا من وقائع العالم الخارجي و ولا تحتمل الصدق أو الكذب فإنك إذا نطقت بها لا تلقي قولا , بل تنجز فعلا , فالقول هنا هو الفعل أو جزء منه , لأنك تنجز فعل التوصية بقولك " أوصي " فالقول في هذه العبارة ليس مجرد كلام , بل هو فعل كلام .(10)

لهذا ميز أوستن في مرحلته الأولى بين نوعين من الأفعـال : أفعـال إخبارية أو تقريرية constative /constatif  وهي الأفعال التي تخبر أو تصف الواقع الخارجي ويحكم عليها بالصدق أو الكذب , وأفعال أدائية أو إنشائية  performative/ performatif وليس لهذه الأفعال خصيصة الحكم عليها بالصدق أو الكذب فهي تستخدم لإنجاز فعل مثل قولي : " أرجو منك المعذرة " فهذا القول يعبر في الوقت نفسه عن أن ثمة طلبا للمعذرة فضلا عن كوني أعرب عن رجاء فالعبارة بالتالي  لا تخضع لمقياس الصدق والكذب و إنما يحكم عليها بالنجاح والتوفيق والسعادة طبعا إذا راعى فيها المتكلم شروط أدائها وكان أهلا لفعلها , أو العكس يحكم عليها بالإخفاق وعدم التوفيق والتعاسة إذا لم يراع فيها المتكلم شروط أدائها ,  ولم يكن أهلا لفعلها , وأطلق على الشروط التي تتحقق بها الأفعال الأدائية اسم " شروط الملاءمة " وحصرها في ثلاثة أنماط هي كالتالي :

1-    وجود إجراء عرفي مقبول , وله أثر عرفي محدد , وينبغي أن يكون القائمين به  مناسبين لهذا الإجراء المحدد وأن تكون الظروف مناسبة أيضا.

2-  يجب أن يؤدي هذا الإجراء جميع المشاركين فيه أداء صحيحا وذلك بالبعد عن استعمال العبارات الغامضـة أو المبهمة , ويجب أن يؤدي هذا الإجراء جميع المشاركين فيه أداء كاملا .

3-  أن يشترك القائم بالإجراء والمشارك فيه في الأفكار والمشاعر نفسها , وعلى المشارك في الإجراء أن يوجه نفسه إلى ما يستتبعه ذلك من سلوك ظاهر .

 واعتـبر أوستن أن الشرطين الأولين لازمان لأداء الفعـل , فإذا اخـتل شرط منها فإن الفعـل لا يؤدى , وسمى الأفعال التي تخالف هذين الشرطين اسم "الإخفاقات " , في حين إذا اختل الشرط الأخير فإن الفعل يؤدى تأدية سيئة ,

سمى الأفعـال التي تخالف الشرط الأخير اسم " الإساءات ". (11)  

وفي مرحلة ثانية من تطور نظرية أفعال الكلام حاول أوستن مراجعة وتعديل هذه التقسيمات والشروط التي وضعها للتمييز بين الأفعال الإخبارية والأفعال الأدائية فرأى أن الفعل الكلامي مركب من ثلاثة أفعال تشكل كيانا واحدا و تؤدى في الوقت نفسه الذي ينطق فيه بالفعل الكلامي ولا يمكن تجزئتها أو فصلها إلا من قبيل التيسير الإجرائي قصد الفهم والدراسة فقط وهي :

1-  فعل القول أو الفعل الصوتي أو اللفظي أو الفعل اللغوي ( locutionary act/ acte locutionnaire ) : ويتمثل في التلفظ بجمل مفيدة ذات بناء نحوي صحيح ينتج عنه المعنى الأصلي , أو في إنتاج أصوات منتمية إلى لغة معينة , وهذا الفعل يقع دائما مع كل قول , لكنه و إن أعطى معنى ذلك القول فإنه لا يزال غير كاف لإدراكنا أبعاد هذا القول .

2-  فعل متضمن في القول أوالفعل الغرضي أو الإنجازي(acte illocutionnaire/illocutionary act  ) ويقصد به ما يؤديه الفعل اللفظي أو الصوتي من وظيفة في الاستعمال, فغاية المتكلم التعبير عن معنى في نفسه كالأمر , والاعتراض , والموافقة , والقبول , والنصح وغيرها , والفرق بين الفعل الأول والفعل الثاني هو أن الثاني قيام بفعل ضمن قول شيء في مقابل القيام بفعل هو قول شيء (12)

3-  الفعل الناتج عن القول أو الفعل بواسطة القول أو الفعل التأثيري              (acte perlocutionnaire/perlocutionary act  )  وهو ما يتركه الفعل الإنجازي من تأثير في السامع أو المخاطب  سواء أكان التأثير تأثيرا جسديا أم فكريا , والغاية منه حمله على اتخاذ موقف , أو تغيير رأي , أو القيام بعمل ما مثل : " في هذا البيت عفاريت " فهذه العبارة تقال لشخص على حمله ترك استئجار البيت أو شرائه , والوظيفة التي تؤديها العبارة من وجهة المتكلم تكون معروفة له وتحت سيطرته وتعبر عن قصده , أما التأثير في المخاطب فمن غير الممكن التنبؤ به , وقد يكون عكس ما يتوقعه المتكلم , ولا يمكن معرفة مدى التأثير في السامع إلا بعد صدور رد فعله .(13)

