الحقل السياسي وتسربات اللاشعور الطبقيpdf

 

د/ إسماعيل نوري الربيعي

الجامعة الأهلية – البحرين

( حتى نفهم حقلا ما ، لابد من معرفة وضعه فى مجال السلطة)

بورديو

ملخص :

يشكل مفهوم ( الحقل   Field) لدى بورديو لحظة سوسيولوجية فارقة ، لها دلالاتها المميزة والمؤثرة العميقة ، باعتبار  ما تم له على صعيد الإفلات من هيمنة أبرز تيارين بسطا بسطوتهما على المجمل من التوجهات الفكرية في المجال الاجتماعي. حيث النظرية البنائية  الوظيفية ، تلك التي كرست النظرة على المجتمع بوصفه وحدة متكاملة منسجمة .  وعلم الاجتماع الماركسي.  الذي وحد المجتمع في الصراع الطبقي . الإفلات هذا لم يكن تعبيرا عن رغبة في الخروج عن المألوف  أو سعيا ، إلى التمييز ، بقدر ما كان تمثلا عميقا تبدى من لدن بورديو نحو أهم مرتكزين ، قامت عليهما النظرية الاجتماعية.

Abstract:

The concept of field, for Baurdieu, is a sociological distinct point. This point has its own effective significances, regarding what had occurred to him as the domination of two prominent models that hold sway over the whole thought trends socially. In this respect, the structural functionalism theory strengthened the view towards the society as a constituent unity. Marxian society united the society for the class struggle. This kind of freedom is not a desire of deviation from the familiarity or calling for discrimination as much as a representation, for Baurdieu, for two significant pillars on which the socialism is based.

المقدمة :

تعود الجذور التاريخية للبنائية الوظيفية ، للأفكار التي طرحها  مونتسكيو 1755، حول الوحدة المتناسقة التي يؤلفها المجتمع. باعتبار الاستناد إلى القانون ، الذي يحدد مجال العلاقة داخل التركيب الديني والاقتصادي و السياسي والعادات والتقاليد ، بما يمثله من بناء اجتماعي. وجاء هربرت سبنسر 1903 ليؤكد عرى العلاقة القائمة بين الوظيفة والبناء الاجتماعي خلال مراحل التطور الاجتماعي.هذا بحساب أن المجتمع جزء من النظام الطبيعي ، و عليه تتبدى فكرة التوازن بين الوظيفة والبناء ، سعيا إلى التناسق والتماسك الذي يضمن  الاستمرارية. ويأتي إميل دوركهايم 1917،  ليركز جهوده على طبيعة العلاقة القائمة بين (  الأعراف و التقاليد) و طريقة تسربها في البنية الاجتماعية بين الأجيال المتلاحقة 1 ، و( النظم) القانونية والسياسية والاقتصادية. 

جاءت جهود العلماء الاجتماعيين وا لأنثروبولوجيين ، لترسخ هذا الاتجاه من خلال تركيز الجهد على شرح فكرة البناء . فلم يتردد رادكليف براون 1955 ، من الإشارة إلى أن البناء الاجتماعي ما هو إلا تنظيم يقوم بين اجزاء تندمج في تشكيل الكل ، اعتمادا على روابط لها سماتها المميزة والمشتركة . إنها العضوية الاجتماعية التي تميز الفرد بوصفه جزءا يؤدي دورا داخل هذا البناء. العضوية هنا لا تؤخذ بمعيارها الشخصي ، بقدر ما تقوم على مستوى العلاقة التفاعلي ، بين الفرد و عائلته ، أو المجتمع والدولة .بعبارة أخرى إنها التمثيل للأنساق الاجتماعية ( مؤسسات ونظم) تتفاعل ضمن بناء اجتماعي عام. انطلاقا من اعتماد اسس تحدد مسارين ، يتمثلان في ؛ علاقة الأفراد بالجماعة داخل البناء ، والعلاقة القائمة بين النظام والنظم الأخرى. إنها العلاقة القائمة بين (الأنساق والنظم). فلكل نسق نظمه الخاصة به ، فالنسق الاقتصادي له نظم الانتاج والاستهلاك والتسويق ، والنسق السياسي له نظم حكم وإدارة و تشريعات وقوانين ، والنسق الديني له نظم عبادة وعقيدة وتشريع.  ويعمد براون إلى تمييز العلاقات في صلب البناء 2 ، من حيث هي ( صورة ، واقع ) .

