تأويلية الخطاب الحلمي وتجلياتها في النص المعجزpdf

قراءة تداولية لصور من متغيرات دوال الرؤيا

د/ رشيد حليم                  

 المركز الجامعي- الطارف -الجزائر

مقدمة

اللغة وسط مادي شمولي، وهي الميدان الرحب الذي نمت في أحضانه الممارسة الفهمية والإفهامية، حيث يعتمد على هذه الأداة المعرفية المهمة في إرساء هذه الوظيفة فاللغة هي القناة التي تمر بواسطتها جميع الدلالات المختلفة.

وإذا كان الفهم غرضا تروم اللغة تحقيقه، فهذا يعني أن المخاطبين يتداولون منزلة الفهم حيث يقوم المخاطب مقام المخاطب في استيعاب دلالات الملفوظ،فيستولي-ضمنا- على مبتغاه في الإفادة، ذلك أن حقيقة الفهم تعني إمكانية استيلاء شخص معين مرتبة المتلقي ليعبر عما فهمه (1) ،بيد أن استخراج جميع الدلالات التي يكتنفها الكلام أو إعادة تشكيله يحيل إلى مسالة ذات أهمية تتمثل في أن اللغة وفي وظيفتها(2) قد تنطوي على عراقيل لسانية تعيق إدراك المقاصد ،وتتيح عسرا في الفهم مما ينتج عنه صدام لساني، وفي هذه الحالة يجب النظر في إرادة الصياغة اللغوية بوصفها أفعالا إرادية ناتجة عن متكلم ذي وعي بفعله.

هذا الوعي بتوصيف الفعل اللغوي ركز عليه منظرو الفكر المذهبي في إطلاق مصطلح الكلام وبيان حده(3)، حيث نعتوا الظاهرة الكلامية بأنها تمثيل للواقع حسب قصد المتكلم وإرادته ودواعيه(4).

ويمثل النص ركحا كلاميا يجمع هوية لغوية تؤسس لعلاقة غائية بين الإنسان ومحيطه،فجوهر الوجود الإنساني وتفاعلاته إنما تبرز في مسيس الحاجة إلى خطوات وسيطة بينه وبين غاياته (5) .فالنص والإنسان كائنان يتقاطعان في أنهما موجودان وجودا غير مباشر.

وأعظم نص خلود،ذاك الذي صدر عن الذات المعظمة ،ممثلا في القرآن ولغته وآداءاته(6) فقد حفظت الذاكرة العربية هذا النص العظيم ،بل إن أساس قيام الأمة وحضارتها إنما بناها هذا النص المحوري، وهو يمثل سلطة البناء ماضيا وحاضرا ومستقبلا،ولا شك في أن تلك الحضارة  مشار إليها بثقافة الكتاب المنشور ، إذ استقامت مقوماتها على مقدرات التأليف (7) التي أحاط بها النص المعجز الذي ما فتئ يشكل قطبها المحوري (8) ، والنص القرآني  عند بعض الباحثين خطاب عقل ،فكان لزاما تبني منهج العقل في بيان ملفوظه واستخلاص مضمونه، ففسح المجال لجذب  مفرداته وبيانه إلى ميدان المقاربات الفهمية والإفهامية فتنوعت آليات القراءة  واختلفت ممارسات التقبل منه.

والممارسة التأويلية صناعة عقلية سلكها العاملون في الحقل الديني للوصول إلى استحكام  المعرفة المرتبطة بالدلالات التي ترتبط بآيات الذكر الحكيم ،كما حافظوا على مقاييس اللسان العربي وضوابطه في فهم الدلالات ،وتشكيلها  معتمدين على تحوير شراك اللفظ المختلف  وسطوة علاقته المادية .

إن دور التأويل تسويغ هذا التباين اللساني في التركيب وتبريره ،إن مهام التأويل مطالب بإبراز عالم النص ومكوناته المختلفة(9) .

أولا - التأويل من منظور لساني:

1-  مدخل اصطلاحي:

دال التأويل متجذر في لغة العرب صاحب استعماله تنوعا في دلالاته اللغوية الاصطلاحية.

أ‌-    لغـة: لفظ التأويل منقول بكثافة في معاجم العرب ودل على معان كثيرة نجملها:

إن أصل التأويل من باب التفعيل وهو من" أول" من آل يؤول ويفيد:

- الإصلاح: سئل أبو العباس عن معنى الفعل فأجاب: أولت الشيء أؤوله إذا جمعته وأصلحته.

