نطاق مسؤولية المتدخلين في البناءpdf

في ضل قانون الترقية العقارية الجديد

أ . زرقاط عيسى

قسم الحقوق - جامعة ورقلة

ملخص :

يعتبر السكن الشغل الشاغل للمواطن في هذا الوقت ، لدا نجد أن الحكومة تبدل مجهودات كبيرة لمواجهة هذا المشكل نظرا لتزايد الإحتجاجات و وجود عجز كبير في الميدان ، لدا فإن وزارة السكن كممثل للدولة أوجدت العديد من الصيغ و أعلنت في الست (6) سنوات الماضية أنها ستوفر حوالي مليون سكن بكافة الصيغ ، و أمام هذا العدد الضخم من السكنات التي ستنجز في ظرف قياسي ، فإنه سيكون لزاما تشديد الرقابة على أعمال البناء و من تم تحديد مسؤولية كل الأطراف المتدخلة في عملية توفير تلك السكنات ، و ما يهمنا في هذا البحث هو مسؤولية المرقي ، المقاول و المهندس المعماري و كل متدخل في عملية البناء ، و هذا يجرنا إلى طرح الإشكالية التالية : ما مدى فاعلية النظام القانوني لمسؤولية المتدخلين في البناء ؟ .

و قد أجبنا عن هذه الإشكالية و وصلنا أن هذا النظام القانوني ما يزال عاجرزا عن حماية المالكين.

Résumé:

Le logement est la principale préoccupation des citoyens à ce moment. Ainsi, le gouvernement a lancé un grand effort pour faire face à ce problème en raison de l'augmentation des protestations et l'important déficit dans le domaine. Ainsi, le Ministère du logement comme, un représentant de l'Etat, a créé de nombreux formats et a annoncé que, dans les six (6) ans passé, il fournira environ un million de maisons à l'aide de toutes les formules. Et en face de cette énorme besoin de maisons qui seront achevés au nombre record de temps, il devra renforcer le contrôle sur le travail de construction et qui ont été de déterminer la responsabilité de toutes les parties intervenant dans le processus de prestation de ces besoins. Ce qui nous intéresse dans cette recherche est de la responsabilité des promoteurs, l'entrepreneur et l'architecte et tout intervenant dans le processus de construction, ce qui nous amène à poser le problème suivant: Quelle est l'efficacité de ce système pour gouverner les participants dans la construction?

Nous avons eu ce probleme et nous avons obtenu que ce système est encore faible pour protéger les propriétaires.

Abstract :

The housing is the main concern of the citizens at this time. Thus, the government has launched great effort to face this problem due to the increasing of protests and the large deficit in the field. So, the Ministry of housing as ,a representative of the state, has created many formats and announced that in the six (6) years past it will provide about one million houses using all the formulas. And in front of this huge need for houses that will be completed in record time number, it will have to tighten the control over the construction work and who have been determining the responsibility of all intervening parties in the process of providing those needs. What concerns us in this research is the responsibility of  promoters, the contractor and the architect and all intervening in the construction process, and this leads us to ask the following problem: What is the effectiveness of this system to rule the participants in the construction?

We have had this probleme and we got that this system is still weak to protect the owners.

                                                                                                  

مقدمة :

عرف البناء تطورا متسارعا مند إكتشاف الإسمنت منتصف القانون الثامن عشرة (18) ، و من ثم كان لازما على المشرعين التدخل لحماية الأشخاص و ممتلكاتهم ، و كان تدخل المشرعين عن طريق فكرة المسؤولية و التي تعرف بأنها " إخلال بإلتزام قانوني أو تعاقدي سابق" (1) ، و قد نظم المشرع هذه المسؤولية بمبدأ عام و هو نص المادة 124 ق م و ما يليها أو ضمن النصوص الخاصة .

و قد ظهرت المسؤولية عن الأشياء في وقت متأخر مقارنة بالمسؤولية عن الفعل الشخصي أو عن فعل الغير ، و المسؤولية عن الأشياء ليست صنفا واحد و إنما تتعدد وفقا لتعدد الأشياء(2) ، و ما يهمنا في هذه الدراسة من الأشياء ، البناء فقط ، فالمسؤولية عن البناء تنقسم إلى النوعين ، مسؤولية مالك أو حائز البناء في مواجهة الغير ، و هذه المسؤولية عادة ما تكون مسؤولية تقصيرية سواء تهدم البناء بسبب الحريق أو بأي سبب آخر وهذا النوع من المسؤولية يخرج عن الدراسة التي نحن بصددها ، أما النوع الثاني فهو مسؤولية مشيد البناء في مواجهة المالك أو الحائز ، و هذا النوع هو الذي يدخل ضمن الدراسة التي نحن بصددها ، و نشير إلى أن هذه المسؤولية عادة ما تكون عقدية لإرتباط مشيد البناء بالمالك بعقد .

يعرف البناء بأنه " كل شيء متماسك يصنعه الإنسان و يتصل بالأرض إتصالا قارا "(3).

يتضح من التعريف السابق أن كل شيء متماسك متصل بالأرض إتصالا قارا فهو بناء  و من ثم فلا يهم المواد المشكل منها هذا البناء فقد يكون بالحجارة و الإسمنت أو الطين أو يكون البناء من خشب ... إلخ بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون ذلك الشيء المتماسك متصلا بالأرض إتصالا قارا ، وكل ما صدق عليه ذلك الوصف فهو بناء يكون كل شخص قام بتشييده أو ساعد على تشييده مسؤولا عن تهدمه .