الصورة

الواقع

عامة

حقيقة قائمة بالفعل

مجردة من الأحداث                          

قابلة للملاحظة المباشرة

ثابتة و مستقرة، تحافظ على خصائصها

قابل للتغير السريع والمستمر

تقوم الوظيفة على أنها نظام – نسق  في بناء ، انطلاقا من الدور الذي تمارسه ، بوصفها جزءا يتحرك في الكل.إنها دفق الحراك في البناء الاجتماعي الذي يحقق له الوحدة ، من خلال دور النسق في البناء ، بما يحقق له المعنى ، والتماسك بين الأجزاء. ومن هذا يتوقف رادكليف براون عند تمييز الوظيفة ، باعتبارها ؛ ممارسة يؤديها الجزء في الكل بدءا من الدور في البناء الاجتماعي ، هذا الذي يتألف من مجموعة من الناس ، يشكلون وحدة مميزة من خلال ارتباطهم بعلاقات خاصة. أما هربرت ميرتون ولد 1944 ، فإنه يترصد الوظيفة من خلال قابليتها على الملاحظة . باعتبارها نتائج قابلة للملاحظة ، يتركز دورها في تحقيق التكيف ، داخل نسق معين .

تنطلق السوسيولوجيا الماركسية من إبراز تأثير البنى التحتية ( علاقات اقتصادية ) على البنى الفوقية ( العلاقات الفكرية والأخلاقية ) ، هذا المنطلق قوامه ( المادية التاريخية ) حيث التعبير عن التطبيق لقوانين الحتمية – الجدلية على العلاقات الاجتماعية . التاريخ هنا  لا يقوم على الطابع الحدثي ، بقدر ما يتم تمثله انطلاقا من  مقومين منهجيين ، يتمثلان في ؛ الوعي التاريخي ؛ حيث الرؤى والتصورات التي يتبناها الناس حول واقعهم وتفاصيل الحياة التي يعيشون في كنفها ، و المعرفة العلمية  المتطلعة نحو الإفلات من هيمنة ذلك الوعي. الترصد هنا يقوم على أن الإشكال التي يتم النظر فيه إلى الواقعة التاريخية دائما ما يقع في شراك ، عزل الوقائع التاريخية ، أو عكس العلاقة القائمة بين الأسباب والنتائج 3 . هذا بحساب ربط محرك التاريخ لحقبة ما بسبب محدد كأن يكون دينيا أو شكلا اجتماعيا ما . ليكون التأثير وقد انعكس على وسائل التحليل ، تلك التي ستتوقف عند ذلك العامل ، وربط مجمل الممارسات به .

التحليل الماركسي للتاريخ إنما يقوم على ؛ استخراج قوانين عامة ،  تلك التي تحدد سمات المرحلة التاريخية ، انطلاقا من التركيز على نمط الإنتاج ، والعمل على تحليل المواقف والعلاقات والبناء الاجتماعي ، بناء على قوانين الإنتاج ،  ورصد خصوصية المجتمع الثقافية  ( التشكيلة الاجتماعية) . العدة المنهجية لاستخلاص القوانين تستدعي ، التطلع نحو  التفريق بين الواقع التاريخي بكل تفاصيله وعلاقاته المعاشة . و الصورة الفكرية التي يتم بها توصيف ذلك الواقع . من واقع الترصد لعلاقات الإنتاج تم تمييز أنماط الإنتاج الكبرى ، التي قام عليها التحقيب الماركسي . حيث المشاعية  ، العبودية ، الإقطاعية ، الرأسمالية ، الاشتراكية ، فالشيوعية . 

أصل الترصد هنا يقوم على التركيز في دراسة علاقات الإنتاج ، تلك التي تحولت من إشباع الحاجات الأساسية في المجتمعات البدائية ، إلى وسيلة استغلال تمارسها طبقة تفرض سيطرتها ، و بالتالي استغلالها على المجتمع. المرتكز هنا يقوم على العلاقات و ليس البنية . العلاقات الاقتصادية  هي المسؤولة عن فرز وتنقيح المجمل من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية . لكن المهم هنا أن تلك السمة الاقتصادية التي تبدأ بالحراك و الإنتاج ، لا تتوقف عند هذا الطور ، بل سرعان ما  تندغم في المجمل من العلاقات الثقافية والاجتماعية والسياسية . هنا تحديدا يتبدى اس الإشكال في فهم المنهجية الماركسية ، تلك التي عادة ما يتم ربطها بالعامل الواحد. في حين أن  فردريك إنجلز  1895 ، لم يتردد من الإشارة إلى أن  علاقات الإنتاج تمثل الأساس في التحليل ، إلا أن البنية الفوقية لها الدور الحاسم في الصراع الطبقي 4  . إنه التمييز بين العامل المحدد ( الاقتصاد ) والعامل المهيمن في  ( نسق اجتماعي) .

