إصلاح البنية المؤسّساتية للدولة وأثرها في ترشيد القرار.pdf

د/ خالد تلعيش

كلية الحقوق والعلوم السياسية

جامعة الجيلالي بونعامة-خميس مليانة- الجزائر

ملخص:

يحاول النظام السياسي إيجاد قدر من التفاهم والاتفاق العام بينه وبين المجتمع بشكل يعطيه القدرة والفاعلية في الحركة والتأثير وتنفيذ سياساته العامة، فالنظام يستخدم إمكانياته لإنتاج الثروة في المجتمع. ولذا نجد عددا من المؤسسات السياسية والإدارية تشكل البناء المؤسساتي في الدولة، وتضمن من خلاله الشراكة المجتمعية التي تقود نحو التنمية المستديمة.

الكلمات المفتاحية: النظام السياسي، شبكة المؤسّسات، الدولة، القرار.

Abstract:

The political system is trying to find a measure of understanding and the General Agreement between it and the community gives him the capacity and efficiency in the movement, the impact and implementation of public policy, system uses the potential of the production of wealth in society. Therefore, we find a number of political and administrative institutions is the institutional construction of the State and to ensure, through community partnerships, leading to sustainable development.

Resume:

Le système politique est d'essayer de trouver une mesure de la compréhension et de l'Accord général entre elle et la communauté lui donne la capacité et l'efficacité dans le mouvement, l'impact et la mise en œuvre des politiques publiques, le système utilise le potentiel de la production de la richesse dans la société. Par conséquent, nous trouvons un certain nombre d'institutions politiques et administratives constitue la construction institutionnelle de l'État, et d'assurer, par des partenariats communautaires, qui mène vers le développement durable.

مقدمة :

إن التطور التكنولوجي المتسارع الذي تعيشه جل شعوب العالم، أثر بشكل مباشر على عملية صنع واتخاذ القرار. إذ تعددت مصادر وهيئات صنع السياسات العمومية فأخذت أشكالا وأنماط مختلفة تغير فيها دور الدولة، ما جعلها تكتسب مميزات جديدة تتماشى مع متغيرات العصر، ما تطلب إعادة النظر في إنتاج قوى سياسية غير رسمية تحمل على كاهلها عملية تنمية المجتمع.

إن التغييرات الجديدة في دور الدولة جعلت منها شريك أساسي من بين الشركاء أو الفواعل غير رسمية في صنع السياسيات والقرارات المتعلقة بمختلف المجالات وشتى القطاعات بهدف مواكبة التغيرات الحاصلة في العالم. هذه الإصلاحات انصبت على تطوير البنى المؤسساتية قصد إعطائها دفعا قويا يمكنها من أداء وظيفتها بفاعلية ما ينعكس على تمتين العقد الاجتماعي ويجعل من المشروعية مكسباً مؤسساتياً يرتقى بمستويات التنمية المجتمعية.

أهمية الدراسة : للموضوع الأهمية الأكاديمية والعلمية، كما يعتبر من بين الدراسات الحديثة التي تهدف إلى التعرف على أهم المؤسسات والقوى الفاعلة في صنع واتخاذ القرار، وتعمل على توضيح مهام المؤسسات الدستورية وتبن دورها في ترقية بيئة التنمية داخل الدولة. كما تبحث الدراسة في نوعية الأدوار وسبل تفعيل وتكييفها مع تطلعات مجتمع الدولة.

وتعتبر هذه الدراسة أداة تستهدف الوصول إلى النوعية في القرار بالنظر إلى المتغيرات الخارجية والداخلية التي أصبحت تشكل رهان وتحدى بالنسبة لصانع القرار في الدولة ما يجعله يعيد النظر في إنتاج ميكانزمات جديدة لترقية مستويات التنمية المحلية للفرد.

إشكالية الدراسة : يسعى النظام السياسي في الدولة إلى تحقيق مطالب وحاجيات الأفراد عبر مخرجاته السياسية المنتظمة والتي يحاول أن يحقق بها التوازن بين كل الفئات، لذا نجد دائما يسعى إلى الابتكار والإصلاح عبر عمليات ممنهجة تتسم بطابع الإلزامية والشمول. هذا السلوك ينعكس على وظائف المؤسسات المجتمعية ويرفع من أدائها ونوعية دورها في الحياة السياسية.

انطلاقاً مما سبق، تبرز إشكالية الدراسة وهي : إلى أي مدى يساهم الإصلاح المؤسّساتي في ترشيد عملية صنع واتخاذ القرار؟.

وللإجابة عن هذه الإشكالية نطرح مجموعة من التساؤلات الفرعية المنبثقة عنها، وهي كالآتي:

$1·ما المقصود بالإصلاح المؤسّساتي؟. وماذا نعني بالتغيير والتطوير المؤسساتي في الدولة؟.

$1·ما لمقصود بصنع واتخاذ القرار؟. وما هي العلاقة بينهما؟. وكيف يمكن تنمية المجتمع وخلق الثروة؟.

فرضية الرئيسية للدراسة : تعتمد الدراسة على الفرضية العلمية التي تساعدنا في تحليل المشكلة البحثية بدقة:

كلما كان الإصلاح والتغيير المؤسساتي ذا غاية وبُعد استراتيجي ، كلما تطورت عملية عقلنة القرار ما ينعكس إيجاباً على تحقيق مكتسبات سياسية واجتماعية واقتصادية تعود بالنفع على المجتمع.

