تدابير الاسترداد المباشر للعائدات الإجراميةضمن اتفاقية مكافحة الفسادpdf

د/ محمد بن محمد

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

الباحثة : بوسعيد ماجدة

سنة ثالثة دكتوراه تخصص تحولات الدولة

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

ملخص:

طرح المجتمع الدولي اطارا جديدا لتيسير تتبع العائدات المنهوبة من خلال ممارسات فاسدة و التي تم اخفاؤها في ولايات قضائية أجنبية ،و تجميدها و الحجز عليها و مصادرتها و إعادتها ، و ذلك في اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد في الفصل الخامس منها من خلال تكريس تدابير للاسترداد المباشر للممتلكات  من خلال إقامة الدعاوى المدنية في الحالات التي من شأنها ان تقوض امكانية الاسترداد منها العجز عن الحصول على مصادرة جنائية ، أو مصادرة غير مستندة إلى حكم إدانة ،أو النجاح في الحصول على مساعدات قانونية متبادلة لإنفاذ أوامر المصادرة ، يضاف إلى ذلك وجود مزايا إجرائية في ذلك ، و مع زيادة الاهتمام بهذا النوع من الاسترداد يمكن مواجهة الصعوبات المتعلقة بالقدرة القانونية و و القضائية و عدم كفاية الاثباتات و الموارد المالية الاستقصائية و غيرها من العقبات

كلمات مفتاحية : مصادرة ، العائدات الاجرامية ،الاسترداد المباشر .

Summary:

raising the international community a new framework to facilitate the tracing of proceeds looted from through corrupt practices and that were hidden in foreign jurisdictions, and freezing and seizure and confiscation and returned, in the United Nations convention against corruption in chapter V through devote measures direct recovery of property through the establishment of civil proceedings in cases that would undermine the possibility of restitution, including the inability to obtain criminal confiscation, or confiscation is not based on the conviction, or success in obtaining mutual legal assistance for the enforcement of the confiscation orders, in addition to the existence of procedural advantages, and with the increase in the interest in this type of restitution could face difficulties relating to the legal capacity and the survey and the judiciary And the inadequacy of the evidence and the financial resources and other obstacles.

Keywords:, confiscation of proceeds of crime, direct recover.

مقدمة :

تتعلق المادة 53 من اتفاقية مكافحة الفساد و التي تقابلها المادة 62 من قانون الوقاية من الفساد و مكافحته الجزائري ، بتدابير الاسترداد المباشر للعائدات عن طريق إقامة الدعاوى المدنية ،و يبتعد هذا الحكم المبتكر عن المفهوم القائل بأنه لا ينبغي استرداد عائدات الفساد إلا عن طريق المصادرة ، و هو يلزم الدول الأطراف بالاعتراف في نظمها القانونية بحق الدول المتضررة في السعي إلى الاسترداد المباشر من خلال رفع دعاوى مدنية خاصة لاسترداد الممتلكات أو التعويض عنها أو عن الأضرار ،و يمكن لهذه الدعاوى المدنية أن تكون قائمة على  العائدات (المطالبات العينية) أو قائمة على الضرر المدني ، و ينبغي عدم الخلط بينها و بين مصادرة العائدات دون الاستناد إلى حكم إدانة ،فهذه الأخيرة هي تدبير تتخذه الدولة التي توجد فيها العائدات (دول المحكمة) .

و في حين أن الكثير من العمل قد أنجز في إطار الاتفاقية و مبادرة استرداد العائدات المسروقة لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات و الجريمة و البنك الدولي المتعلقة باسترداد العائدات من خلال التعاون الدولي و المساعدة القانونية المتبادلة في المسائل الجنائية ، كان التركيز أقل حتى الان على الاسترداد عن طريق الدعاوى المدنية ، و لكن مرتكبي الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية لا يتحملون المسؤولية المدنية فحسب ، و إنما المسؤولية الجنائية أيضا (عن الأضرار و التعويض ،على سبيل المثال)، و الواقع أن الاتفاقية تشير صراحة الى المسؤولية المدنية في الفقرة 2 من المادة 26 1 ، و المادتين 34 و 35 ،و علاوة على ذلك يمكن أيضا اتخاذ تدبيري التجميد و الحجز (المنصوص عليهما في المادتين 31 و 54)بموجب القانون المدني .

و يمكن النظر في الاجراءات المدنية لعدد من الأسباب ، منها العجز عن الحصول على مصادرة جنائية ، أو مصادرة غير مستندة إلى حكم إدانة ،أو النجاح في الحصول على مساعدات قانونية متبادلة لإنفاذ أوامر المصادرة ، يضاف إلى ذلك وجود مزايا إجرائية في ذلك ، و قد تتخذ الاجراءات المدنية في غياب المدعى عليهم الذين تم إعلانهم ، و يتم النظر في القضية ، على الأقل في الولايات القضائية التي تطبق القانون العام ،بناء على معيار أقل للإثبات ، و فيما يتعلق بالغير ،و الوسطاء ،و المهنيين ،الذين قاموا بالتيسير أو المشاركة ،أو المساعدة في تسلم العائدات المشبوهة ،أو نقلها ،أو إداراتها ،يمكن الشروع في الدعاوى المدنية ضدهم على نحو أسهل منه في الاجراءات المدنية في بعض الولايات القضائية ، و في القضايا العابرة للحدود تتيح الدعاوى المدنية للولاية القضائية التي تسعى لاسترداد الاصول رقابة أكبر على العملية ،مقارنة بالإجراءات الجنائية في ولايات قضائية أجنبية ، و قد توفر مسارا أكثر نفعا من انتظار دعوى الإنفاذ من جانب الولاية القضائية الأجنبية .

و من جهة أخرى توجد بعض العيوب أو السلبيات في الاجراءات المدنية للاسترداد ،منها تكلفة تقفي أثر الأصول و الأتعاب القانونية التي يتطلبها الحصول على أمر المحكمة المعنية ،يضاف إلى ذلك أن القضايا المدنية قد تمتد أعواما كثيرة و عادة لا يتوافر لدى المحققين أدوات التحقيق اللازمة أو فرص الحصول على التحريات المتاحة لهيئات إنفاذ أحكام القانون .

كما تستند المادة 53 إلى المفاهيم الحديثة للعلاقات الدولية و سيادة القانون ، التي لا تعتبر الدول وفقا لها من أشخاص القانون الدولي فحسب ، بل تعتبر أيضا من أشخاص القانون في النظم القانونية الوطنية لكل واحدة منها ، و يكون لأي دولة ،باعتبارها من أشخاص القانون الوطني ،الأهلية القانونية لتكون لها حقوق و عليها واجبات ، بما في ذلك الحق في رفع دعوى أمام المحكمة للمطالبة بملكية الممتلكات أو بالتعويض عن الضرر2 .

الأمر الذي يطرح معه اشكال حول مدى فعالية الية الاسترداد المباشر للعائدات الاجرامية كتدبير بديل عن الطريق الجنائي لاسترداد العائدات الاجرامية ؟

و سنحاول الاجابة على هذا الاشكال من خلال ما يلي :

أولا : رفع دعوى مدنية للاسترداد أمام الجهات القضائية الوطنية

$11-              مضمون الدعاوى و التعويضات

$12-              تجميع الأدلة و تأمين العائدات

ثانيا: مآل العائدات الاجرامية المصادرة

$11-              رد العائدات لمالكيها الشرعيين

$12-              رد العائدات لضحايا

$13-              تقاسم العائدات مع البلدان المتعاونة

أولا : رفع دعوى مدنية للاسترداد أمام الجهات القضائية الوطنية

تعتبر احدى الطرائق المباشرة التي يمكن أن تسترد بها دولة ما عائدات الفساد الموجودة في دولة أخرى أن ترفع دعوى مدنية بصفتها مدعية أمام محاكم الدولة الأخرى ، و قد يكون لمثل هذه الدعاوى مزاياها عندما لا تكون الملاحقة الجنائية ممكنة أو عندما يكون معيار الإثبات أدنى في القضايا المدنية ،وعلاوة على ذاك ، لن تكون الدولة المدعية معتمدة على التماس المساعدة القانونية المتبادلة ،إذ يمكنها أن تتصرف حتى في غياب التعاون القانوني ؛ و لكن يفترض مسبقا في مثل هذه الدعاوى ،كشرط رسمي أول ، أن تتمتع الدولة المدعية بحق المثول أمام محاكم الدولة الأخرى ، و بناء على ذلك ،تقضي المدة 53 بأن تسمح الدول الأطراف للدول الأطراف الأخر برفع دعوى مدنية أمام محاكمها لتثبيت الحق في ممتلكات اكتسبت ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، من خلال جرائم الفساد ، أو لتثبيت مليكة تلك الممتلكات3 ، و كثيرا ما يعامل القانون الإجرائي المحلي الدول الأخرى كأي من الشخصيات الاعتبارية الأجنبية و يمنحها تلقائيا حق المثول أمام محاكمها ، و لا تصبح المادة 53 مهمة بما كان إلا عندما لا تكون هذه هي الحال ، و بالتالي ،لا بد من أن تراجع الدول الأطراف تشريعاتها المحلية ، و أن تكفل منح الدول الأطراف الأخرى4و ممثليها القانونيين حق المثول أمام محاكمها ، مادام قانون الإجراءات المدنية لا يفعل ذاك على أية حال .