- التفسير: تفسير ما يؤول إليه الشيء.

- العود والرجوع: ويتعدى فعل التأويل بحرف الجر"إلى" أو "عن" نحو آل الرجل عن الشيء أي ارتد عنه ،ويقال أول الحكم إلى أهله أي أرجعه ورده إليهم.

- الخثور: آل اللبن يؤول أولا أي خثر.

- التدبير والتقدير: أول الكلام تأوله(10).

- العاقبة: عن الزركشي معنى قولهم ما تأويل هذا الكلام ؟ أي إلام تؤول العاقبة في المراد به، ومنه أولته فآل أي صرفته فانصرف ،وقيل أصله من الايالة ،وهي السياسة فكأن المؤول يسوق الكلام ويضع فيه موضعه(11).

ب - اصطلاحا:ورد مصطلح التأويل لمعان ثلاثة:

1-     صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به ،وهذا هو المتعارف عليه عند كثير من المتأخرين .

2-     الدلالة على التفسير:فهذا الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه.

3-  التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما حدث القرآن الكريم عن الذات الإلهية وصفاته تعالى ،على إنه إخبار حقيقة عن حقائق  الصفات ،وتأويل ما اخبر الله تعالى به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر (12).

2- التأويلية في النص الديني:

أ‌-       جذورها في النص التوراتي:

ارتبط موضوع التأويلية بالنص الديني في الفكر العربي والغربي على حد سواء،حيث كانت   في منطلقاتها الأولى متصلة بفهم الأغراض الدينية ،وتفسير نصوص الكتاب المقدس وما حملته الإصحاحات من ترميز.

 عرف تاريخ المنهج التأويلي مؤولين عظام انصرفوا لتفسير التوراة وتأويل علاماتها الرمزية والمجازية ،وبرز العالم فيلون الاسكندري(25 ق- م )في مباحثة للنص التوراتي ،وتجلى عمله في سعيه لشرح التوراة شرحا رمزيا،كما اختار أنساقا من قصص بني إسرائيل وتلمودهم كهدف إجرائي لمحاولته في الممارسة التأويلية،من ذلك تطرقه لموضوع الذات الإلهية وصفاتها وجوهرها الذي يغطي الوجود المطلق وهو بريء من المادة ،مخالفا في بعض تصوراته مذاهب الفكر اليهودي ومشاربه.

 وشاركت الفلسفة اليونانية ما شاع من مذاهب التأويل الرمزي والمجازي العبري ووظفت في شرح هوميروس وغيره (13) ولقي هذا التوجه ترحيبا من منظري الفكر اليهودي  الذين توسطوا في المزاوجة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي ، وصل شعاع النهجة التأويلية إلى الثقافة الإسلامية ممثلة في شخص موسى بن ميمون (1135-1204م) الذي حاول أن يوفق بين فلسفة أرسطو وبين العهد القديم وذلك تحت تأثير المنتوجات الفلسفية لعلماء الإسلام العظام أمثال الفارابي (ت 950 م) وابن سينا ( ت 1037م) .وكان الرجل يمزج الفلسفة الوضعية بالنصوص الدينية ،وانتهى به منهجه إلى جعل فلسفة أرسطو مقصورة على ما يتعلق بالأرض، أما ما وراء ذلك فينبغي أن يؤخذ من الكتاب المنزل(14). لم يتخلف بعض علماء الدين المسيحي عن مواكبة هذا التيار الفكري، فانضم بعضهم إلى ما يعرف بتيار المؤولين الأحرار، فاهتم كلمانت الاسكندري (150-213 م) بموضوعات تساهم في ممسات بين الفلسفة الإغريقية والعقيدة المسيحية. وكان كلمانت منبهرا بآراء فيلون في قضايا التأويل المجازي ،ومعجبا بأفكار أفلاطون الفلسفية ،وقد تصدى رجال الكنيسة وحماة مذاهبها لمحاولات بعض علماء التأويل، فكفروا  من خالف مفاهيمهم ،وكان ممن صبت عليهم لعناتهم العالم (اورجين)( 185-254م) أحد آباء الكنيسة المشهورين وأحد علماء الإسكندرية ،حيث رفض منهجه في تأويل النص الديني ،وعزف عن تأويلاته ،وأكثر من ذلك عده بعض اللاهوتيين مرتدا(15).لاشك في أن جذور التأويلية مغروسة في الفكر الديني القديم حيت كانت منطلقاتها الأولى متصلة بفهم موضوعات توراتية ثم تأويل النصوص القديمة الفلسفية منها خاصة، ثم تطورت في العصور الوسطى والحديثة إلى دراسة الجوانب الانتروبولوجية  التي ترتبط بمجموع الأنشطة الإنسانية .وهذا ما يؤكد أن الفعل التأويلي ممتد في أخاديد العصور الماضية ومتصل بالنصوص ذات الأصول الدينية والفلسفية.

