أثر الإغراق على المنافسة في التجارة الدوليةpdf

 

 

أ/قادري لطفي محمد الصالح

أستاذ مساعد قسم "أ

كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة ورقلة

الملخص

تناول هذا البحث موضوع مكافحة الإغراق وفق القوانين التي صودق عليها من قبل المنظمة العالمية للتجارة ، وتحديدا وفق المادة السادسة من الاتفاق العام للتعريفة والتجارة المعروفة اختصارا الجات ،  وهو اتفاق متعدد الأطراف تم بين الدول سنة 1947 والذي يهدف إلى حرية التجارة العالمية ويقتصر على السلع والبضائع ، هذا البحث يعالج التدابير القانونية التي تناولتها الاتفاقية . والذي تطرقنا إلى محتواها ومدى تطبيقها على مستوى الدول المنظمة إلى المنظمة العالمية للتجارة ، كذلك عالجنا الإغراق ، وأنواعه والإجراءات المتخذة لمكافحته ، من اجل تحقيق المنافسة العادلة ضمن بيئة التجارة الدولية

الكلمات المفتاحية: الإغراق ، التجارة الدولية ، الاحتكار

Résumé:

Ce recherche essaye d’aborder le sujet de l’antidumping selon les lois de l’organisation mondiale du commerce , et précisément celle qui est présenté  dans le sixième article de la convention des tarifs et du commerce (GATT) . Le but de cette convention est de libérer le commerce international, et de mettre des mesures légales à l’antidumping.

On a parlé encore dans cette recherche des types de dumping, et les procédures prises en compte contre le dumping, afin de réaliser une concurrence légale dans le commerce international

Summary:

This research paper deals with the anti dumping issue according to the laws approved by the world trade organization; specifically article VI 6 of the general agreement on trade and tariffs GATT; a multilateral agreement between many countries in 1947, that aims to free global world international trade based on goods.

This paper research addresses the legal measures taken in the agreement and whether it is applied by these countries to the WTO or not and also it deals with dumping , its types and measures taken to fight it in order to achieve fair competition within the international trade environment.

Key words: international trade ; monopoly.

مقدمة:

تتناول هذه الدراسة جانبا هاما فيما يتصل بالإطار القانوني للإغراق ،وهو احد الممارسات التي تخالف قواعد المعاملات المرعية في سياق التجارة عموما ، وكيف يؤثر هذا السلوك غير المشروع على التوازن المطلوب إعماله في حقل العلاقات القانونية الاقتصادية سواء داخل الدولة القومية أو في البيئة الدولية ، من خلال التأثير على حجم المتدفق من التجارة الدولية ، وإقصاء المنافسين والتأثير على الاستقرار المالي والاقتصادي للمنظمات والشركات ، نتيجة استغلال وضعية التبعية الاقتصادية ، أو الإتيان بممارسات البيع التمييزي أو التعسف في وضعية الهيمنة .

كما لا يمكن غض الطرف عن اتفاقية مكافحة الإغراق التي تمثل هي الأخرى احد ّأهم الاتفاقيات المنظمة لمسائل التجارة والمنافسة ، لكن من منظور بسط الحماية الدولية على عمليات التبادل التجاري الدولي ، والتي تمثل المقصد الأساسي من قيام هذه المنظمة الدولية المتخصصة بقضايا التجارة والمنافسة الدولية ، وعليه فيما يتمثل البعد الاقتصادي للإغراق وكيف تمت معالجته قانونيا في سياق التجارة الدولية؟.

المطلب الأول : اتفاقية مكافحة الإغراق

إن من أهم الممارسات التجارية السائدة في حقل العلاقات الاقتصادية بين الأمم والتي تنطوي على خطورة بالغة في سياق المنافسة التجارية الدولية ، والذي يؤدي إلى تحقيق الأوضاع الاحتكارية وضرب الاقتصاديات الناشئة هو الإغراق ، هذا الأسلوب من التعامل التجاري الذي يعمل على ضرب مصداقية المنافسة في التجارة بين الأمم، وتحويلها من وسيلة للتطور والتقدم إلى أداة للصراع الاقتصادي ، وهو ما يهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي ، باعتباره أسلوبا من المنافسة يعتمد على الحرية السعرية لكن بصورة خطيرة تعمل على افتراس وإقصاء كافة المنافسين القائمين وغلق السوق أيضا في وجه المنافسين المحتملين ، وبالتالي فالآثار التي تنجر عنه لا يمكن وصفها إلا بأنها على درجة عالية من الخطورة على الاقتصاد العالمي إجمالا ، وسنعمل على بيان الجانب القانوني للإغراق في الآتي

الفرع الأول : الإطار القانوني لظاهرة الإغراق

إن موضوع الإغراق هو موضوع ظاهره اقتصادي ، ولكن فهمه من حيث تأثيراته والأساليب المستعملة فيه للقضاء على المنافسة الكاملة وطريقة حسابه وكيفية مجابهته ، كلها من الأمور التي لا يمكن استيعابها إلا بالرجوع إلى الاتفاقية القانونية الدولية التي أعدت خصيصا لمجابهته ، وهي الاتفاقية الدولية بشان كيفيات تطبيق المادة السادسة من اتفاقية الجات 1994 (اتفاقية مكافحة الإغراق والرسوم الموازية) ، وعليه فان ذات الاتفاقية تحاول إعادة التوازن الدولي في قانون العرض والطلب الذي يختل بفعل الممارسات الإغراقية ، مما يترتب عنه تزايد في معدلات الطلب وانخفاض صارخ في القيم السعرية للعرض ، وهو ما يشكل تحديا جسيما أمام استقرار التجارة الدولية ، لأنه بالفعل شكل من أشكال الممارسة غير المشروعة للمنافسة السعرية ، التي تستغل أبجديات الرأسمالية القائمة على عوامل التحرر الاقتصادي من دون احترام لمبادئ وقواعد الاستقامة والأخلاق المرعية في أصول المعاملات التجارية.1

