إرهاصات التداولية في التراث اللغوي العربيpdf

أ/صلاح الدين زرال   

 جامعة فرحات عباس سطيف-الجزائر

 إن الحديث عن اللسانيات التداولية ومضامينها وأدواتها يستلزم منا بداهة أن نقف عند قصية جوهرية نبها لها الكثير من الباحثين وهي التفرقة اللازمة بين البنية والاستعمال وهي تفرقة منهجية بالدرجة الأولى ، يقول الباحث عبد الرحمن الحاج صالح : " إنّما يفسّر اختيار لفظٍ معيّنٍ في تأدية غرضٍ معيّنٍ في حال خطابٍ معيّنةٍ وليس المعنى وحده – حتّى في هذه الصّورة – يفسّر وجود لفظين معين. فما هو راجع إلى اللّفظ له قوانينه الخاصّة به غير قوانين استعمال اللّفظ. فدراسة هذا الجانب الاستعمالي للّغة هو الذي يسمّيه الأوروبيون الآن براغماتيك pragmatique. وأصبح الآن الكثير من اللّسانيين الغربيين ومقلّديهم من العرب لا يعرفون إلاّ البراغماتيك بل حصروا كلّ اللّسانيات في هذا الجانب الاستعمالي مقتنعين في ذلك بأنّ بنية اللّغة تفسّرها المعاني المقصودة في الخطاب وهذا خلط فظيع بين ما هو لفظٌ له بنية قائمة بذاتها كما قلنا وبين اختيار هذا اللّفظ في حالٍ خطابيةٍ معيّنةٍ. والسّبب يكمن في وقوع نوعٍ من الكلل إزاء البحوث الصّورية في ذاتها والنّفور من دراستها على حدة أي بعيداً عن كيفية استعمال النّاطقين بها. وأكثر اللّغويين الغربيين المحدثين مولعون بالبراغماتيك، أي دراسة استعمال اللّغة، وقوانين استعمال اللّغة اجتماعية أصالة وللبنى اللّغوية جانب آخر غير اجتماعيٍ وهو ميدان صوري، وهذا مع الأسف لم ينتبه إليه الكثير من النّاس وفيما يخصّ النّحو في حدّ ذاته فيقولون بأنّ البنية قُتلت بحثاً في اللّسانيات الحديثة... ".)1(

 وإذا كانت اللّغة كذلك، فإنّه يجب أن ننتبه إلى أنّها " تحتوي على جوانب شديدة التّعقيد تتطلّب أكثر من منهجٍ وأكثر من وسيلةٍ لفكّ شفراتها وتحليل محتوياتها، وكشف مقاصدها، ولا يتسنّى لمنهجٍ واحدٍ أن يصف خصائص اللّغة وصفاتها أو يفسّر ظواهرها تفسيراً واضحاً يصيب كبدها، ومن ثَمَّ قسّم العلماءُ اللّغةَ إلى عدّة مستوياتٍ تحليليةٍ ليتمكّنوا من كشف محتوياتها وإظهار أسرارها ومعرفة مضمونها.وقد سلكوا في ذلك مناهج متعدّدة يهدف كلّ منهجٍ منها إلى وضع تفسيرٍ دقيقٍ لظواهر اللّغة، والمقصد من هذا إماطة اللّثام عن أبعاد اللّغة الدّلالية ومقاصدها في التّواصل الاجتماعي ".)2(

 وعلى هذا الأساس استطاع علماء اللغة إعادة الاعتبار للكلام أو الأسلوب كموضوع للدرس اللغوي ، غير أن متتبع التطورات الحاصلة في مسار الدرس اللساني يلحظ دون كثير شطط أن النظرة التداولية الحديثة وليدة الثقافة الأنجلو ساكسونية وهي وليدة النظرية السياقية أيضا.

 1- النظرية السياقية ومفهوم التداولية:

 لقد قامت هذه النّظرية على مفهوم السّياق الذي حدّده أصحابه في أنّه " الوحدات التي تسبق أو تعقب وحدةً معيّنةً "، أو " مجموعة الظّروف الاجتماعية التي تؤخذ بعين الاعتبار لدراسة العلاقة الموجودة بين الظّواهر اللّغوية والاجتماعية، وتعرف بالسّياق الاجتماعي للاستعمال اللّغوي، أو سياق الحال Contextedesituation"،(3) وهذا هو المبدأ العام الذي انطلقت منه هذه النّظرية في تفسير الأفعال اللّغوية. ويرى الباحث " أحمد مختار عمر " أنّ   " مدرسة لندن عرفت بما سمّي بالمنهج السّياقي ContextualApproach، أو المنهج العملي OperationalApproach، وكان زعيم هذا الاتّجاه Firthالذي وضع تأكيداً كبيراً على الوظيفة الاجتماعية للّغة... ومعنى الكلمة عند أصحاب هذه النّظرية هو (استعمالها في   اللّغة) ".(4) إذاً ارتبطت النّظرية السّياقية contextual theory باللّساني البريطاني فيرث، وتقوم هذه النّظرية على النّظر إلى المعنى بوصفه وظيفةً في سياقٍ. وأحدثت بذلك تغيّراً جوهرياً في النّظر إلى المعنى... وقد استُخدم السّياق في هذه النّظرية بمفهومٍ واسعٍ بحيث يشمل السّياق الصّوتي، والصّرفي، والنّحوي، والمعجمي، ولا يظهر المعنى المقصود للمتكلّم إلاّ بمراعاة الوظيفة الدّلالية للألفاظ المستخدمة ".(5)