وللإجابة عن الإشكالية المطروحة وتساؤلاتها الفرعية ، فإننا نستعين بعدد من المناهج في هذه الدراسة لتحقيق الهدف الأساسي والغاية منها. إذ يعتبر المنهج هو الطريقة التي يتبعها الباحث أثناء دراسته للمشكلة ، بحيث تتضمن قواعد وخطوات الإجابة على أسئلة البحث واختيار فرضياته من أجل الوصول إلى اكتشاف الحقيقة والوقوف على نتائج دقيقة. ولهذا فإننا استعنا بمجموعة من المناهج هي كالتالي:

المنهج الوصفي التحليلي الذي يعتبر طريقة لوصف الظاهرة المدروسة وتصويرها كماً عن طريق جمع المعلومات عن المشكلة وتصنيفها وتحليلها مع إخضاعها إلى الدراسة الدقيقة ، ويتضح هذا في تحليلنا لبعض التعاريف التي تحتاج إلى شرح في كل من المؤسّسات السياسية والإدارية ، والقرار، والإصلاح ، والتنمية المحلية والشاملة.

المنهج الشبكي الذي نستخدمه في وصف المؤسّسات سواءً الإدارية أو السياسية والتي نبحث في مضمون وظائفها وأدوارها المجتمعية ، ما يجعلنا نستخلص علاقتها بالتنمية المجتمعية ومدى إلتزامها بتقديم الخدمة العمومية في الدولة. ومن خلال منهج الدراسة المتبع نستخلص العلاقة بين الإصلاح المؤسسات وعملية ترشيد القرار في الدولة ومدى انعكاسها على قيمة المجتمع بكل أصنافه الحيوية.

وللإجابة على ما سبق طرحه، نطرح تصور للخطة نجيب فيه على الإشكالية ونثبت مدى صحة الفرضية التي طرحناها. كما يلي:

المحور الأول: البناء المؤسّساتي في الدولة: رؤية في الدور والأهمية.

المحور الثاني: التغيير السياسي وتفعيل البناء المؤسساتي.

المحور الثالث: الإصلاح السياسي وأثره في ترشيد القرار.

إن القرار السياسي طريق الدولة في التعبير عن فعلها ونشاطها ووجودها، بوصف النظام السياسي مزيجاً من الأهداف والتطلعات والبرامج فضلا عن الأفكار والمراكز والأبنية والعلاقات والشواهد، وتتسم القرارات السياسية بكونها عملية سياسية تتم بواسطة مجموعة الهيئات، فبعد أن تتشكل هذه الهيئات وتحدد موقع القوى السياسية المختلفة الأدوار، ومن بين هذه القوى نجد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والإعلام كهيئات رسمية، لها دور في صنع السياسة العمومية.

المحور الأول: البناء المؤسّساتي في الدولة: رؤية في الدور والأهمية.

لعب الفكر السياسي دوراً مهم في نشأة الدولة وتطورها، ما جعل من النظام السياسي يؤدى أدواره الأساسية لنهضة شعوبه بكل مرونة، داخل مؤسسات إدارية وسياسية منتخبة، ما جعل النظام يبتكر حلولا عبر أدوات مؤسّساتية قدمت للعقد الاجتماعي

1. السلطة التنفيذية: مفهومها وأهميتها المجتمعية.

يختلف تكوين الهيئة الموجهة لهذه السلطة من دولة إلى أخرى ففي النظام الرئاسي يعتمد على مبدأ فردية السلطة التنفيذية، ومباشرة رئيس الدولة للسلطات الفعلية، أما في النظام البرلماني يكون هذا التوجه بيد رئيس الدولة ومجلس الوزراء أي ثنائية السلطة التنفيذية، أما في الدولة التي تأخذ بنظام الجمعية النيابية فإن هذا التوجه يكون بيد هيئة مكونة من عدة أشخاص منتخبين من قبل الجمعية النيابية، إذ يكونون خاضعين لها.

إن أغلبية الأنظمة الدستورية العربية أناطت السلطة التنفيذية برئيس الدولة سواء كان ملكأً أو أميراً أو رئيس جمهورية، أو سلطاناً وبمجلس الوزراء أو الحكومة، أو بمعاونته وفقا للأحكام والشروط التي تنص عليها هذه الأنظمة الدستورية والتي تختلف بين نظام دستوري وآخر.1

إن السلطة التنفيذية هي مؤسسة سياسية رسمية يناط بها عملية تنفيذية للقوانين العامة التي تشرعها السلطة التشريعية، وذلك من خلال الهيئات المختصة في ذلك وهذا بهدف الحفاظ على النظام داخل الدولة، وكذا تجسد مبدأ العقل بين السلطات.

أهميتها: تمكن أهميتها في كونها تساعد على:

أ. تساعد على استمرار سير الحياة البشرية في الدولة، وذلك عن طريق إدارة المرافق العامة المختلفة.

ب. تحافظ على النظام وتمنع الجرائم. وتشرف على إشباع الحاجات الذي لا يقدر عليها النشاط الفردي.

ج. الحفاظ على كيان الدولة من العدوان الخارجي.2

د. بها مهام تنفيذ السياسات العامة للدولة، وذلك لاعتبارها السلطة التي تسير وتهيمن على المرافق العامة والمحرك الفعلي للسياسة في لدولة بصفة عامة، مما أطلق عليها تسمية الحكومة.

ه. تعتبر من أهم البنى في صنع السياسة من خلال ما تباشره من سياسات جديدة كما تقوم بتنفيذها ويمكن أن تقوم بمحاسبة المسؤولين على عملية التنفيذ.3

2. السلطة التشريعية: مفهومها وأهميتها: تختلف الأنظمة السياسية فيما بينها من حيث تكوين برلمانها، فقد يتكون من مجلس واحد وقد يتكون من مجلسين، إلا أن كلاهما يختصان بالوظيفة التشريعية. لقد سميت هذه السلطة "بالتشريعية" لأن التشريع أو إصدار القواعد العامة أو القوانين الملزمة للجميع، وهو ضمن إختصاصها الأساسي، وتتولى السلطة التشريعية البرلمان الذي يتكون من مجلس أو مجلس واحد حسب أحكام الدساتير4.