و لا تعفي المادة 53 (أ) الدول الأطراف من القواعد العامة المتعلقة بحق المثولو المقبولية ،كضرورة توكيل محامي محلي أو تعيين حدود زمنية ، و مع ذلك فإن عليها أن تكفل ألا يحدث خلط بين المسائل الجوهرية المتعلقة بالأسس الموضوعية للقضية مثل : الأدلة على الضرر أو وجود علاقة سببية وثيقة بين الضرر و السلوك المزعوم ، و مسائل قبول القضية ،يصبح معه الحصول على حق المثول أمام المحكمة عمليا أمرا شاقا أكثر مما ينبغي ؛

و لا تمنع هذه المادة في حد ذاتها الدول الأطراف من جعل الدعاوى المدنية المرفوعة من دول أخرى خاضعة لقواعد خاصة بشأن الولاية القضائية ، و ذلك على سبيل المثال ، من خلال إسناد هذه الدعاوى إلى محكمة أعلى من المحاكم الابتدائية العادية ، و مع ذلك ينبغي ألا تحد هذه القواعد من الحقوق الإجرائية ، مثل الحق في الاستئناف .

و عند اتخاذ قرار برفع قضية مدنية أمام محكمة محلية أو أجنبية ، يتعين على المعنيين استكشاف مضمون الدعاوى و ما فيها من طلبات و تعويضات قانونية محتملة ، و تحديد كيفية الشروع في القضية ، و تجميع الأدلة و تأمين العائدات ، و هذا ما سنوضحه فيما يلي :

1-  مضمون الدعاوى و التعويضات

وفقا لصيغة المادة 53 (أ) ،يقتصر الالتزام على الدعاوى المدنية التي تقام "لتثبيت حق في ممتلكات اكتسبت بارتكاب جرم مشمول بالاتفاقية "  أو " لتثبيت مليكة تلك الممتلكات " ، بيد أنه إذا لم يكن الجاني قد اكتسب الممتلكات عن طريق الاختلاس بل عن طريق جرم أخر من الجرائم المشمولة بالاتفاقية ، كالرشوة مثلا ،حيث تكون العائدات آتية من أموال خاصة ،فإن الدولة المدعية قد لا تكون دائما هي صاحبة هذه العائدات (على النحو المعترف به في الفقرة 3 من المادة 57 ) ، و بالتالي قد يكون من الضروري أن يقرأ هذا الحكم ، مع أخذ موضوعه و غرضه بعين الاعتبار ،قراءة أوسع بحيث يسمح بحق المثول أمام المحاكم لا في دعاوى الاعتراف بالملكية أو رد الممتلكات (دعاوى رد الممتلكات إلى أصحابها) فحسب ، بل و في سائر الدعاوى المدنية ، و خصوصا في مطالبات التعويض أو مطالبات العطل و الضرر .

و يوجد في سياق إجراءات رفع دعوى مدنية عدد من الدعاوى و التعويضات ، بما فيها المطالبة بالملكية و دعاوى الاخلال المدني ، و الدعاوى المبنية على بطلان العقد أو الإخلال به ، و الإثراء غير المشروع  ، و سنوضح  كل من سبب الدعوى و التعويضات في كل من هاته الدعاوى5 :

أ-المطالبة بالملكية :

سبب الدعوى : في معظم الولايات القضائية ،يجوز للولاية القضائية التي تسعى إلى رد الحق إلى نصابه ،المطالبة بالأصول المختلسة و الرشاوي المدفوعة لمسؤولي الحكومة باعتبارها المالك الشرعي و الحقيقي .

 ومن نماذج الدعاوى المدنية للمطالبة بملكية عائدات في قضايا فساد ، قضية جمهورية نيجريا الاتحادية ضذ شركة سانتولينا للاستثمار ، و سولومون و بيترز ،دييبريي ألاميسسغا 2007 : حيث أنه في ديسمبر 2007 ،حكمت محكمة العدل العليا بلندن بأن نيجريا هي مالك ثلاثة عقارات سكنية في لندن ، و الأرصدة الدائنة لبعض الحسابات المصرفية ، و كانت العقارات و الاموال في حوزة شركتين مؤسستين في جزر سيشيل و الجزر العذراء ، و كانت هاتان الشركتان تحت سيطرة دييبريي ألاميسيغا حاكم ولاية بايلسا بنيجريا منذ مايو 1999 حتى مساءلته جنائيا و فصله في سبتمبر 2005 ؛

و في إجراءات منفصلة في نيجيريا ،اعترفت الشركتان اللتان مثلهما الحاكم بالجرم في اتهامات بغسل الأموال تتعلق برشاوى تم الحصول عليها مقابل ترسية عقود حكومية ؛

و بناء على هذه الإجراءات النيجيرية ، و أدلة ظرفية أخرى ،استدلت محكمة العدل العليا في لندن على أن الأرصدة المصرفية و الاستثمارات العقارية المملوكة للشركتين اللتين تخضعان لسيطرة الحاكم كانت عبارة عن رشاوي و أرباح سرية تجب إعادتها لحكومة نيجيريا باعتبارها المالك الشرعي لتلك العائدات6 .

التعويضات : قد تنظر المحكمة في إعادة العائدات أو ردها إلى مالكها الشرعي من خلال تشكيلة من التعويضات المتاحة عن الملكية ، و لهذه التعويضات مزايا بارزة على التعويضات تتمثل في أن حقوق المدعي لا تزاحم حقوق الدائنين الآخرين ،و غالبا ما تسمح الإجراءات المدنية للمحاكم بإصدار أمر حجز أو تقييد حتى لو لم يدلل المدعي مخاطر التبديد ، و إذا جرى استثمار عائدات الفساد ، يحق للمدعي أيضا استرداد الفائدة أو الأرباح التي اكتسبها المدعى عليه .

بيد أنه تجدر ملاحظة ، أن هذه المطالبات بالملكية و التعويضات قد لا تكون متاحة إذا لم يتسن إرجاع العائدات إلى جريمة فساد ، و ذلك لأنه جرى غسلها في جميع أنحاء العالم ، يضاف إلى ذلك أن بعض الولايات القضائية لا تعترف بملكية الدولة أو الحكومة لما يتلقاه مسؤولو الحكومة من رشاوى ، أو ما يتأتى من أرباح من عقود تم الحصول عليها بطرق الاحتيال .

ب –دعاوى الاخلال المدني :

وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ، يجب على الدول الأطراف السماح للولايات القضائية الطالبة بالمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي وقعت بسبب فعل فساد (المادة 53) ، و تدفع التعويضات عن الإخلال المدني لتعوي مدعى ما غما تكبده من خسارة ، او إصابة ،أو ضرر مباشر بسبب الاخلال بالواجب ، بما في ذلك الفعل الضار الإجرامي ، و السلوك المخالف للنظام العام ،و الخطأ السابق للتعاقد ،و عندما يقع فعل فساد ، يجب على المدعي بصفة عامة أن يثبت أنه قد تكبد ضررا يستحق التعويض ، و أن المدعى عليه أخل بواجبه ، و أن هناك علاقة سببية بين الفساد و الضرر .

و يعتبر الاشخاص الاعتباريون و الاشخاص الطبيعيون الذين يشاركون مباشرة و عن علم في فعل الفساد مسؤولين بصفة أساسية عن التعويض ، يضاف إلى ذلك أن المحاكم قد تحمل المسؤولية لمن سهل فعل الفساد ، أو تقاعس عن اتخاذ الاجراءات المناسبة لمنع الفساد ، و قد يكون ذلك هو الحال بالنسبة للمحامين أو الوسطاء الذيم ساعدوا في أفعال فساد ، أو بالنسبة للشركات الأم , أرباب العمل الذين تقاعسوا عن مباشرة الرقابة المناسبة على مرؤوسيهم أو موظفيهم .

و في بعض الولايات القضائية التي تطبق القانون المدني يجوز لكل من تكبد ضررا مباشرا بسبب جريمة أن يطالب بالتعويض عن الضرر أمام المحكمة المدنية أو الجنائية بعد إدانة المدعى عليه ، و بغية الاسترداد من المدعى عليه في ولايات قضائية أخرى تلزم النظم الأساسية للمسؤولية العامة المدعي إثبات أن فعلا أو سهوا ما من جانب المدعى عليه قد تسبب في أضرار للمدعي 7.

و في قضايا الرشوة ، يجوز للمحاكم في بعض الولايات القضائية اعتبار أن الراشي و المرتشي قد ارتكبا ضررا أو إخلالا مدنيا مشتركا يحق للضحية أن يسترد تعويضا عن كامل الخسارة من أي من الطرفين ، و بمجرد أن يتم إثبات الرشوة تنشا قرينة غير قابلة للتفنيد بأنها منحت بغرض إغواء المرتشي على التصرف على نحو موات بالنسبة لدافع الرشوة، و بناء عليه التصرف على نحو غير موات بالنسبة لصاحب الحق الأصيل ، و تكفي هذه القرينة لإثبات أن الفعل قد خضع لتأثير و سطوة من دفع الرشوة8، و في ولايات قضائية أخرى يكون صاحب الحق الأصيل أو رب العمل أيضا الحق في الإدعاء ضد الموظف الذي يتقاضى رشوة على أساس الواجب المهني المفروض عليه إعمالا لعقد العمل ، و رغم ذلك فقد يكون من الصعب في التطبيق إثبات أن أحد أفعال الرشوة سبب مباشر لخسارة عينية .