شرط الوجود الاجتماعي ، تحدده آلية التنسيق بين  المنتجات والحاجات . ذلك الذي يستدعي توزيعا بين فروع الإنتاج تكون له المساهمة في  رسم نمط الإنتاج الاجتماعي ،  ذلك الذي تحدد سماته علاقات الإنتاج . المسؤول  المباشر عن إنتاج العلاقات الاجتماعية  يتمثل في  (  قوى الإنتاج ) ،  بما ترسمه من أسس ثقافية و قانونية و دينية واجتماعية ، وعندما تعجز هذه القوى عن الاستمرار في اداء وظيفتها. تظهر قوى جديدة ، تؤدي إلى تأسيس علاقات جديدة . هذا الحراك يساهم في انتقال نمط الإنتاج نحو التطور. حيث الشمول الذي يطغى على المجمل من الممارسة الاجتماعية ؛ اقتصادا وثقافة و دينا وسياسة.

 الانتقال والتحول في أنماط الإنتاج ، والتناقضات التي لا تنفك تتبدى بين القوى والعلاقات الإنتاجية ، لا يمكن لها أن تتفاعل في القطاع المعزول ( بدعوى الخضوع للعامل الاقتصادي فقط )  ، بقدر ما يقوم على الصراع الاجتماعي بين المكونات جميعا . إنها الطبقات الاجتماعية المستندة في طريقة نشوئها وظهورها على الدخل والعمل والمكانة الاجتماعية  . هذا بحساب أن القوى الإنتاجية الجديدة تنتج علاقات جديدة . التناقض الذي يميز مجال العلاقة بين الطبقات ، يستدعي العمل على تحليل كل نمط اجتماعي ، والسعي نحو تحليل سمات التنظيم الاجتماعي. ومن المهم هنا أن الطبقات الاجتماعية بقيت تعيش احوال التخلخل وعدم الوضوح ، ولم يتبد شكلها الواضح ، إلا في أعقاب الثورة الصناعية ، تلك التي افرزت المواجهة بين مالك وسيلة الإنتاج  والعامل.

حقل بورديو له مجاله و جوهره  ونسقه ومنطقه الذي يميزه ، بل أن القسمات المميزة له ،  إنما تقوم على عناصر مكونة له تقوم على ؛ (الاستقلالية ، المشرعين ، العملاء) .  ليمنحه القدرة على التكيف مع الحقول الأخرى. حيث الخروج من العموميات ، والقدرة على التخصيص . إنه الإفلات من التصورات الخاصة ، والتعامل  المباشر مع الواقع . انطلاقا من الاستناد على مؤسسة تمنحه العضوية الكاملة والمستقلة ، وتتيح له التفاعل ضمن حقل له رأسماله المادي والرمزي 5 ، يمارس من خلاله قدراته المادية والرمزية  للدخول في صلب التجربة المعاشة حيث التنافس والصراع.

اعتمد بورديو على منهجية البنيوية التكوينية – التوليدية ، في الكشف عن الملابسات التي تعتور طريقة التمييز في الانتماء الطبقي. فكانت الإفادة المباشرة ، من الدرس الذي قدمه كلود ليفي شتراوس ، حول المضمر النسقي في العلاقات وتنظيمها في بنى القرابة .  ليصار إلى التطلع نحو التسلل من الاقتصادي إلى الثقافي ، في طريقة النظر إلى المجال الطبقي . ( الأمر هنا لا يقوم على استبدال وسيلة بأخرى، بقدر ما كانت محاولة من بورديو للخروج من هيمنة التصورات الجاهزة، عبر الإفادة القصوى ، من مجال زاوية النظر) . باعتبار التطلع نحو الخروج من  التفسير الماركسي للمحتوى الطبقي، انطلاقا من هيمنة العامل الاقتصادي ليكون المدخل من البوابة الثقافية  عبر توظيف مفهوم  الهابيتوس Habitus   6 ( اللاشعور الطبقي ) أو ما يعرف بـــ ( الخصائص النفسية، السجية ، التطبّع ، الاستعداد النفسي ، السمت، التمثل الطبقي) ،  وهو ما يكتسبه الفاعل الاجتماعي من استعدادات و طبائع خلال تفاعله داخل محيطه الاجتماعي ، تجعل منه متكيفا مع الواقع المعاش، من دون قصد .  إنها الملامسة الدقيقة والحاذقة التي تطلع من خلالها بورديو للوقوف على ( خطوط التماس الطبقية )، حيث بؤرة الصراع الاجتماعي بين الطبقات .  وهكذا تم استحضار رأس المال الرمزي الثقافي، بوصفه فاعلا مؤثرا في  التمييز الطبقي ، إنطلاقا من توظيف مفهوم الهابيتوس ( اللاشعور الطبقي) ، بكل ما فيه من قوة تأثير مضمرة نسقيا،   للمواقف والعلاقات المحددة حيث العنف الرمزي . والتي لا يمكن تبيان ملامحها، بالسهولة والمباشرة التي تقوم عليها طريقة التمييز الطبقي المباشر  ، القائم على  الرأسمال المادي.