 كما ارتبط مصطلح المعنى السّياقي مع مصطلح المقام، يقول أحد الباحثين موضّحاً المصطلح الأوّل: " نقصد بالمعنى السّياقي ما يوضّحه سياق الحال، وأنا أستعمل سياق الحال بالمعنى الفنيّ الذي استـعمله أستاذنا فيرث وقد كان يأخذ في الاعتبار الأقوال والأشخاص والأفعال... "،(6) " والمعنى المقامي: معنىً يُفهم من الموقف الخارجي الذي قيل فيه الخطاب أو من القرائن الخارجية التي تصحب اللّفظ من الموقف الاجتماعي الذي قيل فيه النصّ، فالمقام، هو العالم الخارجي الذي أُنتج فيه النصّ، و يدخل في تحديد دلالته والمراد به، فقد نعجز عن فهم المراد إذا اجتُثّ النصّ من سياقه الخارجي، وسوء التّفسير من عدم النّظر في القرائن الخارجية، مثل: المكان والزّمان، والأفراد المشاركين في الحدث، والمناسبة التي قيل فيها، وقناة التّواصل، وقد أعطى علماء المسلمين سياق المقام (السّياق الخارجي) أهمّيةً كبيرةً في تفسير النصّ القرآني وفي استنباط الأحكام الشّرعية، فبحثوا أسباب النّزول والظّروف الخارجية التي تتعلّق بالنصّ. واللّفظ يعطي أكثر من دلالةٍ، ويحدّدها السّياق اللّغوي والسّياق الخارجي... وهناك سياق خارجي يُفسّر في ضوئه المعنى... "،(7) وعلى هذا آمنت هذه النّظرية أنّ المعنى لا ينكشف إلاّ من خلال تسييق الوحدة اللّغوية؛ أي وضعها في سياقات مختلفة.(8)

 تهدف نظرية السّياق إذاً إلى ما يلي:

 "أ- معرفة الأساليب المختلفة للمنطوقات، وتصنيفها حسب المواقف الصّحيحة بالإضافة إلى معرفة الملامح الشّكلية نفسِها...

 ب- وصف الاستعمال الفعلي لنطقٍ معيّنٍ في موقفه الخاصّ باعتباره شيئاً فريداً.

 ج- معرفة الوظائف الدّلالية التي يمكن إرجاعها إلى التّركيبات النّحوية...

 د- إبراز الدّور الاجتماعي الذي يقوم به المتكلّم وسائر المشتركين في الكلام.

 هـ- وجوب تحديد بيئة الكلام؛ لأنّ هذا التّحديد يضمن عدم الخلط بين لغة وأخرى...

 و- يجب تحليل الكلام إلى عناصره ووحداته الدّاخلية المكوّنة لـه، والكشف عمّا بينهما من علاقاتٍ داخليةٍ لكي نصل إلى المعنى "،(10) وهذه الأهداف كما ترى تحيلنا على " أنّ اهتمام فيرث، كان منصبّاً على إحلال القول محلّه ضمن " السّياق الاجتماعي " ومن ثَمَّ الخروج بتعميماتٍ حول أنماط المعاني التي تفرزها سياقات اجتماعية محدّدة. وقد اقترح منهجاً مقنّناً لوصف هذه السّياقات يشبه إلى حدّ كبيرٍ المناهج الوصفية الأخيرة* الأكثر حداثةً... "،(11) " وقد اقترح أمير Ammerتقسيماتٍ للسّياق تمثّلت فيما يلي: السّياق اللّغوي Linguisticcontext، السّياق العاطفي Emotionalcontext، سياق الموقف Situationalcontext، السّياق الثقافي Culturalcontext".(12)

 يحيل الكثير من الباحثين على أنّ فكرة السّياق تُعزى إلى لغويي القرن التّاسع عشر، وخاصّةً الباحث اللّغوي فيجنر Wegner، حيث قرّر " أنّ السّياق هو الأساس أو المحيط الذي تعتمد عليه الحقيقة في توضيحها و فهمها، وأنّه لا يتضمّن عند الاتّصال اللّغوي الكلمات فقط، بل الصّلات والظّروف المحيطة والحقائق السّابقة ".(13) وهناك من يردّها إلى ظهور الفلسفة التّحليلية التي تأسّست حديثاً على يد فريجيه Frege، من خلال " أهمّ التّحليلات التي أجراها على العبارات اللّغوية وعلى القضايا، ومنها تمييزه بين مقولتين لغويتين تتباينان مفهومياً ووظيفياً، وهما: اسم العلم والاسم المحمول، وهما عماد القضية الحملية ".(14)

 وقد أكّد باحثون أيضاً أنّ النّظرية تُعزى إلى نظرية فلسفة اللّغة العادية، للنّمساوي فيتغنشتاين Wittgenstein، وللتّوضيح أكثر يرسم لنا الباحث " مسعود صحراوي " خطاطةً يوضّح بها المسار المعرفي للفلسفة التّحليلية و الفلسفات التّابعة لها، و يبيّن من خلالها الفلسفة التي تدخل في صميم التّداولية أو البحث في السّياق:

 

 