وفي عهد ليس ببعيد ،ارتبطت التأويلية بإسهامات المدرسة الرومانسية الألمانية التي قاربت بشكل متميز الدلالات التي تضمنتها النصوص المؤثرة تلك التي حملت إشكالات كبرى ابتداء من القرن التاسع عشر ،مع إسهامات ديلتاي، وبعده ارتبطت التأويلية بالظاهرتية بفضل إسهامات  هيدجر حيث صارت تحمل توجهات تتعلق بجانب الوجود.

 فعلا ،لقد لزم النشاط التأويلي النص منذ عهود قديمة ،إذ ظهر مصطلح الهرمونيوطيقا في حقل الدراسات اللاهوتية ليرصد جملة الشروط والمحددات التي يخضع لها القارئ أو المفسر في فهم النص الديني وبالضبط الكتاب المقدس (16). ومن ثمة كانت نقطة البدء عند فلاسفة التأويلية هي التركيز على علاقة المفسر بالنص(17).

ب‌-   جذورها في النص القرآني:

 لا شك في أن الحديث عن العلم والقرآن الكريم حديث مفعم بالاجتهادات التي رافقت متصورات البشرية،وما الاهتمام بقضايا النص القرآني إلا جزء هام من منطلقات المشاريع الفكرية التي شغلت العلماء والمجتهدين على اختلاف تخصصاتهم.

 ويعتبر النص القرآني في أبسط مظاهره إنجازا لغويا لاتقيده الاعصار ولا تسري فيه الأعمار ،يحوي في مضامينه أحداثا متجددة ممكنة التحقيق ،يكشف غيبها بالقراءات الجديدة لأنه نظم فريد خالف أسلوبه كل أدوات التحويل الفكري التي عرفها التاريخ على مستوى الثورات الفكرية والحضارية(18).

جاء المضمون القرآني مبنيا على هذه المادة المعرفية فصيغ بنهج إنشائي دفع باللغة إلى كمالها الحضاري،فوجود مثل هذا النص اللغوي المعجز يعد مكسبا معرفيا من شأنه ضمان فعالية النتائج التي يمكن الخلوص إليها.

وفي هذا المضمار  لا بد من الإشارة إلى لا نهائية القراءة ،لأن النص القرآني لم يرسل مخصوصا لبيئة عربية محددة مكانا وزمانا ،بل ما فتئ يستوعب مضامين الحياة المتجددة باعتباره حاملا للعالمية المكنونة في جوهره ،فترتب عن هذه المزيات إعادة قراءته بالارتكاز على مقتضيات الواقع  الذي تنجذب إليه مضامين أخرى وافدة من خبرات المحيط داخله وخارجه.

والتأويلية قراءة متشظية للمنصوص ،  تتداخل في  نسيج تأليفها جملة من الشروط  المفاهيمية ذات الامتداد عميق بالإيحاءات النفسية والاجتماعية والتي يمكن جملها ضمن علم اجتماع المعرفة(19) .ويأتي النص القرآني في صلب تأسيس هذا الركح المعرفي   ،قوله تعالى:((ومَا يَعلمُ تأويلَهُ إلا اللهُ والرَاسخُونَ في العلْم ))( 20)

 لقد ورد لفظ التأويل خمس عشرة  مرة في القرآن الكريم    (21) وشمل ما ذكرنا من دلالات اصطلاحية نحو الجزاء والمصير كما أول الطبري(ت 310هـ)في قوله تعالى:((وأحْسَن تأْويلَا))(22)أي جزاء(23) وشرحها ابن تيمية(ت 728هـ)عن السلف: أحسن عاقبة ومصيرا(24).

ثانيا- في تأويلية خطاب الرؤيا والحلم:

لابد من الاعتراف بان   حقيقة الرؤيا وخطاباتها لا تزال خافية حتى على العلماء ذوي الاختصاص ،لذلك ترى أن نظرتهم العلمية مختلفة في تفسير مشاهدات الإنسان في المنام،ففرو يد  نظر إليها من زاوية البعد النفسي بقوله :إن الأحلام تلجأ إلى الرموز لتخفي الأغراض التي يحظرها المجتمع.