وقد عرف ظاهرة الإغراق الفقيه جاكوب فينر بأنها" اعتماد لبيع سلعة أو طرح خدمة ذات قيمة ضخمة في التكلفة ، بأسعار زهيدة أو بسعر أدنى من السعر المستقر عليه في السوق في الأحوال العادية له، وهذا لأجل التخلص من الفائض أو بغرض مجابهة المنافسة" 2، وعرفها احد الباحثين بأنها" بيع للسلعة في سوق أجنبية بسعر أكثر انخفاضا من السعر الذي يفرضه المحتكر في السوق المحلية ، أو بسعر يقل عن تكلفة الإنتاج للسلعة المماثلة في مجرى التجارة العادي، للدولة التي يوجه إليها المحتكر سلعته للبيع".3

كما عرفت من الناحية القانونية والاقتصادية في آن واحد بأنها" انتهاج دولة معينة أو تنظيم احتكاري معين لسياسة تعمل على التمييز بين الأسعار السائدة في الداخل أو السائدة في الخارج ، وذلك بخفض أسعار السلعة المصدرة في الأسواق الخارجية عن المستوى الذي تحدده قيمة السلعة في الداخل مضاف إليها نفقات النقل والشحن " . 4

وقد سيقت لظاهرة الإغراق العديد من المفاهيم الأخرى التي تنوعت بين من يركز على جانبها الاقتصادي وآخرون بناء على أثارها التجارية ، كما لم يغب عن القانون تحليل هذه الظاهرة وإعطاء المفهوم التشريعي الذي يتفق مع الآليات التنافسية التي يعمل بها هذا الأسلوب من التعامل الدولي ، وبالتالي عرفها احد الباحثين بأنها " بيع سلعة أو تقديم خدمة في سوق أجنبية بأسعار اقل مما تباع بها في السوق المحلية ، أو بيعها في الخارج بأسعار اقل من تكلفة الإنتاج في البلاد المنتجة ويتفق مع هذا المفهوم العديد من الباحثين في المشرق والمغرب العربيين، حيث يعرفها الباحث عجمية " بأنها طرح للسلعة أو الخدمة بيعا بأسعار تقل عن تكلفتها الحقيقية في الأسواق الأجنبية مقارنة بقيمتها في بلد المنشأ على الرغم من وجود ظروف إنتاج نفسها ، وعلى الرغم من أن تكاليف النقل أو الشحن من شانها أن تزيد من قيمتها في الأسواق المصدرة إليها"، وهنالك من الفقهاء من حاول إعطاء ماهية لهذه الظاهرة ، إلا وهي ظاهرة الإغراق من خلال الآثار المترتبة عنها مع التركيز على الأسلوب المستخدم لتحقيق هذا الأثر ، وعليه عرفها الفقيه علي جمعة بأنها " سياسة البيع بأقل من أسعار السوق في مجرى التجارة العادية ، وذلك ببيع السلعة عمدا وبسوء نية بأقل من سعر تكلفتها الحقيقية في الأسواق الوافدة إليها ، مع تعويض الخسارة برفع السعر في البلد الأصلي لهذا المنتج".5و سنتطرق لخصائص الإغراق في التالي :

الفرع الثاني: خصائص الإغراق

على العموم ومن خلال استقرائنا لهذه المفاهيم ووضعها تحت محك التحليل القانوني لهذه الظاهرة ، ذات البعد الاقتصادي وذات الأثر السلبي على مجريات المنافسة يمكننا الخروج بأفكار رئيسية يمكن اعتبارها الجوانب القانونية والاقتصادية المرتبطة بخصائص الإغراق وهي:

-أن الإغراق هو أسلوب من أساليب المنافسة السعرية ، القائمة على خفض القيم الحقيقة لتكلفة الإنتاج

-أن الإغراق يعتمد في أسلوب الممارسات التجارية ، وهو ما يكشف عن صلته الوثيقة ببيئة الأعمال

-أنها ظاهرة  متعدية ذات بعد دولي ، وذلك بخروج السلعة من المنشأ إلى البلد المستورد في إطار التبادل

-إنها ظاهرة يعتمد فيها التجار والشركات الأجنبية على التخفيض التعسفي في الأسعار وهو ما يطلق عليه التسعير العدواني.

-أن الإغراق يقوم على بيع للسلع بأسعار تنافسية مضرة وغير قادرة على مواجهتها من المنافس الوطني

-سعر تكلفة المنتج المغرق في مجرى التجارة العادي اقل من بيعه في السوق المصدرة إليه.

ولعه من الأهمية بمكان بعد سلسلة المفاهيم التي سيقت لظاهرة الإغراق أن نبرز المفهوم القانوني الصرف لها ، وذلك بالنظر إلى الصياغة التعريفية التي تناولها التشريع الدولي ، حيث عرفت المادة السادسة من اتفاقية الجات 1994 مفهوم الإغراق بما يلي"يعتبر منتج ما منتجا مغرقا ، إذا ادخل في تجارة بلد ما بأقل من قيمته العادية ، وإذا كان سعر تصدير المنتج من بلد إلى آخر اقل من السعر المماثل في مجرى التجارة العادية للمنتج المشابه حيث يوجه للاستهلاك في البلد المصدر".6

وقد جاء في ديباجة الاتفاقية الدولية بشأن كيفيات تطبيق المادة السادسة للاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة الجات ما مفاده ، "تدرك الأطراف المتعاقدة أن الإغراق والذي بموجبه تدخل منتجات بلد واحد في تجارة بلد آخر بأقل من القيمة العادية للمنتج ، يكون فعلا تجاريا مرفوضا ، ويتطلب مواجهته دوليا ، إذا تسبب بضرر مادي في الصناعة القائمة في إقليم دولة طرف في الاتفاقية أو من شانه أن يؤدي إلى إعاقة مادية تهدد إقامة صناعة محلية....". 7