عالج المشرع هذه المسؤولية بنصوص عامة تتمثل في نص المواد 554 ، 555 و 556 ق م ، و من خلال ذلك النظام القانوني نجد أن أساس مسؤولية مشيد البناء قائمة على أساس الخطأ المفترض الذي لا يقبل إثبات العكس إلا عن طريق إثبات أن التهدم كان بسبب أجنبي لا دخل للمشيد أو المساعد فيه  ، لكنه و بالرجوع إلى الواقع العملي فقد لاحظ المشرعون أن هذا النظام القانوني فيه ظلم للمالك لأنه في أغلب الأحيان يكون المالك ليس بخبير في البناء أي ليس بناء أو مهندسا أو فنيا في ميدان البناء ، و إنما يكون قد عهد بتشييد ذلك البناء إلى الغير أي عهد بتشييد ذلك البناء إلى مقاول أو مرقي عقاري في غالب الأحيان ، و أن هذا النظام القانوني عاجز عن ملاحقة الأشخاص المتدخلين في البناء خصوصا أن الوقت الحاضر عرف تطورا في مجال البناء من حيث العمارة والفن ، و ظهرت مهن جديدة منها عقد المقاولة و الهندسة المعمارية و الهندسة المدنية مهنة المرقي العقاري ...إلخ  ، بالإضافة إلى أن السكن يعتبر الشغل الشاغل للمواطن في هذا الوقت ، لدا نجد أن الحكومة تبدل مجهودات كبيرة لمواجهة هذا المشكل نظرا لتزايد الإحتجاجات و وجود عجز كبير في الميدان  و ترتب عن ذلك أن قامت وزارة السكن كممثل للدولة بمجهودات و أوجدت العديد من الصيغ إنجاز السكنات و أعلنت في الست (06) سنوات الماضية أنها ستوفر حوالي مليون سكن بكافة الصيغ ، و أمام هذا العدد الضخم من السكنات التي ستنجز في ظرف قياسي ، فإنه سيكون لزاما تشديد الرقابة على أعمال البناء و من تم تحديد مسؤولية كل الأطراف المتدخلة في عملية توفير تلك السكنات(4) ، و من تم فقد كان لزما على المشرع و التشريعات المقارنة من قبله مسايرة تلك الأوضاع و توفير أكبر حماية للمتضررين من تهدم البناءات ، و بالنظر إلى الواقع نجد أن المتدخلين في عملية البناء سواء مقاولين ، مرقين ، مهندسين معماريين و أصحاب المخابر المختلفة و الين عادة ما يكونون مرتبطين بعقود مع مالك البناء .

و كل ذلك يجرنا إلى طرح الإشكالية التالية : ما مـدى فاعلية النظام القانوني لمسؤولية المتدخلين في البناء في الجزائر ؟ .

و للإجابة على هذه الإشكالية نقترح الخطة التالية  :

المبحث الأول : نطاق مسؤولية المتدخلين في البناء من حيث الأشخاص 

المطلب الأول : الأشخاص المذكورون في المادة وفقا للمادة 554 ق م

المطلب الثاني : الأشخاص المذكورون بموجب نصوص خاصة

المبحث الثاني : نطاق مسؤولية المتدخلين في البناء من حيث الموضوع 

المطلب الأول : الأعمال الخاضعة للضمان

المطلب الثاني : العيوب التي توجب الضمان

المبحث الثالث : نطاق مسؤولية المتدخلين في البناء من حيث الزمان  

المطلب الأول : أساس مسؤولية المتدخلين في البناء

المطلب الثاني : حساب مدة الضمان

المبحث الأول : نطاق مسؤولية المتدخلين في البناء من حيث الأشخاص : حدد المشرع الأشخاص المسؤولون عن تهدم البناء في نصوص متفرقة ، فقد أورد بعضهم في الشريعة العامة ( القانون المدني) و آخرون بموجب نصوص خاصة ، و على أساس هذا التقسيم سنقوم بدراسة هؤلاء الأشخاص ، بحيث نخصص المطلب الأول للأشخاص المذكورين في المادة 554 ق م أما الأشخاص المذكورون في نصوص خاصة فنقوم بدراستهم في المطلب الثاني 

المطلب الأول : الأشخاص المذكورون في المادة 554 ق م : مسايرة للتشريع الفرنسي و المصري فإن الأشخاص المسؤولون عن الضمان و المذكورون في نصوص الشريعة العامة هما المهندس المعماري و المقاول و سنخصص لدراسة كل منهما فرع ، الأول نخصصه للمهندس المعماري و الثاني للمقاول .

الفــرع الأول : المهندس المعماري : لم يعرف المشرع المهندس المعماري و إنما قام و من خلال المادة 02 من المرسوم التشريعي 94/07 بتعريف الهندسة المعمارية بأنها " الهندسة المعمارية هي التعبير عن مجموعة من المعارف و المهارات المجتمعة في فن البناء كما هي إنبعاث لثقافة ما و ترجمة لها " (5).

أما الفقه فقد عرفه " ذلك الشخص الحاصل على مؤهل هندسي في هندسة المعمار يؤهله لأن يضع التصميمات و الخرائط و الرسومات و النماذج و يقدر الأبعاد و القياسات المختلفة للمنشآت و الأبنية المراد إقامتها و يشرف على تنفيذها " (6).

و هناك من عرفه بأنه " ذلك الشخص الذي يعهد إليه وضع التصاميم و الرسوم و النماذج لإقامة المنشآت و قد يعهد إليه إدارة العمل و الإشراف على تنفيذه و مراجعة حسابات المقاول و التصديق عليها وصرف المبالغ المستحقة إليه ، و لا يشترط في المهندس المعماري أن يكون حاملا مؤهلا فنيا في هندسة المعمار مادام الشخص يقوم بمهمة المهندس فهو ملزم بالضمان "(7). .