 وقد قامت هذه النّظرية على المقصدية، وجاءت نتيجةً حتميةً بعدما أُعطي الاعتبار في مرحلتين متتاليتين للمتكلّم ومقاصده، ثمّ للنصّ خالصاً، يقول الباحث " حميد لحمداني " مفسّراً هذا التحوّل المعرفي في قضية التّأويل: " إنّ مسار تأويل الخطاب الأدبي و تلقّيه لا يمكن فصله عن مسارات تأويل مجالاتٍ أخرى من النّتاج الفكري: النصّ الفلسفي، النصّ الدّيني، النصّ الصّوفي، الأحلام. هناك مرحلة كانت في الواقع ضدّ التّأويل، وهي مرحلة سادت فيها القصدية، وكلّ ما له علاقة بسلطة الكلام الفردي أو بالفكر المطلق؛ إمّا أن ترفض التّأويل أو أن تُوقفه في نقطةٍ حرجةٍ لا يجوز تخطّيها.هناك مرحلة الموضوعية، التي تهمل الذّات والمقصدية، وعلى إثر ذلك يُهمل (التّأويل) لصالح المعاينة وإدراك القوانين، وهذه الموضوعية إمّا أن تكون متعلّقةً بالنصّ، أو بالنصّ ذاته لكن في إطار سياقه التّاريخي والاجتماعي. المرحلة الثّالثة أعادت الاعتبار لقضية التّأويل من خلال الاهتمام بالمؤوّل، ذلك أنّه في المرحلة الأولى كانت سلطة صاحب النصّ شبه مطلقة، وفي المرحلة الثّانية تمّ تهميش صاحب النصّ أو ألغي تماماً، ولم يُلْتَفَت إلى المؤوّل لصالح موضوعية (حرفية). لكن في هذه المرحلة الأخيرة أُعطي الاعتبار للقارئ ولتأويلاته "،(15) فإذا كانت المرحلة الأولى نابعةٌ من صميم الفلسفة المثالية، والثّانية من الفلسفة البنيوية، فإنّ المرحلة الثّالثة نابعة من صميم الفلسفة التّحليلية التي غيّرت المسار الأساس من المعرفة إلى النصّ. وإذا " كان فلاسفة الوضعية المنطقية قد رأوا أنّ الوظيفة الأساسية للّغة هي التّسمية أو الوصف، ومن ثَمَّ راحوا يبحثون عن قواعد التّطبيق أو قواعد التّركيب، فإنّ فلاسفة أكسفورد قد ذهبوا إلى وجود استعمالاتٍ متباينةٍ منوّعة للّغة، وبالتّالي راحوا يبحثون عن قواعد الاستعمال؛ أي القواعد التي تحكم استعمال هذه العبارة أو تلك تحت هذا الظّرف المعيّن أو ذاك... ".(16)

 ولذلك نرى جلّ الباحثين يردّ البحث التّداولي للثّقافة الأنجلو ساكسونية بدءاً بالنّظرية السّياقية، " فلا أحد يماري في أنّ البحث التّداولي وليد الثّقافة الأنجلوساكسونية anglosaxonne، وقد تطوّرت في الولايات المتّحدة وإنجلترا بسبب الدّور الذي لعبته الاتّجاهات التّحليلية في الفلسفة، ومن جهةٍ أخرى بسبب ما خلّفته النّظرية التّوليدية في نموذجها الأوّل من مشاكل (إخفاق) نتيجة تمسّكها باستقلالية التّركيب L'autonomiedelasyntaxe، ممّا أدّى للتّفكير بجدّية في البعدين الدّلالي sémantique، ثمّ التّداولي  pragmatique".(17)

 2- التداولية في التراث اللغوي العربي :

 ووفق هذا يرى الباحث " منذر عياشي " أنّه " لدينا أوّلاً، الخطاب التّداولي، ممثّلاً في الحديث النّبوي الشّريف والكلام اليومي الاستهلاكي. ويضع هذا النّوع من الخطاب الدّلالة في قلب السّياقالاجتماعي. ذلك لأنّ هدفه يقوم على التّواصل... ومن الملاحظ أنّ الكلام هنا، لكي يؤدّي رسالته، فكرةً، و دلالةً، مضموناً ومعنىً، محتاج أن يكون مكتسباً لتواضع المرسل والمتلقيّ عليه، بشكلٍ ضمنيٍ مُسبقٍ على وجوده... ولدينا ثانياً، الخطاب الأدبي ممثّلاً بكلّ التّراث الفنّي، والجمالي، والبلاغي شعراً ونثراً. وإذا كان هذا الخطاب يرتهن في وجوده أيضاً إلى الوجود الاجتماعي، إلاّ أنّه يقوم على غير ما يقوم عليه الخطاب التّداولي. فهو يتأسّس انزياحاً عنه و مغايرةً لمألوفه ومعتاده... ولذا، فهو يقطع الصّلة مع التّواضع ما استطاع إلى ذلك سبيلاً: نظاماً وأداءً. ويخرج بدلالة الكلمات، بحسب حاجة كائنه إلى التّعبير والتّمثيل، عن معانيها الأوّلية والمعجمية إلى دلالاتٍ يُنجزها الكلام في آنية إنجازه... فهو بالابتداع يكون لا بالاتّباع. ولذا، فإنّ الإشاراتِ اللّسانيةَ المتضمّنةَ فيه إذ يلتقطها المتلقّي، فإنّهيتصرّف فيها على أنّها إشارات حرّة أو مفتوحة نظاماً وسياقاً... ".(18)

 ومن هذه المفاهيم التي رسمها الباحث يتعيّن على أيّ باحثٍ أن يعي أن دراسته للكلام العادي تختلف عن الكلام الأدبي، ذلك أنّ الكلام العادي يصدر بعفويةٍ ويتمّ داخل بيت القاعدة وقهر القانون، أمّا الكلام الأدبي، فإنّه يصدر عن وعيٍ وقصدٍ، ويخرج صاحبه طواعيةً عن كراهية القواعد المرتسمة، هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى نحبّ أن نلفت الانتباه إلى أنّ اللّغويين حين يتناولون الجانبين، فهذا لا يعني بالضّرورة خلطهم للمفهومين، بل ستجد أنّهم يلجأون في تفسيراتهم إلى مفهومٍ واحدٍ حسب طبيعة البحث.