وتاريخيا يمكن القول إن الإغراق والإجراءات المضادة له ، عرف منذ بداية القرن العشرين ، وقد استمرت الدول الصناعية المتقدمة ، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا ودول الإتحاد الأورو/بي، تعارض إخضاع قوانين الإغراق لقواعد الجات ، حيث استندت هذه الدول في المنحى الذي أخذته ، أن ذلك يعد من صميم تشريعاتها الوطنية ، إلا انه في منتصف القرن العشرين خضعت السياسات الخاصة بالإجراءات المضادة للإغراق إلى اتفاقية المادة السادسة في الجات ، وقد اتسمت هذه الاتفاقية بالغموض وعدم الوضوح بالرغم من المناقشات الموسعة لها ، وقد ضلت اتفاقية مكافحة الإغراق من بين الموضوعات التي تهدد جولة الاوروجواي (1986-1993) وتعرقل مسارها ، إلى أن تم وضع اتفاقية تبين كيفيات تطبيق المادة السادسة كما وردت في اتفاقية الجات لعام1994 .

والملاحظ أن عدم وصول الأطراف الدولية إلى رأي جامع حول المسائل المرتبطة بالإغراق ، إلا بعد سلسلة عديدة من المفاوضات مرده بالدرجة الأولى إلى عدم صدق النوايا ، أي انتفاء النية الحسنة بالنظر إلى وجود اختلاف بين القوى الاقتصادية العظمى على غرار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تحديدا، ولعله من صالح هذه الدول آنذاك الإبقاء على الاختلاف لكونهم المسيطرين على مجريات التجارة الدولية في ذلك الوقت ، بالإضافة إلى ما ذهب إليه جانب كبير من الفقه وهو غموض بعض مضامين الاتفاقية المتعلقة بمكافحة الإغراق بالنظر إلى الجولات الماراطونية التي شهدتها الساحة الدولية لتقنين وتفعيل هذه الاتفاقية الدولية من جهة ، ومن جهة أخرى قلة الأعضاء المنخرطين فيها حيث بلغ عدد المنضمين 27 دولة وهذا في جولة طوكيو والتي عرفت باسم الجولة السابعة وهو ما حد من فاعليتها .

إذ أنه من المعلوم أن اتساع نطاق المنضمين إلى الاتفاقية الدولية يعطي لها بعدا إلزاميا هاما وفعالا ، ولعل التساؤل الذي يمثل اتجاها مخالفا للتساؤل السابق ، لماذا شهدت اتفاقية الجات 1994 الأخيرة هذا الإقبال الدولي الواسع ؟  وفي رأينا أيضا أن تزايد حالات الإغراق خصوصا بعد ظهور القوى الإقليمية الناشئة التي اكتسحت التجارة الدولية على غرار الصين ومن يدور في فلكها من دول شرق آسيا ، هو ما شجع ضرورة مواجهة هذا الانفتاح الغير محدود للأسواق الدولية ، خصوصا مع تزايد إزاحة القيود الكمية والتعريفية الجمركية كأحد الالتزامات القانونية الدولية المنبثقة عن المنظمة العالمية للتجارة ، وهنا يتجلى لنا بوضوح وبما لا يدع مجالا للشك ، حول أهمية المصالح الاقتصادية لجميع الدول وبخاصة المتقدمة منها ، وكيف أن السياسة الدولية عادة ما تحركها دواليب الاقتصاد وقضايا التجارة بالرغم من الاختلاف الناشئ بينها في قيم الدين والإيديولوجية المهيمنة داخليا ، بحيث تتوحد حينما تتفق المصالح الاقتصادية ، كما تثور خلافات تصل إلى حد المواجهات أحيانا عندما تتضارب المصالح المادية.

وجدير بالتنويه أن مصطلح الإغراق وما يتعلق بمكافحته من المصطلحات الحديثة في عالم التجارة الدولية ، حيث انه من الثابت تاريخيا أن جذور هذا المصطلح تعود إلى القرن 19 واستخدم كثيرا عندما غزت المنتجات البريطانية السوق الأمريكية إبان حرب الاستقلال ، حيث مارست انجلترا الإغراق كوسيلة فعالة لإعاقة النمو المتعلق بالصناعات الأمريكية الوليدة في ذلك الوقت ، إلا انه قد أصبح هذا المصطلح أكثر انتشارا خلال فترة الستينات حيث استخدم في كل من ألمانيا وفرنسا والنرويج والدنمارك بشكل ملحوظ ومنتشر. 8

وقد انتشر الإغراق بشكل واسع في الاقتصاد العالمي إبان أزمة الكساد العظيم في الفترة الممتدة بين (1929-1933)، ثم في فترة السبعينات من القرن الماضي ، فقد كانت الولايات المتحدة تتهم العديد من الشركات بممارسة الإغراق في الأسواق الأمريكية ، وفي عام 1904 ، شهدت كندا صدور أول تشريع لمكافحة الإغراق وهذا على اثر الصادرات الأمريكية من الحديد والصلب التي كانت تطرح في أسواق كندا بأسعار رخيصة جدا وأعقبه في الولايات المتحدة صدور قانون مكافحة الإغراق سنة 1916. 9

ولعل المفهوم الاقتصادي الذي تناوله العلماء ، جدير بان يوضح هذا الأسلوب من الممارسات المنتهجة على صعيد الاقتصاد العالمي ، حيث يذهب الفقيه فاينر بأنه احد الأساليب لسياسات التمييز السعري الاحتكاري في التجارة بين المجموعات الدولية ، ويحدث الإغراق في التجارة الدولية عند بيع منتجات تصديرية ، بأسعار هي أدنى من سعرها في سوق البلد الأصلي لها ، أخذا في الاعتبار ظروف ومعدلات البيع بعد استبعاد نفقات الشحن والرسوم الجمركية ، كما يربط البعض تحققه بالحالة التي يكون فيها سعر التصدير اقل من التكلفة  الحدية للمنتج. 10