و يتضح من نص المادة أن المهندس المعماري هو كل شخص حاصل على المؤهلات الواردة في المادة 17 من المرسوم التشريعي و يمارس الأعمال الواردة في المادة 02 المذكورة أعلاه ، أو هو ذلك الشخص الطبيعي المتميز بمكانته الذهنية و قدرته على الإبتكار و الإبداع في تصميم البنايات ، وأن يتدخل في عملية البناء بتكليف من المالك أو من في حكمه و بغض النظر عن طريقه ممارسته لمهنته سواء مارس المهنة على أساس فردي في شكل مهنة حرة أو بصفته شريك أو أجير ، المهم أن له تلك الصفة  .

و يلعب المهندس المعماري دورا مهما في إعطاء الوجه الجمالي للمسكن و من ثم البناء المعماري للبلدية أو الولاية أو الدولة بصفة عامة ، لدا فقد صدرت العديد من التشريعات التي تحدد مهامه(8) ، و من أهم الإلتزامات الملقاة على عاتق المهندس المعماري نذكر ما يلي :

$1-       وضع التصاميم والرسم الهندسي و مقاسات البناء

$1-       إعداد دفاتر الشروط والأعباء والتي تكون العلاقة بين رب العمل و المقاول

$1-       التحقق من كشوف الحسابات التي يعدها المقاولون

$1-       مراقبة المقاول في أعمال البناء .

$1-       مشاركة صاحب المشروع في تسلم المشاريع المعهود إليه مراقبتها .

الفــرع الثاني : المقاول : لم يعرف المشرع المقاول و إنما قام و من خلال المادة 549 ق م بتعريف المقاولة بأنها " عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئا أو أن يؤدي عملا مقابل أجر يتعهد به المتعاقد الآخر " .

أما الفقه فقد عرفه بأنه " ذلك الشخص الذي يعهد إليه بتشييد المباني و إقامة المنشآت الثابتة الأخرى و يستوي أن تكون المواد التي أقام بها المنشآت قد أحضرها من عنده أو قدمها له رب العمل "

و هناك من عرفه بأنه " ذلك الشخص الذي يناط به تنفيذ محتوى عقد المقاولة وفقا للتصاميم و النماذج   و الرسوم الموضوعة من قبل المهندس المعماري أو رب العمل بما يتضمنه هذا التنفيذ من إدارة تقتضيها أعمال و حراسة المواد و الأدوات المسلمة له للقيام بهذا التنفيذ ومن تنبيه و إرشاد لرب العمل أ, المهندس المعماري إلى الأخطار التي يكتشفها "(9). .

من خلال التعاريف السابقة يتبين أن للمقاول أعمال يجب القيام بها ، و هذه الأعمال نوجزها فيما يلي :

$1-   إنجاز العمل : هو أهم إلتزام ملقى على عاتق المقاول بل هو الإلتزام الرئيسي ، وهذا الإلتزام ينطوي على واجبات بحيث يجب عليه بدل العناية و الجهد في الإنجاز سواء كانت المواد التي يشيد بها البناء أحضرها من عند رب العمل أو قام هو بتوريدها ، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يقوم بتشييد المباني بالطريقة المتفق عليها في عقد المقاولة و أن يأخذ بإرشادات رب العمل و المهندس المعماري و أن يستشيرهما في كل شيء يعترض سبيله من أجل إنجاز العمل .

و نشير أن هذا الإلتزام هو إلتزام بتحقيق نتيجة وليس إلتزام ببدل عناية ، فإذا تسلم المقاول أمر ببدء الأشغال فيجب أن يقوم بتنفيذ الأشغال المعهود إليه القيام بها تحت طائلة العقوبات المقررة قانونا أو إتفاقا.

$1-   تسليم العمل : إذا إنتهت المدة المحددة لإنجاز المشروع فيجب على المقاول تسليم المشروع إلى صاحبه و وفق المعايير المتفق عليها ، بحيث يستطيع رب العمل أن ينتفع بذلك المبنى ، و نشير إلى أن التسليم عادة ما يكون تسليما ماديا لا حكميا ، ويهدف التسليم إلى تمكين رب العمل من مراقبة عمل المقاول و كذا المهندس المعماري و مدى مطابقة البناء إلى المواصفات التي أوجب على المقاول القيام بها .

$1-   الإلتزام بالضمان : ويشمل هذا الإلتزام على نوعين من الضمان ، الأول هو الضمان السنوي (يقدر بسنة من تاريخ التسليم ) و هذه المدة تحسب من تاريخ التسليم المؤقت ، و النوع الثاني هو الضمان العشري الذي نحن بصدد بدراسته و يبدأ حسابه من تاريخ التسليم النهائي .

و كل ما تطرقنا إليه يسري على من قام بالعمل ، و يستوي في ذلك أن يكون العمل قام به مقاول واحد أو عدة مقاولين ، لكن كل مقاول يسأل على حدى إلا إذا كان تنفيذ العمل يتطلب إشتراك كل المقاولين في العمل ، فمثلا إذا كان مقاول قد عهد إليه بتنفيذ أشغال الأساسات فلا يسأل عن باقي البناء أو عن أعمال الكهرباء أو المياه ...إلخ .

و نشير إلى أن المقاول من الباطن و وفقا للفقرة 03 من المادة 554 ق م لا يخضع لأحكام المسؤولية العشرية و إنما يخضع لأحكام المسؤولية العقدية من الباطن حيث تنص " و لا تسري أحكام هذه المادة على ما يكون للمقاول من حق الرجوع على المقاولين الفرعيين " .