ويعد الفعل الإنجازي هو العمدة والركيزة في الكلام وأهمها فركز أوستن عنايته عليه حتى سميت نظرية أفعال الكلام بـ " النظرية الإنجازية " أو " نظرية الفعل الإنجازي " وهذا الفعل يرتبط بمقصد المتكلم وعلى السامع أن يبذل جهده في سبيل الوصول إليه , ولهذا يلعب مفهوم قصد المتكلم Intention  ( القصدية ) دورا مركزيا في نظرية أفعال الكلام .

ثم قام أوستن بتجميع أو تصنيف جميع الأفعال اللغوية في خمس فصائل كبرى تحتوي هي :

1-     الأفعال اللغوية الدالة على الحكم (الحكمية أو الحكميات ) ( verdictifs ) وهو كل فعل يدل على حكم يصدره مُحَكَـم أو حَكَم مثل : حكم , قدر , قوم , شخص , عين , وصف , حلل ...إلخ

2-  الأفعال اللغوية الدالة على الممارسة أو القرارات( الإنفاذيات ) (exercitifs  ) وهو كل فعل يعبر عن اتخاذ قرار أو ممارسة في صالح شخص أو ضده مثل : عين , حذر , حرم , أذن , نصح , جند , اختار , طرد ...إلخ

3-  الأفعال الدالة على الوعد أو التعهد أو (الوعديات) ( commissifs) وهو كل فعل يعبر به المتكلم عن وعد أو تعهد بفعل شيء مثل : وعد , تعهد , تعاقد , ضمن , كفل , قبل , التزم ...إلخ

4-  الأفعال الدالة على السلوك أو السيرة ( السلوكيات ) ( conductifs) وهو كل فعل يعبر عن سلوك أو سيرة المتكلمين الاجتماعي  مثل : شكر , لعن , اعتذر , تعاطف , هنأ ...إلخ

5-  الأفعال الدالة على العرض أو الإيضاح ( العرضية ) (expositifs  ) هو كل فعل يؤتى به لتوضيح وجهة نظر أو بيان الرأي وذكر الحجة , مثل : اعترف , رد , أثبت , اعترض , افترض , شك , استفهم , وافق , أكد , أنكر , أجاب , وهب , فسر ...إلخ (14)

ومع ما بذله ج. ل . أوستن من جهد في سبيل إقامة نظرية متكاملة لأفعال الكلام فإنه لم يوفق كل التوفيق فقد ظلت أعماله تفتقد للأسس المنهجية الواضحة , ولم تتحدد معالم هده النظرية إلا مع مجيء تلميذه ج. ر. سيرل وتلك هي المرحلة الثانية في تطور هذه النظرية .

      ثانيا - مرحلة النضج والضبط المنهجي :

يعد ج. ر. سيرل واضع الأسس المنهجية لنظرية أفعال الكلام ومرسي قواعدها ومطور أفكار أوستن  وتنهض أفكاره على المبادئ التالية :

1- يعد الفعل المتضمن في القول ( الإنجازي ) هو الوحدة الصغرى للاتصال اللغوي , وللقوة الإنجازية دليلا يبين لنا نوع الفعل الانجازي الذي يؤديه المتكلم حين نطقه الجملة , كالنبر والتنغيم وصيغ الفعل .

2- الفعل الكلامي لا يقتصر على مراد المتكلم بل يرتبط أيضا بالعرف اللغوي والاجتماعي.

3- طور شروط الملاءمة التي تحدث عنها أوستن وجعلها أربعة شروط وطبقها على الفعل الانجازي تطبيقا محكما وهذه الشروط هي :  

ا - شروط المحتوى القضوي : ويتحقق بأن يكون للكلام معنى قضوي والقضوي نسبة إلى القضية التي تقوم على متحدث عنه أو مرجع و متحدث به أو خبر , والمحتوى القضوي هو المعنى الأصلي للقضية , ويتحقق شرط المحتوى القضوي في فعل الوعد مثلا إذا كان دالا على حدث في المستقبل يلزم به المتكلم نفسه . فهو فعل في المستقبل مطلوب من المخاطب .

ب- الشرط التمهيدي : ويتحقق إذا كان المتكلم قادرا على إنجاز الفعل.

        ج-  شرط الإخلاص : و يتحقق حين يكون المتكلم مخلصا في أداء الفعل .

        د- الشرط الأساسي : ويتحقق حين يحاول المتكلم التأثير في السامع لينجز الفعل .