صفوة القول ليس الإغراق وحده احد التحديات التي تواجه المنافسة في التجارة الدولية ، بل يضاف إلى ذلك مسالة الدعم الحكومي للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة  والتمييز في المعاملة ، وخرق مبدأ المساواة في تعامل السلطات الوطنية مع الفاعلين الاقتصاديين الأجانب ، وهو واقع يفرض معوقات وعراقيل أمام أهداف المنظمة العالمية للتجارة نحو تحقيق التبادل التجاري الدولي دون معوقات في إطار من المساواة والإنصاف الداعم للمنافسة المشروعة في العلاقات الاقتصادية الدولية.

الفرع الثالث : أهم النظريات المفسرة للإغراق

حري بنا ونحن نتناول الإطار ألمفاهيمي لظاهرة الإغراق باعتبارها احد الممارسات الناشئة في أسواق التجارة الدولية  إن نبحث في أهم النظريات المفسرة لسلوك الإغراق ، وأهمية هذه النقطة تكمن في التعرف على سيكولوجية التفكير الاقتصادي لدى المنظمات والشركات من خلال لجوءها إلى هذا الأسلوب من التعامل التجاري الدولي ، في إطار مساعيها نحو مواجهة المنافسة المحتدة وفي ظل تداعيات العولمة بمختلف أبعادها التجارية والاقتصادية ، ولعل من أهم النظريات التي سيقت لظاهرة الإغراق محاولة تفسير هذا النوع من السلوك التجاري غير العادل ،هي نظرية التمييز ألسعري.

وهذه النظرية ترى أن الشركات المقدمة على التجارة الدولية تستغل حرية المنافسة السائدة في الدولة المستوردة لأجل تعظيم أرباح المنتج بالدرجة الأولى ، بمعنى آخر إن الهدف من ممارسة السلوك التمييزي في أسعار السلع والخدمات المطروحة في سوق الدولة المستوردة هو تعظيم المبيعات من اجل الحصول على أرباح عن طريق ممارسة أقصى حد من البيع المنخفض الذي تتضاءل فيه قيمة السلعة المصدرة حتى ولو أدى ذلك إلى تحقيق حد أدنى من مستوى الربح الذي يطالب به المساهمون ، وبالتالي يتحقق الإغراق حتى ولو كان السوق مكتظا بالأعوان والتجار ، بمعنى أن الإغراق يتحقق كلما انخفض هامش الربح المراد تحقيقه. 11

وحري بالبيان انه وفقا لنظرية تعظيم الأرباح المذكورة آنفا فانه ليس بالضرورة أن يكون سعر بيع المنتج في الدولة المستوردة اقل من متوسط تكلفة إنتاج السلعة في السوق المستوردة ، وعليه أمكن القول انه لا يشكل خطرا مستديما على الصناعة المحلية ، ولعل من أهم النظريات التي يمكن الجزم أنها تتفق مع نظرية تعظيم الأرباح ، حيث تفسر سلوك الإغراق مثل ما تفسره النظرية السابقة هي نظرية الحفاظ على الحصص الكمية في السوق المستوردة.

وهناك نظرية اختراق السوق ، وتقوم هذه النظرية المفسرة لسلوك المنظمات للإغراق ، من خلال اعتماد المنظمات أو الشركات المصدرة لأسعار تنافسية قد يصل بها الأمر أن تكون اقل من سعر تكلفة المنتج في البلد المصدر ذاته، ولكن هذا الهدف من السلوك الاغراقي عادة ما يتم بصورة مؤقتة لا لشيء سوى لأجل أن يعمل المصدر على أن تكون له حصة ثابتة في السوق الجديدة  بالنسبة له ، ومالم يتم هذا السلوك الاغراقي بصورة مضطردة ومتواصلة ، حيث غالبا ما يقوم المصدر برفع أسعار مبيعاته لاحقا ، فان كثيرا من الفقهاء الاقتصاديين يذهبون إلى انه لا يشكل خطرا على الاقتصاد المستهدف ، خصوصا كما اشرنا إذا لم يصاحبه تسعير افتراسي مستمر. 12

إلى جانب ذلك نجد نظرية تصريف فائض الإنتاج ، حيث يلجأ المنتج للإغراق عندما يواجه بانخفاض في الطلب على سلعته لأسباب مختلفة لعل من أهمها حدوث كساد في السوق المحلية ولو مؤقتا بالإضافة إلى تغير الذوق لدى كتلة الطلب أو تعرضه هو ذاته إلى إغراق من قبل مصدرين آخرين ،مما يترتب عليه تراكم فائض الإنتاج لديه ، ولعل هذا النوع من الإغراق يشكل من الناحية العملية ضررا على اقتصاديات الدولة المستوردة ، لان السلوك الاغراقي في هذا الوضع تفرضه التحديات  التنافسية التي تواجه المنتج المصدر في أسواقه المحلية أي الوطنية ما يدفعه إلى البحث عن فرصة في الأسواق الخارجية ، ثم كيفية التخلص من الفائض في الإنتاج بحكم الكساد الذي لحقه ، حتى ولو دفعه إلى بيع بضائعه بأسعار زهيدة تقل عن تكلفة إنتاجها في السوق المحلية. 13

وقد يتم اللجوء إلى السلوك الاغراقي انطلاقا من دوافع تأتي على رأسها عمليات الدعم الحكومي ، بحيث يقوم أرباب العمل أو أصحاب الشركات الوطنية بتصريف منتجاتهم بأسعار تقل عن أسعار متوسط إنتاجها أو تكلفتها في بلد المنشأ ، وهذا في إطار التكثيف من عمليات التصدير ، بحكم ما تلقاه هذه الشركات من دعم حكومي لها ، عن طريق منح القروض ومسح الديون والإعفاء الجبائي ومنح العقار الصناعي مجانا ، وهو ما يسمح للإغراق في هذه الحالة من تحويل قدر من المنفعة من الدول المصدرة إلى المستهلكين في الدول المستوردة طبعا.

