البحث التجريبي وتحليل التباين: بين خطأ الهجر وجدوى الإقبالpdf

 

 

 

أ.د/ نادية يوب مصطفى الزقاي

جامعة وهران(الجزائر)

ملخص: 

لقد آثرت هذه الورقة أن تتناول موضوعا يجدر تناوله في وقتأصبح فيه من السنة لدى الباحثين، هجرمنهج لا يقل رصانة ولا مصداقية عن مناهج أخرى هو "المنهج التجريبي". الموقف ذاته يسنّه الباحثون إزاء اختبار إحصائي رغم ما يقال عن مزاياه ودقته وجودته، ألا وهو "تحليل التباين". إذن فالأمر يشوبه كثير من الالتباس. وعليه، ليس الهدف في المقال الحالي هو إرشاد عموم القُرّاء من دارسين وباحثين إلى الصيغ والمعادلات والخطوات التي يُستَنَد إليها في التحليل الإحصائي، ولكن الهدف هو تصحيح نظرة الباحثين، وتقويم تمثّلهم لكل من "المنهج التجريبي" و"اختبار تحليل التباين"، فسوء تمثلهم لهما قد يجرُّ معه سوء تقديرهما  واستصعابهما، مما قد يؤول بهم في النهاية إلى هجرهما ومقاطعتهما. ألسنا أحوج إلى إدراكهما كجسم واحد متآزر الأجزاء؟ إن الهدف والمبتغى هو أن تكون بحوثنا قائمة على الدقة والموضوعية وذات نتائج تقترن باستنتاجات عالية الصحة.                 

   الكلمات المفتاحية: المنهج التجريبي، تحليل التباين.

Résumé

Cet article a eu la préference de faire face à un sujet à traiter dans une période marquée par l'abandon d'une methode de recherche qui ne manque pas de credibilité, et qui est "la methode experimentale".Les chercheurs font subir le même abandon à un test statistique qui est "l'analyse de la variance"malgré ce qui se dit sur  sa précision et ses qualités, C'est donc une grande confusion. Le but majeur de cet article n'est donc pas d'orienter lecteurs ou chercheurs aux equations ou aux procédures d'analyse statistique, mais le but est d'apporter une rectification à notre representation concernant "la methode experimentale"et "le test d'anova". signalons enfin que l'objectif est une recherche scientifique dont les resultats sont liées à des conclusions d'une grande credibilité.     

مقدمــة:

لم يعد المنهج التجريبي مقتصراً على الدراسات في العلوم الطبيعية، بل غدا مستصاغا على أوسع نطاق في العلوم الاجتماعية والتربوية والنفسية، رغم الصعوبات والمخاوف التي قد يكون من أهم مصادرها، تلك الشروط والضوابط المطلوب توفرها، والمستخدمة في ضبط بعض من المتغيرات، كي يتحقق في النهاية معرفة تأثير المتغير المستقل في ظل قدرة الباحث على  أن يتأكد من عدم وجود عوامل إضافية غير المتغير المستقل، تكون قد مارست تأثيرها هي الأخرى على المتغير التابع، وقد يصعب ضبطها كلها. "ولكن هذا لا يمنع من أن تكمن "الطبيعة المميزة للبحوث التجريبية في بحث المشكلات و الظواهر الاجتماعية والإنسانية على أساس من القواعد الحاكمة للمنهج العلمي القائم على الملاحظة وفرض الفروض واختبار هذه الفروض وإثبات صحتها" (مجدي صلاح طه المهدي،2013، ص:167

ثم إن الباحث الفطن، لا يمكن أن تكتمل معرفته بالبحث إن خلت جهودُه من محاولة معرفة نموذج إحصائي يبدد الكثير من صعوبات التجريب في البحوث، ألا وهو تحليل التباين الذي ينبغي لنا كباحثين الفوز بفهمه، لأنه ييسر لنا فهم الكثير عن التصميم التجريبي...قد لا يتسع المجال للذكر هنا، وسيُفَصَّل فيذلك لاحقا.

وعليه، يصبح من الأجدى تخصيص وقفة تجيز لنا معرفة واستحضار بعض العناصر المهمة التي ينبغي لكل باحث منا أن لاتخلو ذاكرته البحثية منها كأبجديات أو أدوات عمل، تتعلق بكل من المنهج التجريبي وتحليل التباين. قد نفهم من وراء ذلك حقيقة عزوف الباحثين عن هذين الركنين الأساسيين في البحث العلمي. من جهة أخرى، قد نرتقي إلى الوعي بحاجتنا المحتملة إلى ضرورة التقريب بينهما، والتوصل في نهاية المطاف إلى إجابة شافية للأسئلة الفرعية التي سيتدرج هذا المقال عبرها: ما ضوابط وصعوبات المنهج التجريبي ؟ ما مزايا اختبار تحليل التباين ؟ ما الذي يشجع على التقريب بين المنهج التجريبي واختبار تحليل التباين ؟

ضوابط المنهج التجريبي وصعوباته:

الوصول إلى المعرفة مطلب ضروري، وتحصيل المعرفة الموثوق بها حاجة أكيدة تتسنى عن طريق المعاينة والاختبار والتجربة، بعيدا عن أي إغراق في الغيبيات، والأخذ بالعبارة الجاحظية "ليس يشفيني إلا المعاينة". يبقى المنهج التجريبي هو المنهج الذي يستجيب للمطلب المذكور، فهو أقرب المناهج البحثية لحل المشكلات بطريقة علمية حتى وإن كان تعقد الظاهرة الإنسانية من محددات فاعليته كمنهج.

لأجل ذلك، يدعو البعض - ومنهم "بوفوَا""Beauvois- إلى ضرورة احترام "التعقد" في الظواهر، بل وأخذها بعين الاعتبار لأنها جزء من حسن تفسيرها (الظواهر)، وفي الوقت ذاته، هناك تأكيد على أهمية التجريب في هذا الفهم: "من الضروري احترام تعقد الظواهر كي يتم فهمها وضبطها بشكل أحسن، هذا لايعني -عكس ما هو مؤكد غالبا- أن المقاربة التجريبية تكون دون جدوى...إن الظواهر كما تظهر أمامنا، هي فعلا معقدة، إلاّ أن التجريب الذي يسمح لنا بخلق ظروف أكثر بساطة وأكثر ضبطا، فهو لأجل ذلك يسمح بفصل المشكلات، وباختبار فرضيات محددة، غالبا ما يستحيل التحقق منها في ظروف طبيعية."(Beauvois,jean-leon et all,1999, P:766)

إذن يبقى إخضاع الظواهر للتجريب وإن كانت معقدة ومركبة، أمر مُجدٍ.

إن البحث التجريبي إن كان محفوفا بالصعوبات، فمن الصعوبات المرافقة له، والواقفة ربما وراء تخوف عدد من الباحثين وهجرهم للمنهج التجريبي نحو مناهج أخرى، هو "وجود متغيرات كثيرة لا يمكن معالجتها تجريبيا، إضافة إلى وجود متغيرات تكون هناك رغبة في دراسة تأثيراتها ولا يستطيع الباحث إخضاعها للضبط التجريبي، مثل الخصائص الذاتية للمفحوصين، والمكانة الاجتماعية، والدين، والمعتقدات الأيديولوجية، وغيرها."(مجدي صلاح طه المهدي،2013، ص:224) 

لعل ما لا ينبغي إهماله، هو أن المنهج التجريبي قائم على التغيير المقصود والملاحظة الدقيقة لأثر هذا التغيير في الظاهرة محل البحث. يتجلى ذلك في إدخال العامل التجريبي وضبط عوامل (متغيرات) أخرى من شأنها التأثير في متغير آخر تابع، مع تفسير الأثر. ثم إن التصميم التجريبي الذي هو من أهم خطوات المنهج التجريبي ليس بالأمر الهين لأنه يطالب الباحث بالحرص على كيفية تغيير المتغيرات، وكيفية التحكم فيها، والظروف التي في ظلها يتم ضبط متغيرات أخرى غير المتغير(ات) المستقل (ة) والبعيدة عن أهداف التجربة، وكذا الحرص على دقة الملاحظة وموضوعيتها، مما يضمن الوصول إلى استنتاجات صحيحة. هذا ما قد يثقل كاهل الباحث.        

إذن، قد يكون التصميم التجريبي الذي هو من أهم خطوات المنهج التجريبي من مصادر استشعار الصعوبة في هذا المنهج، سواء أمن حيث المعرفة به أم من حيث اختيار نوع من أنواعه، أم تنفيذه. لا شيء يُترَك للارتجالية والعشوائية، لاسيما إن كان المبتغى هو الوصول الى استنتاج صحيح يخص علاقة المتغير المسقل بالمتغير التابع. عموما، إن الباحث مطالب بالعمل في إطار يجيد فيه الالتزام بمجموعة من الضوابط، من ذلك أنه مطالب بتوفير التكافؤ بين الأفراد محل التجربة (وقد يصعب)، وتوفير شرط العشوائية الذي يؤهله لاحقاً الى تعميم نتائج بحثه ويرفع صدقه الخارجي. لمزيد من التفصيل، جدير بنا أن نلقي بعض الضوء على النقاط التالية، والتي قد تقف وراء عزوف الباحثين عن المنهج التجريبي، أو قد تحول دون توفير عناصر الجودة في البحث التجريبي في حال تغييبها:

-صعوبة الاستجابة لمتطلبات الجودة الخاصة بالتصميم التجريبي: والتي قد تنبثق عننقاط ثلاثة:

أ- جهل أو عدم تقبل الباحث لمطلب القيام بعدد من التجارب الأولية قبل التصميم.