التعويضات : في معظم الولايات القضائية تتمثل القاعدة الأساسية في تقرير التعويضات في وجوب وضع الضحية أقرب ما يمكن في الظروف التي كان سيوجد فيها لو لم يتم الفعل الفاسد الذي تسبب في الضرر ، و يجوز تخويل المحاكم بالتعويض عن خسارة الأرباح المتوقعة على نحو معقول لكن لم تكتسب نتيجة للفعل الفاسد ، و التعويضات غير النقدية التي لا يمكن احتسابها فورا ، و يجوز تخفيض حق المدعي في التعويض أو حرمانه منها في حالات الإهمال ، و فيها يتعلق بقضايا الفساد قد تأمر بعض الولايات القضائية التي تطبق القانون العام بالتعويض بما يعادل قيمة الأضرار النقدية .

و قد تثور صعوبات خاصة في احتساب التعويضات في قضايا الرشوة ، و في بعض الولايات القضائية ، تعادل الخسارة المتكبدة قيمة الرشاوى ، و مع ذلك قد لا يكون المبلغ كافيا إذا دخلت مزايا غير مستحقة ضمن قرار أو عقد حكومي ، و ربما تكون الرشوة قد أسفرت عن تقاضي سعر لسلع و خدمات أعلى من قيمتها السوقية ، او تكون قد سمحت باستخدام أو بيع موارد حكومية بأقل من قيمتها السوقية ، يضاف إلى ذلك احتمال تكبد ضرر اجتماعي نتيجة لترسية العقد.

و حتى يتسنى للسلطات أو الهيئات الحكومية الحصول على تعويض كامل في هذه المواقف ، ربما يتعين أن تثبت أن هناك فرقا بين الفوائد التي كانت ستحصل عليها لو لم تقع الرشوة و تلك التي حصلت عليها بعد إبرام العقد الاحتيالي9.

ج- الدعاوى المبنية على بطلان العقد أو الاخلال به :

سبب الدعوى : قد ترى المحاكم أن العقود التي يتم ترسيتها بموجب فساد مسؤول حكومي غير قانونية ، و بذلك تعد باطلة أو غير قابلة للتنفيذ ، و قد يتأسس البطلان على حقيقة أن العقد قد انتزع بالتدليس و أن الموافقة أبطلت بسبب الفساد .

وفي بعض الولايات القضائية يمكن إقامة دعوى للإخلال بالعقد ، خاصة إذا تضمن العقد مواد يتعهد فيها المقاول بعدم تقديم إغراءات للمسؤولين العموميين فيما يتعلق بترسية العقد أو تنفيذه،و انتهاك هذا الحظر نفسه يعطي الحكومة الحق في فسخ العقد ، و إلغاء التزاماتها و المطالبة بتعويضات.

التعويضات : تشمل التعويضات المدفوعة بسبب بطلان العقد أو الإخلال به تعويضات نقدية ، مثل التعويضات المعادلة للأضرار ، و التعويضات التبعية و غيرها ، و في بعض القضايا قصرت المحاكم التعويضات على الأتعاب التعاقدية المدفوعة بالفعل ، و استبعدت الأتعاب غير المسددة .

و يجوز ايضا فسخ العقد في بعض الولايات القضائية ، خاصة في قضايا الرشوة و التواطؤ في أعمال المناقصات، و تقتضي المطالبة بفسخ العقد إثبات أن الجهة الحكومية كانت سترفض العقد في غياب الأفعال الاحتيالية ، أما إذا لم يكن الحال هكذا ، فليس للحكومة سوى الحق في تعويضات عن الدخول في العقد بموجب شروط أقل عما كانت ستوافق عليها في غياب الفعل المسبب للإخلال .

د- الدعاوى المبنية على الإثراء غير المشروع :

تستند دعاوى رد أو إعادة الأرباح التي تم الحصول عليها من خلال أفعال غير قانونية أو مخالفة للنظام العام ، على المبدأ القانوني القاضي بأنه يجب ألا يستفيد أي شخص من جرمه أو من الإثراء غير المشروع أو غير العادل ، و يجوز للمحاكم أن تأمر المدعى عليهم برد الارباح غير الشرعية ، حتى و لو لم يتكبد الضحية خسارة أو أي أضرار أخرى.

 و في ولايات قضائية معينة ، قضت المحاكم بأن تلقي الرشاوي ينشئ المسؤولية بناء على خيانة الأمانة أو مطالبات برد الارباح إلى أصحابها ، بمعزل عن أي ضرر10 ، و نتيجة لذلك يكون الراشي مسؤولا عن قيمة الرشوة ، و أية خسارة تزيد على الرشوة ينبغي استردادها باعتبارها تعويضات .   

و الواقع أن المادة 53(ب) تقضي بأن تأذن الدول الأطراف لمحاكمها بأن تأمر مرتكبي الجرائم بدفع تعويض لدولة طرف أخرى تضررت من جرائم منصوص عليها في الاتفاقية ، و بغية تنفيذ هذا الحكم ،يجب على الدول الأطراف أن تسمح للدول الأطراف الأخرى برفع دعاوى أمام محاكمها و تلقي تعويضات أو عطل و ضرر ، و يمكن تحقيق ذلك بطريقتين : 1- من خلال الدعاوى المدنية حيث ترفع الدولة المتضررة دعوى بصفتها مدعية ؛ 2-كمسألة تبعية في الإجراءات الجنائية حيث يمكن أن يسمح للدولة الطرف المتضررة بالمثول كطرف ثالث .

و قد أقرت دول عديدة ، كالدول الأطراف في اتفاقية مجلس أوروبا بشأن مكافحة الفساد في إطار القانون المدني ، على سبيل المثال ، حق الأشخاص في الحصول على تعويض عن الأضرار الناجمة عن أفعال الفساد11، و ما دامت الدول الأجنبية تندرج ضمن تعريف "الشخص" ، فإن اتفاقية مكافحة الفساد ليست بحاجة إلى تعديل تشريعي إضافي ، و فقط في الحالات التي لا يكون فيها الأمر كذلك ،أو عندما لا توجد إجراءات قضائية مراعية للمطالبة بالتعويض عن أضرار ناجمة عن جرائم متصلة بالفساد ، يتعين إرساء إجراء خاص من أجل الدول الأطراف المتضررة .

و خلافا لاتفاقية مجلس أوروبا ، لا تحدد اتفاقية مكافحة الفساد أنواع الضرر التي يجب التعويض عنها ، و بالتالي ينبغي للدول الأطراف أن تقرر ما إذا كانت الأضرار المادية فقط هي ما يمكن المطالبة بالتعويض عنه  ، أم أن من الممكن المطالبة بالتعويض أيضا عن الأرباح الضائعة و الخسائر غير المادية ، و يمكن أن تتصل هذه الأخيرة على سبيل المثال ،بفقدان النظام المؤسسي سمعته و شرعيته و الثقة به ، و بما أن الخسائر غير المالية يصعب تقديرها كميا ، يمكن أن يتخذ التعويض شكل مساهمات مقدمة إلى برامج مؤسسية أو لبناء القدرات في مجال مكافحة الفساد أو ما شابه ذلك ، و يتعين على الدول أيضا أن تقرر ما إذا كان من الممكن الحصول على تعويض عن الأضرار غير المباشرة و إلى أي مدى .

و لا تضع المادة 53(ب) فضلا عن ذلك ، أي شروط جوهرية للمسؤولية القانونية (كوجود علاقة سببية بين الفعل المتصل بالفساد و الضرر المتكبد ،على سبيل المثال) ، و تتعلق الفقرة (ب) أساسا بالجوانب الإجرائية للمطالبة ،و ليس بموضوعها و مع ذلك فإن الالتزام الجوهري بالنص على إتاحة التعويض يرد في المادة 53 المتعلقة بالتعويض عن الضرر.