أهميتها: تكمن أهميتها في ما يلي:

أ. السلطة التشريعية من أهم السلطات في الدولة ومهمتها الأساسية في عمل القوانين أي تشريع القواعد العامة التي تنظم مختلف أوجه الحياة الإجتماعية في الدولة5.

ب. وتعرف السلطة التشريعية على أنها السلطة التي تتولى وضع القواعد القانونية المجردة، أي القواعد التي تطلق على جميع الأفراد أو مجموعة منهم غير محددة شخصيا ولكن معروضة بصورة مجردة ببعض الخصائص وتستند هذه السلطة إلى هيئة منتخبة من الشعب وهي البرلمان وتمارس هذه الهيئة سلطة التشريع وفقا لقواعد محددة بالدستور، والذي يعتبر القانون الأسمى للدولة6.

ج. هي مؤسسة من مؤسسات الدولة تأخذ عدة أسماء، عدد أعضائها متوقف على حجم الدولة وعدد سكانها، كما تعتبر الوسيلة والآلية الأساسية للتعبير عن الإرادة الشعبية أو القومية باعتبارها الهيئة الوحيدة التي تستطيع أن تتكلم باسم الشعب.

3. السلطة القضائية: المفهوم والأهمية المجتمعية: يختلف تكوين السلطة القضائية من دولة لأخرى، ومن مميزاتها أنها تأخذ بمبدأ الاستقلالية عن السلطات الأخرى (التنفيذية والتشريعية)، إذ يعتبر من المبادئ العامة التي حرصت الثورة الفرنسية على اعتناقها وتقريرها في الإعلانات والحقوق والدساتير المختلفة وقد حرصت الثورة الأمريكية هي الأخرى على اتخاذ هذا المبدأ أساس لتنظيم الحكومة.

عرفت السلطة القضائية بأنها تهتم بالفصل في المنازعات مهما كان مصدرها من خلافات بين الأفراد والجماعات وبين الدولة وإرادتها، أو الفصل في الخلافات بين الإدارات ذاتها، مهما كانت طبيعة هذا الخلاف من جزائية أو مدنية أو تجارية أو إدارية، وذلك طبقا للقوانين والأنظمة المتبعة للدولة7.إذن هذه المؤسسة تتميز بطابع قانوني تختص بالمسائل التي تهم الدولة بأسرها، إذ تقوم بالفصل في الخصومات والنزعات في شتى الولايات ومختلف المجالات وشتى شرائح المجتمع.

أهمية إستقلالية السلطة القضائية: تقوم السلطة القضائية التي مؤسسة مستقلة قائمة بذاتها تقوم بمزاولة تطبيق القوانين على المنازعات التي ترفع إليها، سواء وقعت هذه المنازعات بين الأفراد ببعضهم البعض نتيجة إصطدام حقوقهم، وحرياتهم أم بين الأجهزة العامة، والأفراد نتيجة لمزاولة هذه الأجهزة لوظائفها.

4.  السلطة الرابعة وعلاقتها بالرأي العام: يعتبر الإعلام سلطة رابعة لمعظم دول العام إذ يساهم في التأثير على عملية صنع السياسات العامة وذلك بشتى الأشكال والوسائل، كما أن الإعلام يختلف دوره من نظام سياسي إلى آخر. إلا أن دوره يبقى غاية في الأهمية إذ يستطيع صنع وتقويم مختلف السياسات العمومية بحيث يعتبر المولد الأساسي للرأي العام الوطني والدولي.

كما تعرف وسائل الإعلام بأنها وسيلة يستخدمها المجتمع لأي غرض بدقة قصد الحصول على المعلومات، كما تعتبر أسلوب التعبير عن آراء أفراد المجتمع، إذ تصف التبادل ووجهات النظر والأخبار، وليس مجرد نقل من مصدر واحد إلى آخر ولذا استعملتها النخبة السياسية كأداة للتأثير على كل من الجماهير والحكام لتغيير السياسة العامة8 . لقد أدى التفاعل بين المؤسسات الرسمية والإعلام إلى تشكيل علاقة ذات أبعاد متعددة انعكست على وظيفته الحقيقية التي تطورت عبر الزمن لتصبح علاقة متعدية ترتبط بنوعية النظام السياسي في الدولة.

5. فواعل الإقليم السياسي : نظر في الدور والأهمية: إذ هناك تنظيمات غير حكومية تمارس الضغط على السلطة وتشارك في العمل السياسي بصورة غير مباشرة، فتؤثر في مركز القرارات وتطمح مجموعة منها في الوصول إلى السلطة، بينما المجموعة الأخرى طموحها يصل في التأثير عليها لتحقيق مصالحها فقط، إذ تختلف هذه التنظيمات باختلاف الأهداف والمطامح التي تسعى للوصول إليها كما تختلف درجة تأثرها حسب طبيعة كل نظام والمجال الذي تعمل فيه.

لقد تعددت المفاهيم المتعلقة حول الجماعات المصلحية، وذلك كون كل باحث ينظر إليها من زاوية، ومن أهم التعاريف أنها جماعة منظمة من أجل هدف معين وتمارس نفوذاً أو ضغوطاً على النظم السياسية من أجل الوصول إلى هدفها وذلك يؤدي إلى أن تتخذ المؤسّسات السياسية القرارات التي تساعدها إلى الوصول لما ينبغي من أهداف وفي نفس الوقت تحُول دون صدور قرارات مناهضة لها.