ب- معضلة ضبط المتغيرات، فإذا كان "كينير" و"قري"Kinnear&Gray يريان أن "التجربة عملية مخطط لها، تجمع معطيات للمقارنة في ظل ظروف مضبوطة"، Kinnear,paul&Gray,colin, 2010,p:12) )

فإن "أبا القاسم عبد القادر صالح" وآخرون، يرون أن " الضبط التجريبي، يُقصد به المحاولات المبذولة لإزالة تأثير أي متغير( عدا المتغير المستقل) الذي يمكن أن يؤثر على المتغير التابع، وهو نوع من التثبيت أو العزل للمتغيرات التي يرى الباحث أنها قد تؤثر على نتائج البحث التجريبي." ( أبو القاسم عبد القادر صالح وآخرون،2001، ص:17)

والضبط حسب "دونالد أري" Donald ary " وزميله، أنه "مصطلح يستخدم لتفسير إجراءات القائم بالتجربة لإقصاء التأثيرات الفارقة لجميع المتغيرات الدخيلة بالنسبة لهدف الدراسة. وإذا كان المتغير معروفا بكونه غير مرتبط بالمتغير التابع، فلا يمكنه عندئذ أن يؤثر عليه ولا نكون بحاجة إلى ضبط تأثيراته." (دونالد أري، ولوسي شيزر جاكوبس، 2004، ص:336 )

أيا كان التعريف المقترح للضبط، ينبغي الاتفاق حول كونه حجر الزاوية في البحث التجريبي، لأنه يعين على الوصول إلى استنتاجات حول العلِّية.

إذن فضبط المتغيرات غرضه عزلها، كي يُفسَح المجال أمام متغير واحد (مستقل) للبحث في أثره على المتغير التابع وقد يقود هذا إلى الصعوبة "جـ"، لأن ذلك يزيد من صدق التجربة داخليا. يرى "أبو حطب" و"أمال صادق" أن كلا من حسن اختيار المتغيرات وصدق التجربة داخليا و"التصميم التجريبي الجيد"، إنما هي عناصر متآزرة ومتبادلة التأثير "حيث يؤدي (الصدق الداخلي) إلى التحكم - قدر الإمكان- في المتغيرات الدخيلة، والتي قد تؤدي - إذا لم تضبط - إلى آثار في المتغير التابع. هذا في حد ذاته مصدر كاف للشك في صحة الاستنتاج عن أثر المتغير المستقل وحده - في المتغير التابع."(  أبو حطب وأمال صادق،1991 ،ص:395)

ج- صعوبة التأكد من الصدق الداخلي والصدق الخارجي:

أولا: صعوبة التأكد من الصدق الداخلي:

قد يكون من الصعب على الباحث تأكيد "خلو البحث"من المتغيرات/المؤثرات الخارجية (خارج أهداف الدراسة)، ولكن الأمر ليس مستحيلا، لاسيما في ظل الاقتناع بأنه كلما تم ضبط مثل هذه المتغيرات (الخارجية) كلما ارتفع الصدق الداخلي للتجربة، وتضاءلت معه عوامل الخطأ التي قد تضعف بناء البحث. إن الباحث الذي اختار المنهج التجريبي مطالب بأن يظل يقظا حيال بعض المعطيات التي إن لم يتفطن لها أضعفت لا محالة الصدق الداخلي للتجربة، ومنها باختصار، على سبيل التمثيل لا الحصر:

* أن تختلف أداة القياس في الاختبار القبلي عن نظيرتها في الاختبار البعدي من حيث درجة أو متوسط السهولة والصعوبة أو مضامين الفقرات، أومن حيث طبيعة الأداة (مقالية في الاختبار القبلي وموضوعية في الاختبار البعدي...). لا يستطيع الباحث في هذه الحالة أن يرجع الأثر الملاحظ على المتغير التابع - سواء بالزيادة أو النقصان- إلى المتغير المستقل.

* أن تكون لدى القائم بالتجربة (عن قصد أو بدونه) تحيزا لمتغير ما، هو محل الدراسة، أو لفئة ما هي العينة المدروسة، أو... إذ يغير ذلك مسار التجربة بالشكل الذي يرضي تحيزه.

* أن لا يتفطنإلى الأثر الممكن والذي قد يحدثه عامل "وفاة العينة" أو تسربها على المتغير التابع، فقد يتحسن تصور التلاميذ للمختص في الإرشاد والتوجيه مثلا، بسبب تسرب عدد من التلاميذ المتأخرين دراسيا، وليس لنجاعة الخدمات المقدمة، والتي هي محل تجربة. يجب إذن تقدير هذا الأثر، وكيف ساهم في تسجيل هذه النتائج.

* أن لا يتفطن الباحث إلى عواقب قبول عينة تجريبية مشكَّلة/مكونة مسبقا (أقسام المدرسة) حتى وإن أجرى اختباراً قبليا يفيد بتكافؤ المجموعات، لأنه من الممكن أن يوجد فرق في النضج لصالح المجموعة التجريبية، كما وقد يُطرح هذا الوضع في بعض الدراسات التتبعية التي تطول فترة إجرائها، أو التي تنفذ في فترات نمائية حرجة، كنهاية الطفولة والعبور للمراهقة، أو نهاية المراهقة...

ربما يكون المثال الشائع معبرا عن هذه الوضعية، أي أنه من الممكن أن توضع الفئران الأكثر حيوية في معالجة التعزيز السالب، والفئران الأقل نشاطا (حيوية) في المعالجة العشوائية. في النهاية قد تُظهِر النتائج فروقا قد لا تعود في صميمها إلى المتغير المستقل، وإنما قد تعكس الفروق المبدئية الأصلية بين مجموعتي الفئران في النشاط. وعليه، ينبغي للباحث أن يتأكد أولا وقبل تعريض الأفراد - محل التجربة - لمستويات المتغير المستقل من عدم وجود اختلافات بينهم. إذن فالاعتقاد أن العينة التجريبية المشكلة تيسر البحث التجريبي، هو اعتقاد ينبغي تصحيحه.

* في حال طول فترة التجربة، قد لا يعير الباحث اهتماما لبعض الأحداث التي يمكنها التأثير على المتغير التابع مثل أثر التعليم التحضيري على زيادة التحصيل لدى تلاميذ السنة الثالثة ابتدائي، فإذا تعرض بعضهم إلى دروس دعم خارج المدرسة، أو إلى حصص استدراكية في المدرسة، أو حظي بعضهم بمساعدة الأولياء... فإن مثل هذه العوامل تكون بمثابة متغيرات قد تؤثر على نتائج الاختبار البعدي.

* من جهة أخرى، حتى وإن حفّت بالباحث صعوبات المعاينة المعروفة، فينبغي أن يتأكد بأن قبول أفراد متطوعين كعينة بحث لا يخدم بناء البحث، وأنه أحوج للاختيار العشوائي و/أو التعيين العشوائي بغية تحقيق أكبر قدر ممكن من التكافؤ بين المجموعات عند توزيعهم على المعالجات المختلفة. في هذا الصدد، يوصي "أبو حطب" بأسلوبين هما:        

( فؤاد أبو حطب، وأمال صادق،1991، ص:401)

1-المزاوجة بين المفحوصين، بحيث يوجد لكل مفحوص في معالجة (س) نظيره أو نظرائه في المعالجات الأخرى، من حيث أهم الخصائص التي يفترض أن تؤثر على المتغير التابع (متغيرات دخيلة)، ومن الطرق الميسرة لذلك، اختبار قبلي على كل المفحوصين لقياس هذه الخصائص، ثم توزيع من يتشابه و/أو يتساوون فيها على المعالجات المختلفة.

للعلم ينبغي أن يسعى الباحث لتحقيق تكافؤ المجموعات (تساوي أو اقتراب تساوي متوسطاتها في الخصائص أعلاه ) بدل تكافؤ المفحوصين في المعالجات، هذا أصعب.