 وعلى هذا نلاحظ كما لاحظ الباحث " عبد القادر المهيري " أنّ " التّراث النّحوي يُنقد على أساس موقفٍ يبدو لنا اليوم فيه خلط بين اللّغة والكلام. فما يدرسه النّحو هو من قبيل اللّغة و لا يمكن لـه أن يدرس إلاّ علاماتها ومختلف الطّرق المشتركة بين متكلّميها في استعمال هذه العلامات والتّأليف بينها وتكون حصيلة ما يُتوصّل إليه استعراضاً شاملاً لمختلف الأشكال والأبنية والتّراكيب الممكنة وتقديماً لدليلٍ (Code) مجرّدٍ من كلّ ميول المتكلّم واختياراته وبراعته، غير متضمّنٍ لما تفرضه عليه ظروف الكلام وملابسات الخطاب؛ أمّا الأدب فهو من قبيل الكلام وليس للنّحوي الأداة الكفيلة بضبط قواعده والإلمام بكيفية صنعه؛ ومطالبة النّحو بأن يفي بقواعده... معناه مطالبته بالخروج من العامّ إلى الخاصّ ومنالمشترك القارّ إلى الخاصّ المتحوّل. وهذه مهمّة تتجاوز طاقته وتحوّله عن وجهة نظره.... ".(19)

 أولا : النحاة :

 لا يمكن الحديث عن النحاة جميعا أو أن نختزل جهودهم في ورقة واحدة ، و لذلك سنكتفي بنموذج واحد وهو سيبويه ، وهو يتحدث عن الجانب الاستعمالي في اللغة. و إن كلّ ما ذكر عن سيبويه في هذه المسألة السّياقية إنّما يردّ إلى البنية، لكن رغم ذلك يعتقد بعض الباحثين أنّ ما رسمه سيبويه في باب الاستقامة يقدّم لنانموذجاً على استناده للسّياق، بل يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ ما ذهبت إليه التّداولية، يقول الباحث " مقبول إدريس " موضّحاً رؤيته: " جرت العادة أن ينسب اللّحن (الخطأ) أو يضاف إلى اللّغة، و يقصد به غالباً خرق جانبها النّحوي أو الصّرفي في بعض الأحيان، غير أنّي أرى أنّ هذا اللّحن قد يعتري مستويات عدّة علىجهة التوسّع، ومن بينها المستوىالتّداولي التكلّمي، ومرجعي في هذا الطّرح كلام سيبويه ونظره النّحوي  الذي تنصبّ هذه الدّراسة عليه من خلال عمله (الكتاب) "،(20) وهذا الموقف يحاول أن يعيدنا إلى المرجعية الأساسية في الكتاب وهي الاستقامة، يكمل مفسّراً قراءته: " إنّ حكم سيبويه على أحد أنماط الكلام بصفة المستقيم الكذب هو ما أسمّيه باللّحن التّداولي الذي تَنْخَرِمُ فيه شروط المطابقة بين النّسبة الكلامية والنّسبة الواقعية الخارجية والنّسبة العقلية كما يعبّر البلاغيون وكذا التّداوليون ".(21) ثمّ يضيف: " إنّ الكلام المستقيم الكذب، تركيب انتظمت عناصره وفق نسقٍ لغويٍ وقواعديٍ مقبولٍ يحافظ فيه على الرّتب والمحلاّت وآثار الإعراب، غير أنّ اللّحن يمكن أن يأتيه من جهة دلالة ملفوظه في علاقته بالاعتقاد والواقع، إذ هو إمّا صادق وإمّا كاذب، بناءً على المنطق الثّنائي القيمة، كما هو معروف عند بعض التّداوليين المناطقة ".(22)

 إنّ هذه القراءة تختزل المفهوم السّياقي أو التّداولي في المستقيم الكذب، وتراه أو تصفه باللاّحن تداولياً؛ أي أنّه لا توافق بين اللّغة والمنطق، أولا توافق بين الكلام والواقع، لأنّ المستقيم القبيح هو الذي يوافق الواقع الخاصّ بالمعنى ولا يوافق المنطق اللّغوي، وفي المفهوم التّداولي لا تعارض بين منطق القاعدة، ومنطق المجتمع، وانطلاقاً من المفهومين، أراد سيبويه أن يرسم لنفسه منهجاً للحفاظ على القاعدة والاستعمال، خاصّةً إذا اعتقدنا أنّ القاعدة نتجت عن الاستعمال.

 يقدّم الباحث نفسُه أمثلةً تقرّبنا أكثر من الرّؤية المنهجية، يقول: " هِبْ أنّ أحدهم قال مثلاً:

 1- توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والوحي ما يزال ينزل على النّاس.

 2- التقى الحسن البصري بالإمام الزّمخشري في بغداد.

 3- درس سيبويه الطبّ والفلك والنّجوم على الخليل.