من هنا كان التركيز على تحليل البنية الاجتماعية، عبر الكشف عن نظام ونسق  العلاقات القائمة فيها، والذي يتيح إمكانية الوقوف على رصد وظيفة كل عنصر في البنية ، من حيث ديناميكيته وعلاقاته مع العناصر الأخرى . بعبارة أخرى ، أن الهدف والغاية هنا صارت تتطلع بكثافة نحو الخروج من الهيمنة لسطوة السرديات الكبرى، والتوصيفات الجاهزة  والتقويم التقليدي المستند إلى المعيار الاقتصادي . والتركيز على أهمية البحث في ؛ نسق العلاقات الذي يحدد مجال العلاقة بين العناصر والمكونات الاجتماعية ، من دون الوقوع تحت سطوة ظاهرة بعينها، دعوة بورديو تركز على أهمية البحث عن المخبوء والمضمر من الظواهر التي تتفاعل وتؤثر في البنية الاجتماعية ، دون أن يتم التنبه لها. ولعل السؤال المباشر هنا يقوم على ، الكيفية التي يمكن أن يتم من خلالها إبراز هذا المضمر، والذي يعمل ويؤثر دون أن يتم الالتفات إليه بقوة وتركيز؟ الإجابة هنا تقوم على تحديد النسق ‘عبر البحث في ( التفاعلات الداخلية والخارجية ) لبنية المؤسسة الاجتماعية. إذ لايمكن النظر إليها بوصفها بنية معزولة ،إذ لا  يمكن لها أن تمارس أنساق تفاعلها الداخلي ،  في معزل عن المحيط الخارجي . فالعلاقة تبقى محكومة بين الداخل والخارج ، كي يتم عبر هذا المنظور تشخيص مجال ( المواقف والعلاقات) 7. المواقف بوصفها نسقا داخليا يحدد مجال السلطة فيها. والعلاقات بوصفها نسقا خارجيا يحدد معادل الارتباط بالمحيط الخارجي.

نسق داخلي

نسق خارجي

مواقف

علاقات

سلطة

ارتباط

 البحث هنا يطال المجمل من التفاعلات التي تحدث داخل النسق الاجتماعي ( المادي والرمزي) حيث التأسيس لمفهوم الحقل الاجتماعي ، الذي يشكل انتظاما خاصا له تمثلاته وحسه المشترك وسلوكياته وأنساقه التي تميزه عن الحقول الاجتماعية الأخرى.

ما هي الفاصلة الرقيقة التي تمكن من خلالها بورديو، التمييز بين حقل اجتماعي وآخر. وما هو المبضع الذي استخدمه في الفصل ؟ الإجابة هنا تقوم على الهابيتوس ، تلك الأداة المنهجية التي تم من خلالها تحديد مجال الحقل ( إنتماء و ظيفة ) . باعتبار الوقوف على تمييز الوظائف والمدركات التي يتركها المحيط الاجتماعي في زمان وموقع اجتماعي محدد، يشكل سلوك الأفراد بناء على تشكل ذهني يسيطر على الممارسات والسلوكيات التي تصدر عن الأفراد بطريقة لا قصدية. إنه إدراك يتوسط العلاقة بين الواقع  والسلوك الفردي ،  ينتج ممارسات متكيفة مع الهدف داخل الطبقة الاجتماعية . يتم من خلاله الفصل بين الرمزي والمادي 8، ويساهم في درء الصدام الطبقي. ومن دون الوقوع تحت طائلة المؤثر الجاهز، في تفسير العوامل المؤثرة في ثبات البنية الاجتماعية ، نجد بورديو وقد استحضر العدة المنهجية ، لتفسير نظام ووظيفة الحقل ، من خلال التطبيقات المنهجية المستندة إلى استراتيجيات إعادة الإنتاج ، والعنف الرمزي ، والرأسمال الثقافي.