2- تجميع الأدلة و تأمين العائدات

تقضي المادة 53 (ج) بأن تتخذ الدول الأطراف ما يلزم من تدابير للسماح لمحاكمها أو لسلطاتها المختصة ، عندما يتعين عليها اتخاذ قرار بشأن المصادرة ، بأن تعترف بمطالبة دولة طرف أخرى باعتبارها مالكا شرعيا للممتلكات  عن طريق ارتكاب جرم مشمول بالاتفاقية ، و بالتالي فإن هذه المادة تلزم الدول الأطراف بأن تمنح الدول الأطراف الأخرى حق المثول أمام المحاكم لكي تطالب كطرف ثالث في إجراءات المصادرة ،  بملكية العائدات المكتسبة بارتكاب جرم مشمول بالاتفاقية ، و لكي تستفيد هذه الدول الأخرى من هذا الحق يجب أن تكون على علم بتلك الإجراءات ،لذلك يمكن أن تنظر الدول الأطراف في إبلاغ الدول الأطراف الأخرى المعنية بحقها في أن يكون لها دور في الإجراءات ، و يمكن القيام بذلك عملا بالمادة 56 التي تنص على أنه : "تسعى كل دولة طرف ،دون إخلال بقانونها الداخلي ، إلى اتخاذ تدابير تجيز لها أن تحيل ، دون مساس بتحقيقاتها أو ملاحقاتها أو إجراءاتها القضائية ، معلومات عن العائدات المتأتية من الأفعال المجرمة وفقا لهذه الاتفاقية إلى دولة طرف أخرى دون طلب مسبق ، عندما ترى أن إفشاء تلك المعلومات قد يساعد الدولة الطرف المتلقية على استهلال أو إجراء تحقيقات أو ملاحقات أو إجراءات قضائية أو قد يؤدي إلى تقديم تلك الدولة الطرف طلبا بمقتضى هذا الفصل من الاتفاقية " .

و كما هو الحال في الإجراءات الجنائية ،يتعين أن يقدم المدعي في أي دعوى مدنية ،أدلة مباشرة أو ظرفية لإثبات سبب الدعوى ، و من الادلة الظرفية التي نظرت في قضية جمهورية نيجيريا الاتحادية ضد شركة سانتولينا للاستثمار ،و سولومون و بيترز ،و دييبريي ألاميسيغا السابقة الذكر أعلاه : حيث نظرت القضية في غياب المدعى عليهم الذين سبق إعلامهم بالإجراءات ،و قد اعتمدت المحكمة على الاستدلالات في التوصل إلى أن الأموال المودعة في حسابات مصرفية و عقارات في لندن مملوكة لشركتين يسيطر عليهما ألاميسيغا ،كانت تمثل رشاوى و أرباحا سرية يتعين ردها للحكومة النيجيرية ،و لتفسير هذا الاستنتاج ذكرت المحكمة عدة عناصر مثلت أدلة ظرفية :

$1§  وجود فارق هائل بين الأصول و الدخل اللذين أقر بهما ألاميسيغا رسميا ، و الأموال المودعة في حسابات مصرفية أجنبية ؛

$1§     حيازة المدعى عليه حسابات مصرفية أجنبية بالمخالفة للحظر الدستوري ؛

$1§  عجز المدعى عليه عن تقديم أي تفسير مقبول و مشروع لقدرته على الحصول على مثل هذا القدر من الأصول خارج نيجيريا ؛

$1§     تحويل مبالغ من جانب مقاولين حكوميين ضمن معاملات منفصلة ،تحوزها شركات ستار موجودة في الخارج ؛

$1§     شراء عقارات سكنية بأموال محولة أو قروض من تلك الشركة 12.

أ-استخدام الأدلة التي يتم تجميعها في الاجراءات الجنائية :

رغم أنه يمكن بصفة عامة استخدام الأدلة التي يتم تجميعها أثناء سير الاجراءات الجنائية في دعوى مدنية ، فإنه قد لا يسمح بذلك في بعض الولايات القضائية بسبب سرية قوانين التحقيقات و خصوصيتها13 ،و بالمثل يجوز استخدام الأدلة التي يتم تجميعها في أول الأمر لدعم تحقيقات و محاكمات جنائية أجنبية ، في إجراءات مدنية يتم استهلاكها في بعض الدول التي تطبق القانون العام ؛ حيث نجد أنه في قضية الحاكم ألاميسيغا ، جمعت إجراءات وحدة الفساد في شرطة العاصمة معلومات عن أصول فاسدة و أنشطة فاسدة لدعم تحقيقاتها الجنائية و استجابة لطلبات بتقديم المساعدة القانونية المتبادلة قدمتها حكومة نيجيريا الاتحادية ، و قد هرب ألاميسيغا إلى المملكة المتحدة قبل أن تتم محاكمته ،و حظى بالحصانة من الملاحقة في نيجيريا عندما كان يشغل منصبه ، و أقامت نيجيريا إجراءات مبدئية في انجلترا لاسترداد الأصول و أمرت المحكمة العليا في إنجلترا شرطة العاصمة بالإفصاح لنيجيريا عن المعلومات التي تم جمعها خلال التحقيقات الجنائية بموافقة من وكالة الشرطة التي قد يضر هذا الإفصاح بتحقيقاتها14 .

ب-أوامر الافصاح و عدم البوح :

رهنا بالإجراء المدني الساري ،تخضع المستندات التي يحوزها الاطراف و الغير للإفصاح ، و من المفيد بوجه خاص في قضايا الاسترداد طلب الإفصاح عن المستندات التي يحوزها الغير –أي المستندات المالية و المصرفية بما في ذلك نماذج فتح الحسابات ،و هوية أصحاب الحسابات المنتفعين أو هويات الشركات ، و الكشوف المصرفية ،و معلومات نظام اعرف عميلك ،و يجوز اصدار أمر إلى الغير بالإفصاح عن هوية المذنب15 .

و في بعض الولايات القضائية التي تطبق القانون المدني يصدر الأمر بالإفصاح من قاض ،و يمكن تقديم الطلب دون اية شكليات ،و في ولايات قضائية أخرى تطبق القانون المدني يجوز لأي طرف معني تقديم طلب من جانب واحد أمام محكمة مدنية لاستصدار أوامر للحصول على الأدلة قبل رفع الدعوى المدنية ، و في الولايات القضائية التي تطبق القانون العام يتعين على الأطراف عادة موافاة خصومهم بكل المستندات ذات الصلة الموجودة تحت أيديهم ،و يمكن تقديم الطلبات إلى المحكمة للإفصاح عن مستندات الغير .

ج-أوامر التقييد :

تستخدم أوامر المنع القضائية المؤقتة أو أوامر التقييد في أحيان كثيرة في تقييد الأموال المشتبه في كونها عائدات لجريمة ،و يجوز أيضا استصدار أمر تقييد أثناء سير الإجراءات (لضمان توافر أموال كافية لدى المدعى عليه لأداء الحكم الصادر ضده ) أو بعد صدور الحكم (لإنفاذ قرار المحكمة) .

و على مقدم الطلب استيفاء اشتراطات معينة لاستصدار الأمر ، و تتباين هذه الاشتراطات بين الولايات القضائية ، و ينبغي على مقدم الطلب ،عموما ،إثبات وجود مبرر للأمر ، و وجود خطر تبديد الأموال ، و يجوز إلزام مقدم الطلب بتقديم تعهد أو إيداع ضمان بأنه يعوض المدعى عما تكبده من خسائر ،في حالة ما إذا تبين للمحكمة أنها ما كان لها أن تصدر الأمر .

و يجوز السماح بالطلبات من جانب واحد في كل من الولايات القضائية التي تطبق القانون المدني و التي تطبق القانون العام ، تجنبا لإفشاء الأمر لحائز الأموال ، و المخاطرة بتبديدها ، و في بعض الولايات القضائية ، يتطلب ذلك أن يقدم الطالب إفصاحا كاملا و صريحا عن كل ما في حوزته من عناصر الوقائع و الأدلة ، و هناك ولايات قضائية أخرى تشترط تقديم أدلة على خطر التبديد في حالة الإعلان .

و يجوز لضحية ما للفساد استخدام أسلوب أمر التجميد المؤقت بموجب خطاب أو "أمر ماريفا" و هو أسلوب لإعلان الحارس أو حائز الأموال من الغير بأنه يحوز عائدات يحتمل أن تكون عائدات فساد، و هذا الاعلان يشكل بطريقة فاعلة تقييدا فوريا للعائدات ، و يتحاشى عملية تقديم طلب إلى المحكمة لتقييد الاموال ، و هي عملية مكلفة و مطولة ، و هذا الاعلان يطلق عنان الحيطة و الحذر الواجبين و شروط الابلاغ المطبقة في المؤسسات المالية و بعض الشركات غير المالية للكشف عن غسل عائدات الجريمة و منعه ،و يكفي تسلم إخطار بأن أحد أصحاب الحسابات أو المالك المنتفع يمسك بعائدات الجريمة ، عادة لكي تبلغ المؤسسة المالية أو الشركة عن نشاط مشبوه ،و تحتجز الأصول ،و إلا عرضت نفسها للمسؤولية المحتملة كشريك في الجريمة ، و يمكن إنشاء أمر تجميد مؤقت بإرسال خطاب إلى الحارس أو حائز الاموال الحالي لإخطاره بأن المالك الحقيقي أم المنتفع يمسك بعائدات الجريمة ، و موافاته بتحذير استشاري بأنه قد يكون شريكا في المسؤولية المدنية أو الجنائية أو كليهما لو تم التصرف في الأصول أو تحويلها ، و يجب أن يرفق الخطاب بدليل كاف عن صله المالك الحقيقي أو المنتفع بنشاط إجرامي لكي الحائز من الغير مبررا كافيا للتقييد16.