 إنّ هذه الجمل / الملفوظات مستقيمة (نحوية) gramatical لمراعاتها ما يقتضيه النّحو عموماً على مستوى التّركيب، بيد أنّها كاذبة (لاحنة تداولياً)، لما عُلم من أنّ الوحي انقطع نزوله قبل مفارقة الرّوح لجسده الشريف صلّى الله عليه وسلّم، ولما عُلم من استحالة لقاء الحسن البصري والزّمخشري رضي الله عنهما لما بينهما من مسافةٍ زمنيةٍ، ولما عُلم أنّ سيبويه أخذ النّحو واللّغة عن الخليل وليس الطبّ والفلك والنّجوم ".(23)

 إنّ مفهوم الكذب لم يستقرّ عند هذا، والدّليل على ذلك أنّ المثال الذي قدّمه سيبويه هو (شربت ماء البحر)، فلمّا علم أنّ ماء البحر مالح لا يطيقه البشر سمّاه كذباً، هذا في المستوى العادي، وكذلك الأمثلة التي قدّمها الباحث تنضوي تحت المستوى العادي، ولكن حين ينتقل سيبويه إلى المستوى الأدبي، الشّعري خاصّةً، تتغيّر الفكرة ويصبح الكذب توسّعاً بالمفهوم السّيبويهي، ولذلك نقول إنّ سيبويه كان يعمل من خلال مفهوم الاستقامة على الوتر البنائي أكثر؛ لأنّه كان يبحث كغيره من النحّاة على تنحية اللّحن اللّغوي أوّلاً على لسان العامّة، ثمّ يربطه بلسان الخاصّة، وكان دائماً يسير وفق قاعدة (لا يجوز أن تقول كذا إلاّ في شعرٍ)، في كثيرٍ من المواضع.

 وتوضيحا لقضية ارتباط القاعدة أو البنية بالاستعمال نورد شاهدا من الدلائل يروي فيه قصة حدثت بين الكندي و المبرد ،  يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني: " روي عن ابن الأنباري أنّه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العبّاس وقال له: إنّي لأجد في كلام العرب حشواً، فقال لـه أبو العبّاس: في أيّ موضعٍ وجدت ذلك، فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ثمّ يقولون: إنّ عبد الله قائم، ثمّ يقولون: إنّ عبد الله لقائم، فالألفاظ متكرّرة والمعنى واحد، فقال أبو العبّاس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم، إخبار عن قيامه، وقولهم: إنّ عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائلٍ، وقولهم: إنّ عبد الله لقائم، جواب عـن إنكار منكرٍ قيامَه، فقد تكرّرت الألفاظ لتكرّر الـمعاني، قـال: فمـا أحار المتفلسف جواباً ".(24) وإنّ أوّل ما يلفت انتباهنا، هو الوعي بهذه اللّغة، فلمّا كان المبرّد على إدراكٍ عميقٍ باللّغة استطاع أن يتبيّن مواضعها بهذه الدقّة المتناهية، والأمر الثّاني، كيف استطاع المبرّد أن يكتشف دلالات هذه الخطابات ؟ والجواب هو أنّه تمكّن من ذلك لمّا كان محيطاً به من المواقف؛ أي بالتّعبير المعاصر تمكن من الكفاءتين اللّسانية والتّداولية، حتى تحقّقت له القدرة.

 ثانيا : البلاغيون :

 إن عمل البلاغيين في التراث العربي كان مختلفا تماما عن عمل النحاة و اللغويين ، ففي حين كان اللغويون و النحاة يهمون بتحيين اللغة من خلال جمعها ولم شتاتها كان البلاغيون يتضايقون من تلك المقاييس المغلقة التي تجعل اللغة منغلقة على نفسها ، بل دأب البلاغيون على البحث عن أسرار الإعجاز في الخطاب القرآني و الخطابات الأخرى فتأسس عندهم مصطلح مقتضى الحال ، و سنأخذ نموذجا من ذاك متمثلا في الجاحظ الذي يرى بادئ ذي بدء وهو يؤسس مصطلح البيان أن " بعض البلغاء وصف اللّسان فقال: اللّسان أداة يظهر بها حسن البيان، وظاهر يخبر به عن الضّمير، وشاهد ينبّئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وناطق يَرِدُ به الجواب، وشافع تُدرك به الحاجة، وواصف تُعرف به الحقائق، ومعزٍ ينفى به الحزن، ومؤنس تذهب به الوحشة، وواعظ ينهى عن القبيح، ومزيّن يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودّة، وحاصد يستأصل الضّغينة، وملهم يوفق الأسماع ".(25)

 وهكذا يقلّب الجاحظ مفهوم اللّسان على وجوهٍ مختلفةٍ ليصل في الأخير إلى مفهوم عام شاملٍ، فهو يبدأ من المفهوم العامّ المرتبط بالبيان وحسنه، ليتدرّج بعد ذلك إلى الخاصّ، حين يتمثّل الإجراءات والأدوات التي تحقّق حسن البيان، ويمكن التّمثيل لهذه الأخيرة بالتّالي

وكلّ ماذكره الجاحظ إنّما هدفه الأساسي هو التّبليغ والاتّصال، يقول الباحث " مازن الوعر " موضّحاً القضية: " فاللّغة، هي من أهمّ الفعاليات في عملية الاتّصال التي بها يمكن أن نبلّغ بعضنا بعضاً، وبها يمكن للمجتمع أن يسير على قدميه وعلى الرّغم من أنّ هناك اختلافاً بين مفهوم التّبليغ أو الاتّصال وبين مفهوم اللّغة تبقى حقيقةً مهمّةً وهي أنّ الهدف الرّئيسي من عملية اللّغة هو الاتّصال والتّبليغ ".(26)