وتفسر نظرية التسعير ألافتراسي الإغراق من خلال سلوك بعض المنتجين ، الذين يقدمون على بيع منتجاتهم بأسعار منخفضة تصل في كثير من الأحيان إلى مستوى اقل من التكلفة الحدية للإنتاج ، وفي الحالات الأكثر سوء إلى مستوى اقل من التكلفة المتوسطة للإنتاج ، وغالبا ما يكون هذا الإجراء مؤقت يزول بزوال الهدف المتوخى تحقيقه ، والذي يكمن في القضاء على المنافسين في السوق المستوردة ، سواء كانوا للمنتجين المحليين لذات السلعة أو سلعة مماثلة أو المصدرين الآخرين لذلك السوق. 14

المطلب الثاني: واقع الإغراق دوليا

تتفق جل الأدبيات القانونية في الاتفاقيات الدولية ، بان الإغراق هو من أعمال المنافسة الغير مشروعة ، ذات البعد التنافسي الحاد ،حيث تستهدف من خلاله المؤسسة الإنتاجية أو احد فروعها المنتشرة عبر دول العالم ، كما هو الأمر بالنسبة للشركات المتعددة الجنسيات ،إلى تصدير منتج معين إلى دولة مستوردة  بسعر اقل مما هو عليه في البلد المنشأ، وعادة ما يكون السعر اقل من تكلفة الإنتاج ذاته ما يملي تساؤلا حول المقصد من إتباع هذا الأسلوب من المنافسة الغير مألوفة ، وبطبيعة الحال فان هذا الأسلوب من المنافسة يقوض المبادئ التي يقوم عليها اقتصاد السوق وهو تفاعل طبيعي لقوى العرض والطلب إلى أن يستقر السعر عند الحدود المقبولة أو العادلة، والإغراق يؤدي على نحو غير عادل وغير طبيعي أساسا إلى كسر هذا المبدأ واستبداله بالسعر العدواني ، كما يذهب في ذلك بعض المنظرين . 15 وسنتناول في الآتي الإغراق بلغة الأرقام الصادرة عن المنظمة العالمية للتجارة.

الفرع الأول:الإغراق في أرقام المنظمة العالمية للتجارة

وتبين آخر الإحصاءات التي نشرت من قبل منظمة التجارة العالمية ، حول موضوع الإغراق أن عدد التحريات والتحقيقات القانونية التي فتحت من طرف الدول الأعضاء منذ قيام المنظمة إلى غاية 2008 كان مساويا للرقم 3427 أما عدد الإجراءات الدولية المتبعة ضده فوصلت إلى 2190 أي ما يفوق 80بالمئة من القضايا المطروحة وتشير تقارير المنظمة العالمية للتجارة أن الصين تتربع على عرش أكثر الدول التي تم الادعاء ضدها بدعاوى قضائية بممارسة الإغراق وذلك من قبل الدول المتقدمة والنامية ،حيث تم الادعاء عليها سنة 2008 بحوالي 34 قضية واهم الدول التي كانت طرفا في معادلة الادعاء بالإغراق ضد الصين هي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. 16

بتحليل بسيط لأسباب ذلك نجد أن تربع الصين في قائمة الدول الأكثر إضرار بالإغراق يعود إلى استعانتها بنظام الإغراق الاجتماعي في صناعتها التصديرية بالإضافة إلى اعتمادها على سياسة الرسكلة والتحويل في هذه الصناعات ما يجعل المنتج قابل لتحقيق تنافسية سعريه لا يمكن مواجهتها إلا بتدابير قانونية دولية صارمة وعادلة ،كما لا ينكر احد إن الدول المتقدمة وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية  في صراع بل حرب باردة مستمرة مع الصين ، نحو اكتساح الأسواق الدولية وبسط النفوذ عليها ، ما يجعل الرقابة القانونية بينهما في استمرار دائم.هذا السبب دفع بالمجتمع الدولي نحو ضرورة تبني مقاربة دولية شاملة ، لمجابهة العمل التنافسي الغير مشروع والذي يمس بقاعدة العرض والطلب، وهما من أدوات الحرية التعاقدية .

ويمارس الإغراق في العديد من السلع والمنتجات ويمكن القول انه لا يوجد قطاع لا يعرف هذا النوع من الممارسات ، وكأمثلة عن ذلك نذكر كلا من المنتجات الطاقوية والكهربائية والبلاستيكية والغذائية والدوائية وقطاع المنسوجات ...الخ ومن خلال تمحيص التحقيقات المرفوعة ضد الممارسات الاغراقية نجد أن قطاع الطاقة والصناعات البتر وكيماوية والكهرومنزلية والمنسوجات هي أهم القطاعات التي كانت موضوعا لقضايا الإغراق وشكلت حصة الأسد لها.ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الدول النامية قد خطت خطوات تنافسية في مجال الصناعات المتقدمة ذكرها، كما أن مردودية الإنتاجي مقبول ، بالإضافة إلى أن هذه القطات عادة ما يكون عنصر براءة الاختراع يزيد من تكلفتها ، فتسعى الدول المتقدمة إلى إغراق السوق للدول النامية بهذه السلع من اجل اختراق أسواقها والقضاء على صناعتها المحلية الناشئة. 17