د- أوامر التفتيش و الضبط :

يجوز أن تسمح الإجراءات المدنية لمحامي المدعي بالدخول إلى العين(و منافعه و محيطه) للمحافظة على الأدلة التي قد تتعرض للإتلاف ، و في بعض الولايات القضائية يجوز للمحاكم إصدار مثل هذه الأوامر إذا كانت هناك أدلة ظاهرية قوية على وجود مستندات مجرمة في حوزة المدعى عليه و إمكانية تعرض هذه المواد للتدمير ،يضاف إلى ذلك أن أنشطة المدعى عليه لا بد أن تحدث ضررا محتملا أو فعليا خطيرا لمصلحة المدعي17.

و من خلال مناقشة نص المادة 53 من اتفاقية مكافحة الفساد ، تتبين لنا جملة من النقاط و الملاحظات التي يجب مناقشتها لإضفاء وضوح أكثر على ما ورد فيها من أحكام لتسهيل العمل بها و تطبيقها و لعل أهم هذه النقاط التي يجب النظر فيها :

$11)خبرات الدول الأطراف في تطبيق المادة 53 عمليا ،و خصوصا معاملتها للدول بصفتها مدعية مقارنة بمعاملتها للشخصيات الاعتبارية المحلية و الأجنبية ؛

$12)المعلومات عن القواعد الخاصة المتعلقة بالولاية القضائية أو حق المثول أمام المحاكم ،المنطبقة على الدول الأجنبية ،و ما يترتب على هذه القواعد من آثار ؛

$13)الخبرات المتعلقة بتوكيل محام محلي ، و خصوصا ما إذا كان هذا الشرط يشكل عائقا يحوق دون إقامة الدول الأطراف دعاوى أمام محاكم دولة طرف أخرى ،و السبل التي تستطيع بها الدول المدعية و دول المحكمة أن تضمن أن يكون توكيل محامين محليين متخصصين و ذوي مهارات رفيعة المستوى أمرا ممكنا و مجديا في الوقت نفسه ،و خاصة في الحالات التي تكون فيها الدولة المدعية منتمية إلى أقل البلدان نموا ،و إتاحة المساعدة القانونية أو التمثيل بدون مقابل ؛

$14)نطاق و تعريف الدعاوى المدنية "لتثبيت حق في ممتلكات ... أو لتثبيت ملكية تلك الممتلكات  " ،و خاصة ما إذا كانت هذه الدعاوى تتجاوز حدود الاعتراف بالملكية و رد الممتلكات (دعاوى المطالبة برد الممتلكات إلى أصحابها) ؛

$15)معنى التقييد الوارد في المادة 53(أ) الذي يجعل رفع الدعاوى المدنية مقصورا على "تثبيت حق في ممتلكات ...أو تثبيت ملكية تلك الممتلكات " ،و ما إذا كان ينبغي أن تفسر هذه المادة تفسيرا أوسع لتشمل أي دعوى مدنية متعلقة باسترداد العائدات ، بما في ذلك المطالبات القائمة على الضرر المدني و على العقود ؛

$16)الشروط التقييدية بشأن المثول أمام المحاكم (كاشتراط إقامة الدليل على الضرر أو الخسارة ، على سبيل المثال ) التي قد تكون من الضيق بحيث لا يمكن اعتبارها ممتثلة للمادة 53 ؛

$17)  نوع التعويضات التي يمكن المطالبة بها في الممارسة العملية(الربح الضائع ،الخسائر المادية، الأضرار غير المباشرة )

$18)  الشروط الموضوعية للحصول على التعويض ؛

$19)السبل الكفيلة بإشعار الدولة الطرف المعنية( الدولة المتضررة من الرشوة مثلا) على النحو الواجب في مرحلة مبكرة لكي تكون في وضع يسمح لها برفع الدعوى ؛

$110)    المزايا و السلبيات النسبية لنهج الاسترداد المباشر (قيام الدولة الطرف المتضررة برفع الدعوى ) و نهج الاسترداد غير المباشر (اكتفاء الدولة الطرف المتضررة بأن تكون طرفا ثالثا في الاجراءات ) ،و خاصة ما إذا كان الاسترداد المباشر له منافع أو مخاطر من حيث التكاليف (الرسوم) ،أو ما إذا كان أكثر سرعة و فعالية و كفاءة ،أو ما إذا كان الافتقار إلى صلاحيات إنفاذ القانون يمثل نقصا حاسما.

ثانيا: مآل العائدات الاجرامية المصادرة

في بعض الولايات القضائية ، تأمر المحاكم أو السلطات المختصة بتعويض الضحايا عن أي أصول محتجزة أو مقيدة كجزء من الإجراءات الجنائية ، و مثل هذا الأمر يتخذ شكل أمر تعويض ،و جبر الضرر، أو مطالبة بملكية مشروعة ، و يمكن منحه لولاية قضائية متضررة من جرائم الفساد18 ،و أي أصل لا تقضى بإعادته من خلال مثل هذا الأمر يرجح أن يصبح ملكية للولاية الفضائية الأجنبية ،و نتيجة لذلك يتعين على الولاية القضائية الساعية لاسترداد الأصول أن تبحث منذ البداية فيما إذا كان استرداد هذه العائدات المصادرة أو اقتسامها أمرا ممكنا ،و قد يتوافر الاسترداد حسب الولاية القضائية و الإجراءات المتبعة ، من خلال الاتفاقيات الدولية و معاهدات المساعدة القانونية المتبادلة ،و اتفاقيات تقاسم الأصول ، أو التشريع و حتى لو رفعت ولاية قضائية أجنبية قضية بصورة مستقلة ،فإن الولاية القضائية المتضررة بجرائم الفساد قد تستطيع الاستفادة من الاجراءات لاسترداد العائدات أو الأصول .

و إن كان المآل الطبيعي للأموال المصادرة هو الأيلولة النهائية إلى الدولة المصادرة التي وقعت على  إقليمها جرائم الفساد باعتبار أن هذه الأموال قد اغتصبت منها ، فإن الأموال الأجنبية التي هربت من قبل مجرمي الفساد إلى إقليم الدولة التي أمرت بمصادرتها قابلة للرد إلى الدولة التي نهبت منها وفق إجراءات الاسترداد السالفة الذكر.

و قد نظمت المادة 57 من اتفاقية مكافحة الفساد إجراءات إرجاع الموجودات و التصرف فيها ،و لعل هذه المادة من المواد التي أثارت جدلا كبيرا أثناء إعداد الاتفاقية ، و قد أدرجت الاتفاقية إرجاع العائدات الاجرامية في الفقرة الأولى من المادة 57 ضمن حق تصرف الدولة المطلوبة في الأموال المصادرة و ذكرت نفس الفقرة و إرجاع الممتلكات إلى مالكيها الشرعيين من ضمن طرق التصرف في هذه الأموال ،و بالتالي لم تفرض هذه الفقرة على الدولة المطلوبة إلتزاما بالإرجاع بل جعلت ذلك اختياريا لها .

أما في الفقرة الثانية من نفس المادة فإن إرجاع الموجودات يظهر على شكل إلتزام من الدول المطلوبة و ذلك بالرجوع إلى الصياغة الآمرة لها عند نصها أنه : " تعتمد كل دولة طرف ،وفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي، ما قد يلزم من تدابير تشريعية و تدابير أخرى لتمكين سلطاتها المختصة ،عندما تتخذ إجراء ما بناء على طلب دولة طرف أخرى ، من إرجاع الممتلكات المصادرة ،وفقا لأحكام هذه الاتفاقية ، و مع مراعاة حقوق الأطراف الثالثة الحسنة النية " .

هذا و قد نظمت الفقرة الثالثة من المادة 57 الأحكام العملية لرد العائدات الإجرامية للدول الطالبة و قد نصت على ثلاث حالات و هي أولا حالة اختلاس أموال عمومية أو غسل أموال عمومية مختلسة ،ثانيا حالة عائدات أي جرم  أخر مشمول بالاتفاقية و أخيرا حالة كل الحالات الأخرى .

1- رد العائدات لمالكيها الشرعيين

نصت المادة 57 في فقرتها الأولى من اتفاقية مكافحة الفساد على أنه : " ما تصادره دولة طرف من ممتلكات عملا بالمادة 31 أو المادة 55 من هذه الاتفاقية يتصرف فيه بطرائق منها إرجاع تلك الدولة الطرف تلك الممتلكات ، عملا بالفقرة 3 من هذه المادة ،إلى مالكيها الشرعيين السابقين ،وفقا لأحكام هذه الاتفاقية و قانونها الداخلي " .