وعلى هذا يتحدّد مفهوم الدّلالة عند الجاحظ على أنّه عدم الثّبات على حالةٍ واحدةٍ، فالدّلالة لا تكون على شيءٍ دون شيءٍ؛ أي بتعبيرٍ آخر تتّكأ الدّلالة التي تحصل للمتلقّي على سياقٍ معيّنٍ يمثّل بدوره الدّلالة الأولى للكلام، كما لا يكون الكلام محدّداً إلاّ في سياقٍ معيّنٍ، وهو ما عبّر عنه الجاحظ بعدم الدّلالة على شيءٍ بعينه، وعلى هذا التّفسير تتعدّد الدّلالات وتُقرأ وفق طبيعة الكلام في حدّ ذاته، وهذه المقولة تحوّل ارتباطات الدّلالة من المتكلّم إلى الخطاب نفسِه الذي يطوّع وفق احتياجات القارئ، وهو ما كانت تنادي به البنيوية الغربية ضمنياً.

يقول الجاحظ في ذلك: " ومتى سمعت – حفظك الله – بنادرةٍ من كلام الأعراب فإيّاك وأن تحكيها إلاّ مع إعرابها ومخارج ألفاظها. فإنّك إن غيّرتها بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخرج المولّدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرةٍ من نوادر العوامّ ومُلْحَة من مُلح الحشوة والطّغام فإيّاك أن تستعمل فيها الإعراب أو أن تتخيّر لها لفظاً حسناّ أو تجعل لها من فيك مخرجاً سرّياً فإنّ ذلك يفسد الإمتاع بها ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له ويذهب استطابتهم إيّاها واستملاحهم لها "،(27) " فإذا كان من الواجب على المتكلّم أن يراعي حقّ المتلقّي وحقّ الموضوع أيضاً... فإنّ عليه أن يراعي حقّ الخطاب ذاته، في حدود المستوى الذي أخذ فيه المتحدّث، فإذا بدأ المتحدّث كلامه معرباً فصيحاً فعليه أن يحافظ على إعرابه وفصاحته فلا يلحن فيه، أمّا إذا بدأه ملحوناً من كلام المولّدين فلا يجب أن يعود فيه إلى الإعراب... ".(28) ويرى الباحثان " طلال وهبه وحسن الأبيض " أنّه " يظهر من كلام الجاحظ أنّ المتكلّم عالم بمرجعيتين لغويتين... مرجعية (الكلام الفصيح) ومرجعية كلام (العوامّ). ولكنّه مدعوٌّ إلى استعمال مرجعيةٍ واحدةٍ في تواصله مع السّامع، ومحكوم عليه بعدم البلاغة إن لم يفعل ذلك... ".(29)

 ولكنّ اللاّفت للانتباه هو أنّ الجاحظ في نصّه السّابق أعطى السّلطة للخطاب، كما أنّه أدخل القارئ في فهم هذا النصّ، والدّليل على ذلك أنّه ركّز كثيراً على أن ينحو المتكلّم منحى السّامع، ولذلك نرى الباحثين يقترحان تغييراً في المفهوم، لكنّنا في النّهاية سنُلفيهما يشرحان ما أكّده الجاحظ قبلاً، يقولان: "ونقترح تغييراً في فهم العلاقة التي تقوم بين المتكلّم والسّامع والمرسل من جهةٍ والمرجعية من جهةٍ أخرى؛ فالمرجعية اللّغوية عند الجاحظ ثابتة ومحدّدة بالزّمان والمكان ونهائية ولا تتغيّر، أمّا نحن فنقترح ربطها بالمتكلّم والسّامع. ففي رأينا، إن كان المتكلّم والسّامع (بلديين) أو غير (أعرابيين)، لا يجوز أن تكون مرجعيتهما اللّغوية هي المرجعية اللّغوية التي هي لـ " الإعراب"، أو لا يمكن بعبارةٍ أخرى أن نحكم على بلاغة المتكلّم إلاّ بالعودة إلى المرجعية اللّغوية المرتبطة به والمشتركة بينه وبين السّامع ".(30)

إنّ ربط المرجعية بالسّامع والمتكلّم أيضاً تكون على حالته الثّابتة مؤقّتاً، وهذا ما حدّثنا به الجاحظ، ثمّ إنّ الجاحظ أكّد على أنّ تغيّر المرجعية يتبعه حتماً عدم الاستطابة والاستملاح كما ذكرها الجاحظ، وهاتان الخاصّيتان مرتبطتان بالمستمع/ المتلقّي بالدّرجة الأولى.

وقد أكّد الباحث " حمّادي صمّود " ذلك مؤسّساً لمقولة الجاحظ على أنّها مرتبطة بطبيعة البحث البلاغي أصلاً، يقول: " نجد لدى الجاحظ ضرباً من عدم التّوازن في الاهتمام بعناصر الخطاب يتمثّل في ضآلة ما خصّص في مؤلّفاته للحديث عن السّامع أو المتقبّل، ولعلّ مردّ ذلك أنّ دوره لا يعدو دور المستهلك للنصّ ولا يتطلّب منه ذلك إلاّ حسن الاستماع والفهم والاستجابة للقصد، ثمّ إنّه لا  يتمتّع بوجودٍ نمطيٍ نموذجيٍ، شأن الكاتب أو المتكلّم، إذ القارئ أو السّامع يمكن أن ينتمي إلى كلّ الأوساط الثّقافية والاجتماعية ممّا يجعل تحديد ملامحه أمراً صعباً لذلك، حمّل الكاتب وحده مسؤولية مآل خطابه ونجاعته فجاءت كلّ المقرّرات والتّوجيهات متعلّقةً به وبالكيفيات التي عليه أن يمارس على أساسها نصّه، وخلقه الفنّي، وكأنّنا بالجاحظ يعتذر عن اهتمامه البالغ بالمُفهم وتقصيره في حقّ المتفهّم بما استقرّ لدى النّاس من فضل الأول على الثّاني... وإنّ المقوّمات الخاصّة بالمتكلّم متداخلة تداخلاً شديداً مع مقوّمات الكلام ولتجاوز هذه الصّعوبة رأينا أن نقتصر عند حديثنا عن المتكلّم على المظاهر الخارجية والمبادئ العامّة ممّا لا صلة له بالنصّ في حدّ ذاته ".(31)