2-عشوائية اختيار المفحوصين للمعالجات المختلفة: وهو الأكثر شيوعا عن طريق الاعتماد على المصادفة مثل القرعة، أو جدول الأرقام العشوائية، أو رمي قطعة نقود... ولكن المصادفة كأساس للعشوائية قد لا تجيز تساوي المجموعات (في المعالجات) في الخصائص المشار إليها أعلاه، لأنه قد ينضم (صدفة) إلى أحد المعالجات أفراد يحملون خصائص (متغيرات دخيلة غير مثبتة) ترتبط بالمتغير التابع. وعليه، يوصَى الباحث أولا بحسن قراءة الدراسات السابقة والإطار النظري، وعمق فهم النظرية كأساس نظري للمتغير المبحوث...تيسيرا لتفطنه بالمتغيرات الواجب ضبطها. فالمزاوجة أكثر فاعلية ولكن في حال انعدام دراسات سابقة -مثلا - نقيم على نتائجها عملية المزاوجة، فالعودة إلى أسلوب العشوائية تصبح أكيدة في توزيع المفحوصين على المعالجات.

وعلى العموم، تتفق مؤلفات منهجية البحث العلمي حول طرق أربعة مألوفة لتحقيق شرط التكافؤ بين المجموعات في التصميم التجريبي، والقصد هنا، طريقة الانتقاء العشوائي، وطريقة الانتقاء الإحصائي، وطريقة الأزواج المتماثلة، وطريقة التوائم.

ثانيا: صعوبة تحقيق صدق خارجي:

إن ما سبق ذكره، ما هو إلا بعض من متطلبات جودة التجريب في البحث، سِيقَت للتوضيح لا للحصر، تبين جلياّ ما قد يشق على المقبل على البحث التجريبي، كما تبين أنه ليس من السهل الوصول إلى استنتاجات صحيحة ولا إلى تعميم النتائج المسجلة. ينبغي التذكير هنا أنه إن تعذر التعميم خارج إطار البحث المُقام، فمعنى ذلك تعذر صدق البحث الخارجي، الأمر الذي يمس معه عامل الثقة في النتائج. لذا فإن "روبير ميشال""Robert, Michel يؤكد "أنه حينما يكون تعميم نتائج البحثأمرا ممكنا، فذلك ما يمثل صدقا خارجيا جيدا...هذا الصدق الخارجي الذي يمكن أن تُعيقه عدة عوامل: سوء ضبط المتغيرات التي يمكنها التأثير، واختيار أدوات قياس غير مناسبة...الخ".

 (Robert, Michel,1988,p:331)

هكذا تتأكد فكرة الارتباط بين كل من الصدق الداخلي والخارجي، ولكن في حدود، إذ مثلما يزيد الصدق الخارجي بزيادة الصدق الداخلي، إلا أن الباحث حينما يحرص على الرفع من الصدق الداخلي من خلال محاولته الضبط بشدة كل مصادر الخطأ، الأمر الذي يضفي على موقف البحث صفة التصنع، فيَحُول ذلك دون إمكانية تعميم النتائج (ضعف الصدق الخارجي).   

للباحث أن يكون على علم بما قد يرفع درجة الصدق الخارجي لبحثه، و يعمل به ويحرص عليه، والقصد هنا يعود على ما يلي:

أ-كيفية إجراء البحث (إجراءات البحث): على الباحث أن يكون يقِظًا حيال مجموعة من الإجراءات المتبعة أثناء البحث كحضوره أو عدمه حين القيام بالتجربة، وإعلام أو عدم إعلام العينة المَعْنية بالتجربة، وكذا طبيعة المتغيرات المرتبطة بالدراسة، سواء المستقلة منها أم التابعة. إلا أن التحذير من الانسياق وراء التشدد للصدق الخارجي أمر ضروري هنا.                      

ب- تعميم النتائج لا يتم إلا على عينة ذات خصائص مماثلة لخصائص العينة المبحوثة، والتي لا تخرج عن خصائص المجتمع الذي اختيرت منه، كتعميم نتائج بحث حول تلاميذ السنة الأولى ثانوي على تلاميذ المرحلة الثانوية، وهذا خطأ. ذاك ما يحرص عليه "روبير ميشال""Robert, Michel من خلال قوله: "إن مسألة الصدق الخارجي، كما يُنظر لها من زاوية انتقاء الأفراد، تتلخص كما يلي: هل نتائج البحث التي جُمعت عن فرد أو عينة من الأفراد يمكن تعميمها على أفراد آخرين؟ إن كانت الإجابة بنعم، فعلى من تُعَمّم؟...الإجابة بسيطة نظريا: تُعمم النتائج على كل المجتمع الذي يمثِّله الأفراد(العينة). ولكن يظهر هنا السؤال الأصعب: أيُ مجتمع يمثلونه حقاً؟" (نفس المرجع السابق)

ما ذُكِر سلفا، إنما هو بمثابة الدعوة غير المباشرة إلى ضرورة الاستجابة لمتطلبات جودة البحث التجريبي على العموم، ولكنه أيضا توضيح صريح لما يكون قد مثل حجر عثرة للباحثين المتقربين من البحث القائم على المنهج التجريبي، وربما كان سببا في تخوفهم منه وعزوفهم عنه...

تبقى تلك الضوابط مطلوب معرفتها واحترامها، ولكن مع الاعتراف باستحالة العمل بها واستحضارها كلها، كما أن الضبط الشديد قد يفقد العينات التجريبية تلقائيتها (السقوط في الاصطناع) مما يحول دون تعميم النتائج. كما أن التجريب في الظاهرة النفسية والاجتماعية والتربوية، له خصائصه التي قد تفقده قيمته في ظل ظروف المخبر.

ناهيك عن صعوبة تحقيق شرط التكافؤ التام في المجموعات المختارة في التصاميم التجريبية، نكاد نستثني تصميم المجموعة الواحدة، حيث يكاد يكون التكافؤ كاملاً، لأن الفرد في مجموعته يمثل نفسه قبل وبعد التجربة، إلا أن هذا لا يجعل الباحث في منأى عن مشكل ضبط المتغيرات كلها، فقد يزيد سن العينة ونضجها وخبرتها في القياس البعدي مقارنة بالقياس القبلي... إذن يظل الضبط التام صعبا.

يحدد كل من "هيمسترا و إيلينجستاد" "Ellingstade&Heimstra" أربع جوانب/عناصر للتحقق من المتغيرات التي من الممكن أن تؤثر على نتائج البحث. ههنا ينبغي الإشارة إلى أمرين، أولهما أن التحقق من كل المتغيرات صعب، وثانيهما هو أن نجاح عملية التحقق هذه وإن لم تكن تامة، فهو أمر ضروري لنجاح التصميم التجريبي. في هذا السياق، ينبغي للباحث أن يكون على علم بالعناصر التالية: (مجدي صلاح طه المهدي، 2013، ص:199)

1-إمكانية استخدام مستويات مختلفة من المتغيرات المستقلة لمعرفة أثر كل مستوى على المتغير التابع. بمعنى آخر، يجب أن يكون المتغير المستقل في التجربة تحت سيطرة وتحكم الباحث، بحيث يمكنه التعديل فيه ليكون بالشكل الذي يريده (الباحث).

2-اختيار وقياس المتغير التابع... إذ يعتبر المتغير التابع المقياس أو المعيار الذي يتم من خلاله تحديد نتائج التجربة، أو بمعنى آخر يتم من خلاله تحديد مدى تأثير المتغير المستقل.

3-اختيار وحدات التجربة: قد تكون الوحدات التي يتم عليها التجربة أشخاصاً أو شركات أو مناطق بعينها، أو أي وحدات أخرى يقوم الباحث بقياس أو ملاحظة استجابتها للمتغيرات التي يتم تجربتها.

4-السيطرة أو التحكم في المتغيرات الخارجية (الدخيلة)...يكون لدى الباحث الثقة في أن المتغير المستقل هو السبب في إحداث التغيير الذي يظهر على المتغير التابع، وعلى ذلك فلابد للباحث أن يسيطر على العوامل الداخلية أو الخارجية ليستطيع قياس تأثير المتغير المستقل على المتغير التابع في التجربة. عموما قد يتسنى للباحث ضبط المتغيرات إما بتوحيد أثرها على كل المجموعات أو بالتأكد من أنها لا تؤثر على المتغير التابع.

لعل مآل "هيمسترا" وزميله، هو تأكيد مدى التآزر المفروض  والتأثير المتبادل بين صدق التجربة (داخليا) والتصميم التجريبي الجيد، الذي من أوجهه حسن اختيار المتغيرات. هذا ما من شأنه أن يغلق منافذ الشك في صحة ما ينتهي إليه البحث التجريبي من استنتاجات تخص علاقة المتغير المستقل بالمتغير التابع.  