       ويعتبر الخطاب الحلمي أفعالا غرائيبية  ، وتعبير الحلم وتأويله إنما هو فهم مضامينه و فك شفراته ، ذلك باسترجاع مشاهدات  النائم في منامه ومحاولة إسقاطها على الواقع الخارجي للشخص الرائي أو الذي ترى الرؤيا له.         

1-     مصطلح الحلم :لغة،قال في القاموس : الحلم والحلم بالضم و بضمتين الرؤيا،والاسم الحلم على وزن فعل نحو  عنق

 وقيل في تعريف الرؤيا ما يرى في المنام وهي على وزن فُعلى وقد قد يخفف فيها الهمز، فيقال: روي تجمع على رؤى،ما يراه النائم في المنام،قال تعالى:((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق)) والرؤيا مثل مصطلح الرؤية –بالتاء-غير أن الثانية تتصل بالمشاهد البصرية الحية أما الثانية فتختص بما يكون في المنام ، وقد فرق بعضهم بين الرؤيا والحلم ،إذ قالوا الرؤيا ما يراه النائم من خير و الحلم ما يراه من شر تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم:الرؤيا من الله والحلم من الشيطان.

والحقيقة إن الرؤيا أو الحلم يتمتعان بدلالة واحدة  ،والرؤيا عبارة عن نشاط لدوائر في المخ يدركها النائم وهي من عجائب الأمور، وتعبير الرؤيا أو تأويله إنما هو فهم الرؤيا وفك رموزها ومن ثمة تطبيق المشاهدات التي سجلها الحالم على الواقع الخارجي للشخص الرائي أو للذي يعبر الرؤيا له.

2-  بنية خطاب الرؤيا:يندرج خطاب الرؤيا ضمن بنيات القصص الموضوعي أو ما يعرف بالحكي الاسترجاعي،ذلك أن البطل هو الذي يحكي حكاية حدثت له  في الزمن الماضي ولكن ليس في عالم الحضور -القصص الذاتي-وإنما في عالم الرؤيا والأحلام وهو الشاهد الأوحد على أحداثها ، معنى ذلك مزاوجة الوظيفة فيها ،أي أن شخصية الراوي وشخصية البطل تتحدان في هذا النمط من القصص.

 ولاشك في أن مادة الرؤيا وأغراضها من تشكيل المتون الحكائية التي يجيء أسلوب سردها بصفة استرجاعية  جرت أحداثها في عالم اللاوعي والحلم والرؤيا وفضاء هذا العالم يتحرك في ميقات النوم،يتم نقله بصياغة سردية تعتمد إعادة مكونات الأحداث التي جرت وقت النوم.

وتعتمد استقبالية المتلقي لمضامين هذه الرؤى على قناعة وثقة المروى وصدقه لصوره من جهة لم يشهد على مجريات حكايتها الحلمية،فالراوي (الرائي) بوصفه الشاهد (البطل) الوحيد على مجرى الأحداث القصصية في الحلم.

ثالثا- تمظهر دوال الرؤيا  في النص القرآني بين قراءتين:

1- قراءة تأويلية :

 التأويلية مساحة ضافية من المساحات القراءتية الساخنة التي تتداخل فيها العلاقات التركيبية مع التوجهات النفسية والاجتماعية، .ولم يكن النص القرآني في ذاته خلوا من هذا الحدث اللساني بل هو الجوهر المنشئ لهذه المساحة.

  والرؤيا في القرآن حقيقة ثابتة،وهي على ضربين:

*- رؤية لا تحتاج إلى تعبير،وهي بشرى من الله سبحانه وتعالى يراها الأنبياء ، وتكون إليهم جزءا من الوحي،وقد تكفل الحق بإبانتها بصريح اللفظ.

- من ذلك رؤية النبي عليه السلام الصالحة المصدقة ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق  لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين))الفتح48/27

- تصديق رؤية خليل الرحمان إبراهيم،قوله تعالى:  ((قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك..))وقوله((قد صدقت الرؤيا إن كذلك نجزي المحسنين)) الصافات37/102-105

*- رؤية تحتاج إلى تعبير أو تأويل

 ولقد  اتسمت المعالجة القرآنية لخطاب الدوال الحلمية بولادات تأويلية منتجة في سياق يحتاج إلى ممارسة تداولية مكثفة.وقد صدر هذا الضرب من الرؤى في سورة يوسف التي شكلت مدارات قصصية متلاحمة.وقد قال محمد أركون: القرآن خطاب قصصي البنية.