من خلال هذه المادة يتبين لنا أنها تنص و بوجه عام على طريقتين لإعادة العائدات (بنصها على :"عملا بالمادة 31 أو المادة 55 ..." ) في حالة استخدام طلب للمساعدات القانونية المتبادلة من أجل المصادرة أو التعويض ؛ الطريقة الأولى ،هي الاسترداد المباشر من خلال الإجراءات القضائية ،و قد يتم هذا الاسترداد لو سمحت الولاية القضائية متلقية الطلب للمحكمة بالأمر بالتعويض أو جبر الأضرار مباشرة للولاية القضائية الأجنبية ،أو سمحت المحكمة أو السلطة المختصة بالاعتراف بالولاية القضائية الأجنبية مالكا شرعيا في دعوى مصادرة ،و قد يتم الاسترداد المباشر طوعا من خلال اتفاقات بشأن الدفع بالجرم الذي يوافق بموجبه المدعى عليه طوعا على إعادة الأصول الكائنة في ولاية قضائية أجنبية إلى المحكمة التي أدانته، و في هذه الحالة يجب على أحد الممارسين أن يطلب من الولاية القضائية الأجنبية أن تلغي أي أمر مؤقت للتقييد سبق لها أن طلبت فرضه على العائدات ، كما يجوز إنفاذ أوامر المصادرة العالمية مباشرة من جانب أيه محكمة دون الحاجة إلى معاهدة ؛

و كنموذج على ذلك : في فرنسا ،ترسل وزارة العدل طلب المساعدات القانونية المتبادلة المبني على حكم محكمة أجنبية إلى مكتب النيابة المختص ،الذي يطلب إلى المحكمة مصادرة العائدات ،و إذا قررت المحكمة ذلك ، صارت العائدات المصادرة ملكا للحكومة الفرنسية ،عندئذ يقرر المسؤولون المختصون (خاصة مسؤوولو وزارة الخزانة) ما إذا كانت فرنسا ملزمة برد العائدات وفقا لاتفاق دولي أم لا ،و حتى لو لم يكن هناك مثل هذا الالتزام ،يجوز إعادة العائدات حسب تقدير الحكومة ،أو بناء على اتفاق خاص مع الولاية القضائية الطالبة .

أما الطريقة الثانية و الأكثر شيوعا لإعادة الأصول فتتم وفقا للمعاهدات ،أو الاتفاقات ،أو السلطة القانونية لتوزيع الأصول بعد صدور أمر نهائي للمصادرة ،و إذا تم تقديم طلب للمساعدات القانونية المتبادلة وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ،تلزم الدول الأطراف بإعادة الأموال المصادرة في قضايا الفساد العام عندما يثبت الطرف  الطالب على نحو يقبله العقل سابق ملكيته أو ما وقع من أضرار على الدولة19 ،و في القضايا الأخرى ، يجوز استخدام المعاهدات متعددة الأطراف و الثنائية ، و اتفاقات تقاسم العائدات (إما على أساس كل حالة على حدة ،أو على أساس اتفاق دائم ) ،و السلطات القانونية في تقاسم أو إعادة الأموال المستردة .

2- رد العائدات للضحايا

ينبغي لأي نظام للمصادرة أن يأخذ مصالح ضحايا الجريمة في الاعتبار ،فضحية الاحتيال يقدم المال دون أن يدري إلى محتال جنائي يقوم بشراء سيارة أو منزل بتلك الأموال20 ، و لا يكون للضحية أي مصلحة في الممتلكات ، و من ثم فإنه لا يستطيع في المعهود أن يجزم بادعاء في هذه الممتلكات لو صارت موضع مصادرة.

و الحقيقة أن السماح لجميع الضحايا أو الدائنين غير المشمولين بضمان بالطعن في المصادرة من شأنه أن يحول المصادرة إلى دعوى إفلاس ،و رغما عم ذلك فحتى لو لم يتسن تتبع أموال الضحية بشكل مباشر إلى أموال الجاني ، ،فإنه ينبغي للحكومات أن تتحلى بالمرونة ،بحيث تسمح برد الحقوق إلى أصحابها ،لو تمكن الضحية من إثبات تكبده خسارة21 ، و ما إن تتم مصادرة أموال الجاني ،ينبغي أن تمتلك الحكومة سلطة تشريعية لإعادة الأموال المصادرة إلى ضحية (أو ضحايا) الفعل المجرم الذي أفضى إلى المصادرة ،أو في بعض الحالات إلى ضحية(أو ضحايا) أفعال مجرمة مماثلة أو ذات صلة بها و يعتبر ذلك مسألة إنصاف و يتفق مع الالتزامات الدولية 22.

و عند معالجة عمليات الاسترداد من أجل الضحايا في القانون ، فإن النموذج المفضل هو التصريح  بحجم الأموال المستعادة بشكل نسبي ، و أي مخطط للتوزيع آخر قد يكافئ من يتضرر بشكل أسرع ، أو يستطيعون عرضا ، أن يتتبعوا أثر خسائرهم إلى الممتلكات المحتجزة فيما قد لا يستطيع ضحايا آخرين تتبع أثر أموالهم ، و هم عادة ما يكونون ممن انخرطوا في وقت مبكر؛

كما ينبغي لتشريعات المنظمة لمصادرة العائدات أن تتدبر في كيفية معاملة الضحايا الأجانب ، فمثلا :تحدث عملية احتيال في البلد الذي يوجد فيه الضحايا و يتم تهريب العوائد إلى ولاية قضائية أخرى ،فإذا لم يستطيع البلد الذي توجد فيه العائدات الوصول تلك العائدات و مصادرتها و ردها للدولة الطرف لتسديدها للضحايا ، فقد يترك الضحايا دون إنصاف ما لم يرفعوا دعوى مدنية للاسترداد لدى الولاية القضائية الأجنبية ، و هو أمر لا يمكن عمليا في معظم الحالات .

و تنظم المعاهدات الدولية مسألة إعادة الأموال إلى الضحايا ،بيد أن الطرائق أو الأحكام قد تتفاوت تبعا للفعل المجرم الكامن وراء الحالات ،و ينبغي أن تستند المبادئ الموصى بإدراجها في قوانين المصادرة إلى الالتزامات التالية :

$1üالمادة 14 (2) من اتفاقية الأم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية: " عندما تتخد الدول الأطراف إجراء بناء على طلب دولة طرف أخرى ،وفقا للمادة 13 من هذه الاتفاقية ،تنظر تلك الدولة على سبيل الأولوية، بالقدر الذي يسمح به قانونها الداخلي ، و إذا ما طلب منها ذلك ، في رد عائدات الجرائم المصادرة أو الممتلكات المصادرة إلى الدولة الطرف الطالبة لكي يتسنى لها تقديم تعويضات إلى ضحايا الجريمة أو رد عائدات الجرائم أو الممتلكات هذه إلى أصحابها الشرعيين " ؛

$1üالمادة 57 (3) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد : " على الدولة الطرف متلقية الطلب ... في خالة اختلاس أموال عمومية أو غسل أموال عمومية مختلسة على النحو المشار إليه في المادتين 17 و 23 من هذه الاتفاقية ،عندما تنفذ المصادرة وفقا لمادة 55 و استنادا إلى حكم نهائي صادر في الدولة الطرف الطالبة ،و هو اشتراط يمكن للدولة الطرف متلقية الطلب أن تستبعده ،أن ترجح الممتلكات المصادرة إلى الدولة الطرف الطالبة " ؛

$1üتنظر الدول متلقية الطلب الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على وجه الأولوية في ظروف معينة في تعويض ضحايا الجريمة مباشرة ، و تنشأ تلك الظروف عن أفعال الفساد المجرمة الموجزة في الاتفاقية ، فيما عدا حالات اختلاس الأموال العامة (الموجزة آنفا)أو الحالات التي تنشئ فيها الدولة ممتلكات أو أضرار سابقة23 ، كما قد تنظر الدولة في مطالبات الملاك الشرعيين السابقين أو الاتفاقات المبرمة بين الدول المعنية عند التفاوض في هذه الظروف24 ؛

$1üيجوز للدول الأطراف (في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد )أيضا أن تنظر بوجه خاص في إبرام اتفاقات أو ترتيبات متبادلة متفق عليها ،تبعا للحالة ، من أجل التصرف نهائيا في الممتلكات المصادرة 25، و يمكن استخدام هذه الترتيبات لإعادة الأموال إلى الضحايا .

و ينبغي للنظم القضائية أن تكفل منح الضحايا الحق في رفع دعاوى قضائية خاصة ضد أولئك المسؤلون عن الضرر الذي عانوا منه ،ففي سياق جرائم الفساد تلزم اتفاقية مكافحة الفساد الدول الأطراف أن تتخذ تدابير لكفالة منح الأفراد و الكيانات الذين أصابهم ضرر أن يرفعوا تلك الدعاوى القضائية 26،و علاوة على ذلك تسمح الاتفاقية للدولة برفع دوى خاصة في المحاكم المدنية للبلدان الأجنبية التي توجد فيها أصول مكتسبة عن طريق الفساد27 .

3- تقاسم العائدات مع البلدان المتعاونة

يتعين على البلدان أن تقرر ما الذي تفعله بالعوائد المتحققة من خلال المصادرة ،و إذا كان هناك ضحايا أو ملاك شرعيين سابقون ، ينبغي إعادة الأصول وفقا لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد و اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية 28، و علاوة على ذلك ،ففي حالات اختلاس الأموال العمومية أو غسل الأموال العمومية المختلسة التي أنفذ فيها أمر المصادرة بواسطة الولاية القضائية التي للبلد الأجنبي الذي تحتفظ بالعائدات ،تلزم اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بإعادة العائدات 29، و في جميع هذه الحالات يجوز للدول الأطراف أن تراعي إبرام اتفاقات أو ترتيبات بشأن التصرف النهائي في العائدات 30،و قد تخصم نفقات معقولة تكبدتها في التحريات أو الملاحقة القضائية أو الإجراءات القضائية ،و هذا ما نصت عليه الفقرة 4 من المادة 57 : " يجوز للدولة الطرف متلقية الطلب ،عند الاقتضاء ،مالم تقرر الدول الأطراف خلاف ذلك ،أن تقتطع نفقات معقولة تكبدتها في عمليات التحقيق أو الملاحقة أو الإجراءات القضائية المفضية إلى إرجاع الممتلكات المصادرة أو أن تتصرف فيها بمقتضى هذه المادة " .