وفي تقرير آخر لمنظمة التجارة العالمية ، تتنبأ هذه الأخيرة إلى أن اللجوء إلى التحقيقات لمكافحة الإغراق والى جانب مكافحة الدعم ، يتزايد في المستقبل وهذا لأنه يصعب على الدول المنظمة اللجوء إلى وسائل تقليدية للحماية كنظام الحصص والتراخيص وسعر الصرف الأقل من قيمته ، والقيود التعريفية ، لما تحقق من نتائج ايجابية في تخفيض مستواها منذ 194718 ولعل ما تقدم ذكره حول بيان واقع الإغراق على المستوى الدولي حتى ولو كان موجزا ، يدفعنا نحو البحث في الآثار التي تترتب على الممارسات الاغراقية بما يجعل الدول تتحرك على نطاق قانوني لأجل مكافحة هذه الظاهرة التي لا نبالغ إذا قلنا أنها غدت هما ومشكلا عالميا يقوض الجهود الدولية نحو التحرير القانوني للتجارة والاقتصاد والوصول إلى مستوى المنافسة الكاملة التي تحتضنها الأسواق الدولية ، وحماية الممارسات التنافسية المنصفة والعادلة على الصعيدين الدولي والوطني .

الفرع الثاني :الآثار الاقتصادية والقانونية للإغراق.

-إلحاق خسائر إضافية بالمنافسين المحليين إذا ما حاولوا إتباع نفس هذه الأساليب وتقلص أعمال الصناعات الناشئة المرتبطة جراء تقلص أعمال الصناعة الرئيسية ثم ما من شك يتتبعه ارتفاع في معدلات البطالة بسبب إفلاس المؤسسات والشركات الغير قادرة على مواجهة هذا النوع من المنافسة الغير عادلة ، ولعل اتفاقية مكافحة الإغراق ، في كيفيات تطبيق المادة السادسة من الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة 1994 قد استهلت في ديباجتها ما يفيد أن مكافحة الإغراق يشكل ضرورة تنبع من صميم حماية الصناعات المحلية وأعمال المنافسة ألسعرية الغير عادلة ، وهذا ما أكدته بقولها " تدرك الأطراف المتعاقدة أن الإغراق والذي بموجبه تدخل منتجات بلد واحد في تجارة بلد آخر بأقل من القيمة العادية للمنتج ، يكون مدانا إذا تسبب أو هدد بالتسبب بضرر مادي في الصناعة القائمة في إقليم فريق أو طرف متعاقد أو من شانه إعاقة قيام صناعة محلية محتملة...". 19

وحري بنا القول أن التشريع الدولي أراد تجنب أهم اثر ضار في التجارة الدولية ، الذي لا يستند إلى أحكام تقييدية بل إلى ضوابط النظام العام الدولي الذي تقرره الاتفاقات الدولية وهذا الأثر نشا عن استخدام عمليات التسعير الغير عقلاني لكسر المنافسة والخروج عن الوضع الطبيعي للمنافسة وتقويضها وهو ما يؤدي فعلا إلى إعاقة قيام صناعات محلية في الدول التي تتدفق عليها الاستثمارات أو السلع والبضائع .ولعل من الآثار الأخرى لظاهرة الإغراق على المستوى الدولي أي على مستوى الدولة المصدر إليها ،هو نقص الموارد المالية العامة لانخفاض الضرائب على المؤسسات والشركات سواء بفعل إفلاسها أو بالنظر إلى خسارتها التي تقلل من حجم الحصيلة الضريبية خصوصا في التشريعات التي تأخذ بمبدأ العدالة الجبائية والمرونة في حساب الضريبة تصاعديا ، حيث تصبح الخسارة احد مبررات المؤسسات والشركات لأجل تقليل الضرائب عليهم ، وهو ما يقلل فعلا من حصة الخزينة العامة من الموارد الضريبية، ثم انه من المتوقع وهذا ما يحدث غالبا ، أن الطرف الدولي المغرق أي الذي يمارس الإغراق يتجه نحو المركز الاحتكاري نظرا لتحول السوق الدولية من سوق للمنافسة الكاملة إلى سوق احتكارية وهو ما يؤثر فعلا على نوعية البضائع وجودتها والتنافسية التي من المفروض أن تتمتع  بها المنتجات ، مما يؤدي فعلا إلى مساوئ الاحتكار التي يتحمل تبعاتها كلا من المستهلك والعون الاقتصادي على حد سواء، حيث تقل الجودة وما يعود على المستهلك من نفعها ، إضافة إلى ارتفاع الأسعار ، ويقل الأداء المتميز للشركات المحتكرة بسبب استحواذها على الأسواق الدولية .

وقد يبدوا غريبا إذا قلنا إن الإغراق سيؤثر على المغرق نفسه ، حيث يتغاضى عن التفكير في تحسين جودة وتنافسية المنتجات التي يبيعها ، ناهيك عن ما يتحمله في بداية إغراقه وقبل الاستحواذ على السوق من خسارة مالية ، جراء البيع المستمر للمنتجات بأسعار تقل عن حجم التكلفة الحدية للمنتج ، وبالتالي عدم وجود للتجديد ألابتكاري والاستثماري الذي يمثل القوة الناعمة التي تراهن عليها اليوم كبرى الشركات العملاقة للحاق بركب الأمم المتقدمة ،ثم ما يترتب عن الإغراق من غلق للأسواق الدولية في وجه المنافسين الجدد أو المحتملين نتيجة الاحتكار للسوق، وإذا كان مبدأ الحرية التنافسية يتضمن في مقاربته الليبرالية الأخذ بقاعدة التفاعل الايجابي والطبيعي بين العرض والطلب ، فالإغراق الدولي يمثل احد الممارسات المقوضة لهذا المبدأ الرأسمالي الهام في قيام المنافسة المنصفة وتحرير المبادرات الفردية. 20