- أ- خطاب الرؤيا الأساسية:يبدأ القصص في السورة برؤيا مركزية هي جوهر الحدث وبؤرة الوقائع،فقد   ورد عن الرائي المصدر،قوله تعالى على لسان نبيه يوسف-عليه السلام-((إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر  رأيتهم لي ساجدين))يوسف12/04 وتنتهي أحداث الرؤيا بخطاب تأويلي: ((وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا))يوسف12/100وبين البدء و الختام مناجاة بين الابن وأبيه،وبين الرؤيا المصدر وتأويلاتها تقع توازنات ثلاثة:

- خطاب لدوال ثلاثة قمصان:

*- قميص ملوث:(( وجاءوا على قميصه بدم كذب)) يوسف12/18

*- قميص ممزق:((وقدت قميصه من دبر)) يوسف12/25

*- قميص طاهر فيه برء: ((اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يات بصيرا)) يوسف12/93

- ب- تأويلية ثلاثة أحلام:

    اتسمت المعالجة القرآنية لبنية الدال التأويلي بولادات دلالية تأويلية منتجة في السياق القرآني تلك التي تكثف استخدامها في سورة يوسف (25) حيث توزع إنتاج الدال التأويلي على حقول متفرقة الأغراض:

1- ذلك المشهد الباهر العظيم الذي لا يوصف،مشهد رؤية أجرام سماوية مهولة ،تمكن من التعرف عليها  و تمييز أحجامها ،وإحصاء  عددها:

*أحد عشر كوكبا

*شمس واحدة

* قمر واحد

2-حلم مزدوج لرفيقي السجن ذكرا معا في نفس الوقت

3-حلم الملك

 والحقيقة ارتكز ت  دوال الرؤيا على مظهرين من مظاهر التأويل:

أ‌- تأويل لدال مركزي: ويمثل حلم سيدنا يوسف:

يعتبر تفسير الأحلام  (26) مظهرا سيكولوجيا ،وهو حقل معرفي مشهور في علم النفس  وذلك انه يساعد الباحث المهتم بمسائل التأويل وآلياته في فهم الظواهر غير المألوفة خاصة   ويقيد في شرح الظواهر الرمزية التي قد تتداعى في الرؤى المنامية أو في الأعمال الأدبية السريالية خاصة، تلك التي تمتلئ بالرموز والصور الغرائبية التي يثير عبورها في مساحة النص الحلمي الملفوظ دلالات يتم إيصالها بالتوظيف المقصود للكنايات والأسماء.

 تشكل الرؤيا بؤرة الحدث اللغوي والفعلي في موقعية القصص الوارد في سورة يوسف، وقد انتشرت إحداثياتها في مطلع السورة وفي نهايتها ،والبدء حلم سيدنا يوسف عليه السلام وهذا الحلم مركز الحدث ،وتشاركت وقائع حلمية أخرى  بطلها الملك مرة ،ورفيقا يوسف مرة  ثانية في صياغة مشهد متسلسل من الأحداث الرمزية التي تحتاج إلى تأويل يقوم به مؤولون مؤهلون.

وتجتمع هذه الأحلام في حقل مشترك يهدف إلى تصديق نبوءة سيدنا يوسف سرعان ما يتحقق تأويلها من قبل مؤول عارف هو الابن و والده ،نبي الله يعقوب -عليه السلام -،أما ابنه فهو فرع منه ،فكان اختصاصه بتأويل ثلاث رؤي ثانوية  تثبتان  حقيقة رسالته السماوية من جهة وتعبر عن موضوع يتصل بالابتلاء .وهو يغرض يتقاطع فيه حلم- إبراهيم عليه السلام – بتعبير يعقوب لرؤيا ابنه يوسف ،قوله ((لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا)) يوسف12/   05

والملاحظ في الرؤيا الأولى أن الرائي هو نفسه المؤول،وقد صيغ في بنية حوارية بين الوالد وولده،وقد ورد الحوار مقتضبا ومفاجئا قرينته اللغوية ملفوظ الصيغة(إذ) و الذي نعتقده أيضا  أن يوسف كان مقلا في الحديث فلم يتكلم إلا في مقامات مقصودة.