هكذا إذن، قد تكتمل محاولة تفقد بعض الشروط التي  تشرح واقع التجريب في العلوم الاجتماعية والنفسية والتربوية، وتحكم العمل بالبحث التجريبي، مع البعد عن توظيف هذه المحاولة في الدعوة إلى هجر المنهج التجريبي أو استصعابه، لأن ذلك قد يؤدي إلى إلصاق صفة القصور بتلك العلوم. للباحث إذن، أن يستبدل التخوف والميل للمقاطعة، بالبحث عن الكيفية التي تعينه على توفير الظروف الآمنة لإجراء بحث تجريبي، خصوصا وأن هناك ما ييسر معالجة نتائج التجربة أو تحليل بياناتها. إن الفضل هنا يعودُ لِـ" فيشرFisher"، فكيف ذلك؟

 تحليل التباين في خدمة البحث التجريبي:

قد يكون الإقبال على تحليل التباين اختياريا في بعض الحالات، ولكنه قد يصبح ضرورة في حالات أخرى. يرى "حجاج غانم" أنه " في الحقيقة يمكن استخدام احتبار "ت" كبديل لـ"تحليل التباين" في حالة وجود مجموعتين فقط، حيث في هذه الحالة وطالما هناك توافر في الشروط اللازمة لإجراء الاختبارين، فإن كلا منهما يعد مكافئا للآخر، بل وهناك علاقة رياضية تجمع بينهما، وهي:

ت =    ف  (جذر ف) ،     أو       ف=  ت  (حجاج غانم، 2008، ص:492 )

إذن ينبغي الإشارة إلى أنه أمام التصاميم التجريبية في أبسط أنواعها وهو تصميم البعد الواحد، يمكن للباحث أن يختار بين اختبار "ت" واختبار تحليل التباين لمعالجة المعطيات إحصائيا، إلا أنه ينبغي البحث عن بديل لاختبار"ت" في حال تعدد المجموعات التجريبية أو تعدد المتغيرات المستقلة (التصميم العاملي). إذن يجد الباحث ضالته في "تحليل التباين". هذا ما يؤكده كل من "فؤاد أبو حطب" و"آمال صادق": "في مثل هذا التصميم (تصميم البعد الواحد) يتطابق كل من اختبار "ت" وتحليل التباين في تحليل بياناته أما إذا زاد عدد المجموعات عن اثنين في هذا التصميم التجريبي البسيط (أي التصميم ذي البعد الواحد)، أو كان عدد المتغيرات المستقلة أكثر من متغير واحد فإن عدد المجموعات في هذه الحالة يكون أكثر من اثنين، وحينئذٍ يكون استخدام تحليل التباين ضرورة منطقية وإحصائية معًا بسبب تعدد المتغيرات. " (فؤاد أبو حطب وآمال صادق، 1991، ص:397)

كما يرى في نفس السياق كل من "كينير واقري"Kinnear& gray" أنه "مسألة طبيعية أن نتساءل إن كانت اختبارات "ت" المستقلة والمرتبطة وتحليل التباين لعامل واحد، تؤدي إلى اتخاذ نفس القرار فيما يخص الفرضية الصفرية...بالفعل هذا أمر حقيقي، وعليه لاحرج في القول أن اختبار "ت" و"أنوفا" اختباران متماثلان"

Kinnear,paul& gray,colin ,2010, P:23))

من جهة أخرى، ترى مجموعة من مبتكري التحليل الإحصائي للبيانات، أنه: "قد يبدو من الممكن المقارنة بين مجموعتين باستخدام اختبار "ت" لعينتين مستقلتين، وأنه سيتم الوصول إلى نفس النتائج، ولكن "أنوفا"Anova" تقنية أكثر مرونة وأكثر قدرة، يمكن توظيفها في بحوث أكثر تعقيدا بكثير...ثم إن العالم معقد، وبطبيعته شديد التنوع. وعليه، فإن الاعتماد على متغير واحد لتفسير ظاهرة ما، أمر نادر..."(Creators of statistical data analysis,26-07-2013)    

الأمر ذاته يؤكده "أزاييس" و"باردي""Azais & Bardetإذ يُنزِلان كلا من اختبار "ت" وتحليل التباين نفس المنزلة، ولكنهما يعترفان بعد ذلك بتمتع "اختبار فيشر" بميزة التكيف مع حالات معقدة، تشمل عاملين أو ثلاث عوامل فأكثر..."

(Azais & Bardet, 2005,p.p:16-17)

إذن يصبح تحليل التباين ضرورة ملحة، لأنه يضمن للباحث الكثير من الخدمات، فكيف يبدد تحليل التباين الصعوبات أمام الباحث، وما هي أوجه الاستفادة منه؟ هذا ما سيلي توضيحه:

لعل من باب التوضيح أيضا، التذكير بأساليب تحليل التباين والتي عددها أربعة ، يختلف التعامل فيها مع المتغيرات باختلاف الأسلوب: (أحمد الرفاعي غنيم، ونصر محمود صبري،2000، ص: 147)

1. تحليل التباين، أي Anova:Analyse of variance ( وحيد الاتجاه، ثنائي الاتجاه، القياسات المتكررة)

  2.Ancova:Analyse of Covariance:تحليل التباين المشترك أو تحليل التغاير  

  3.Manova:Multi Analyse of Variance أي تحليل التباين متعدد المتغيرات التابعة

  4.Mancova:Multi Analyse of Covariance:تحليل التغاير متعدد المتغيرات التابعة

في الأسلوب الاول، يتم التعامل مع متغير تابع واحد، لذا يعتبر تحليل التباين وحيد الاتجاه "Anova " سهل الاستخدام والتفسير نسبيا مقارنة مع أنواع أخرى من تحليل التباين. وقد يسمح بدراسة أثر متغيرين( ثنائي الاتجاه) إما بشكل منفرد( التأثيرات الرئيسية) أو بشكل تفاعلي( التأثيرات المشتركة)...

- يُتعامَلُ في الأسلوب الثاني مع متغير تابع واحد وعدد من المتغيرات المستقلة، مع تثبيت    المتغير المصاحب Covariate. وعلى ذكر التثبيت، فإن Ancova (تحليل التباين المشترك) يعين الباحث الذي يسعى لدراسة أثر عدة متغيرات مستقلة على متغير تابع ويريد في الوقت نفسه تثبيت أحد هذه المتغيرات لأنه متغير مصاحب "Covarite" يُتَوَقع تأثيره على المتغير التابع ولكنه ليس هدفا في الدراسة القائمة لهذا يُعزل. ينبغي الإشارة إلى أنه يمكن عزل أكثر من متغير مصاحب.

.هذا وتتفق المواقع الإلكترونية المتخصصة في الحزم أو البرامج الإحصائية حول تخصص "أنكوفا"Ancova" - فضلا عن تحديده أثر متغير مستقل على متغير تابع- في إمكانية ضبطه أثر متغير آخر له أثر متوقع على العلاقة السابقة (علاقة المتغير المستقل بالمتغير تابع). إن تسمية "المتغير المصاحب" إنما تعود إلى الشك في أن هناك متغير آخر يرافق/ يصاحب المتغير المستقل ويمس بشكل غير مباشر بالعلاقة الموجودة( بين المستقل والتابع). "إن هدف "أنكوفا" هو اختبار العلاقة الأصلية، مع عزل إحصائي للأثر غير المباشر للمتغير المصاحب"La Covariable". بعد التأكد من منع أثر المتغير المصاحب على المتغير التابع، يُختَبَر أثر المتغير المستقل على المتغير التابع...إن إجراء "أنكوفا" مفيد حينما يعتقد الباحث أن هناك متغير ثالث يتدخل لتشويش العلاقة بين متغيري "أنوفا".(أي المستقل والتابع)  

Pages usherbrooke.ca/spss/pages,30-07-2013)(

للتوضيح، فمع رغبة إدارة القسم في الكلية اختبار أفضل طريقة لتدريس مادة الإحصاء. اختيرت ثلاث طرائق تدريس، وزعت على صفوف مختارة عشوائياً. قُيِّمَ الطلبة بامتحان نهائي بعد 3 أشهر. تم إجراء اختبار قبلي (سيتم التعامل معه على أنه متغير مصاحب، ذو علاقة مع المتغير التابع "الأداء في الإحصاء". ذلك جائز، إذ المتغير المصاحب يتم فحصه أو مشاهدته قبل الدراسة، كدرجات الاختبار القبلي، والعمر، ومعامل الذكاء... )

تمت مقارنة علامات الطلبة في الامتحان القبلي Pretest والامتحان البعدي لفترة التدريس. باستخدام علامة القياس القبلي (كمتغير مشترك ) ثم تنفيذ التحليل لتحديد إن كان هناك فرق بين الطرائق الثلاثة. بالطبع في حال وجود فرق، فالمطلوب تحديد الطريقة الأفضل (اختبار مقارنات متعددة، منهاBonferroni,Tukey,Duncan,Scheffé,R-E-G-W-F...) يتم الكشف إذن عن الطريقة التي تحسن أداء الطالب في الإحصاء أكثر من الطريقة الأولى والطريقة الثانية.

إذن:نموذج المتغير المشترك يكشف عن فرق لم يكن من السهل اكتشافه بطريقة أخرى (لجنة التأليف،2008 ، ص:221)

- في الأسلوب الثالث: يتم التعامل مع أكثر من متغير تابع واحد وعدد من المتغيرات المستقلة.