التحليل الاجتماعي لبورديو ، لا يطال التطلع نحو رصد التمايزات الطبقة المادية ، المستندة الأهلية الاقتصادية و القدرة على تملك وسائل الانتاج ، بقدر ما يكون التوجه متركزا حول الرأسمال الرمزي – الثقافي ، ذلك الذي يترصد جملة من الرأسماليات المختلفة والمتنوعة . تلك التي تشكل قوة الدفع والزخم في  إعادة إنتاج وتشكيل الحقل الاجتماعي ، حيث الهابيتوس الذي يميز ويمفصل كل حقل ، ويميز مجال التطلع نحو الإمساك بقياد المادي والرمزي . وهكذا يكون الرأسمال الثقافي ، والاقتصادي، و الاجتماعي والمكتسب ، والموهبة والجاذبية .

كل حقل يقوم على ( الاستقلالية ، المشرعين ، العملاء) . تنتظم علاقة هذه العناصر ، وفقا لمبدأ تساوي الفرص والخضوع للقانون ، هذا على صعيد الصورة المثالية المفترضة ، في حين  يشير الواقع ، إلى جملة من العلاقات  والوظائف التي تثير الحيرة والارتباك. فعلى الرغم من التساوي في الفرص بين الأعضاء او العملاء المنضوين ضمن الحقل الواحد، إلا أن النتائج عادة ما تسير إلى صالح فئة بعينها، على حساب فئة أخرى . الأمر هنا  يقوم على تمييز ملامح  سلطة الحقل ، تلك التي تستقي أسباب حضورها من سيطرة المشرعين ، الذين  يعمدون إلى تمرير أهدافهم داخل الحقل من خلال ممارسة العنف الرمزي ، من دون ضجيج ، أو تصعيد للصراع بين الفئات التي يؤلفها الحقل. وهكذا تكون الحقول بمجملها مستندة إلى الزعم بالحيادية و العدالة والمساواة، إن كان على صعيد الإعلام ، الأدب، التعليم ، العمل ، الإدارة ، الفن، الرياضة . إلا أن الواقع يبقى يفرز تكريسا لنماذج إعلامية و أدبية ، وتمييزا لجامعات على حساب أخرى ، واستلهاما لمباديء إدارية دونا عن غيرها، ورعاية و التفاتا إلى تجارب فنية بذاتها، أو الحضوة والتقدير الذي تناله رياضة بعينها دون أخرى ، أو حصول فريق كرة  قدم على الاهتمام والمتابعة ، على الرغم من عدم اختلافه الكبير عن بقية الفرق الكروية .

البحث هنا يقوم على ترصد مكامن السلطة الرمزية، تلك القوة المضمرة المخفية ، والتي لا يمكن تبيان ملامحها بسهولة ومباشرة ، بل  إن الملفت والمدهش فيها يقوم على أن تلك السلطة تتم ممارستها ، من قبل أولئك الذي لا يعترفون بها! و هنا يكمن جوهر الاختلاف بين السلطة التقليدية القائمة على ( الثروة ، العنف، المعرفة ) بإزاء السلطة الرمزية تلك التي تقوم على  ( السيطرة على الرغبات، خلق الاتباع عبر إشباع حاجاتهم النفسية ، التطابق في المصالح ) ، إنطلاقا من المرغوب فيه، و المناسب ، والشائع و البديهي ،  حيث الاستهداف المباشر للرغبات والميول و الأهواء ومداعبة الحواس . السلطة التقليدية تقوم على العلاقة البنيوية ، في حين أن السلطة الرمزية قوامها العلاقة الجدلية .

يقوم الحقل على أوضاع يحتلها أفراد ومؤسسات ، تتوزع بينهم السلطة الرمزية ، الساعية نحو تحقيق أهداف خاصة . عبر تنظيم أوضاع السيطرة والتطابق في المصالح والتبعية . و تبقى القوة الفاعلة داخل الحقل تقوم على  الرأسمال الرمزي  في توجيه 9( فضاء اللعب ؛ الاجتماعي والسياسي والديني والثقافي والأدبي) على حد تعبير بورديو . سعيا لحفاظ القوى المهيمنة على مكتسباتها بما تستطيعه من تكيف مع الأوضاع الجديدة والمتغيرة .