المطلب الثاني : الأشخاص المذكورين بموجب نصوص خاصة : نظرا للتطور الكبير لمشاريع السكن في العالم و خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين ( 20 م ) ، فقد كان لزاما مسايرة ذلك التطور عن طريق توفير أكبر حماية و التشدد في عملية تشييد المباني نظرا للأضرار التي تسببها في حالة تهدمها و إنهيارها  و بالإطلاع على النصوص الصادرة مند سنة 1962 نجد أن المشرع و نظرا لعجز النظام التقليدي و تطور فن البناء و العمارة و ظهور مهن أخرى ، فقد سعى إلى إيجاد أشخاص آخرين يتحملون المسؤولية في حالة تهدم البناء ، وسنعالج هؤلاء الأشخاص تبعا لظهورهم في الميدان:

الفــرع الأول : هيئة المراقبة التقنية للبناء : أوجد المشرع هذه الهيئة لأول مرة سنة 1971 بموجب الأمر 71/85 الصادر بتاريخ 29/12/1971 ، لكنه أدخل تعديلات على هيكلة هذه الهيئة دون المساس بأهم إختصاصاتها سنة 1986 و من خلال نص المادة 03 من المرسوم 86/205 نجد أن مهمة تلك الهيئة تتمثل في ما يلي :

$1-       مراجعة التصاميم ، إذ لا يمكن الشروع في أي عمل ناتج عن صفقة عمومية إلا بموافقة الهيئة على كل التصاميم المراد تنفيذها في الميدان .

$1-   المراقبة المستمرة للأعمال خلال عملية التنفيذ و على وجه الخصوص قبول الأرض التي ستقام عليها أساسات المبنى بعد الحفر و الإسمنت المسلح .

$1-       مراقبة كل أنواع البنايات للتأكد من ثبات بنائها و ديموميته و أسسه و صلاحياته . 

$1-   دراسة جميع التراتيب التقنية التي تتضمنها المشاريع دراسة نقدية ، لاسيما رقابة تصميم الأعمال الكبرى و العناصر التي ترتبط بها للتأكد من مطابقتها لقواعد البناء و مقاييسه .

و قد وسع المشرع  إختصاصات هذه الهيئة مقارنة بالأمر الصادر سنة 1971 بأنها منحها الحق في مراقبة جودة المواد المعدة للبناء و لها أن تتدخل في ضبط المقاييس والبحث وأساليب تقنيات الإنجاز .

ونلاحظ أن المشرع لم يحدد الجزاء المترتب عن الإخلال بالإلتزامات الملقاة على عاتقها ، و من تم فتكون المسؤولية في حالة تهدم البناء مسؤولية عقدية تخضع للقواعد العامة ، و إن كان المشرع و من خلال الأمر 95/07 المتضمن قانون التأمينات أشار بصفة غير مباشرة أن المراقبين التقنيين تكون مسؤوليتهم عشرية و ذلك لأنه ألزمهم بإكتتاب تأمين عن مسؤوليتهم العشرية ، حيث تنص المادة 178 من الأمر 95/07 " يجب على المهندسين المعماريين و المقاولين وكذا المراقبين التقنيين إكتتاب عقد لتأمين مسؤوليتهم العشرية المنصوص عليها في المادة 554 ق م ... "

الفــرع الثاني : مخبر الأشغال العمومية : أوجد المشرع هذه الهيئة بموجب الأمر 68/381 الصادر بتاريخ 03/06/1968 تحت مسمى المختبر الوطني للأشغال العمومية و البناء(12) و هذا الأمر تم إلغاؤه بموجب عدة مراسيم تنفيذية صادرة سنة 1983 و من خلال المادة 02 منه نجد أن مهمة هذا المختبر القيام بجميع الأبحاث والتجارب و المراقبات المتعلقة بالمواد المستعملة في الأشغال العمومية و البناء و بإستقرار تلك المنشآت و البناءات و أسسها ، و من أهم إختصاصات هذه الهيئة نذكر :

$1-       دراسة مواد و وسائل البناء .

$1-       إجراء التجارب و المراقبات المتعلقة بهذه المواد و بالمنشآت التي تدخل هذه المواد في تكوينها.

$1-       الدراسات المتعلقة بالأراضي و اللازمة لتحقيق إستقرار البناءات و تحديد أسسها

و لكن المشرع و على عكس هيئة المراقبة التقنية للبناء لم يضع المشرع في وضعية إحتكارية إذ أجاز له الإستعانة و بصفة إستثنائية بمقاولين يقومون لحسابه بإنجاز العمليات الموكلة له إذا لم تتوفر لديه الوسائل اللازمة لإتمام الأشغال المسندة إليه لكن تحت مسؤوليته .

و بعد إلغاء هذا الأمر بموجب عدة مراسيم(13) أبقى التشريع الجديد نفس الصلاحيات للمخبر ، حيث تنص المادة 02 من المرسوم التنفيذي رقم 83/182 " ... القيام بجميع الأبحاث التطبيقية و الدراسات و التحاليل و التجارب و المراقبات المتعلقة بالمواد المستعملة في الأشغال العمومية و في البناء الذي يدخل في هذا المجال  و كذا العمل على إقامة المنشآت الكبرى و المباني و أسسها ... "

و قد قام المشرع بتقسيم المختبر هيكليا إلى مختبر وطني بموجب المرسوم التنفيذي 83/182 و إلى أربع (04) مخابر جهوية بموجب المراسيم 83/183 (الشرق) المرسوم التنفيذي 83/184 (الوسط) المرسوم التنفيذي 83/185 ( الغرب) المرسوم التنفيذي 83/186 (الجنوب)  . 

 الفــرع الثالث : المرقين العقاريين : ظهرت هذه المهنة بصدور القانون(14) رقم 86/07 المؤرخ في 04/03/1986 ، لكن تسميتها كانت تحت مسمى المكتتب ، و المكتتب هو كل شخص يساهم حسب الحاجات في مجال السكن ، في بناء عمارات أو مجموعات تستعمل في السكن أساسا و يمكن أن يمتد بصفة ثانوية البناء إلى المحلات ذات الطابع المهني و التجاري .

و يجب أن يلتزم المكتتب في سبيل القيام بمهمته بكل ما هو ضروري لإنجازها ، و يعتبر المكتتب بائعا و ليس مقاولا .