من خلال هذا المفهوم يتضح أن هذه الجماعة هي مؤسّسة تأخذ صفة سياسية تعمل على تركيز تأثيرها على المؤسّسات الحكومية الرسّمية من أجل أخذها القرارات وبرامج في صالحها.

إن المؤسّسات السياسية الرسّمية وغير الرسّمية تساهم بصورة أو بأخرى في سير واستمرار أي نظام سياسي، إذ تعتبر أن السلطة التشريعية هي السلطة المكلفة بالتشريع للقوانين وإصدارها، في حين أن السلطة التنفيذية تسعى ساهرة وجاهدة على تنفيذ كل ما هو صادر على السلطة التشريعية لهدف السير الحسن لمختلف المؤسسات، أما بالنسبة للسلطة القضائية فهي السلطة التي تقوم بتطبيق هذه القوانين بهدف حل النزعات والخصومات بين الأفراد أو الإدارات في حد ذاتها. ولقد ظهر الإعلام كسلطة رابعة يساهم مثله مثل المؤسسات السياسية السابقة في وضع إسمها من خلال إيصال الرسائل إلى الجمهور. كما أن هناك قوى سياسية أخرى فاعلة في أي دولة إذ تقوم بصورة غير مباشرة في رشادة الدول منها الأحزاب السياسية التي تسعى للوصول إلى السلطة من خلال البرامج التي تقدمها، أما بالنسبة لجماعات الضغط فهي جماعات منظمة ذات مصلحة تسعى إلى التأثير على السلطة بهدف تحقيق مصالحها الخاصة كما نحب الرأي العام الذي أصبح يلعب دوراً هام في توجيه النظام السياسي من خلال مختلف الآراء التي تقدمها.

المحور الثاني: التغيير السياسي وتفعيل البناء المؤسساتي.

تواجه البنى والمؤسسات السياسية مختلف المشاكل والتحديات التي قد تهدد استمرارها لذلك تسعى دائما لتجديد سياساتها وإصلاحها، فقدرة النظام السياسي على التكييف مع المتغيرات أساسي لضمان الاستقرار وتجنب التصارع الذي قد يؤدي إلى التغيير السياسي، فالأنظمة السياسية تتغير باستمرار لتتكيف مع التطورات والتحولات التي تحدث في البيئة الخارجية وخاصة الداخلية منها. لكن مع تصاعد الأوضاع، وتفاقم المشكلات والتحديات التي تواجه النظام السياسي تذهب الحلول إلى ما بعد الإصلاح السياسي، أي وجوب التغيير السياسي.

1.  مفهوم التغيير السياسي: ظهرت العديد من المفاهيم التي أوضحت التغيير السياسي منها:

$1-   تعرف موسوعة العلوم السياسية على أنه مجمل التحولات التي قد تتعرض لها البنى السياسية في المجتمع أو طبيعة العمليات السياسية والتفاعلات بين القوى السياسية وتغيير الأهداف بما يعنيه كل ذلك من تأثير على مراكز القوة بحيث يعاد توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها أو بين عدة دول9، بمعنى آخر أن التغيير السياسي هي مجمل التأثيرات التي تمس مختلف البنى والتفاعلات السياسية التي تؤثر على النظام السياسي وبذلك تتغير مختلف القوى داخل الدولة.

$1-   كما ورد تعريفه في معجم العبارات السياسية الحديثة على أنه رغبة نحو التحول التدريجي نحو الديمقراطية، وهو حسب الباحث صامويل هينجتون تحول من نظم سياسية غير ديمقراطية إلى نظم أخرى ديمقراطية10، أي الانتقال من وضع استبدادي إلى وضع ديمقراطي.

إذن التغيير السياسي هو انتقال من موقع اجتماعي أو سياسي أو إيديولوجي إلى آخر، كالانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، و تغيير الولاء للشخص أو للحزب، كل ذلك يجري وفق حركية غير مضبوطة، مما يفتح المجال لكل الاحتمالات، أي هو الانتقال تماما من وضع معين إلى آخر غير محسوم لكن يؤمل أن يكون أفضل.

إن التغيير السياسي يشير إلى مجمل التحولات التي تتعرض لها البنى السياسية في نظام سياسي معين، تتبناه جهة سياسية أو اجتماعية معينة بهدف القضاء على نظام استبدادي أو نظام ديمقراطي فاسد، وبناء نظام ديمقراطي عادل إنطلاقا من المجتمع، ويكون التغيير السياسي إما تغيير شامل عميق يمس المؤسسات نظام السياسي وكل المجالات أو تغيير جزئي محدود يكتفي بإصلاح أو تغيير مجال معين فاسد.

2.  عوامل التغيير السياسي: إن مفهوم التغيير السياسي يتجسد في التغيير نحو الأفضل لوضع شاذ أو سيء، خصوصاً فيما يخص السلوكيات وممارسات النظام السياسي، فلا يمكن اعتباره قفزة فجائية، أو مجرد استجابات لرغبات عابرة، بل هو مبني أو ناتج عن عوامل معينة ويكون وفق آليات محددة. كما يأتي التغيير السياسي عادة استجابة لعدة عوامل نذكر من بين أهمها، ما يلي:

$1أ‌.      الرأي العام: وهي مطالب الأفراد من النظام السياسي، وهي مطالب لا يمكن تحويلها دون تبنيها من قبل أحزاب وجماعات ضغط11.

$1ب‌.  تغيير نفوذ وقوة بعض الأحزاب السياسية وجماعات الضغط أي تغيير في أهدافها ووسائلها.