لنطالع حقل السلطة على سبيل المثال ، ذلك الذي يتوافر على مجموعة من القوى المختلفة ، تتحدد العلاقة بينها من خلال ( القوة والرأسمال) ، حيث الصراع الذي يتركز حول السيطرة بين اصحاب السلطات المختلفة ، بهدف الهيمنة على الرأسمال الرمزي والمادي ،  والمسعى نحو الاحتفاظ بالمواقع التي يحتلونها داخل الحقل، أو المسعى نحو التكيف مع التحولات التي تنشأ داخل الحقل. إنه الصراع بين القوى المسيطرة التي تمكنت من فرض حضورها على الحقل ، والقوى الجديدة الساعية نحو توكيد حضورها فيه ، من خلال احداث التوازن بين القوتين القديمة والجديدة.  و من هذا فإن الاتفاق على تقسيم السيطرة ،سيمنح الطرفين للبحث عن مشروعية الحضور ، عبر مدخل إعادة إنتاج العلاقات والمواقف والوظائف التي تساهم في تكريس سطوة القوى التقليدية ، واحتفاظها بمواقعها التقليدية ، مع خلق مجال من التوافق مع القوى الطامحة الجديدة، لا حتلال مواقع تتناسب والتوجهات التي رسمتها القوى المكرسة ذات الحظوة والنفوذ. ولا يتوقف أمر الصراع على النزاعات المباشرة ، إن كانت بين قوى النفوذ السياسي داخل مؤسسة السلطة ، حيث النزاع المباشر على مواقع التوجيه والتحكم والسيطرة  في الحقل ، بقدر ما تحضر الصراعات الرمزية بكل قوة، حيث التطلع نحو فرض النموذج الفكري والثقافي .

الحقل يقوم على التحول والتغير الدائم ، و الذي يتم عبر مراحل زمنية طويلة وصراعات داخلية تتم بين الفاعلين فيه ، بغية الحصول على السيطرة واحتكار الهيمنة فيه ، من قبل القوى التقليدية  القديمة ، والقوى الجديدة الطامحة للحصول على الانتماء وشرعية الحضور وتحقيق المنفعة والمصلحة فيه.

 و هناك الصراعات الخارجية  تلك التي تدور بين الحقل و الحقول الأخرى المختلفة  ، بغية تحقيق استقلاله .

المجتمع لدى بورديو يقوم على مجموعة من الحقول المختلفة ( السلطة والإدارة و  والثقافة والدين والجامعة و المؤسسة التربوية و الإعلام والرياضة، إلخ) تللك الحقول يحركها العملاء و الذي يدور صراع بينهم حول السيطرة المادية والرمزية للحقل، بين القوى القديمة  التقليدية والقوى الجديدة الطامحة للاحتلال المكانة والحظوة. يتكرس هذا الصراع نحو السيطرة على الراسمال الرمزي والمادي . فالحقل نظام بنيوي يتكون من القوى الاجتماعية 10 ، تلك التي تحكمها علاقات خاصة داخل هذا النسق .

  تعتمد على الرأسمال الرمزي ، هذا الأخير الذي يفسح المجال نحو نشوب الصراعات بين القوى المهيمنة  والقوى الطامحة  ، من أجل الحظوة بالشرعية . الحقل غذن مجال صراع بين القوى المكرسة تلك التي تبقةى ساعية للحفاظ على المصالح و المكاسب والقوة والسطوة والجاه والشرعية التي اكتسبتها على المدى الزمني الطويل،  والقوى المتوجهة نحو توكيد الحضور ، عبر الانغماس في لعبة التوازن مع القوى التقليدية . الأمر هنا لا يقوم على رد فعل ثوري من القوى الجدية الطامحة ، بقدر ما يكون التوجه نحو الاندراج في قوانين اللعبة التي يفرضها الحقل، حيث المسعى نحو التواطؤ على المعاني التي ينتجها قانون وشرعة و أعراف الحقل.

كيف يمكن تمييز العضوية الاجتماعية في الحقل؟ يشير بورديو إلى أن الفاعل الاجتماعي ، ما هو إلا ثمرة للانتاج الثقافي الذي يفرزه الحقل، فالأديب والسياسي والرياضي والقانوني و رجل الدين والإعلامي ،  يخضع لتأثير البنية الاجتماعية ، تلك المسؤولة عن صياغة البنية الإدراكية للعضو داخل الحقل .  ومن الحقل يستمد الفاعل الاجتماعي المجمل من الموجهات والمحفزات التي توجه وتسير طريقة عمله فيه. باعتبار خضوع الفاعل لنمط الإنتاج ، ومن هذا الخضوع سيكون الطريق مشرعا نحو تقديمه داخل الوسط ، وتكريسه بوصفه فاعلا رئيسا 11، يحظى باقوة والنفوذ والهيمنة والسيطرة ، ليصار إلى تقديمه إلى الفاعلين الآخرين أصحاب الثروات الرمزية ، الذين لا يتوانون عن دمجه في سوق الثروات الرمزية ، ليتركز دور الفاعل المكرس في لعبة إعادة الإنتاج للمواقع الاجتماعية ، التي تم توظيبها من قبل الفاعلين داخل الحقل.