أما من حيث مسؤوليته فوفقا للمادة 41 من القانون 86/07 فإنها تمتد لمدة عشر ( 10 ) سنوات إبتداء من تسليم شهادة المطابقة

و قد تم إلغاء هذا القانون بموجب المرسوم التشريعي رقم 93/03 المتعلق بالنشاط العقاري(15)         و بالرجوع للمادة 02 من المرسوم التشريعي 93/03 فإن المرقي العقاري هو كل شخص يساهم في إنجاز أو تجديد الأملاك العقارية المخصصة للبيع أو الإيجار أو تلبية حاجات خاصة و يمكن أن تكون الأملاك العقارية المعنية مخصصة للإستعمال السكني أو لإيواء نشاط حرفي أو صناعي أو تجاري

أما من حيث المسؤولية فإنه و بالرجوع للفقرة 02 من المادة 08 فإن المرقي العقاري لا يخضع للمسؤولية العشرية ، و إنما وضع المشرع المرقي العقاري في مركز صاحب المشروع بحيث يكون له الحق في إجبار المهندسين المعماريين و المقاولين على إكتتاب تأمين المسؤولية العشرية ، فإذا لم يطلب المرقي العقاري من إكتتاب تأمين فإنه هو من يتحمل المسؤولية العشرية وفقا للفقرة 04 من المادة 08 المذكورة أعلاه ، و بالرجوع إلى المادة 14 من المرسوم التشريعي المذكور 93/03 أعلاه نجد أن النص غامض و يهدم المادة 08 المذكورة أعلاه و لا يوضح هل أن المسؤولية المدنية تسقط بمرور مدة سنة أما يجب الرجوع للقواعد العامة حيث تنص " ... غير أنه ليس لحيازة الملكية و شهادة المطابقة أثر إعفائي من المسؤولية المدنية المستحقة ولا ضمان حسن الإنجاز المنشأة التي يلتزم بها المتعامل في الترقية العقارية خلال أجل سنة "

و في تطور لاحق فقد ألغى المشرع المرسوم التشريعي بالقانون الصادر بتاريخ 17/02/2011 تحت رقم 11/04 ، و قد كان هذا القانون واضحا أفضل من المرسوم التشريعي ن و ذلك في مسألتين:

$1-       من خلال المادة 26 وضح المشرع أن المرقي العقاري يتحمل المسؤولية المدنية خلال عشر (10) سنوات بالرغم من تسليم شهادة المطابقة

$1-   وسع المشرع من نطاق المسؤولية العشرية لكل متدخل في عملية البناء حيث نصت المادة 46 من القانون 11/04 " تقع المسؤولية العشرية على عاتق مكاتب الدراسات و المقاولين و المتدخلين الآخرين الذين لهم صلة بصاحب المشروع من خلال عقد ..." و نرى أن  المقصود من هؤلاء المتدخلين هم هيئات رقابة البناء سواء كانوا مؤسسات عمومية أو خواص ( المهندسين المدنيين ) و كذا الهيئات المكلفة بدراسة نوعية التربة و المقصود مخابر الأشغال العمومية بالإضافة إلى المقاولين من الباطن إذا تم التنازل لهم عن جزء من المشروع بموافقة صاحب المشروع وفقا للمادة 107 من المرسوم الرئاسي رقم 10/236 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية المعدل و المتمم .

 المبحث الثاني : نطاق مسؤولية المتدخلين في البناء من حيث الموضوع : تنص المادة 554 ق م على " ... يضمن المهندس المعماري و المقاول .... من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبان أو أقامه من منشآت ثابتة أخرى و لو كان التهدم ناشئا عن عيب في الأرض و يشمل لضمان المنصوص عليه في الفقرة السابقة ما يوجد في المباني و المنشآت من عيوب يترتب عليها تهديد متانة البناء و سلامته "

كما تنص المادة 46 من القانون 11/04 المتعلق بالترقية العقارية " تقع المسؤولية العشرية على عاتق مكاتب الدراسات و المقاولين و المتدخلين الآخرين الذين لهم صلة بصاحب المشروع من خلال عقد ، في حالة زوال البناية أو جزء منها جراء عيوب في البناء بما في ذلك جراء النوعية الرديئة لأرضية الأساس "

يتضح من النصين السابقين أن المشرع حدد الأعمال التي تنشئ المسؤولية العشرية وكذا العيوب التي توجب الضمان ، و هذا ما سنعالجه في المطلبين التاليين .

المطلب الأول : الأعمال الخاضعة للضمان : حدد المشرع بموجب النصين المذكورين أعلاه الأعمال الخاضعة للضمان و التي يقوم بها المهندس أو المقاول و بصفة عامة كل متدخل في عملية البناء ، و هذه الأعمال هي إما تشييد المباني أو المنشآت الثابتة الأخرى .

الفــرع الأول : تشييد المباني : يقصد بالمباني " كل ما يرتفع فوق سطح الأرض من منشآت ثابتة من صنع الإنسان أيا كانت المواد المصنوعة منها " .

و يعرفها الفقه الفرنسي بأنها " تلك الأشغال التي يكون محلها إنجاز منشآت على سطح الأرض     أو تعديلها بحيث يكون الإنسان قادرا على الحركة بداخلها ، و أن تكون من شأنها أن توفر له الحماية ضد إعتداءات عوامل الطبيعة الخارجية و لو بصفة جزئية "(16). .

أما المشرع فقد عرفها في المادة 21 من القرار الوزاري المشترك الصادر في 15/05/1988 بأنها " كل أشغال الأساسات و الهياكل الفوقية و الأسوار و الأسقف " (17)

و ما يمكن ملاحظته على المشرع أنه لم يورد تعريفا للبناء بمعناه الفني و أنما قام بحصر أعمال البناء التي تخضع لأحكام المسؤولية العشرية  .