الفرع الثالث: مكافحة الإغراق دوليا

لعل من بين أهم الإجراءات المتخذة لمكافحة الإغراق ،هو ضرورة إثبات وجود الإغراق الدولي في حد ذاته ، وهذا ما راهنت عليه الدول المتقدمة في سبيل وضع حد للإدعاءات الكيدية التي لا طائل من ورائها ومن الناحية الفنية والقانونية ،فان اتفاق مكافحة الإغراق ، يخول البلدان المعنية فرض رسوم لمكافحة الإغراق على مثل هذه المنتجات ،كما يخول الاتفاق الخاص بالدعم والتدابير التعويضية فرض رسوم تعويضية على المنتجات المستوردة المستفيدة من الدعم الحكومي ، ولكن فرض هذه الرسوم له قواعده وشروطه ، حيث يتعين أن يثبت البلد المستورد من خلال البحث والتحري الفعلي على المستوى الوطني أن زيادات الواردات قد ألحقت ضررا بالصناعات المحلية ،وأن تقوم الحكومة بناء على طلب من الصناعة المحلية بإجراء مثل هذا البحث والتحقيق بحيث يوضح أصحاب الطلبات المؤسسة لأجل مكافحة الإغراق الدولي ، أن المنتجات المغرقة محل الادعاء ، تلحق ضررا كبيرا بالمنتجين المحليين الذين يمثلون ما لا يقل عن 25 بالمائة من إجمالي الناتج الوطني. 21

وبالتالي يمكن القول أن مكافحة الإغراق على الصعيد الدولي هي عملية معقدة وتتطلب اشتراطات سابقة مفادها أن يكون المتضرر من الإغراق يشكل حصة في السوق الوطني لا تقل عن 25 بالمائة ، وان السعر المعتمد في البضاعة محل المنافسة اقل من السعر العادي في البلد المصدر ، وانه يوجد تهديد للصناعة المحلية أو خطر محدق بها على المدى المتوسط أو القريب ،و إذا تعذرت معرفة قيمة السعر الحقيقي للمنتج المغرق في الدولة الأصلية له ،فانه يتم الرجوع إلى سعر مثيلاتها في دولة ثالثة ،  وهذا لأجل تمكين صاحب الادعاء من الركون إلى الحقيقة ولأجل إضفاء جانب من الموضوعية على التحقيقات القائمة وهذا ما أشارت إليه في الديباجة الخاصة باتفاقية التعريفة والتجارة الخاصة بكيفيات مكافحة الإغراق تطبيقا للمادة السادسة من الجات 1994 بقولها " وعند غياب السعر يكون السعر المعتمد إما على أساس سعر مقارن لمنتج مشابه للتصدير إلى بلد ثالث ضمن سير التجارة العادية........." 22

وإذا تعذر النظر أو الرجوع إلى سعر نفس المنتج المغرق في البلد المصدر له إي البلد الأصلي أو بلد ثالث كما تقدم ذكره في النص السابق، فان واستنادا لمبادئ العدالة ولأجل عدم إضاعة الحقوق المقررة لأصحاب الإدعاء يمكن حساب قيمة المنتج محل الشكوى من خلال عملية تقويم اقتصادية ، والتي بلا شك يقوم بها أهل الخبرة والاختصاص وهذا ما أكدته الاتفاقية بقولها"  ....ويتم حساب قيمة هامش الإغراق باحتساب تكلفة إنتاج المنتج في البلد المصدر، مضاف إليه قيمة معقولة لتكلفة البيع وهامش الربح وفي كل الأحوال يجب الإقرار حسب الأصول بالاختلافات في ظروف البيع وشروطه ،واختلاف الضريبة والاختلافات التي تؤثر على مقارنة الأسعار........." 23

ثم انه يجيز الاتفاق بشأن ممارسة مكافحة الإغراق والاتفاق الخاص بالدعم والتدابير التعويضية للبلدان ، فرض رسوم تعويضية على المنتجات المستوردة ، التي استفادت من ممارسات تجارية غير مشروعة وبذلك فان مثل هذه التدابير تتخذ في سبيل حماية الصناعات الوطنية القائمة، من الممارسات السعرية الغير معقولة وهذا ما أشارت إليه اتفاقية التجارة والتعريفة الجات بقولها "بهدف مواجهة الإغراق يجوز للطرف الملتزم أن يحصل من أي منتج مغرق رسم مكافحة الإغراق لا تتجاوز قيمته نسبة الإغراق فيما يتعلق بمثل هذا المنتج ، لغايات هذه المادة نسبة الإغراق هي الفرق في السعر المحدد وفقا لأحكام الفقرة الأولى" . 24

ويفهم من هذه المادة أن التدابير الحكومية الرامية إلى مواجهة الإغراق من خلال الرسوم الموازية ، يجب في كل الأحوال أن تكون عادلة ولا يتم استخدامها بصورة تعسفية لأجل عرقلة التبادل التجاري الدولي ، وبالتالي فمن العدالة ألا يتجاوز رسم مكافحة الإغراق نسبة الإغراق في حد ذاته أي هامش الإغراق تحديدا ، ولا بد من التنويه إلى أن الخلافات التي تخص تطبيق تدابير مكافحة الإغراق هي من ابرز الخلافات التجارية التي ترفع أمام جهاز فض المنازعات على مستوى المنظمة العالمية للتجارة ، فقد تم إحصاء خلال السداسي الأول لسنة 2011، حوالي 87 خلاف وهذا من تاريخ نشوء المنظمة العالمية للتجارة إي منذ سنة 1995 إلى غاية 2011 وأكثر الخلافات كانت حول تراخيص الاستيراد ، الأسواق العامة وقواعد المنشأ والقيود الفنية...." ومع استثناء تلك الخاصة بالدعم والإجراءات التعويضية ، لا يفوق نصف خلافات تطبيق تدابير مكافحة الإغراق. 25