العلاقة بين الأفراد والمؤسسات داخل الحقل، تبقى خاضعة لقواعد ثابتة ، فلكل موقف تربوي أم سياسي أم فني أم رياضي أم ديني ، يقابله مجال إنتاج داخل الحقل. إنه التواطؤ على المعاني ، ذلك الذي يميز مجال العلاقات والإنتاج داخل الحقل . إنه التناغم بين السيطرة والهيمنة والقوة ، و هي الممارسة المستمدة من عملاء الحقل ، تلك التي تبقى مشروطه ، بمدى الانسجام  والتوافق الصادر عن الفاعل الاجتماعي بما تستند عليه رؤية العالم والحس المشترك لدى العملاء. العنصر الفاعل في  إبراز مكامن السلطة ، لا يقوم على صراع مباشر بين أطراف ، بقدر ما يكون الاستناد إلى الموقع الذي يشغله الفاعل الاجتماعي داخل الحقل، بما يؤهله للسيطرة والتوجيه على الرأسمال الرمزي ،  والذي يتم من خلاله نيل الحظوة بالمكانة المكرسة و ألهية البالغة داخل الحقل ، عبر اعتراف المنافسين وباقي افراد المجتمع . وهكذا تتم عملية ترصد الحقل ومحاولة تحليله وفهمه وتفسيره ، من خلال الوقوف على تحديدالسلطة في داخله ، حيث التركيز على تحليل مجال القوة الذي يمتلكه الفاعلون والمؤسسات على شكل رأسمال مادي و رمزي . وبالمقابل لا تفتر عزيمة العملاء الطامحين لولوج مجال الهيمنة والسلطة داخل الحقل ، من الدخول في في صراع مع مباشر مع العملاء المكرسين ، من خلال محاولة شرعنة أنساقهم وخطاباتهم ومقولاتهم ورؤاهم على مجمل علاقات الحقل .

الحقل إذن بنية ، يبنيها المسيطرون والطامحون إلى السيطرة . بين المكرسين الحائزين على الرأسمال الرمزي، والعملاء الجدد الراغبين بحيازة (الموقع) في الحقل. إنه الصراع بين التقليدي والمكرور المنهك من طول الاستعمال،  والمحدث المتجدد الساعي نحو اللحاق بركب الحقل دون الإخلال بالنسق المستقر الذي قام عليه الحقل . إنها عملية إعادة الإنتاج للأصول التي قام و يقوم عليها الحقل ، ولكن بطريقة مختلفة فيما يكون الأصل فيها واحدا غير قابل للدحض أو الإلغاء.

يركز بورديو في تتبع طريقىة التعبير عن المواقف  داخل الحقل ، من خلال المسعى نحو تحليل مدى العلاقة القائمة بين هابيتوس (اللاشعور الطبقي )  للمكرسين ، والبحث في الأصل الاجتماعي والعائلي ومؤثرات البيئة والتعليم و التنشأة  والموقع الذي يشغلونه داخل حقل الإنتاج ، تلك العلاقة تعد بمثابة المدخل للولوج في مدى وحيز التعبير عن المواقف التي يعبر عنها المكرس ، بما ينسجم  ويتوافق مع الخطاب الذي يتبناه الحقل . إنها البنائية التوليدية الساعية نحو إفساح مجال التحليل عبر المؤثر الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي الذي يساهم في إنتاج الموضوع السياسي أو الثقافي أو الديني أو التربوي  . وهو الانعكاس الذي يترسم مجال التعبير عن الرؤى والتصورات الناتجة12 عن الصياغة التي يساهم فيها فاعلوا الحقول الأخرى في بناء المواقف وإنتاجها، فالنتاج الثقافي لا يمكن  اقتصاره في التعبير عن مصالح طبقية فقط، بقدر ما يكون تمثيلا للفضاء الاجتماعي الواسع.

العملاء داخل الحقل يسعون إلى إعادة إنتاج البنى المسيطرة ، من خلال ممارسة العنف الرمزي  حيث التطلع نحو الحصول على الشرعية  التي تؤهله للسيطرة والهيمنة . إنه التكيف والحاجات التي يفرضها الحقل ، حيث التحليل الاجتماعي الذي لايقوم على العامل الطبقي، بقدر ما يتطلع نحو ترصد  أثر العوامل الثقافية في تشكيل المواقف ، حيث المناورة في اقصاها، من أجل بلوغ الأهداف التي يرغب فيها العملاء داخل الحقل. باعتبار محاولة التوافق والانسجام مع  المصالح والممارسات والمواقف السائدة داخل  المؤسسات التي تعبر عن الحقل. هذا الأخير الذي يحدده بورديو بوصفه عالما من العلاقات المتكاملة، له استقلاله الكامل والتام ، الذي يميزه عن الحقول الأخرى . باعتبار ما يتمتع به من  ؛ سلطة و رأسمال  وقوانين وقواعد خاصة به.  له صراعاته الداخلية حث التنافس القائم بين العملاء على شرعية الحضور واحتكار التمثيل و السيطرة على المصالح، والذي يتبدى عادة بين المكرسين والعملاء الجدد.  وصراعاته الخارجية القائمة بين الحقول الأخرى.