و في الحالات التي لا تكون إعادة الأصول إلزامية فيها ،ينبغي لقانون مصادرة العائدات أن يأذن للحكومة بأن تتقاسم تلك الأصول المصادرة مع الولايات القضائية البلدان التي سهلت جهود الم>صادرة الناجحة ،و تشجيع العديد من اتفاقيات الأمم المتحدة على تقاسم الأصول ،بما في ذلك اتفاقية فيينا 31،و الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الارهاب32، و اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية 33.و تشجع الاتفاقات متعددة الأطراف الأخرى الدول الأعضاء على الدخول في اتفاقات متعددة الأطراف بشأن تقاسم العائدات34 ، و في بعض البلدان تستخدم تشريعات التقاسم للامتثال لاشتراطات معاهدات أخرى بشأن إعادة العائدات ،سواء أعيدت للضحايا أو لملاكها السابقين أو في الحالات التي تنطوي على فساد .

و إذا قام البلد الذي توجد فيه الممتلكات ،عند مصادرتها ،بالاحتفاظ بجميع العوائد المصادرة دون اعتبار للجهود التي قام بها البلد الذي تعاون في جهود المصادرة ،أو دون مراعاة لكون العوائد المحتجزة تولدت نتيجة لارتكاب جريمة ضد قوانين بلد آخر ،فإن نتيجة مثل هذا النظام هي مكافأة ذلك البلد على العمل كملاذ للثروة الإجرامية ،و هذه النتيجة مناقضة لروح التعاون العالمي في الحرب ضد الجرائم الدولية .

بيد أن الاقتسام المتبادل للأصول ينهض بالتعاون الدولي ،و توافق البلدان على اقتسام نتائج إجراءات المصادرة الناجحة دون مراعاة للمكان الذي وجدت فيه الممتلكات ،و دون مراعاة لماهية البلد الذي اضطلع بالمصادرة ، و مع العلم بذلك ،تعمل نتائج المصادرة الناجحة في النهاية على دعم الكفاح ضد الجريمة الدولية و لا تكافئ البلدان المتخذة ملاذات، و تشجيع قنوات إنفاذ القوانين على التعاون مع نظرائها عبر الحدود35.

و قد استخلصت الخبرة الأمريكية مفهوما عمليا محددا ،مؤداه أن اقتسام عائدات إجراءات المصادرة الناجحة ،بين سلطات المكافحة المحلية ،التي أدت جهودها المشتركة إلى ضبط و مصادرة هذه العائدات ،يعد عاملا مهما في تعزيز التعاون بين تلك السلطات ،بما يزيد من حجم الأموال المصادرة باطراد ،كما يسهم في سد النقص في الموارد اللازمة للجميع ،من أجل مكافحة الجريمة ؛

و قد أثبت هذا المفهوم صحته ،و بنفس القدر ،في المحيط الدولي ،إذ بينما تبقى المكافحة الدولية الفعالة هي الهدف الرئيسي دائما، و بغض النظر عن مكان تواجد العائدات الإجرامية ،أو السلطة القضائية التي ستقوم في النهاية بتنفيذ حكم أو أمر المصادرة ،إلا أن اقتسام الأموال المصادرة بين الدول المشاركة ،يخلق الحافز القوى إلى المزيد من التعاون المستقبلي بين هذه الدول، كما يوفر جانبا من متطلبات المكافحة المكلفة .

و قد عنى قانون الولايات المتحدة بتنظيم إجراءات اقتسام الأموال التي تمت مصادرتها ، بمقتضى القوانين الاتحادية لمكافحة المخدرات ،و غير ذلك من القوانين و اللوائح ذات الصلة ،كما أناط بكل من المدعى العام و /أو وزير الخزانة سلطة تحويل الجزء المقرر قانونا من هذه الأموال ،إلى الدولة أو الدول الأجنبية ،التي أسهمت جهودها بشكل جوهري ،و بصورة مباشرة أو غير مباشرة ،في تسهيل الإجراءات التي أدت إلى ضبط ومصادرة هذه الأموال ؛

'و قد استلزم القانون الأمريكي توافر عدد من الشروط ،حتى يتسنى إتمام إجراءات الاقتسام الدولي للأموال المصادرة ،و أهمها ما يلي :

$11-     الإسهام المباشر أو غير المباشر، من جانب الدول الأجنبية في ضبط و/أو مصادرة الأموال المشار إليها، طبقا لقانون الولايات المتحدة؛

$12-              موافقة المدعى العام أو وزير الخزانة، على تحويل كل أو جزء من الأموال المصادرة، إلى الدول الأجنبية المتعاونة؛

$13-              موافقة وزير الخارجية على التحويل ؛

$14-     تنظيم عملية اقتسام الأموال في إطار اتفاقية دولية، قد تكون اتفاقية ثنائية قائمة بالفعل، مثل اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة، المبرمة بين الولايات المتحدة و غيرها من الدول المعنية، و قد تكون اتفاقية أخرى، يتم التوصل إليها و إبرامها خصيصا لهذا الغرض36.

و يشار في هذا الصدد إلى أن الولايات المتحدة تعارض اتفاقيات الاقتسام الدولي ،التي تحدد –سلفا- نسبة مئوية معينة للاقتسام ،في قضايا المصادرة الدولية ،و تؤثر دائما الربط بين مقدار المبلغ المقتسم ،و بين درجة المساعدة الأجنبية ،و أهميتها في إنجاح إجراءات المصادرة في الولايات المتحدة .

الخاتمة :

بعد كل هذه الاجراءات و التدابير التي تضمنتها كل من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد و قانون الوقاية من الفساد و مكافحته في مجال  استرداد العائدات الاجرامية سواء كان استرداد قائم على المصادرة أو على تدابير الاسترداد المباشر أو التي كانت موضوع الدراسة ، كوسيلة فعالة لمكافحة الفساد ، إلا أن الواقع كشف أن الأموال المصادرة عالميا من جراء جرائم الفساد لا تمثل سوى نزرا يسير من المبالغ الخيالية التي يجنيها أباطرة الفساد و الإجرام ، هذا الواقع حدا باللجنة الأوروبية لوضع مقترح قانون –تعرضه على مجلس الاتحاد الأوروبي - يرمي لتحسين فعالية أدوات تجميد و تسيير و مصادرة أموال المافيا و منظمات الجريمة في النطاق الاوروبي ، و يعد اختلاف التنظيم القانوني بين الدول من أسباب عجز عمليات المصادرة الذي أثبت أن عددا قليلا من الاموال قد تمت مصادرتها مقارنة بالعائدات الضخمة التي يجنيها المجرمون ، كما أن الفراغ القانوني و الغموض الذي يكتسي الإجراءات يعد من أول و أهم العقبات التي تعوق تفعيل هذه الآلية كوسيلة ذات أهمية معتبرة في الوصول إلى مصادرة العائدات الإجرامية من أجل إعادتها للضحايا حين تعجز المصادرة الجنائية عن تحقيق الهدف المراد منها ، كما أن من شأن السهولة و السرعة التي يمكن نقل العائدات بها من بلد إلى أخر تقتضي أن تتسم قوانين المصادرة بنفس القدر من رشاقة الحركة التي يتسم بها المجرمون الذين ولدوا عوائد الجريمة ، و تطبيق القوانين المدنية للاسترداد من شأنها أن تضمن هذا الاخير و ان كان بشكل نسبي نظرا لوجود بعض العقبات تقف أمام الاجراءات المدنية للاسترداد ،منها تكلفة تقفي أثر الأصول و الأتعاب القانونية التي يتطلبها الحصول على أمر المحكمة المعنية ،يضاف إلى ذلك أن القضايا المدنية قد تمتد أعواما كثيرة و عادة لا يتوافر لدى المحققين أدوات التحقيق اللازمة أو فرص الحصول على التحريات المتاحة لهيئات إنفاذ أحكام القانون .

الهوامش :

1- تنص المادة 26 في فقرتها 2 على أنه :" 1- تعتمد كل دولة طرف ما قد يلزم من تدابير، تتسق مع مبادئها القانونية ،لتقرير مسؤولية الشخصيات الاعتبارية عن المشاركة في الأفعال المجرمة وفقا لهذه الاتفاقية ؛2-رهنا بالمبادئ القانونية للدولة الطرف ،يجوز أن تكون مسؤولية الشخصيات الاعتبارية جنائية أو مدنية أو إدارية ؛3-لا تمس تلك المسؤولية بالمسؤولية الجنائية للشخصيات الطبيعية التي ارتكبت الجرائم؛4-تكفل كل دولة طرف ،على وجه الخصوص ،إخضاع الشخصيات الاعتبارية التي تلقى عليها المسؤولية وفقا لهذه المادة لعقوبات جنائية أو غير جنائية فعالة و متناسبة و رادعة ،بما فيها العقوبات النقدية. "

2-مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد CAC/COSP/WG2/2014/2 2-الفريق العامل الحكومي الدولي المفتوح العضوية المعني باس ترداد الموجودات ،فيينا 11-12 سبتمبر 2014 ، ص 11.