$1ج‌.ضغوط ومطالب خارجية، من قبل دول أو منظومات قوية و نافذة في السياسة الدولية بمختلف أشكالها سواء ضغوط اقتصادية، سياسية، عسكرية، أو مالية، أو حدث تحولات خارجية تؤثر في إعادة صياغة العلاقات الداخلية، في إطار التعامل مع الأوضاع الجديدة12.

$1د‌.  تداول السلطة في حالة الديمقراطية عن طريق التداول السلمي على السلطة بواسطة انتخابات دورية، أو عن طريق العنف المتمثل بالانقلابات، وهو ما يعني في كل الحالتين بداية تشكل عهد سياسي جديد في الدولة13.

كما أن الباحث عبد الرحمن توفيق أوضح في كتابه بأن التغيير السياسي استجابة لواحد أو أكثر من الأسباب والعوامل التالية:

$1أ‌.      الأزمة: وتعني الإدراك بأن الأمور لابد أن تغيير وذلك نتاج لأزمة مر بها النظام السياسي بحيث يصبح التغيير معها حتمي وضروري

$1ب‌.  الرؤية: وذلك عند امتلاك الجهة صاحبة النظرية التغيرية صورة واضحة للمستقبل ليمكن عملية التغيير من إحداث تطورات إيجابية في المجتمع.

$1ج‌.الفرصة: وذلك حينما نرى القوة الفاعلة في العملية التغيير بأن التغيير سيحمل نتائج ايجابية وواقع أفضل، وبذلك فيجب استثمار فرصة لإحداث التغيير المنشود.

$1د‌.     التهديد: أي التنبؤ بحدوث تغييرا سلبيا على بنية النظام السياسي وعلى المجتمع ككل وبالتالي فإن إحداث تغييرات في بنيته ذو أهمية عالية14.

من خلال الأسباب والعوامل التي قدمها عبد الرحمن توفيق نجد أن التغيير السياسي ليس فجائيا أو يأتي صدفة بل هو منظم تتبناه جهة معينة تملك رؤية تطويرية لتجاوز أزمة خلقها النظام القائم.

3. آليات التغيير السياسي: إن كان إجراء التغيير السياسي يعني في عمقه وشموليته تبديل جذري لأسس البنية الاجتماعية والسياسة القائمة في المجتمع، فإن العملية تنطوي على إجراء قدر كبير من التغيرات في النظام السياسي، كأن يحدث تغيير في القيادة السياسية يليه تغيير في ممارسة السلطة ومن ثم توجهات السياسة العامة التي تؤدي إلى تغييرات هيكلية بنيوية تأثر على مخرجات النظام السياسي.

إن وسيلة التغيير تنال دوما قسطا كبيرا من الاهتمام فالوسيلة التي يحدث بموجبها التغيير السياسي، في علم السياسية، والواقع السياسي المعاش في العالم توجد مجموعة من الآليات أو الوسائل التغيير السياسي، لابد أن يسلك قادة التغيير أو الجماهير إحداها إذا أرادوا فعلا إحداث تغيير سياسي على لأرض الواقع وهذه الوسائل تعتمد إما على مقدرة قادة التغيير أو الجماهير في تبنيها وترجمتها لواقع حقيقي، وإما على النظام السياسي القائم ومدى استجابته لمتطلبات التغيير السياسي15، ويمكن توضيح أهم الوسائل في مايلي:

$1أ‌.   التغيير السياسي الدستوري: المعروف بالتداول السلمي للسلطة، هذه الوسيلة في الدول المجتمعات الديمقراطية الراسخة، وتقوم على فكرة ومبدأ الانتخابات الحرة المباشرة الدورية، بحيث يكون النظام السياسي في الدولة نظاما مستقرا، والدستور ينص صراحة على التداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات العامة المباشرة الحرة، وهو أفضل آليات التغيير السياسي وأكثر أمنا وضمانا للدولة والمجتمع والفرد.

$1ب‌.التغيير السلمي الشعبي: يحدث هذا النمط السلمي للانتقال من نظام سياسي لأخر دون اللجوء إلى العنف أو الثورة كوسيلة للتغيير16، وهو قائم على انتفاضات الجماهير وثورتها سلميا على النظام الحاكم القائم وعلى الاستبداد وغياب الحرية وسوء الظروف والأوضاع المعيشية والاقتصادية، والاجتماعية وهذه الوسيلة تتطلب تراكم الظروف الصعبة الدافعة لحدوث الثورة، وتتسم هذه الوسيلة بالسلمية بحيث لا تحمل الجماهير السلاح إنما تطالب بحقوقها وبالتغيير السياسي سلميا بالتظاهر والاعتصام والعصيان المدني وغيرها من الوسائل السلمية17، هي وسيلة سلمية تسمح وتمنح الشعب بالتنديد والمطالب بالتغيير لوضع سياسي قاهر ونظام فاسد وفاشل من خلال التظاهرات والانتفاضات السلمية ورفع شعارات التغيير.

$1ج‌.التغيير السياسي العنيف: يحدث عندما يتم اللجوء إلى السلوك العنيف كونه الوسيلة الوحيدة المتاحة للتغيير عن المطالب وحماية المصالح، وينشأ العنف في حالة العجز عن تغيير الوضع القائم بوسائل سلمية، فهو انقلاب على الحكم القائم بقوة السلاح أو الثورة المسلحة، وهو شائع الحدوث في الدول الاستبدادية ودول العالم الثالث بصفة خاصة.