ومن خصائص التأويل المحكي عن يوسف

-    وصف غير العاقل بصفة العاقل،وذلك في قوله تعالى((ساجدين))،حيث ذكر النحاة  أنه لما كان السجود صفة من صفات العقلاء،وصفت الكواكب والشمس والقمر بصيغة جمع المذكر السالم التي هي للعقلاء،وهذا الكلام صحيح،لكنه كلام يكتفي بتفسير إيقاع صيغة العقلاء(ساجدين) على غير العقلاء( الكواكب والشمس والقمر)،وذلك بملاحظة المعنى المعجمي للكلمة،حيث يقولون وجمعهم جمع من يعقل لصدور السجود له  وهو صفة من يعقل(البحر المحيط)....

       وهذا التفسير يبعد القارئ عن تصور الرؤيا التي رآها ذلك الطفل الصغير-لا أحد يعرف الهيئة التي يكون عليها سجود هذه الأجرام ،حقيقة أو مجازا - . والسؤال المطروح: كيف أدرك هذا الغلام بحلمه تلك الكواكب أنه سجود? إلا إذا كان على هيئة سجود البشر الذين يراهم يوسف في حياته.

إن التأويل في القرآن حمال أوجه:

- يحتمل أن تلك الكواكب جميعها أتت له في المنام على تمثلات بشرية مع وجود قرائن تشير إلى أصلها ،كأن تكون وجوههم مثلا هي على ما يشير للكوكب و الشمس والقمر وأجسادهم على هيئة البشر

- الغالب على صيغة ((ساجدين)) أنها جاءت على أصلها ،حيث رأى يوسف بشرا بالهيئة المعروفة للسجود ولكن لقرينة ما علم يوسف أن هؤلاء يمثلون الكوكب والشمس والقمر .

ب- تأويل دال تنبئي:

 جاور الدال الإشاري دالا آخر مضافا حاملا معنى التنبؤ بالفعل قبل وقوعه( 27 )، وقد صدر عن صاحبيه في السجن ،وقد عجزا عن إدراك ما حلمه كل منهما من مغزى دلالي وتمكن يوسف لما أوتي من علم من فك غامضها واستجلاء حقيقتها وكان تأويله حسب فهمنا لا يقوم على شرح الصور الحلمية المشاهدة  في ذاتها أو تأويل رموزها ،وإنما أول الخطاب اللغوي الذي حدث به كل واحد منهما،  ويشكل وسطا علميا لنقل مشاهد الرؤيتين فأصبح تأويل يوسف -عليه السلام - في هذا الغرض موضوعه الدلالة الباطنية للأشياء من خلال وسيط هو الحديث.

لعل أطول تأويل صدر عنه - المعبر يوسف- كان مع صاحبيه في السجن  حين استفتاه في حلمين  رأياهما في المنام ،فكانت استقبالية المتلقي لمضمون هذه الرؤى-إضافة إلى رؤيا الملك-مبنية على ثقة المؤول من جهة ،وحسن دراية من جهة ثانية ،عرفت بالمجاورة المعيشية في السجن.

 وتجلت غاية كسب ثقة السجينين والاطمئنان إلى صحة التأويل،أن يوسف-عليه السلام –اخبرهما بأمر مفيد ،أن ينبئهما برزق الأكل قبل أن يفد إليهما،و لم يسند هذه القدرة لنفسه  وليس هذا الأمر من علم الغيب ،وإنما تفضلا بمكرمة الله عليه.

ج- خصائص دوال الخطاب  الحلمي:

لابد من الملاحظة في دوال الرؤيا لما ورد في سورة يوسف ما يلي:

- الوقفات الوصفية والمشاهد الحوارية ،كلها ساهمت في تنامي الأغراض التأويلية لما ورد من قصص.

- اشتمال الرؤى الواردة في السورة على تقنيان السرد القصصي- الحوار –الشخصيات ..

- الملفوظات المحدثة بخطاب الرؤيا والتي صدرت عن العابرين والرائين لم تكن عربية وبالتالي فلسانهم غير عربي،وهذا يقتضي القول إن الأقوال المحكية عنهم بما فيها من فنيات ليست لهم ،وإنما لمنشئها –عز وجل-وضعها على ألسنتهم بما يعبر عن أدق مرادهم . 