و نشير إلى أن تشييد المباني لا يقصد به المنشآت المبنية فوق الأرض بل يمتد ليشمل كذلك المنشآت التي تقام تحت الأرض و ما أكثرها في هذا العصر كالمخابئ و الأنفاق ...إلخ بالإضافة إلى أن المشرع لم يشترط في تشييد المباني نوع المواد المصنوعة منها فقد تكون بالحديد و الإسمنت أو من الفولاذ أو الخشب أو أية مادة تصلح للبناء .

و قد طرح تساؤل في الفقه حول مدى خضوع أجراء البناء لأحكام المسؤولية العشرية ؟ أو بعبارة أخرى هل يتسع نطاق المسؤولية ليشمل ترميم المباني و تدعيم الأسس و التعلية ...إلخ .

من خلال النظام القانوني لأدوات التعمير في القانون يمكن أن نستخلص أن كل الأعمال المذكورة (ترميم المباني ، تدعيم الأسس و التعلية ...إلخ ) يشملها نطق المسؤولية العشرية ، حيث تنص الفقرة 01 من المادة 52 من القانون 90/25 المتعلق بالهيئة و التعمير على " تشترط رخصة البناء من أجل تشييد البنايات الجديد مهما كان إستعمالها ، و لتمديد البنايات الموجودة و لتغيير البناء التي يمس الحيطان الضخمة أو الواجهات المفضية إلى الساحات العمومية لإنجاز جدار صلب للتدعيم أو التسييج " ، و هذا ما تؤكده كذلك المادة 41 من المرسوم التنفيذي رقم 15/19 المتضمن كيفيات تحضير عقود التعمير و تسليمها المؤرخ في 25/01/2015 و الذي ألغى المرسوم التنفيذي رقم 91/176 المتضمن كيفيات تحضير شهادة التعمير و رخصة التجزئة و شهادة التقسيم و رخصة البناء و شهادة المطابقة و رخصة الهدم و تسليم ذلك المعدل و المتمم .

الفــرع الثاني : المنشآت الثابتة الأخرى : يعتبر إدراج المشرع لهذا النوع من المنشآت توسيعا منه لنطاق المسؤولية ، لكن لا المشرع و لا التشريعات المقارنة قامت بتعريف المنشآت الثابتة الأخرى ، مما حدى بالفقه إلى تعريفها بأنها " كل عمل أقامته يد الإنسان في حيز ثابت من الأرض متصلا به إتصالا قارا عن طريق الربط بين مجموعة من المواد أيا كان نوعها ربطا غير قابل للفك بحيث ييسر على الإنسان سبل إنتقاله أو سبيل معاشه" .

يتضح من التعريف السابق أن المقصود بالمنشآت الثابتة هي كل عمل يقيمه الإنسان بحيز ثابت في الأرض من أجل تيسير الحياة و ليس من أجل إيوائه أو إيواء الأشياء و الحيوانات ، و من تم فإن البناء المنشآت الثابتة هي شأنها في شأن البناء تقام بحيز ثابت في الأرض أي أنهما يشتبهان في كونهما عقار ، لــكن يختلفان من حيث الوظيفة فالبناء وظيفته مخصصة إيواء الإنسان أو الحيوان أو الأشياء أما المنشآت الثابتة فمهمتها تيسير سبل معاش الإنسان أو إنتقاله مثل الجسور ، السدود و الأنفاق ...إلخ .

المطلب الثاني : العيوب التي توجب الضمان : وفقا للمادتين  554 ق م و المادة 46 من القانون 11/04 المذكور أعلاه ، فإنه يمكن تقسيم العيوب التي توجب الضمان إلى عيوب ترجع أو تلقى على عاتق المقاول و أخرى على عاتق المهندس و أخرى تعود إلى أمور طبيعية .

الفــرع الأول : العيوب المتعلقة بالأرضية   : تنص المادة 554 ق م " ... و لو كان التهدم ناشئا عن عيب في الأرض ..."  ، كما تنص المادة 46 من القانون 11/04 "... بما في ذلك جراء النوعية الرديئة لأرضية الأساس "

يقصد بالأرض ذلك المسطح المساحي الذي يعتبر الركيزة المادية التي يقوم عليها البناء أو المنشآت الثابتة الأخرى و يتصل بها إتصالا قارا .

يتضح من التعريف السابق للأرض أن الدراسة الفنية هي أول إجراء يجب القيام به قبل الشروع في بناء المشروع ( بناء أو منشآت ثابتة أخرى ) ، و هذه المهمة ملقاة على عاتق المهندس المعماري و مخبر الأشغال العمومية للبناء(18) ، و يترتب عن ذلك أنه يجب على كل هيئة و قبل طرح مسابقة للهندسة المعمارية للمشروع  التعاقد مع مخبر الأشغال العمومية أو المخابر الخاصة لدراسة الأرضية ، و من ثم فإنها تتحمل كل مسؤولية ناتجة عن الدراسة الخاطئة ، و رغم الأهمية الكبرى التي يلعبها المخبر في دراسة الأرضية إلا أن المشرع لم يشر إلى تحميله المسؤولية في كل النصوص العامة و إن كان تدارك الأمر في النصوص التنظيمية الخاصة .

الفــرع الثاني : العيوب الناتجة عن التصاميم : تعتبر الهندسة المعمارية واجب أصيل يتمتع به المهندس المعماري طبقا للمادة 02 من المرسوم التشريعي 94/07 المتعلق بالهندسة المعمارية ، لدا فإن كل العيوب المتعلقة بالتصاميم و التي تؤدي إلى تهدم البناء كليا أو جزئيا يتحملها المهندس المعماري و لو كان هذا المهندس تابعا في عمله أي يمارس عمله بصفته أجير(19) . و بخصوص مسؤولية المهندس المعماري و نطاق مسؤوليته نفرق بين وضعين :

الأول : يكون المهندس المعماري مسؤولا عن كل العيوب سواء كانت ناتجة عن عيوب الأرض أو ناتجة عن تصاميم خاطئة إذا كان تدخله لا يتوقف على وضع التصاميم فقط بل و يشرف على العمل كذلك  و هذا هو الأصل .