وغالبا ما يبدأ التغيير من التغيير السلمي الشعبي بتطور لعوامل كعدم استجابة النظام السياسي لمطالب أو انتفاضات المجتمع والتمسك بالحكم أو عدم التنازل التفاوض مع مطالب المجتمع، أي عدم الاستجابة لدعوات التغيير السلمي، فعدم الثقة، أو انعدام الثقة بين النظام السياسي والمجتمع، يجعل من الجماهير والسياسيين المطالبين بالتغيير أي من الوعود أو السياسات الآتية من النظام، ومع تشبث النظام بالسلطة واستعمال مختلف أدوات الاستبداد والتعصب خاصة الأمنية منها يولد لدى الجماهير حب الدفاع عن حقوقهم باسم الوطن والمواطنة وروح التعاون ضد ما يرونه أنه يهدد مصالحهم سلمية إلى انتفاضة مسلحة، يهدف استرداد ما يعتبره المجتمع حق لهم.

يعتبر الباحث صمويل هينجتون أن دراسة التغيير السياسي تتم من خلال فهم آليات التغيير التي يحدد من خلال النسق السياسي في ضمن مكونات: الثقافة، البنيات، والمجموعات أي التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية الرسمية وغير الرسمية، والقيادة، والسياسات وهي مختلف أنماط وأشكال العمل الحكومي. فمقاربة الباحث صمويل، تتم عبر تحليل آليات عمل هذه المكونات فالتغيرات التي تحدث في تلك المكونات الخمس، وكذلك التأثير المتبادل فيما بينها، يكشف عن آلية التغيير في النسق السياسي.

إذن يعبر التغيير السياسي عن إرادة المجتمع في تغيير الأوضاع الراهنة وتحسينها، من خلال حراك اجتماعي بقيادات سياسية، فالتغيير يحصل من خلال الشركاء المحليين وخاصة الفواعل غير الرسمية وبعض من الجهات الرسمية، فالتغيير السياسي يهدف إلى تأمين استقامة واستدامة المؤسسات السياسية لأن تعزيزها بالشرعية والمشروعية الأزمة ، يسمحان بتعزيز قدرة المجتمع على الإيمان بهته المؤسسات.

المحور الثالث : الإصلاح السياسي وأثره في ترشيد القرار

إن تدهور الأوضاع وتقهقرها في العديد من المجالات، خصوصاً اتجاه قيم الحرية والمساواة، تساهم باتساع الفجوة بين النخبة السياسية السائدة وعموم مكونات المجتمع مما يؤثر في الحياة السياسية وجعل من الاصلاح السياسي أداة ضرورية الاستخدام لإعادة التوازن في الدولة.

1. مفهوم الإصلاح السياسي: إن الإصلاح السياسي هو تعديل شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية دون المساس بأساس هذا النظام. وهو أشبه ما يكون بإقامة دعائم الخشب التي تحاول منع انهيار المباني المتداعية، ويستعمل عادة للحيلولة دون الثورة أو تأخيرها18. ويشير هذا المفهوم إلى بناء الديمقراطية والتغيير المخطط في مستوى التطور السياسي المؤسّساتي والثقافي، وتطوير التنظيم الدستوري لسلطات الدولة وتحقيق فكرة المساواة، وتقوية آلياتها كالمساءلة والمشاركة الشعبية بكل مستوياتها والتعبئة الجماهيرية، واستقلالية إدارة أجهزة الدولة وضمان الحقوق والحريات العامة للمواطنين.

إذن الإصلاح السياسي يعني القيام بعملية تغيير في الأبنية المؤسسية ووظائفها وأساليب عملها وأهدافها من خلال الأدوات القانونية التي يوفرها النظام السياسي ذاته، فالإصلاح السياسي هو التغيير داخل النظام وهو تطوير كفاءات النظام السياسي في بيئة الداخلية والخارجية.

ومما لاشك فيه، أنه لكي يكون الإصلاح حقيقياً متواصلا فلا بد من الإرشاد بمجموعة من المعايير والضوابط التي بعضها يتعلق بالقيم التي ستواجه المرحلة الانتقالية مثل استراتجياتها وأهدافها السياسية، أولوياتها وبرامجها، وبعضها يتعلق بمبادئها وآليات تفيدها، فالإصلاح يستوجب استخدام آليات الثقافية وتعزيز المساءلة حيث يجب أن يكون للمواطنين دور في عملية صنع القرار، وتكون بصورة مباشرة، أو من خلال مؤسّسات وسطية شرعية تمثل مصالحهم، وتقوم هذه المشاركة على حرية التعبير والرأي وتعتمد على تنمية القدرات والمشاركة البناءة19.

إن الإصلاح السياسي عملية سياسية تتخذ وفق إجراءات دستورية وقانونية لتعزيز شرعية المؤسّسات السياسية، ويمثل مطلباً شعبياً يعكس التوجهات الحقيقية التي تسعى لدمقرطة الحياة السياسية.

2.  آليات الإصلاح السياسي: عكس تطور الحياة السياسية ضرورة هامة خصوصاً في الدول التي تواجه مشاكل في تسيير مؤسّساتها وتلبية مطالب شعبها، وهي ضرورة أيضا بالنسبة للدول الأخرى المواكبة للتطورات العالمية في كلتا الحالتين تقوم الأنظمة السياسة بالإصلاح السياسي لكي تعزز من شرعيتها وتضع قواعد للديمقراطية في تسيير شؤون مؤسّساتها المجتمعية. ولكي يضمن نجاح عملية الإصلاح السياسي يجب توفر مجموعة من الشروط لكي تكون عملية منظمة، فاعلة، ناجحة، ومثمرة، وهي كما يلي:

$1أ‌.     تحديد رؤية فكرية واضحة لعملية الإصلاح.

$1ب‌.  يحتاج الإصلاح السياسي أوضاع سياسية مناسبة، أي يجب على النظام السياسي أن ينتهز فرص الاستقرار.

$1ج‌.   ضرورة حصول المشروع السياسي الإصلاحي على دعم الأغلبية.