 4 - صنف الأفعال الكلامية إلى خمسة أصناف وهي :                                               

 أ- الإخباريات أو التقريريات  assertives) ) : واتجاه المطابقة في الغرض الإخباري أو التقريري هو من القول إلى العالم (words-to world) ولا يوجد شرط عام للمحتوى القضوي في الإخباريات لأن كل قضية يمكن أن تشكل محتوى في الإخباريات , وأفعال هذا الصنف كلها تحتمل الصدق والكذب . (15)

 ب- التوجيهات أو الأمريات أو الطلبيات (directives ) : واتجاه المطابقة في الغرض التوجيهي يكون من العالم إلى القول (world-to-words ) والمسؤول عن إحداث المطابقة هو المخاطب , والشرط العام للمحتوى القضوي هو أن يعبر عن فعل مستقبل للمخاطب وقدرة المخاطب على انجاز ما طلب منه . (16) 

ج- الالتزاميات أو الوعديات ( commissives) : واتجاه المطابقة في الغرض الإلتزامي يكون من العالم إلى القول (world-to words) والمسؤول عن إحداث المطابقة هو المتكلم , والشرط العام للمحتوى القضوي هو تمثل القضية فعلا مستقبلا للمتكلم وقدرة المتكلم على أداء ما يلزم نفسه به .(17)

 د- التعبيريات أو البوحيات (   ( expressives واتجاه المطابقة في الغرض التعبيري هو الاتجاه الفارغ وليس هناك شرط عام محدد للمحتوى القضوي في التعبيريات , والقضايا التي تتضمنها البوحيات ترتبط بالمتكلم أو المخاطب .(18)

        هـ - الإعلانيات أو الإيقاعيات (declaratives ) : واتجاه المطابقة في الغرض الإعلاني قد يكون من القول إلى العالم أو من العالم إلى القول أي الاتجاه المزدوج  ولا يحتاج إلى شرط إذ يكفي انجازها بنجاح لتحقيق المطابقة .(19)

 5- فرق أوستن بين الأفعال اللفظية والأفعال الإنجازية , وفرق بين الإنجازية الصريحة والأولية , ثم خطا سيرل خطوة مهمة في هذا الاتجاه فميز بين الأفعال الإنجازية المباشرة , والأفعال الإنجازية غير المباشرة , أو الحرفية وغير الحرفية , أو الثانوية والأولية وأكثر المصطلحات تداولا عنده هو "المباشرة " و "غير المباشرة "                                                                       

 وخلاصة القول فإن نظرية الحدث الكلامي- التي تعد أهم ما في الدرس التداولي- لم تعرف كنظرية لها أسسها الفلسفية وضوابطها المنهجية إلا على يد أوستين وتلميذه سيرل فهما اللذان أعطيا هذه النظرية  بعدها الفلسفي والعلمي  حين درسا فلسفة اللغة العادية أو اللغة المستعملة محللين الظواهر اللغوية والصيغ الكلامية التي ينشأ عنها الحدث الكلامي أو الفعل الكلامي .    

الهوامش والإحالات :

(1)  ينظر محمود أحمد نحلة , آفاق جديدة في البحث اللغوي المعاصر , دار المعرفة الجامعية , مصر , 2006 , ص57 .

(2) فرانسواز أرمينكو , المقاربة التداولية , ترجمة سعيد علوش , مركز الإنماء القومي , بيروت , د.ت , ص5 .

(3) ينظر المرجع نفسه , الصفحة نفسها .

(4) ينظر مسعود صحراوي , التداولية عند العلماء العرب , دار الطليعة بيروت , ط1 ,2005 , ص15.

(5) ينظر فرانسواز أرمينكو , المرجع السابق , ص8.

(6) ينظر المرجع نفسه , الصفحة نفسها .

(7) JACQUES Francis , Pragmatique , Encyclopedia Universalis , V18 –P856       

(8) ينظر الجيلالي دلاش , مدخل إلى اللسانيات التداولية ,ترجمة محمد يحياتن , ديوان المطبوعات الجامعية , الجزائر ,1992 , ص22.

(9) ينظر الزواوي بغورة , الفلسفة واللغة , نقد "المنعطف اللغوي " في الفلسفة المعاصرة , دار الطليعة ,  بيروت , ص

(10) ينظر محمود أحمد نحلة , المرجع السابق , ص61 , 62 .

(11) ينظر المرجع نفسه , ص64 , 65 .

(12) ينظرطالب سيد هاشم الطبطبائي , نظرية الأفعال الكلامية بين فلاسفة اللغة المعاصرين والبلاغيين العرب , مطبوعات جامعة الكويت , 1994 , ص8.

(13) ينظر الجيلالي دلاش , المرجع السابق , ص24.

(14) ينظر المرجع نفسه , ص25 , وينظر أيضا محمود أحمد نحلة , المرجع السابق , ص 69 , وينظر أيضا فرانسواز أرمينكو , المرجع السابق , ص62 .  

(15) ينظر سيد هاشم الطبطبائي , نظرية الأفعال الكلامية بين فلاسفة اللغة المعاصرين والبلاغيين العرب , مطبوعات جامعة الكويت , 1994 , ص30.

(16) ينظر المرجع نفسه , ص31.

(17) ) ينظر المرجع نفسه , ص30.

(18) ينظر المرجع نفسه , ص32

(19) ينظر المرجع نفسه , ص32