فإذا كان هدف الباحث هو دراسة عدد من المتغيرات المستقلة التي يفترض تأثيرها في عدد من المتغيرات التابعة، فإن" AnovaMulti "(تحليل التباين متعدد المتغيرات التابعة) أو "Manova" يعينه على تحقيق هدفه، مع كثير من اليقظة، إذ بواسطة هذا الأسلوب لا يمكن إهمال التأثيرات الداخلية /البينية (بين المتغيرات التابعة)

- في الأسلوب الرابع: عدة متغيرات مستقلة و عدة متغيرات تابعة، مع تثبيت بعض المتغيرات المستقلة. رغم أن "Mancova" لتحليل التغاير متعدد المتغيرات التابعة، يوصف بالصعوبة والتعقد سواء من حيث عملياته الحسابية أو حتى نواتجه التي يصعب تفسيرها، ولكنه الأكثر دقة إذ يتناول التأثيرات الداخلية، مع قدرته على تثبيت بعض المتغيرات المستقلة (الخارجية)التي لم تثبت تجريبياً.

من تمّ ومن باب الحرص على إبراز مزايا هذا الأسلوب الإحصائي، فإن "تحليل التغاير متعدد المتغيرات التابعة" يضمن للباحث خدمة مركبة، إذ يعينه إحصائياً على دراسة أثر متغيرات مستقلة على متغيرات تابعة مع دراسة التأثيرات الداخلية، وكذا عزل بعض المتغيرات المستقلة.

كذلك من الخدمات التي يسديها هذا الأسلوب الإحصائي للباحث، أنه يجنبه العمل السطحي، ويعينه على الحضور اليقظ أثناء التعامل مع المتغيرات، فهو يجيز له أن يتفحص التأثير المحتمل بين المتغيرات، كما يجيز له دراسة عدة أنواع من التأثيرات، وهذا مهم:

أ/ - دراسة التأثير البيني بين المتغيرات التابعة والتأثير البيني بين المتغيرات المستقلة:

* لا يكتفي هذا الأسلوب الإحصائي بدراسة التأثير الذي قد يلحقه المتغير المستقل بالمتغير التابع، ولكنه يلقي الضوء على التأثيرات الداخلية الموجودة بين المتغيرات التابعة (Manova). بهذه الكيفية يتضح القصدَ من دراسة عدة متغيرات تابعة في نفس الوقت، إذ يبقى التأثير الداخلي أو البَيْنِيّ مفترضاً.  إننا "عند بحث أثر المتغيرات المستقلة على المتغيرات التابعة كل على حده، فإننا في هذه الحالة نهمل التأثيرات التي تحدث بين المتغيرات التابعة مع بعضها البعض، ولعلاج هذه المشكلة نأخذ المتغيرات التابعة معًا، ونبحث أثر المتغيرات المستقلة عليها معا، ويستخدم لذلك أسلوب تحليل التباين Multi Anova، فهو أكثر دقة في تناول الظواهر النفسية و التربوية. "(أحمد الرفاعي غنيم ونصر محمود صبري،2000، ص:149)

قد يتضح القصد أكثر من خلال استحضار مثال لدراسة حول أثر متغيرات مستقلة (كالتحصيل الدراسي، والأفكار اللاعقلانية، والاستقلال عن الوالدين) على متغيرات تابعة ( كالطلاقة، والمرونة، والأصالة )

* من محاسن هذا الأسلوب أنه يكشف عن معطيات دقيقة ومهمة، فمثلما يقدم معلومات حول تأثير المتغير المستقل على المتغير التابع أي "التأثير الأساسي"، فهو في حال دراسة تأثير أكثر من متغير مستقل يمكنه أن يختبر التأثير المتبادل بين المتغيرات المستقلة على التابع. هذا ما يلائم أكثر طبيعة البحوث النفسية والاجتماعية والتربوية.

ب/-دراسة التأثير الرئيسي والتأثير المشترك:

يعرف "إبراهيم الحكيم" التأثيرات الأساسية بأنها "هي التأثيرات لكل عامل من العوامل بشكل منفرد، على سبيل المثال، إذا كنت تدرس تأثيرات الحالة العائلية والجنس ودرجة التعليم على معدل ساعات العمل باستخدام تحليل التباين ثلاثي الاتجاه، فإن تأثير كل من المتحولات الثلاثية بشكل منفرد، يدعى تأثير أساسي...تحمل عبارة التأثير المتبادل في علم الإحصاء نفس الدلالة اللغوية العامة. فعندما نتكلم عن التأثير المتبادل بين وجبة طعام ثقيلة ودرجة النعاس فإننا نقصد تأثيرهما معاً وليس التأثير الذي يحدثه كلاً منهما على انفراد (إبراهيم الحكيم،2004، ص:275-276)

" إن التحليل ثنائي الاتجاه للتباين يسمح بتقييم الأثر المركب لمتحولين (أو عاملين) تجريبيين...ويقوم "Anova" ثنائي الاتجاه بالاختبار لمعرفة فيما إذا كان العاملان مهمين إما بشكل منفصل فتدعى "الآثار الرئيسية"، أو بشكل مركب عن طريق حدود التفاعل." (لجنة التأليف و الترجمة،2008، ص:195)، والقصد هنا بـ"حدود التفاعل" هو التأثير المشترك.

لعل دراسة التفاعل بين متغيرين مستقلين في تحليل التباين إنما يقصد به دراسة إحصائية للأثر المشترك لهذين المتغيرين على متغير تابع (تحليل التباين في اتجاهين)،إذ يصبح التأثير الثنائي/المزدوج المتوقع على المتغير التابع كأنه متغير مستقل ثالث.

يمكن توضيح معنى التأثيرات الأساسية و المشتركة أكثر من خلال مثال لدراسة حول الاختلاف في معدل الاحتراق النفسي باختلاف المستوى التعليمي والجنس. في هذا المثال  يمكن طرح  ثلاث تساؤلات:

1 - التساؤل الأول حول إمكانية اختلاف معدل الاحتراق النفسي باختلاف المستوى التعليمي.

2 -التساؤل الثاني حول إن كان معدل الاحتراق النفسي نفسه لدى الرجال و النساء.

يتعلق التساؤل الأول و الثاني بمتغير واحد: في التساؤل (1): حول أثر المستوى التعليمي مع إهمال التأثير الممكن للجنس، و في التساؤل (2) حول أثر الجنس مع إهمال الأثر الممكن للمستوى التعليمي. إنه في حال صياغة فرضيتين، فسيكون مضمونهما حول "التأثيرات الرئيسية" ، بينما يتعلق التساؤل بمتغيرين معاً وهدفه اختبار "التأثير المتبادل" بين المستوى التعليمي والجنس على الاحتراق النفسي، كما قد يظهر في تساؤل ثالث، والذي يطرح حول أثر كل من المستوى التعليمي والجنس على معدل الاحتراق النفسي. هذا ما سيتجسد في حال صياغة فرضية واحدة، إذ سيكون مضمونها حول التأثير المشترك لمتغيرين مستقلين (المستوى التعليمي والجنس) على متغير تابع (معدل الاحتراق النفسي)

إضافة إلى ما سبق، يمكن الإشارة إلى أنه عمليا، يكمن القصد في الإحصاء بالتأثير المتبادل بين متغيرات، في البحث إن كان التأثير المتبادل بين المتغيرات يقل أو يفوق التأثيرات الرئيسية لهذه المتغيرات( تأثير كل متغير على حدة)، وهذا أيضا مهم، نظرا لقيمة المعلومات التي يتم إفرازها، الأمر الذي قد يعزز الدقة المطلوبة في البحوث العلمية.

أما منطقيا، وفي حال غياب التأثير المتبادل لمتغيرات على أخرى، فليس من المنطقي ترك دراسة التأثير الأساسي لكل متغير على حدة. أما في الحالة المعاكسة، فيكون منطقيا البحث عن التأثير المشترك/التفاعلي، وترك البحث في التأثير الأساسي، أو تأثير كل متغير على انفراد.

لمزيد من التوضيح، فإنه إن تعذر وجود تأثير متبادل بين المستوى العلمي والجنس فمن المنطقي اختبار فرضيات حول التأثيرات الأساسية للمؤهل والجنس( كل على حدة) والعكس صحيح، ففي حال وجود تأثير متبادل، فليس من المنطقي الحديث عن المؤهل والجنس كتأثيرات رئيسية، وينبغي تناولهما معاً، هذا ما ييسره تحليل التباين، ويفصح عن عظمته كأسلوب إحصائي لايفتقر للمرونه والرصانة والمنطقية...ذاك ما يفرض الاعتراف بأهميته.          