المادة 53 (أ) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد.3-

4- توضح ملحوظة تفسيرية بشأن الماد 53 أن بإمكان الدول الأطراف ،عمليا ،أن تعترف بمطالبة منظمة دولية عمومية ،تكون أعضاء فيها ،باعتبارها المالك الشرعي للممتلكات التي اكتسبت عن طريق سلوك مجرم وفقا للاتفاقية (أنظر الأعمال التحضيرية للاتفاقية صفحة 509 ).

5- جان-بييربرون؛ لاريسا جراي ؛ كلايف سكوت؛ كيفين م. ستسفنسون ،مرجع سابق ، ص 160 و ما بعدها

 6 - Federal Repulic of Nigeria v.Santolina Investment Corp ,Solomon & Peters  and Diepreye Alamieyeseigha (2007) .

7- تنص المادة 124 من 05-10 المؤرخ في 20 يونيو 2005 و المتضمن القانون المدني الجزائري على انه :"   كل فعل أي كان يرتكبه الشخص بخطئه و يسبب ضررا للغير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض" .

  8- Industries & General Mort-gage Co. Ltd .v. Lewis (1949)2 All ER 573 (U.K)

9 - Kevin E. Davis , ” Civil Remedies for Corruption in Government Contracting :Zero Tolerance Versus Proportional Liability " ,International Law and Justice Working Paper 2009/4(New York: New York University .School of Law ;2009).

  10- Dubai Aluminum Company Ltd.v.Salaam and Others (2002) All ER (D) 60 (Dec) (U.K.) .    

11- انظر المادة 1 من اتفاقية مجلس أوروبا.

 12 - Federal Repulic of Nigeria v.Santolina Investment Corp ,Solomon & Peters  and Diepreye Alamieyeseigha (2007) EWHC 437-A (Ch.)(U.K.).

13- في فرنسا مثلا : فإن هذه جريمة إفشاء عناصر من إجراءات جنائية للغير ،بيد أنه عند اكتمال الإجراءات الجنائية ،يسمح للأطراف المدنيين في إجراء جنائي باستخدام المستندات ذات الصلة و إفشائها في إجراءات مدنية .

14  - Federal Repulic of Nigeria .

15 - Norwich Pharmacal Co. V. Customs and Excise Commissioners (1974) AC 133 (U.K.)

  16- Martin S. Kenney , «  Mareva by Letter (November 27,2006),http:// www.martindale.com/international-law/article_Martin-Keeney-Co._258798.htm(2010).    17http://www.justice.gov.uk/civil/procrules_fin/contents/practice_directions/pd_part25a.htm .

المادة 53 من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد 18-

19-اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد المادة 57(3) (أ) و 57 (3)(ب) ، و في الحالتين لا يطبق الالتزام إلا على جرائم الاتفاقية و يتطلب الالتزام بأحكامها المعنية بالتعاون الدولي و الحكم النهائي في الولاية القضائية الطالبة .

20- يستخدم تعبير "الضحية " بحيث يشمل جميع الضحايا الذين يمكن تحديدهم (مثل : الافراد ،أو الشركات ،او البلدان ) ،و هو ما يتجاوز تعريف اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد.

21- تنص المادة 301 من قانون عوائد الجريمة لسنة 2002 للملكة المتحدة ،على الإفراج عن النقد للضحية ،و تتعلق المادة الفرعية (3) بمن يدعي أن بعض النقود أو كلها تخصه، و انه جرد منها من خلال سلوك غير قانوني ؛ و من أمثلة ذلك من يدعي أن النقود سرقت منه ،فإذا اطمأنت المحكمة جاز لما أن تأمر بالإفراج عن نقود الطالب له ،و تتعلق الفقرة الفرعية (4) بحالة أي مالك حقيقي اخر غير الشخص الذي احتجزت منه النقود . و من هنا فإذا اقتنعت المحكمة ،جاز الإفراج عن النقود ،و ذلك فقط إذا لم يعترض الشخص الذي احتجزت منه النقود.

22- تلزم المادة 57 (3)(ج) الدول الأطراف أن تنظر على وجه الأولوية في تعويض ضحايا الجريمة ، أنظر أيضا الفقرة 2 من المادة 14 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية التي تلزم الدول الأعضاء أن تنظر على وجه الأولوية إلى إعادة عوائد الجريمة أو الممتلكات المصادرة إلى الدولة الطرف الطالبة بحيث يمكن لها تعويض ضحية الجريمة.

.المادة 57 (3) (أ) و (ب) ، من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد23-

.المادة 57 (3) (ج) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد24-

.المادة 57 (5) من نفس الاتفاقية25-

.المادة 35 من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد26-

.المادة 53 من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد27-

28- المادة 57 (3) (ج) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد ؛و المادة 14(2) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.

29-  المادة 57 (3) (أ) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

30- المادة 57 (5) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ، و المادة 14 (3) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ، تعيد بعض البلدان الأموال إلى الضحايا أو الملاك الشرعيين السابقين من خلال تقاسم التشريعات.

31- تشجع المادة 5 (5) (ب) من اتفاقية فيينا الأطراف على أن" تنظر بعين الاعتبار الخاص في ابرام اتفاقات بشأن ...اقتسام هذه المتحصلات أو الأموال أو المبالغ المستمدة من بين هذه المتحصلات أو الأموال ،مع أطراف أخرى ، على أساس منظم أو في كل حالة على حدة و وفقا لقوانينها الداخلية أو إجراءاتها الادارية أو الاتفاقات الثنائية أو متعددة الأطراف التي أبرمتها لهذا الغرض" .

32- تنص المادة 8(3) من الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الارهاب على "يجوز لكل دولة طرف معنية أن تنظر بعين الاعتبار في إبرام اتفاقات بشأن اقتسام الأموال المستمدة من المصادر المشار اليها في هذه مع دول أخرى على أساس منتظم أو في كل حالة على حدة ".

33- تنص المادة 13(9) من اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية على :"تنظر الدول الأطراف في ابرام معاهدات أو اتفاقات أو ترتيبات ثنائية أو متعددة الأطراف لتعزيز فاعلية التعاون الدولي المقام عملا بهذه المادة ،و تنص المادة 14(3) من هذه الاتفاقية على أنه يجوز للدولة الطرف عند اتخاذ إجراء بناء على طلب مقدم من دولة طرف أخرى وفقا للمادتين 12 و 13 من هذه الاتفاقية ،أن تنظر بعين الاعتبار الخاص في إبرام اتفاقات أو ترتيبات بشأن ...(ب) اقتسام عائدات الجرائم أو الممتلكات هذه ،أو الأموال المتأتية من بيع عائدات هذه الجرائم أو الممتلكات ،وفقا لقانونها الداخلي أو إجراءاتها الادارية ، مع دول أطراف اخرى على أساس منتظم أو حسب كل حالة ".

34- عزز مكتب الأمم المتحدة لمراقبة المخدرات و منع الجريمة وضع "اتفاق ثنائي نموذجي بشأن تقاسم عوائد الجريمة المصادرة أو الممتلكات التي تغطيها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية و اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الاتجار في المخدرات و المؤثرات العقلية لسنة 1988 ،و الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة كجزء من قرار بشأن تدعيم برنامج الأمم المتحدة لمنع الجريمة و العدالة الجنائية (القرار رقم المؤرخ في 16 ديسمبر 2005 ).A /RES/60/175

.تيودورس.غرينبرغ ،لندام.صمويل،وينغيت غرانت،لاريسا غراي ،مرجع سابق، ص 103-10735-

36- من أمثلة ذلك :" مذكرة التفاهم Understanding memorandum " ،التي وقعت بين حكومتي جمهورية مصر العربية و الولايات المتحدة الأمريكية (القاهرة 19 سبتمبر 1999) ،بشأن تحويل أموال مصادرة إلى حكومة جمهورية مصر العربية ،كجزء من الأموال  المصادرة المملوكة لمهرب مصري دولي يقيم بالولايات المتحدة ،و التي يعتقد أنها متحصلة من نشاطه في تهريب المخدرات و الاتجار غير المشروع بها ،و ذلك نظير ما قدمته الحكومة المصرية من مساعدات هامة للسلطات الأمريكية ،كان لها أثرها الجوهري في التوصل إلى هذه الأموال و مصادرتها بالولايات المتحدة (الديباجة ،المادة 1) ،و على أن تقوم حكومة جمهورية مصر العربية باستخدام الأموال المحولة طبقا لهذا الاتفاق ،لتعزيز الجهود المبذولة لتطبيق القوانين المتعلقة بمكافحة المخدرات و غيرها من الانشطة الإجرامية الاخرى ذات الصلة (المادة 2) . و قد سبق أو وقع الطرفان اتفاقا اخر ، بصدد اقتسام و تحويل أموال مصادرة بالولايات المتحدة ،لصالح أعمال مكافحة المخدرات بجمهورية مصر العربية ( القاهرة 20 مايو 1993) .