الثاني : أما إذا كان دور المهندس المعماري يقتصر على وضع التصاميم فقط و دون أن يكلف بالإشراف على تنفيذ العمل ، فإن مسؤوليته تنحصر فقط في العيوب التي تأتي من التصاميم فقط ، و لا يسأل عن التهدم الكلي أو الجزئي الناتج عن عيوب الأرض ، و هذا ما تؤكده المادة 555 ق م " إذا إقتصر دور المهندس المعماري على وضع التصاميم دون أن يكلف بالرقابة على التنفيذ لم يكن مسؤولا إلا عن العيوب التي أتت من التصميم .

و قد طرح تساؤل في الفقه حول مدى مسؤولية المقاول عن العيوب التي تأتي من التصميم ، هل يكن متضامنا مع المهندس المعماري أم ؟ .

وفقا لأحكام المادة 554 ق م فإن المقاول و المهندس المعماري يكونان متضامنين في هذه الحالة ، و إذا أراد المقاول التخلص من مسؤوليته فما عليه – في حالة إكتشاف أخطأ في التصميم – إلا إخبار رب العمل و المهندس المعماري و لا يمكنه مواصلة العمل حتى يتم تعديل التصاميم .

الفــرع الثالث : العيوب الناتجة عن المواد المستعملة : إن فساد المواد المستعملة في البناء أو تعيبها لا يؤثر في مسؤولية كل من المقاول و المهندس المعماري بإعتبار أنهما شخصان محترفان يسهل عليهما تبين هل أن المواد المستعملة تصلح للبناء أم ؟ سواء قدمت تلك المواد من قبل رب العمل أو من قبل المقاول ، و إن كان الأمر يختلف من حيث تقدير التعويض فقط ، أي أن القاضي إذا تبين له من وثائق الدعوى أن المواد قدمها رب العمل فإن التعويض يكون أقل أو يعفى منه المقاول و المهندس المعماري على العكس من الحالة التي يكون فيها المقاول هو الذي قدم تلك المواد .

الفــرع الرابع : العيوب الناتجة عن سؤ التنفيذ : يكون في هذه الحالة كل من المقاول و المهندس المعماري و المرقي العقاري مسؤولان و بالتضامن في مواجهة رب العمل أو مالك البناء عن كل العيوب الناتجة عن سوء التنفيذ ، لأنه من العادة أن يقوم المقاول بتنفيذ العمل تحت إشراف و رقابة كل من المرقي العقاري و المهندس المعماري ، لكن إذا كان دور المهندس المعماري متوقف على وضع التصاميم فقط دون متابعة الأشغال فإن المقاول و المرقي العقاري و باقي المتدخلين الآخرين هم المسؤولين عن العيوب الناتجة عن سوء التنفيذ و التي تؤدي إلى تهدم البناء كليا أو جزئيا

المبحث الثالث : نطاق مسؤولية المتدخلين في البناء من حيث الزمان : من خلال المادة 554 ق م المادة 46 من القانون 11/04 و المادة يتضح أن إلتزام كل من المرقي ، المقاول ، المهندس المعماري و باقي المتدخلين ، إلتزام بتحقيق نتيجة لا بدل عناية ، و محل إلتزامهم هو بقاء البناء أو المنشآت الثابتة الأخرى الثابتة صالحا لمدة عشر (10) سنوات من دون تهدم و غير مهدد من حيث متانته ، لهذا فإن المسؤولية في هذا المقام تقوم على أساس خطأ مفترض ( المطلب الأول ) لكن هذه المسؤولية ليست أبدية و إنما هي مؤقتة بمدة عشر (10) سنوات  .

المطلب الأول : الخطأ المفترض للمتدخلين في البناء : يعتبر كل من المرقي ، المهندس المعماري المقاول و باقي المتدخلين مسؤولون في مواجهة رب العمل أو مالك البناء في حالتين و هما(20) :

الفــرع الأول : تهدم البناء و تعيبه : نعالج في هذا الفرع كل من تهدم البناء من حيث إعتباره خطأ مفترض يقيم مسؤولية المتدخلين في مجال البناء بالإضافة إلى معالجة العيوب الأخرى التي لا ترقى إلى التهدم لكنها تهدد متانة و سلامة البناء .

أولا : تهدم البناء :  يقصد بتهدم البناء " تفككه و إنفصاله عن الأرض " ، و بالرجوع إلبى النصوص العامة أو الخاصة نجد أن المشرع سواء في تحمل المسؤولية العشرية بين التهدم الكلي و التهدم الجزئي و إن كانا يختلفان من حيث التعويض ، و المقصود من تهدم البناء هو التهدم غير الإرادي أي التهدم الناتج سوء التشييد لا الناتج عن الحريق أو ما شابه ذلك ، و يستوي في ذلك أن يكون راجعا إلى سوء التصاميم أو سوء التشييد أو سوء المواد المستعملة ، فإذا حدث تهدم قامت مسؤولية كل من المرقي ، المهندس المعماري و المقاول و لا يكلف رب العمل أو المالك بإثبات خطأهم لأنه خطأ مفترض ينشأ بمجرد حدوث التهدم ، و لا يستطيع كل منهم التخلص من مسؤوليته إلا بإثبات السبب الأجنبي و هو أن التهدم كان راجعا لحريق أو خطأ الغير أو خطأ رب العمل أو مالك البناء كإستعمال المبنى لغير ما شيد له ، لكن العيب الموجود في الأرض و الذي يؤدي إلى التهدم لا يدخل ضمن السبب الأجنبي لأن دراسة الأرض تدخل في صميم عمل المهندس أو عمل مخبر الأشغال العمومية أو من يقوم مقامه .