بشكل دقيق ومختصر، فإن البحث في أهمية تحليل التباين قد يكون له أكثر من وجه، ولعل أقربها كونه يمنع عنا مشقة المقارنة بين عدة مجموعات، ويحفظ لنا جهد تقدير الفرق بينها باستخدام اختبار"ت"، علمًا أن استخدام "ت" بين أزواج المجموعات (أكثر من 2) تتعدد معه أعداد المقارنات بين الأزواج، وتشق معه العمليات الحسابية، مثال ذلك أن الإقبال على المقارنة بين ست (6) مجموعات،  يستوجب إحداث خمسة عشر مقارنة ( 15)، والمقارنة بين خمس (5) مجموعات، يستوجب 10 مقارنات...

يؤكد "صلاح الدين محمود علام" الفكرة السابقة إذ أن "تحليل التباين الذي يختبر جميع الفروق بين متوسطات عينات متعددة...يقلل الجهد الذي يبذله الباحث في إجراء العمليات الحسابية". (صلاح الدين محمود علام، 1993 ، ص:285)

ينبغي إذن الإقرار بأن تحليل التباين يحررنا من إهدار الكثير من جهودنا من خلال تيسير إحداث مقارنات بين متوسطات وبشكل متآني (في وقت واحد)، بدل عناء المقارنة بين كل زوج منها بالتتابع وعلى حده.

وفي حال إصرار الباحث على المقارنات الثنائية المتتابعة(بدل المقارنات المتعددة و المتآنية) لاختبار جوهرية الفرق بين متوسط مجموعاته التجريبية، "فمن الممكن أن يكون بعضها فقط دالاًّ، ولا يمكن للباحث أمام هذا الوضع أن يتيقَّن من الأثر الحقيقي للمتغير المستقل على المتغير التابع (لا يعود إلى الصدفة أو أخطاء العينات)، ولايمكنه تأكيد الفروق الدالة ما لم يستخدم اختبارا إحصائيا واحدا، يسمح بإجراء مقارنات متآنية". والقصد هنا اختبار "تحليل التباين"(فؤاد أبو حطب وآمال صادق، 1991، ص:393)

*من باب اعتراف البعض بأهمية ودقة تحليل التباين، استدلالهم على دقته من خلال تصديه للكشف عن الفرق، وعن طبيعته، وأي المتغيرات تكون قد أحدثته. يرى "عبد الحميد عبد الحميد  البلداوي" أن" تحليل التباين امتداد لاختبار "ت" ليصبح بإمكان تحليل التباين اختبار عينتين أو أكثر، مع تحليل طبيعة ومصدر التباين بين الظواهر المختلفة، حيث يقوم بتقسيم الاختلافات الكلية إلى عدة أجزاء لتحديد مصدرها."(عبد الحميد عبد الحميد البلداوي،2005،ص:220)

من تمّ،فإن الباحث المستخدم للتصميم التجريبي والمنتهي إلى إحداث مقارنات بين مجموعاته التجريبية، يجد في تحليل التباين أسلوبا مركبا للاختبار الإحصائي، والوقوف على جوهرية الفروق بين المتوسطات إن وجدت، وأي المعالجات التي أحدثت الفرق كانت أكثر تأثيرًا ، وهل تتفاعل في تأثيرها على المتغير المقصود؟ تلك هي دقة تحليل التباين وجودته.

* فضلًا عن ذلك، وإذا اتجهنا صوب مجال آخر يجتهد فيه الباحث وهو المعاينة، فإن تحليل التباين يعين على إلقاء الضوء على تجانس العينات، أي إن كانت من أصل كلي واحد ولا فرق بينها، (فإن وُجِدَ فرق فهذا محل مصادفة) أم أنها ترجع إلى أصول متعددة، وتوجد بينها فروق دالة وحقيقية. لقد " دلّت الأبحاث الإحصائية التي قام بها "فيشر"R.A Fisher" على أهمية تحليل التباين في الميادين المختلفة لعلوم الحياة، وخاصة في الكشف عن مدى تجانس العينات، ومدى انتسابها إلى أصل واحد أو أصول متعددة." ( فؤاد البهي السيد، 1979، ص:666)

ثم ينبغي التذكير بأن تحليل التباين من الكيفيات الإحصائية في تحقيق شرط التكافؤ بين المجموعات المستخدمة في التصميم التجريبي، وتقوم على اختيار الأفراد في المجموعة التجريبية والضابطة على أساس حساب متوسط درجاتهم وانحرافاتها المعيارية وتشتتها في المتغيرات الخارجة عن أهداف البحث، والمتوقع إمكانية تأثيرها في المتغير التابع رفقة المتغير المستقل.

كما أن تحليل التباين يسدي للباحث خدمة استدراك الزمن، واستدراك ما قد يغفل عنه سهوا أو عن قصد. من ذلك تحليل التباين المشترك "Ancova" الذي يُعِين الباحث على تدارك ما يكون قد فاته، ويتعلق الأمر بتثبيت المتغير(ات) المسمى المتغيرات المصاحية (المتلازمة/المتقارنة) Covariate(s) ، ولو بعد التطبيق "فعند تجربة برنامج تدريسي مثلا، ونأخذ مجموعتين على الأقل تجريبية وأخرى ضابطة ونكافئ بينهما، فإذا لم نستطع عمل التكافؤ نأخذ المجموعتين كما هما (غير متكافئتين)، ثم نجري اختبارا قبليا Pretest واختبارا بعديا    Post test وعند عمل مقارنة بين التطبيقين القبلي والبعدي للمجموعتين، لابد أن نضع في اعتبارنا تثبيت الاختلافات بين المجموعتين، وطالما أننا لم نستطع التثبيت قبل التطبيق، فيمكن عمل ذلك بطريقة إحصائية عن طريق Ancova... فمالا أستطيع تثبيته تجريبياًّ، نُثَبِّتُه إحصائيا "(أحمد الرفاعي غنيم ونصر محمود صبري،2000، ص:148- 149).

تذهب كل من "دِلوم" و"مِيّر"Delhomme&Meyer" في تأكيد ما سبق، إذ يريان أنه " سواء أكان البحث تجريبيا أم شبه تجريبي، فإن كان هناك متغير لم يتم ضبطه وهو قابل لأن يؤثر رفقة المتغير المستقل، فإنه يمكن قياسه وضبطه فيما بعد في التحليل الإحصائي. لقد درس"كارتون" وآخرون(1994)العلاقة بين البحث عن الإحساس، وكل من الجنس والتدخين. يختلف المشاركون من حيث جنسهم وكونهم مدخنون أو غير مدخنين، هذا ما يؤدي إلى تكوين 4 مجموعات. لكن لم يتم مراعاة عامل السن رغم أنه يؤثر على "البحث عن الإحساس" وعلى الإدمان على النيكوتين( تبعا لنتائج بحوث "زكرمانzuckerman "(1978)، و"هنينفيلد"Henningfiled(1988)). لقد اختبر  هؤلاء الباحثون أثر تلك المتغيرات على متغير"البحث عن الإحساس" في ظل التعامل مع متغير "السن" كمتغير مرافق/مصاحب في تحليلهم للمعطيات."

(Delhomme, patricia&Meyer, Thierry,1997,p:137) 

"في تجربة لدراسة أثر طريقتين لتدريس القراءة، يُجرى اختبار قبلي ويتم تخصيص نصف الأفراد عشوائيا للطريقة (أ) ونصف للطريقة (ب). يكون المتغير المستقل، طريقة تدريس القراءة، والمتغير التابع هو الاختبار البعدي للقراءة، والاختبار القبلي للقراءة هو متغير التباين الاقترانيCovariate أي المتغير المرتبط بالمتغير التابع الذي يستخدم لإضافة الدقة على التصميم...إن أسلوب تحليل التباين الاقتراني(Ancova) يزيل جزءا من درجة الاختبار البعدي لكل فرد، أي تلك التي تعد مشاركة في درجة الاختبار القبلي...وباستبعاد ذلك الجزء من تباين درجة المتغير التابع المرتبطة بشكل منتظم مع تباين الاختبار القبلي، فإن دقة التجربة سوف تتحسن. ومع استبعاد ذلك الجزء من التباين في درجات الاختبار البعدي التي لا تُعزى للمعالجة، فإن الفرق الذي يُعزى إلى المعالجة سوف يظهر بوضوح" (دونالد أري وآخرون،2004، ص:349)

ينبغي أن نضع في الاعتبار أن هناك ارتباط بين الاختبار القبلي والبعدي لأن الأفراد جيدي القراءة هم المتحصلون على درجات جيدة في الاختبارين القبلي والبعدي، أما نظراؤهم الضعاف في القراءة، ضعاف الدرجات في الاختبارين معا. 