السؤال الأهم يتعلق بطريقة إنتاج العلاقات والمواقف والأعمال داخل الحقل، المنطلق هنا يقوم على إجراء منهجي يتعلق بالتركيز على مجال العلاقة القائمة بين موقع العميل المكرس وموقع العميل الثانوي ، من خلال تطبيق ذلك على ( الميكروكوزم الاجتماعي Microcosm13 وهو الحقل الفرعي الذي يتم من خلاله الإنتاج المعرفي و الأدبي والفكري و العلمي ، والذي يتمتع ببنية وقواعد خاصة به.  وترصد موقع العميل أو الفاعل الاجتماعي أو المؤسسة و علاقاته مع العملاء والفاعلين والمؤسسات الأخرى ، وتمييز ملامح القوة في توجيه الصراع نحو خيارات ( التكريس أو التحويل ) في علاقات الحقل ، بما يوفر إمكانية الوقوف على تمييز ملامح الاستراتيجيات للإنتاج ، عبر المصالح التي تفرزها العلاقات.

تمييز الاستراتيجيات للفاعلين والمؤسسات داخل الحقل ، يمكن ترصدها عبر بوابة المواقف التي يتخذونها خلال أحوال الصراع الناشب بينهم . و هذا كله يعتمد على الموقع الذي يتحصلون عليه داخل بينية الحقل. إنه الراسمال الرمزي الذي يتحصل عليه الفاعل أو المؤسسة ، إن كان على المستوى الداخلي ( تكريسا و تأثيرا) أم على الصعيد الخارجي ( سمعة وحظوة ) . و لايقف الأمر عند تأثير موقع الفاعل أو المؤسسة في توجيه استراتيجية العلاقات،بقدر ما يبرز تأثير الهابيتوس ( اللاشعور الطبقي ) في تمييز مفاصل المحافظة أم التغيير ، أي الرضا بقواعد اللعبة الجارية والمحافظة على استمرارها، أم على صعيد التطلع نحو كسر القواعد والعمل على خلق قواعد جديدة . إنه صراع الغايات و الأهداف بين الفاعل التقليدي المكرس، و الفاعلين الطامحين بالاعتراف وشرعية الحضور داخل الحقل.

الهوامش :

$11.    Peter Hamilton, 1990, Emile  Dorkheim  Critical Assessments , Routledge, New York, Volume 1, p 139.

$12.    Gerald Studdert- Kennedy, 2013, Evidence and Explanation in Social Science, Routledge Library, New York, p 25.

$13.    Erwin Fahlbuch, 2008, The Encyclopedia of Christianity, Eerdmans and Brill, New York, Volume5, p 105.

$14.    P. Herrmann, 2009, Social Policy in Context, Rozenberg Publishers, Amsterdam, p 22.

$15.    Pierre Bourdieu, 1996, The Role of Art, translated by Susan Emanuel, Stanford University Press, California, p 85.

$16.    Deborah Reed-Danahay, 2005, Locating Bourdieu, Indiana University Press, Bloomington, p 104.

$17.    Pamela Burnard, 2012, Musical Creativities in Practice, Oxford University Press, UK, p 45.

$18.    Goran Bolin, 2004, Value and The Media, Ashgate Publishing Company, Burlington , USA, p 42.

$19.    Nicolas Brown and Imr Szeman , 2000, Bourieu Fieldwork in Culture, Rowman and Litile Field Publishers , Maryland, p 31.

$110.              Bourdieu , 2005, The Social Structures of the Economy, Polity Press, Cambridge , p197.

$111.              Tony Black Shaw, 2013, Routledge Handbook  of  Leisure Studies, Routledge, New York, p 1951.

$112.              Julie Jacko and Constantine Stephanidis , 2003, Human -  Computer International – Theory and Practice, Creet Conference , June 2003, Part 1 p 204.

$113.              Rodny Benson and Erik Neveu, 2005, Bourdieu and the Journalistic Field , Polity Press, Cambridge , p 33.