$1د‌.    التحديد الواضع لمجالات الإصلاح السياسي.

يتطلب الإصلاح السياسي آليات متعددة، فالإصلاح هو حالة عامة تقوم في كل دولة، تكون قائمة على تصحيح الخطأ أو تطوير الجيد، وبذلك الوصول إلى الوضع الذي أرادته الجماهير.

$1- تأكيد وجود ضمانات دستورية وقانونية و أخلاقية، تكفل حق الجميع بالمشاركة في صنع القرارات المتعلقة بشؤون حياتهم ومستقبلهم مع مراقبة تنفيذ هذه القرارات.

$1-إطلاق حرية الرأي والتغبير في المجتمع، باعتبارها حقا لكل مواطن وجزءا لا يتجزأ من مفهوم الحرية التي يقوم بها أي نظام ديمقراطي.

$1-الحرص على التصددية السياسية والفكرية مع احترام قيام الأحزاب التي تملك برامج إنمائية وتشجيعها، إضافة إلى الاعتراف بدور المؤسسات المجتمع المدني الأخرى المنتخبة بطريقة ديمقراطية، كالتنظيمات النقابية ومنظمات المجتمع المدني.

$1-الحرص على دور المرأة باعتبارها نصف المجتمع، وتفعيل ذلك عن طريق نظام الكوتا حق يتسنى لها طرح نفسها باعتبارها قادرة على المشاركة في صنع القرار.

$1-الاهتمام بدور الشباب على اعتبار أنهم يمثلون أساس المجتمع، من خلال بناء ثقتهم بأنفسهم وتوعيتهم بمسؤولياتهم المطلوبة، تجاه واقع بلادهم ومستقبلها20.

كما أن الإصلاح ليس مرهونا على جانب وترك الجوانب الأخرى، إنما يتوقف على قوة الغير ومبادرته في الإسهام بهذه العملية، ولجدية هذا الأمر تدرجهم في خمس قوى بهذا الشكل:

$1أ‌.   رؤساء الدول: يؤدي رؤساء الدول دورا محوريا وأساسيا في عملية الإصلاح إذا كانوا يملكون الإرادة السياسية، وهذا يتطلب تقليص سلطتهم وامتيازاتهم، لأن أي قرار أو خطوة إصلاحية لابد أن تمس بمصالح الآخرين فهو يحتاج إلى قاعدة استشارية واسعة لكي يستطيع أن يعمم الإصلاح السياسي.

$1ب‌.النخبة الحاكمة: لهذا العنصر أهمية في عملية الإصلاح السياسي كونها إحدى أهم الدوائر التي يتم فيها صياغة القرارات السياسية السياسات العليا و إعادة توجيه تلك السياسات في إطار من رؤيتها ومصالحها الخاصة21، وقد يكون الإصلاح السياسي بالنسبة لها كالانتحار لأنها ستواجه صعود نخبة سياسية جديدة، إذا لم تكن النخبة الحاكم ضمن قوى الإصلاح السياسي.

$1ج‌.مؤسسات المجتمع المدني: وهي مؤسسات طوعية تعمل في إطار النطاق العام، وهو يرتبط أساسا بظاهرة المدنية، ويتحدد بجملة مؤسساته المختلفة التي هي عبارة عن نقطة الالتقاء بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي22، فوجود المجتمع المدني في أي دولة يدل أن النظام السائد هو نظام ديمقراطي، وهذا يكون فضاءا ملائما للبدء بعملية الإصلاح إذا مارس المجتمع المدني وظائفه بشكل قوي، فهي الأكثر قدرة في الضغط على الحكومة لإجراء أنبر قدر ممكن من الإصلاحات.

$1د‌.  الأحزاب السياسية: تعتبر الأحزاب تنظيم اجتماعي دائم قائم على مبادئ أهداف مشتركة بهدف الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها أو التأثير فيها، ويضم مجموعة بشرية متجانسة في أفكارها ويمارس في مختلف النشاطات السياسية وفق البرنامج عام لتحقيق أهدافه وتوسيع قاعدته الشعبية على المستويات المحلية الوطنية الدولية23، وعليه فالحزب السياسي له دور كبير في عملية الإصلاح إن لم ينبع الإصلاح منه، فيمكن لأحزاب سياسية أن تتبنى في برنامجها مشروع سياسة إصلاحية خصوصا إذا كان يملك قاعدة شعبية عريضة تؤمن بمبادئه و إيديولوجياته كما يمكن أن تكون عقبة في وجه أي إصلاح سياسي لا يصب في مصلحتها.

$1ه‌.  نخب المجتمع: أدت هذه الطبقة أدوارا عديدة إلى حد كبير في عملية الإصلاح السياسي، التي تتكون من عناصر كل منها يحمل رؤيا خاصة كما تختلف مواقفها القائم والسياسات المتبعة، فبعضها مؤيد للوضع القائم، وآخر معارض يعمل على تغييره، أو بعض جوانبه، وهنا تقصد المثقفين الإصلاحيين وتساند الجماهير العريضة من المجتمع24.

وبذلك لابد من توافر الإصلاح كشرط ضروري للنهوض والإصلاح من النخبة أو المثقفون، فإرادة النهوض هي سعي لنقل الأمة من حالة إلى حالة، وتحتاج إلى تكتيل قوى النهوض وتياراتها ورموزها بعض النظر عن مواقعها السياسية وتوجهها الإيديولوجي وتباين نظرتها للأمور، ولن يتحقق ذلك إلى بسيادة لغة الحوار والتشاور، ونبذ لغة الإقصاء والنبذ25، فلتفعيل أي إصلاح يجب أن مختلف هذه الآليات  ليكون إصلاح سياسي إيجابي، وليس سلبي قد يعود بالضرر على المجتمع السياسي والمواطنين بصفة عامة.