- إن الرائيين في القصص القرآني الذي مثلنا بجوانب من رؤِياهم ينتسبون في المركز الأخلاقي والاجتماعي إلى بيئة واحدة وهي الأرض المباركة وأسرة واحدة هي أسرة النبوة وعائلة واحدة  ،فإبراهيم –عليه السلام-هو جد يوسف و يعقوب ،وقد وصفه في القرآن مع والده إسحاق بأنهم آباء يوسف ، بدليل قوله تعالى في الخطاب الموجه له : ((كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق)) يوسف12/6

 حقيقة لقد تأسست النظرية التأويلية في أحضان النص الديني ،وأصبح هذا المصطلح  شعبة من شعب المعرفة بالنص القرآني وسياقاته المتعددة التي يحاول القارئ الفطن ولوج كنهها ،يتم ذلك عن طريق تحديث أدوات البحث ومناهجه في دراسة جوانب إبداعية فيه والتي تمثل منتهى المعرفة كما يؤكد الجابري" إن من الشروط الضرورية لنهضتنا تحديث فكرنا وتحديد أدوات تفكيرنا وصولا إلى تشييد ثقافة عربية معاصرة أو أصيلة معا"(28).

3-     قراءة تداولية:

سعى المنحى اللساني المعاصر إلى تجاوز دلالة المقولات الشكلية والتركيز على مقدرات النص بكل دقائقها، باعتبار النص رسالة لغوية وظفها المخاطب لغرض التواصل.وسنسعى فيما يلي إلى تناول الدوال الرؤاوية  التي تعرضنا إلى تأويلها في قراءة مقاربتية لسانية وفق معطيات المنهج التداولي ، مركزين على معطى انتخابي ،هو وظائف الخطاب المؤدى في تلك النماذج من متغيرات الدوال الحلمية.

أ‌-       وظائف الخطاب:

إن التطور العلمي الحاصل في البحث اللساني أظهر محدودية النظرية اللسانية التي أصل مفاهيمها دوسوسير  عندما حدد المجال الذي يجب أن تدرس فيه اللغة،أي دراستها لذاتها ومن أجل ذاتها،وأعيد البحث في اهتمامات اللغة ووظائفها باعتبارها أهم وسيلة في التواصل الاجتماعي وهي أسمى الوظائف التي تقوم بها دو ن أن يحيف هذا المجال عن  الغايات الأخرى ،أبلغها أنها وعاء الحضارة والفكر ومستودع ما ينوء به العقل والوجدان.

 ويعد  رومان ياكبسون  أشهر اللسانيين الذي تمكن في رحلة البحث عن وظائف اللغة إلى بلوغ مراميه حين أكد أن اللغة هي وسيلة التواصل الإنساني التي لا بديل عنها لتوفر على أسباب التواصل المهمة:

  وللغة كما بين ياكبسون  ست وظائف سهلنا إبرازها في الهامش :

 نحاول في هذا المنحى من القراءة التداولية إسقاط هذه التشكيلة الخطية  لوظائف اللغة على الخطاب الرؤياي، لنستنطق أهم الوظائف البارزة فيها باعتبارها دوالا قصدية سيقت لأغراض تواصلية،وقد تعضد عابرو الرؤيا ومؤولوها على مؤهلات التراكيب اللسانية نقلها النص القرآني بأحسن تأليف ..

ب‌-   وظائف الخطاب في الدوال الرؤياوية:

1-     الوظيفة التعبيريةfonction expressive) (  (29)       

  يطلق بعض الدارسين عليها الوظيفة الانفعالية:fonction émotive

وتبرز هذه الوظيفة شخصية المرسل التي تعد محورية  في إنتاج الخطاب وإرساله فيصبح الحدث اللغوي موجودا بالفعل (30) ،وتكشف عن مقاصده من القضايا التي تعرض عليه.

       أما إذا حاولنا الكشف عن هذه الوظيفة في دوال الخطاب الحلمي للنص المعجز ،فإننا نجدها تتصل بشخصيات مرسلة مذكورة ومعرفة وأخرى وردت نكرة،وهم عابري الرؤيا من جهة ومؤوليها من جهة ثانية.ويمثل  إبراهيم أو يوسف –عليهما السلام-الشخصية البطلة المحدثة والمؤولة لمجريات الوقائع، والحكي صادر على لسانيهما أنشأه الخطاب الإلهي بآلياته العربية الفصيحة.