لعل ما يُتفق حوله على العموم، هو أن اختبار تحليل التباين على اختلاف أساليبه، يستخدم في البحوث التجريبية التي تسعى للتدليل على أثر المتغير المستقل على المتغير التابع، ومن ضمن الأهداف القيمة التي تتحقق ههنا، هو أنه في حال تأكيد الأثر، يمكن لتحليل التباين أن يكشف عن أي المعالجات التجريبية كانت أكثر جدوى وفاعلية ( عن طريق تقدير دلالة (ف) التي تقودنا إلى تأكيد الفرق بين المعالجات التجريبية كلها أو بين معالجة وباقي المعالجات). هذا ما يمكن اعتباره إثراء لفهم النتائج وتفسيرها، مع العلم أنه يقوم على دراسة التأثير الرئيسي(الأساسي/المنفرد) لكل متغير، وعلى التأثيرات المشتركة للمتغيرات (تفاعلها)، مستخدما في ذلك ما يقدمه له البحث التجريبي من معطيات. قد يكون هذا هو ما يضع كلاًّ من البحث التجريبي وتحليل التباين على نفس الخط المسقيم، إذ يبدأ البحث التجريبي لينتهي إلى ما ينتهي إليه اختبار تحليل التباين.        

إن الجهود المخلصة لـ"آرنولد فيشر" كانت كفيلة بأن توصله لابتكار "تحليل التباين" كأسلوب إحصائي، يبدد الكثير من الصعوبات المطروحة أمام الباحث عموما والباحث المقبل على البحث التجريبي خصوصا. لعل الاعتراف هنا بالفضل أوجب، إذ كان ذلك بمثابة الإنجاز الذي حصّن الباحثين من إهدار قدر كبير من جهودهم.

ما الذي يدعو لتوثيق الصلة بين المنهج التجريبي واختبار تحليل التباين؟

ما يزكي ضرورة الإيمان بأن التصاميم التجريبية وتحليل التباين وجهَا عملةٍ واحدة، هو حين تستوقفنا بعض التصاميم التجريبية ومنها "التصميم العاملي" والذي يبدو معبرا جدا عما تصبو إليه وتقوم عليه بحوثنا النفسية والاجتماعية والتربوية، التي يغلب أن تتأثر فيها الظواهر بأكثر من متغير مستقل، عكس تصميم البعد الواحد. وسواء أتعلق الأمر بهذا النوع من التصاميم التجريبية أم نوع آخر، فإن كل تصميم يحيلك إلى الأسلوب الإحصائي الملائم للمعالجة الإحصائية. يبقى تحليل التباين بأنواعه هو الأكثر ورودا، اللهم إلا إن تعلق الأمر بتصميم تجريبي ذو بعد واحد (بسيط)، حيث للباحث أن يختار بين اختباري "ت" وتحليل التباين. هذا ما يذهب إليه  كل من " فؤاد أبي حطب"، و"آمال صادق"من خلال قولهما: "يقدم لنا التصميم التجريبي البسيط لمتغير واحد وتحليل التباين المرتبط به معظم المبادئ الأساسية للتصميم التجريبي عامة والأسلوب الإحصائي المناسب والطرق والخطوات الرئيسية لتحليل التباين "(أبو حطب وآمال صادق،1991،ص:444). ما كل هذا إلا شهادة بالقرب الشديد بين البحث التجريبي واختبار تحليل التباين، ولعل ما يقوي هذه الشهادة، النقاط تالية الذكر:

* يتيح تحليل التباين إمكانية الاختبار الإحصائي المناسب لمعالجات متآنية لعدة متغيرات مستقلة في نفس التجربة، الأمر الذي يعكس ضرورة احترام طبيعة الظاهرة النفسية والاجتماعية، والتربوية، التي -كما سلف ذكره - تخضع لتأثير أكثر من متغير مستقل واحد.

* من جهة أخرى، فالمعالجة المتآنية التي يتيحها تحليل التباين، هي معالجة يفترض معها حسن التحكم التجريبي أو ضبط التجربة، والذي مفاده التحكم في المتغيرات الخارجية التي من شأنها أن تؤثر هي الأخرى في المتغير التابع وينبغي غلق الطريق أمامها، حتى لا يصل من المتغيرات إلى المتغير التابع إلا المتغير المستقل في البحث ، فيُفَسَّر تغيره (التابع) بأثر المتغير المستقل لا غيره، وهنا استجابة لمعنى "السببية". كماأن القصد هو تلك التقنيات المعروفة باسم"تحليل التباين المشترك"Ancova، على حد تعبير "كينير" وزميله"Kinnear&gray"، واللذين يصفان تلك التقنيات " بكونها تحقق تحليل التباين على سلسلة "مطهرة" من المعطيات. القصد ب"مطهرة"، عملية الاستبعاد التي تطال أي متغيرات أخرى من شأنها إحداث الأثر على المتغير التابع رفقة المتغير المستقل.(Kinnear,paul&gray,colin,2010,p:225)

* من خلال المعالجة الإحصائية التي يتيحها تحليل التباين، فهو يعين البحث التجريبي في عدة متغيرات مستقلة، على تقديم نتائج ذات قيمة أكبر من حيث التفسير العلمي، خصوصا أمام ظواهر معقدة، تتداخل العوامل المؤثرة فيها ومنها الظواهر النفسية والاجتماعية والتربوية.                    

* وأمام الاعتراف بتداخل العوامل المؤثرة في الظاهرة ذاتها، فالاكتفاء بدراسة تجريبية تقوم على متغير مستقل واحد يصبح أبعد عن الطلب، ففي التصميم التجريبي ذو المتغير الواحد يكتفي بحساب مصادر التباين التابعة للمتغير المستقل، وللمتغيرات التي لا تتعلق بالتجربة (الدخيلة) وأخطاء القياس (تباين الخطأ هو اسمها)، بينما نحن أحوج في دراسة البحوث النفسية والاجتماعية والتربوية إلى أكثر من متغير مستقل. يتم إلقاء الضوء إذن على التأثير الرئيسي للمتغير المستقل الأول على المتغير التابع، وكذا التأثير الرئيسي للمتغير المستقل الثاني في البحث على المتغير التابع (في حال تصميم ذو بعدين).

 فضلا عن ذلك، فسنكون بحاجة أيضا-طبقا لطبيعة الظاهرة المدروسة-أن نعرف أثر المتغيرين المستقلين معا وفي آنٍ واحد، أي تأثيرهما المشترك في المتغير التابع وهو المسمى عموما تفاعل المتغيرات المستقلة. إنها المعلومة التي يستحيل معرفتها من مجرد دراسة تأثير كل متغير مستقل على حده. في النهاية، فنحن بحاجة ( في التصميم العاملي) لتحديد قيمة (ف) لتأثير كل متغير مستقل على حده، بالإضافة إلى تقدير (ف) للتفاعل بين المتغيرين المستقلين.

إنها صفة "التعقيد" التي تتصف بها الظاهرة الإنسانية -محلّ بحوثنا- والتي يدعونا "بوفوا" وآخرون إلى احترامها، دون أن نقع في ذهول يُضعِفنا، بل ينبغي تحليلها وفهمها: "بكل بساطة، وحينما نريد دراسة أثر عاملين على ظاهرة معينة، أولا يمكن لكلٍّ منهما منفردا أن يوجِدَ الظاهرة ويلحق بها تغييراً، ويمكنهما أيضا أن يشتركا معا في تشكيل الأثر. فإذا انفرد أحدهما بالتأثير، أضعف هذا الانفرادُ تأثيرَه، وصعَّب كشفَه (نظرا لضعفه). أحيانا قد يكون العامل الثاني غير مُتَحَكَّمٍ فيه، فيُحدث تأثيرات بإمكانها أن تُشَوِّشَ أثر العامل الأول. من جهة أخرى، يمكن أن   تتشكَّل التأثيرات بكيفية أخرى غير الكيفية التي يجتمع فيها أثر كلا المتغيرين معاً. هذا ما يجعل من عملية قياس أثر كل واحد منهما على حدة أمراً أصعب. كذلك يمكن أن يكون هناك "سببية غير مباشرة"، إذ لا يؤثر أحد العوامل مباشرة، بل من خلال كونه يتسبَّب في وجود عامل آخر، أو أيضا أن يكون أحد العوامل التي لا تؤثر بشكل مباشر هو الشرط الضروري أو الكافي لتفعيل نشاط العامل الثاني." (Beauvois,jean-léon,1999,p:766)

ربما تلك صعوبات تفرزها ميزة التعقيد في الظاهرة المدروسة، إلاّ أنه ينبغي الاعتراف أننا حينما نتبنى التجربة الواحدة القائمة على عدة متغيرات مستقلة، تكون أأمن للباحث من حيث تثبيت المتغيرات، أما في حال إجراء عدة تجارب بمتغير مستقل واحد في كل مرة، فقد تصبح ظروف الضبط التجريبي أقل دقة. إن تحليل التباين يمتلك الحلول الميسرة حتى وإن كانت أنماط التأثير المركب متعددة. فكيف ينجح بعضنا في تصور البحث التجريبي وتحليل التباين وكأنهما خطّان متوازيان، لا يلتقيان؟

  إن" صلاح الدين محمود علام" لا يؤيد فكرة التوازي، إذ يرى أن "هذه الأساليب (أساليب تحليل التباين) تتميز بالمرونة، بحيث يمكن استخدامها في تصميمات تجريبية متعددة، مثل تصميم العامل الواحد والتصميمات العاملية وتصميمات القياسات المتكررة وغيرها."(صلاح الدين محمود علام، 1993، ص:282)