يحدث الإصلاح السياسي نتيجة لعوامل ودوافع متعددة قد تبدأ من جهة أو فئة أو مجال معين ثم تتوسع وتتفرع حتى تصبح عامة، فالإصلاح السياسي الذي ينادي به المجتمع ويؤيده المجتمع السياسي يكون نابعاً من الكبت السياسي الذي تعرض المواطنين له، فالإصلاح قد يكون بتغير سياسات معينة أو وجوه معينة لعدم مواكبتها لمصلحة المواطن، وبذلك يجب على النخبة الحاكمة أن تستجيب للإصلاح السياسي الممنهج.

خاتمة:

تهدف التنمية الإنسانية لتحرير الناس من الفقر، ما يتطلب خلق مناخ الاقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي وقانوني، يسمح بتمكين الناس من تحقيق مبتغاهم. ويعتبر الحكم الجيد أحد الرؤى الحديثة بإعتبارها آلية سياسية كفيلة بإنتاج فاعلين متعددين ورؤى متعددة في المجتمع. ويتطلب الحكم الجيد توسط مختلف المصالح في المجتمع من أجل الوصول إلى توافق واسع بشأن ما يشكل مصلحة المشتركة لكل المجتمع وكيف يمكن تحقيقها.

كما يعمل الدستور في النظام السياسي وفقاً لأيديولوجية سياسية تعكس المبادئ والقيم التي يتبناها النظام السياسي وانعكاس تلك الإيديولوجية على صنع السياسات العامة من خلال علاقتها مع المجتمع ونوعية الثقافات السياسية التي يتبناها ذلك المجتمع وآلية عمل المؤسسات الرسمية وتطبيقها لأيديولوجية النظام السياسي .

الهوامش :

$11)   سعيد محمد الخطيب، العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في الأنظمة الدستورية العربية: (دراسة مقارنة)، بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية، 2008، ص 55.

$12)   مصطفى أبو زيد فهمي، مبادئ الأنظمة السياسية، مصر: دار المطبوعات الجامعية، 2009، ص 74.

$13)   رأفت دسوقي، هيمنة السلطة التنفيذية على أعمال البرلمان، مصر : منشأة المعارف 2002، ص 33.

$14)   محمد صبحي نجم، شرح قانون العقوبات الأردني، عمان: مكتبة دار الثقافة للنشر و التوزيع، 1991، ص 18.

$15)    وصال نجيب الغراوي، المرجع السابق، ص 41.

$16)   عصام علي الدبس، النظم السياسية السلطة التشريعية المؤسسة الدستورية الأولى، عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2011، ص 395.

$17)  عبد القادر رزيق المخادمي، الإصلاح الديمقراطي في الوطن العربي بين القرار الوطني والفوضى البناءة، ط1، القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، 2007، ص 92.

$18)   منى سعيد الحديدي و سلوى إمام علي، الإعلام والمجتمع، ط1، القاهرة: دار المصرية اللبنانية، 2004، ص 1600.

$19)   محمد إسماعيل صبري، ربيع محمد محمود، موسوعة العلوم السياسية، الكويت، جامعة الكويت، سنة 1999، ص 47.

$110)  إنصاف جميل الريفي، التحولات السياسية والاقتصادية في دول أوروبا الشرقية، الطبعة الأولى، عمان، دار الفكر للنشر و التوزيع، سنة 1995، ص 58.

$111)    بركات نظام وآخرون، مبادئ علم السياسية، الطبعة الأولى، عمان، درا الكرمل للنشر والتوزيع، سنة 1987، ص 265، ص 270.

$112)    محمد إسماعيل صبري، ربيع محمد محمود، المرجع السابق، ص 47، ص 48.

$113)    شفيق منير، في نظريات التغيير، الطبعة الثانية، بيروت، دار العرب للعلوم، سنة 2005، ص 57.

$114)    توفيق عبد الرحمن، التغيير، الطبعة الثانية، القاهرة، مركز الخبرات المهنية للإدارة، سنة 2008، ص 20.

$115)  صامويل هينجتون، الموجة الثالثة، التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة عبد الوهاب علوب، الكويت، دار سعاد الصباح، سنة 1999، ص 57.

$116)    محمد عابد جابر، المرجع السابق، ص 57.

$117)    أبراش إبراهيم، الثورة في العالم العربي كتتاح لفشل الديمقراطية الأبوية والموجهة، موقع المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات، ص 12.

$118)    عبد الوهاب وآخرون، الموسوعة السياسية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، سنة 1990، ص 206.

$119)    داود عماد صلاح عبد الرزاق، الفساد والإصلاح، دمشق، اتحاد كتاب العرب، سنة 2003، ص 28.

$120)    محمد مبارك حسين العجمي، المرجع السابق، ص 11.

$121)    إبراهيم محمد عزيز، المرجع السابق، ص62.

$122)  متروك الفالح، المجتمع المدني والديمقراطية والبلدان في الدول العربية، دارسة مقارنة لإشكالية المجتمع المدني في ضوء تريبي المدني، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، سنة 2002، ص 26.

$123)  عبد الغني يسيوني عبد الله، النظم السياسية النظرية العامة للدولة الحكومات، الحقوق والواجبات العامة، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة للنشر، سنة 2006، ص 298.

$124)    إبراهيم محمد عزيز، المرجع السابق، ص 66.

$125)    مصطفى كامل السيد، الإصلاح السياسي في الوطن العربي، القاهرة، مركز دراسات وبحوث الدولة، سنة 2006، ص 519.