ويعلّق الباحث " حلمي خليل " قائلاً في هذا الشّأن: " على أنّ أهمّ ما يلفت النّظر أنّ الجاحظ كان يتعامل مع الحدث الكلامي speecheventعلى أنّه رسالة messageتبلّغ إلى مخاطبٍ، وهو ينطلق في ذلك من مفهوم الخطاب القرآني الذي يمثّل النّموذج المثالي لأنواع الخطاب عند العرب... ثمّ يتدرّج من هذا المثال إلى ألوان الخطاب الأخرى بما لها من صلةٍ بفنون القول في العربية، أو الطّبقات الاجتماعية وكلامها، ممّا أدّى به إلى الغوص في قضايا الاتّصال communicationوشروطه، وكذا الأداء performanceوطرقه المختلفة من لفظٍ وإشارةٍ وغير ذلك، وقد ساعد الجاحظَ في كلِّ هذا ثقافتُه الموسوعية، وانغماسُه في البيئة البصرية التي قدّمت لـه نماذج متنوّعة من اللّغة العربية المنطوقة spokenarabic، وكذا بعض اللّغات الأخرى، ممّا هيأ له مجالاً واسعاً للملاحظة والاستقراء، ورصد القوانين التي تحكم مثل هذه الاستعمالات اللّغوية "،(32) فالخطاب القرآني هو الذي وجّه البحث البلاغي عند الجاحظ وغيره، ذلك أنّ الخطاب القرآني مرتبط بالقارئ/ السّامع/ المتلقّي، ومنه يسعى لتحقيق المقاصد المرتبطة بوعي القارئ في سياقٍ معيّنٍ.

وإذا كان الجاحظ قد فهم عناصر الاتّصال (المتكلّم، السّامع، الخطاب) على هذه الشّاكلة، فإنّ القارئ الذي كان يهتمّ به الجاحظ كان متعدّداً ينتمي إلى الطّبقة التي ينتمي إليها، وعليه يراعى في إعداد الخطاب نوعية القارئ لتحقيق الفهم والإفهام، ولذلك " يعتبر تقييد التجوّز، في مجال " البيان الإنساني " ضرورياً في هذا السّياق، للمحافظة على وظيفة المواضعة اللّغوية، التي هي (الإبانة) عند الجاحظ أو (الإخبار) عند القاضي عبد الجبّار... و(الوضوح) هو شرط تحقيق هذه الوظيفة البيانية، ولا يكون (الوضوح) بدوره، إلاّ بالإحالة على (المعرفة المشتركة) أو (قصد المتكلّمين)... وهذا يعني أنّ التجوّز والتّوليد لا يكونان إلاّ في إطار (معرفة المقاصد) أو (الإدراك الجماعي) لوجوه الشّبه... فإذا تحقّق شرط معرفة المقاصد أمكنت معرفة الدّلالة، وفي هذه الحدود فقط، يمكن وقوع الاشتراك والاتّساع والمجاز في الكلام ".(33) 

 وعلى هذا النّسيج من الأمثلة يؤكّد الجاحظ أنّ " من زعم أنّ البلاغة أن يكون السّامع يفهم معنى القائل جعل الفصاحة واللّكنة والخطأ والصّواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرب كلّه سواء وكلّه بياناً... ولو لا طول مخالطة السّامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام لما عرفه... لأنّ تلك اللّغة إنّما انقادت واستوت واطّردت وتكاملت بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة وفي تلك  الجيرة "،(34) وجماع القول إنّ الجاحظ استطاع أن يتمثّل فكرة السّياق في جميع أطرها، ويأتي الإطار البنيوي في المقدّمة، وقد كانت أبحاثه محفّزاً لعلماء العربية القدامى الذين تلوه، لينسجوا على منواله فكرة السّياق، ويتوصّلوا إلى تنظيرها تنظيراً سليماً يوافق العقلية العربية.

إن البحث اللغوي العربي زاخر بالإشارات التي توحي بأنه منظم بطريقة منهجية وأداتية نستطيع من خلاله أن نطل على نافذة اللغة العربية من أبوابها عسانا نجد ضالتنا فيه وفي أزمة المنهج التي نعانيها شرط أن نربط هذا الإنتاج العربي بثقافته  بيئته بدلا من عمليات الإسقاط التي نقوم بها من خلال الرؤية للتراث العربية من طريق الثقافة الغربية.

الــــــهوامش :

(1)- عبد الرّحمن الحاج صالح، النّظرية الخليلية الحديثة، ص ص92، 93.

)2( - محمود عكّاشة، التّحليل اللّغوي في ضوء علم الدّلالة، ص12.

)3( - Jean dubois, dictionnaire de linguistique, pp 120, 121.  

(4)- أحمد مختار عمر، علم الدّلالة، ص68.

  حلمي خليل، الكلمة دراسة لغوية و معجمية، ص157.