الخاتمة:

نخلص مما تقدم أنه يتم اللجوء إلى السلوك الاغراقي انطلاقا من دوافع تأتي على رأسها عمليات الدعم الحكومي ، بحيث يقوم أرباب العمل أو أصحاب الشركات الوطنية بتصريف منتجاتهم بأسعار تقل عن أسعار متوسط إنتاجها أو تكلفتها في بلد المنشأ ، وهذا في إطار التكثيف من عمليات التصدير ، بحكم ما تلقاه هذه الشركات من دعم حكومي لها ، عن طريق منح القروض ومسح الديون والإعفاء الجبائي ومنح العقار الصناعي مجانا ، وهو ما يسمح للإغراق في هذه الحالة من تحويل قدر من المنفعة من الدول المصدرة إلى المستهلكين في الدول المستوردة طبعا ، وتتطلب مكافحة الإغراق العديد من المقتضيات ، يأتي على رأسها وجود إرادة سياسية وقانونية جادة ومخلصة ، ووضع أسس لنظام تجاري دولي عادل ، لا يفرق بين الأقوياء والضعفاء من الدول.

الهوامش :

$11.    Yorbrough , Beth v. Robert M, The World Economy Trade and Finance ,Third Edition , Harcourt Brace College , Publishers , New York , 1994 , p232 .

$12.    Yorbrough , Beth v. Robert M. op cit . p233.

$13.   محمد عبد الحليم عمر ، مشكلة حرق الأسعار ، ورقة مقدمة إلى الحلقة النقاش ، مركز عبد الله كامل للبحوث والدراسات ، القاهرة ، ص 08.

$14.   يركز هذا التعريف على التسعير التمييزي باعتباره أحد أدوات السيطرة على الأسواق في سبيل القضاء على المنافسة العادلة.

$15.   هذا التعريف يعتمد على الآثار المترتبة باالفعل الاغراقي من خلال إقصاء المتنافسين من خلال البيع التمييزي بالتجارة الدولية .

$16.   المادة 06 من الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة المعروفة اختصارا الجات المتعلقة بمكافحة الإغراق سنة  وتم  الاتفاق في1994.

$17.   نص مترجم من ديباجة الاتفاقية الدولية المتعلقة بكيفيات تطبيق المادة السادسة من الجات 1994 ـ ترجمة لانا النمري ، بيروت

$18.   إذا تم تحليل مصطلح الإغراق من الناحية اللغوية فهو يعني مجاوزة الحد ومبالغته ، واستنادا إلى هذا المفهوم اللغوي يمكن القول بأنه المجاوزة في تدفق السلع على نحو يؤدي إلى تجاوز المستوى الطبيعي بما حاصله تهديد الصناعات

$19.   محمد الغزالي ، مشكلة الإغراق ، دراسة قانونية وشرعية ، دار الجامعة الجديدة  2007 ،ص 53.

$110.لابد من التنويه أنه يوجد أنواع أخرى من الإغراق التي لا تعني موضوع دراستنا مثل الإغراق الانعكاسي والتبادلي .....الخ.

$111. Stephen w.davies & mccuinness j.antony . dumping at less than marginal cost،journale of international economics ،1982 ،  p168.

$112. منى طعيمة الجرف، الإغراق في إطار التجارة العالمية  ، مؤتمر الجوانب القانونية والاقتصادية لاتفاقية منظمة التجارة العالمية ، ص1369 ’ متاح في الموقع الالكتروني : www.   

$113.  لعل الأزمة الاقتصادية إبان سنة 1929 اكبر دليل على ذلك ، حيث تفوق العرض كثيرا على مستوى الطلب العادي.

$114. Stephen w .Davies & Mccuiness J.anthony.op cit , p169.

$115.  تذهب المنظمة العالمية للتجارة في تقاريرها أن صناعة أشباه الموصلات من أهم الصناعات التي تتعرض إلى الممارسات ذات الصلة بالإغراق بالنظر إلى الاستخدامات المتعددة لها في مجلات التكنولوجيا الدقيقة وغيرها.

$116.              OMC ,Mesures antidumping . communiqué de press mai 2009.

$117.              OMC ,Mesures antidumping . op cit.

$118.              OMC ; Rapport Sur Le commerce Mondiale 2009 . les engagement . en matiere de politique commerciale et les mesures contingent 2009.

$119.المادة السادسة من اتفاقية التعريفة والتجارة 1994 ، المتعلقة بكيفيات تطبيق اتفاقية مكافحة الإغراق ، المرجع السابق. من ديباجة الاتفاقية الخاصة بالإغراق

$120.  وهذا ما أشارت إليه الباحثة قاشي فائزة في ورقتها البحثية المقدمة بعنوان دور تشريعات مكافحة الإغراق في مرافقة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، وقد توصلت هذه الباحثة إلى جهل الكثير من القائمين في المؤسسات الاقتصادية بالتدابير المخصصة لمكافحته.

$121.  جابر فهمي عمران ، المنافسة في المنظمة العالمية للتجارة ، دار الجامعة الجديدة ، الإسكندرية , 2011 ، ص242.

$122.  أشارت إلى  ذلك ديباجة الاتفاقية الدولية المتعلقة بكيفيات تطبيق المادة السادسة من الجات ، المرجع السابق .

$123. اتفاقية مكافحة الإغراق والرسوم الموازية ، نفس المرجع السابق. يمكنكم الرجوع إلى مضمون الاتفاقية من خلال ترجمة لانا النمري بيروت ، ترجمة غير رسمية.

$124.  جابر فهمي عمران ، المرجع السابق ، ص239.

$125.              Le secrétariat de l’OMC annonce une augmentation du nombre de nouvelles enquêtes antidumping

هذه المقالة متاحة من خلال الموقع الخاص بالمنظمة وهوwww.wto.org