ومن نماذج الوظيفة التعبيرية ما ورد على لسان :

-* يوسف –عليه السلام- ((رب السجن أحب إلي...))(31)

                       - (( واتبعت ملة آبائي...))(32)

                      -(( آرباب متفرقون خير ....))(33)

 *-ما ورد على لسان الملك -((أكرمي مثواه )) (34)

                       -((أفتوني في رؤياي...))  (35)

2- الوظيفة الإفهامي ة:fonction co native 

ويطلق عليه أيضا الوظيفة الندائية،وتخص المرسل إليه ،ومهمتها إثارة انتباه المتلقي ،وبتساند إلى قيمتها التداولية الأساليب الأمرية.(36) وتتجلى في السياقات التالية:

- ( (يا أبت)).(37)..............(والده يعقوب)

         -((يا صاحبي السجن ))  (38)...... }              

        -((يا صاحبي السجن ))(39) ...... }  رفيقاه في السجن               

         -((اذكرني  ))(40)................. }احد الناجين

والمستخلص من هذه النماذج أن الوظيفة التعبيرية تشكلت وفق متطلبات الأسلوبين الندائي والأمر، وقد جسدت الوظيفة التعبيرية في هذه الأساليب الطلبية  أحيزة من المساحات الانفعالية لعابري الرؤيا لتحقق الهدف من الخطاب وهو التأثير في المتلقي(41) .وهو متعدد في تلك النماذج (الابن –الوالد-صاحبي السجن )

3- الوظيفة المرجعية:fonction référentielle

يطلق عليها الوظيفة التعيينية أو التعريفية ،وهي مهمة لأداء عملية التواصل ،لأنها تشير إلى المحتوى الخطابي المرسل إلى الطرف الآخر.

وقد مثلنا هذه الوظيفة في الخطاب التأويلي للملفوظ الحلمي،فالمخاطب المؤول هو يسف-عليه السلام-والمتكلم هما الفتيان بغرض تبليغ مضامين الرؤيا التي عين كل واحد منهما عناصرها بدقة وتعرف على مجمل مكوناتها:

- التعيين الاول:عصر الخمر

- التعيين الثاني:حمل الخبز فوق الرأس

- التعيين المشترك بين الرؤيتين:الأكل والشراب من جهة والتوصيف بعمل العبيد

4- الوظيفة الانتباهية:fonction phatique

 ويطلق عليها وظيفة تأسيس العملية الاتصالية،حيث يحرص المتكلم على استمرارية الاتصال مع المتلقي عن طريق تمديد الرسالة الاتصالية باستمالته يشتى الطرق الخطابية ،ولقد ذكرنا أن يوسف في تأويله لحلمي صاحبيه ،لم يعمد إلى التفسير إلا بعد أن شد انتباه الفتيين ،متحدثا عن قدرته في كشف خبايا المنتظر ،محاججا صاحبيه في مسائل تخص العقيدة.

5-الوظيفة المعجمية:fonction métalinguistique

وتجلت هذه الوظيفة في الكشف عن غوامض الاستخدامات اللسانية التي لا تدرك معانيها ،نحو الحديث عن رؤيا الشمس والقمر والكواكب في حالة سجود ،والتفسير الدال عليها في ما تتابع من توضيح (( ورفع أبويه)) فالرفع عكس الإنحاء والسجود ولكن الدلالة متقاربة إذ قصد  التكريم والرفعة

6-الوظيفة الشعرية:fonction poétique

وتسمى الوظيفة الإنشائية،وهي الوظيفة الأساسية لأغراض اللغة،وبدونه تصبح المرسلة اللغوية جسم فاقد للحياة لا حراك فيه،والسمة  البارزة في الدوال التأويلية بلاغة الخطاب وحسن السبك وجمال التمثيل،فلغة النسج لا نظير لها فمنشؤها هو العلي الكبير منشؤ اللسان البشري قاطبة،أما من ناحية البيان والتصوير،فالخطاب التأويلي في ما مثلنا من قصص في سورة يوسف مكتسح بصورة لافتة:نحو الاستعارة في ساجدين- يأكلهن سبع  عجاف -والكناية في أحمل فوق رأسي خبزا- يعصرون...

الخاتمـــة:

بعد تتبعنا لقراءة واصفة للدوال الحلمية من زاويتين ،تأويلية وتداولية ،نخلص إلى صياغة جملة من النتائج والتوصيات:

*- إن  التأويلية غرض تفسيري ،صدر في النص القرآن وارتبط عضويا بالدوال الرؤياوبة التي تشكلت في ق