من ناحية أخرى، ومما لا يترك مجالا للجدل حول ضرورة بقاء كل من البحث التجريبي وتحليل التباين جنبا إلى جنب، هو أن تحليل التباين لا يمنع عن البحث التجريبي الذهاب نحو قياس حجم الأثر، وهو بذلك يقدم حلا لإشكالية معنى الدلالة الإحصائية لنتائج البحث التجريبي. إن معناها يرتبط بأثر المتغير المستقل على المتغير التابع ولكن قد يقع بعض الباحثين في خطأ شائع، مفاده الإقبال على قياس حجم تأثير المعالجة (المتغير المستقل) من خلال اختبار الدلالة، رغم أنه غير صالح ولا ملائم لقياس التأثير. وعليه، ينبغي التفطن إلى أنه في حالة وجود تأثير دال إحصائيا للمتغير المستقل على المتغير التابع، لايمكن الإجابة على السؤال:"هل هذا معناه أن المتغير المستقل قوي التأثير على المتغير التابع؟"

إن وجود فرق دال إحصائيا بين متوسطات معالجات تجريبية لا يستطيع أن ينبئ بقوة العلاقة بين المتغيرين المستقل والتابع، و لا بحجم الأثر الذي يمارسه هذا المتغير على التابع. لأجل ذلك ومن بين السبل المعينة على ذلك، استخدام "إيتا تربيع" n²  

يحد مربع إيتا n² = مجموع المربعات بين المعالجات

المجموع الكلي للمربعات

د "كوهن"Cohen" معايير الحكم على حجم الأثر كما يلي:(Cohen, 1992)

0.1 ـ حجم أثر قليل

0.2 -حجم أثر متوسط

0.4 - حجم أثر كبير

هذا، وتتداول بعض المواقع الإلكترونية معايير "كوهن"، حيث تفصح عن "إمكانية استدعاء مؤشر "إيتا مربع"( n² ) الذي يسمح بتقدير حجم أثر المتغير المستقل على المتغير التابع. يحدد "كوهن" (1988) ما حول0.01 (حجم أثر قليل)، و0.06 (حجم أثر متوسط)، و0.14 ( حجم أثر كبير) " Pages usherbrooke.ca/spss/pages,30-07-2013)(

تدل قيمة n² على النسبة من التباين الكلي للمتغير التابع التي تعود إلى تأثير المتغير المستقل. (بمعنى من 100% تباين كلي كم هي النسبة التي تعود إلى المتغير المستقل)، "(فؤاد أبو حطب وآمال صادق،1997،ص:440)

إذن توظيف تحليل التباين في اختبار دلالة معطيات التجربة يظل مجديا، لاسيما وأنه يعين الباحث على عدم الاكتفاء بتأكيد أثر المتغير المستقل على المتغير التابع، بل ويمكن الامتداد إلى تقدير حجم هذا الأثر في حال تأكيد دلالته.

في النهاية يؤكد "صلاح الدين محمود علام" -صراحة- التوأمة الضرورية التي يجب وعيها وعدم إغفالها بين أساليب تحليل التباين والبحوث التجريبية، إذ يقول:"لقد صمم "فيشرFisher " عالم الإحصاء الإنجليزي هذا الأسلوب لتيسير تحليل البيانات المستمدة من التجارب الميدانية والمختبرية في مجال البحوث الزراعية والبيولوجية وتفسير نتائجها، ويمثل اليوم أحد أدوات البحث المهمة ليس فقط في هذه المجالات، وإنما في مختلف مجالات العلوم النفسية والاجتماعية والطبيعية وغيرها " (صلاح الدين محمود علام ،1993، ص:285)

خليق بالباحثين إذن أن لا يأخذهم الحرص على خطوات هذا الأسلوب والعمليات الحسابية التي يستوجبها فحسب، بل ينبغي أن يلتفتوا إلى أهميته، تملؤهم القناعة بجدواه كأداة بحث، لاسيما في ظل مرافقته للبحث التجريبي.

 خاتمــة

في النهاية ، فالتفسير السببي لا يزودنا به بوضوح منهج آخر كالمنهج التجريبي، وهو الذي يقودنا إلى تفسيرات مقنعة، الأمر الذي يجعله من أقوى المناهج، فمن الإهدار إذن هجرانه كمنهج. إن كلا من المنهج التجريبي واختبار تحليل التباين يتآزران في بلورة المعرفة بوقوع أثر المتغير(ت) المستقل(ة) على المتغير(ت) التابع(ة)، سواء أكان ذلك في شكله الرئيسي أم المشترك، بل ويمكنه الوصول إلى تقدير حجمه.

يظل إذن تحليل التباين هو الأسلوب الإحصائي الذي يستكمل طريق المنهج التجريبي نحو صحة الاستنتاج، ودقة المعرفة.

إن الدارس اليقظ لموضوع المنهج التجريبي إن درس باليقظة ذاتها موضوع تحليل التباين، سينتهي لا محالة إلى تكوين قناعة تجعله يقر بالتداخل الكبير بين الموضوعين وأنهما وثيقا الصلة ببعضهما البعض، بل سينتهي إلى التساؤل: لماذا يُدَرَّسُ طلبتُنا هذا المنهج وهذا الاختبار الإحصائي ، كموضوعات مستقلة تماما ولا معبر بينهما؟ ولماذا يندفع المؤلفون نحو الكتابة عن المنهج التجريبي، وبعيدا عنه يكتبون عن اختبار تحليل التباين وكأنهما ضفتان لا تبغيان؟ فمتى سيتفطن مصمموا المناهج التعليمية لهذا الخلل؟

قائمة المراجع:

- إبراهيم الحكيم، Spss المرجع في تحليل البيانات، شعاع للنشر والعلوم، سورية، 2000، ط1

- أبو القاسم عبد القادر صالح" وآخرون، المرشد في إعداد البحوث والدراسات العلمية، مركز البحث العلمي والعلاقات الخارجية، الخرطوم، 2001 ،  ط1

- أحمد الرفاعي غنيم، ونصر محمود صبري، تعلم بنفسك التحليل الإحصائي للبيانات باستخدام Spss، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2000.

-دونالد أري، ولوسي شيزر جاكوبس، أصغار رازافيي، مقدمة للبحث في التربية، ترجمة سعد الحسيني، مراجعة عادل عبد الكريم ياسين، دار الكتاب الجامعي، الإمارات العربية المتحدة، 2004 ، ط1

- صلاح الدين محمود علام ،الأساليب الإحصائية الاستدلالية البارامترية واللابارامترية في تحليل بيانات البحوث النفسية والتربوية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1993.

- عبد الحميد عبد الحميد  البلداوي، أساليب البحث العلمي والتحليل الإحصائي ( التخطيط للبحث وجمع وتحليل البيانات يدويا وباستخدام برنامج SPSS )، دار الشروق للنشر والتوزيع، رام الله، 2005، ط1

- فؤاد أبو حطب، وآمال صادق، مناهج البحث وطرق التحليل الإحصائي في العلوم والتربية والاجتماعية، مكتبة الأنجلومصرية     القاهرة، 1991.

- فؤاد البهي السيد، علم النفس الإحصائي وقياس العقل البشري، دار الفكر العربي، 1979.

- لجنة التأليف والترجمة، المرجع السريع للتحليل الإحصائي باستخدام أمثلة Spss ، شعاع للنشر والعلوم، سورية، 2008، ط1

- مجدي صلاح طه المهدي، مناهج البحث التربوي، بين التقليدية والحداثة. دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2013

- Azais,jean marc & Bardet, jean marc (2005) ,Regression,Analyse de la variance et plans d'Experiences (illustrations numeriquesavec des logiciels R,SAS et plus.

www.math/u-psuad.fr/stajav/IMG/pdf/modlin4bis.pdf (26-07-2013:5h41)

- Beauvois,jean-leon et al (1999). Cours de Psychologie:bases, methodes et epistemologie. Dunod, Paris, 3eme editon.

- Cohen, jacob (1992) Quantitative methods in psychology, psychological bulletin, vol 112 .No 1. pp:155-159, copyright by the american psychological association

- Creators of statistical data analysis software and services(26-07-2013) Introduction to Anova/Manova

www.statsoft.com/textbook/anova-manova/?button=1

- Delhomme,patricia&Meyer,thierry(1997) les projets de recherche en psychologie sociale,Armand Colin edit, Paris.

- Kinnear,paul & Gray,colin(2010) SPSS facile apliqué a la psychologie et aux sciences sociales. Maitriser le traitement de données. Trad: Huet,nathalie. Rev, sci: Masuy, bernard,Belgique, 1ere édit.

-Pages usherbrooke.ca/spss/pages/statistiques inferentielles/Analyse-de-covariance.php  (30-07-2013) 

- Robert, michel(1988)Fondements et etapes de la recherche scientifique en psychologie,Quebec.3éme edit