   منذر عياشي، اللّسانيات و الدّلالة، ص ص29، 30.

        Lyons, Sémantique et linguistique, p233.

(5)- محمّد محمّد يونس علي، مقدّمة في علمي الدّلالة والتّخاطب، ص ص27، 28.

(6) - محمّد أحمد أبو الفرج، المعاجم اللّغوية في ضوء دراسات علم اللّغة الحديث، دار النّهضة العربية، ط1، 1966، ص15.

(7)- محمود عكّاشة، التّحليل اللّغوي في ضوء علم الدّلالة، ص ص171، 172.

(8) - أحمد مختار عمر، علم الدّلالة، ص68.فريد عوض حيدر، علم الدّلالة، ص157. شحدة فارع وآخرون، مقدّمة في اللّغويات المعاصرة، ص181. محمّد سعد محمّد، في علم الدّلالة، ص37.

(9)- نادية رمضان النجّار، اللّغة و أنظمتها، ص ص235، 236.فريد عوض حيدر، علم الدّلالة، ص ص163، 168.

(10) - براون، بول، تحليل الخطاب، تر/ محمد لطفي الزليطي، منير التّريكي، جامعة الملك سعود، 1997، ص46.

(11) - أحمد مختار عمر، علم الدّلالة، ص ص69، 71.

        فريد عوض حيدر، علم الدّلالة، ص ص158، 162.

(12)- محمود جاب الربّ، علم اللّغة نشأته وتطوّره، دار المعارف، القاهرة، ط1، 1985، ص148.

(13)- مسعود صحراوي، التّداولية عند العلماء العرب، ص18.

(14)- حميد لحمداني، القراءة وتوليد الدّلالة، المركز الثّقافي العربي، ط1، 2003، ص80.

(15)- صلاح إسماعيل عبد الحقّ، التّحليل اللّغوي عند مدرسة أكسفورد، دار التّنوير، ط1، 1993، ص58.

(16)- مقبول إدريس، البعد التّداولي عند سيبويه، مجلّة عالم الفكر، العدد1، مج33، يوليو سبتمبر،2004، ص245. وللاستفاضة في فهم المنحى التداولي ينظر ، صلاح إسماعيل ، نظرية المعنى في فلسفة بول غرايس ، ص77. صلاح إسماعيل عبد الحق ، التحليل اللغوي عند مدرسة أكسفورد ، ص 279 ، 280.

(17) - منذر عياشي، اللّسانيات والدّلالة، ص ص93، 94. يوضّح الباحث ذلك بتقسيم الدّلالة قسمين:

" الدّلالة التّاريخية: إنّنا نقصد بالدّلالة التّاريخية هنا، تلك الدّلالة التي ثبتها المكتوب في النصّ، وصيّرها إشارةً يدلّ بها لا على نفسه، ولكن على سياقه الخارجي. و إذا كان ذلك كذلك، فإنّ النصّ يمثّل، و الحال هذه، كينونةً إشاريةً تتّصل دلالاتها بأسباب النّزول وزمن الحدوث... الدّلالة النصّية: النصّ هو سياق المعنى. والقرآن يبيّنه وفق نظامٍ به خاصّ. و إذا كانت اللّسانيات تستخدم مصطلح (النصّ) للدّلالة على مقطعٍ مكتوبٍ أو شفويٍ، بغضّ النّظر عن طوله... فإنّ النصّ القرآني يمتاز من بقية النّصوص بفرادة تماسكه وكيفية هذا التّماسك. فهو نصّ يقدّم نفسه بوصفه نصوصاً متداخلةً في إطار السّورة الواحدة. كما يقدّم نفسه بوصفه نصّاً واحداً في إطار السّور المتعدّدة ". ص ص96، 97.

(18)- عبد القادر المهيري، نظرات في التّراث، ص110.

(19)- مقبول إدريس، البعد التّداولي عند سيبويه، ص246.

(20) - مقبول إدريس، البعد التداولي عند سيبويه، ص246.

(21)- المرجع نفسه، ص247. يستعين في ذلك بقول الشّارح أبو سعيد السّيرافي: " وإنّما خصّ المثالين بالكذب لأنّ ظاهرهما يدلّ على كذب قائلهما قبل التصفّح والبحث، وإلاّ فكلّ كلامٍ تكلّم به وكان يخبر على خلاف ما يوجبه الظّاهر فهو كذب، علم أو لم يعلم...  ". السّيرافي، شرح الكتاب، (مخطوط) ورقة 139، نقلاً عن المرجع نفسه، ص247.

(22)- مقبول إدريس، البعد التداولي عند سيبويه، ص ص248، 249.

(23)- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص242.

(24)- الجاحظ، البيان والتّبيين، ج2، ص270.

(25)- مازن الوعر، قضايا أساسية في علم اللّسانيات الحديث، ص31.

(26)- الجاحظ، البيان والتّبيين، ج1، ص96.

(27)- عبد الحكيم راضي، مداخل في قراءة التّراث، ص116.

(28) - طلال وهبه، حسن الأبيض، علم التّركيب الوظيفي، ص ص145، 146.

(29)- المرجع نفسه، ص143.   

(30)- حمّادي صمّود، التّفكير البلاغي عند العرب، ص186.

(31)- حلمي خليل، دراسات في اللّسانيات التّطبيقية، ص155.

(32)- محمّد غاليم، التّوليد الدّلالي، ص25.

(33)- االبيان والتبيين لمرجع نفسه، ج1، ص105.

(34)- محمّد بن عبد الغني المصري، نظرية أبي عثمان في النّقد، ص ص179، 180.