ثانيا : العيوب التي تهدد متانة البناء : يقصد بها كل العيوب التي تهدد متانة البناء و سلامته و لو كانت تلك العيوب لا تؤدي إلى تهدمه .

فمن خلال نص المادة 554 ق م  أو المادة 46 ق 11/04 ، نجد أن المشرع وسع من نطاق مسؤولية المرقي العقاري ، المقاول و المهندس المعماري و باقي المتدخلين بحيث لم يقصرها على تهدم البناء فقط بل مدها كذلك لتعيب البناء ، و لا يهم مصدر ذلك التعيب سواء كان راجعا إلى طبيعة المواد المستعملة في التشييد أو ناتجة عن سوء التنفيذ أو سوء وضع التصاميم أو النوعية الردئديئة للأرض و دون الأخذ في الإعتبار بالأحوال المناخية ...إلخ  .

 الفــرع الثاني : شروط الموجبة للضمان : ليست كل العيوب التي تظهر في البناء توجب الضمان     و من ثم فيجب لقيام المسؤولية العشرية في حق كل من المرقي ، المقاول و المهندس و باقي المتدخلين أن يتوفر في العيب ما يلي(21) :

أولا :  تهديد متانة البناء : إن العيوب التي تهدد متانة البناء لا يمكن حصرها و ذلك لتعقيد وتداخل العمليات المعمارية  ، و من ثم فهي تدخل ضمن السلطة التقديرية للقاضي ، و نشير إلى أن العيب الذي يهدد متانة البناء لا يشترط فيه تهديد متانة البناء بأكمله بل يؤخذ به حتى و لو كان يهدد جزء من البناء فقط ، أما العيوب المتعلقة بالدهان و الزخرفة ... إلخ فلا تدخل ضمن نطاق المادة 554 ق م و المادة 46 من القانون 11/04 .

ثانيا : إكتشاف العيب : لا يشترط إكتشاف العيوب التي تهدد متانة البناء و سلامته من يوم التسليم  بل تبقى المسؤولية قائمة لمدة عشر (10) سنوات من التسليم النهائي للبناء.

ثالثا : أن يكون العيب خفي : يعتبر هذا الشرط مثار جدل كبير ، لأن نص المادتين لم يشر إليه    لا من قريب و لا من بعيد لكن القضاء في كل من مصر و فرنسا يعتبره شرطا جوهريا ، و يبررون ذلك أن العيب إذا كان ظاهرا و فاشيا و يسهل على رب العمل أو المالك إكتشافه و مع ذلك قام بتسلم البناء أو المنشآت الأخرى دون إبداء تحفظات فهذا يدل على قبوله بالعيب .

و ضمان العيب الخفي عالجه المشرع في المادة 379 ق م و ما يليها ، و ما يصدق على عقد البيع يصدق على عقد المقاولة .

المطلب الثاني : حساب مدة الضمان : وفقا للفقرة 02 من المادة 554 ق م و المادة 46 من القانون 11/04 فإن مدة الضمان هي عشر (10) سنوات من تسلم البناء ، و المقصود بتسلم البناء هو التسلم النهائي لا المؤقت ، لأن المقاول يقوم بتسليم الأشغال مؤقتا و ذلك عندما يقوم رب العمل أو المالك بالحيازة و السيطرة عن الأشغال ، و هذه المدة تقدر بـ ستة (06) أشهر أو سنة (01) حسب الأشغال(22) و بعد هذه المدة يتم تسليم الأشغال بصفة نهائية و من هذا التاريخ يبدأ حساب مدة الضمان و المقدرة بعشر (10) سنوات  و ما يؤكد ذلك الفقرة 02 من المادة 554 ق م و المادة 178 من الأمر 95/07 المتعلق بالتأمينات حيث تنص " ... على أن يبدأ سريان هذا العقد من الإستلام النهائي للمشروع " ، و المقصود بالعقد هنا هو عقد التأمين الذي يغطي المسؤولية العشرية .

أما بخصوص سريان مدة عشر (10) بالنسبة للمرقي العقاري فأعتقد أنها تبدأ من يوم تسليم شهادة المطابقة  وفقا لنص المادة 26 من القانون 11/04

و تعتبر مدة الضمان مدة سقوط لا مدة تقادم و من ثم فلا يرد عليها الوقف و لا الإنقطاع . وهذه المدة من النظام العام الذي لا يجوز مخالفته وفقا لأحكام المادة 556 ق م و المادة 45 من القانون 11/04 و يترتب عن ذلك بطلان كل شرط يقصد به إعفاء المرقي العقاري ، المهندس المعماري أو المقاول من الضمان أو الحد منه

و نشير إلى أن مدة الضمان تتقادم بأقصر الأجلين إما عشر (10) سنوات من التسليم النهائي للمشروع أو ثلاثة (03) سنوات من وقوع التهدم الكلي أو الجزئي وفقا لأحكام المادة 557 ق م ، و تخفض هذه المدة إذا كانت الأشغال المراد إقامتها لا تبقى لمدة أكثر من عشر(10) سنوات .

الخاتمة :

 يتبين من كل ما تقدم أن المرقي ، المهندس المعماري و المقاول و كل متدخل في عملية البناء بما في ذلك المقاولين من الباطن ، مسؤولون و بالتضامن عن كل تعيب أو تهدم للبناء خلال مدة (10) سنوات ، و أساس مسؤوليتهما هو الخطأ المفترض و لا يعفيان منها إلا بإثبات السبب الأجنبي ، كما توصلنا إلى أن هذه المسؤولية هي مسؤولية عادية لا يوجد بها أي تشديد كما يرى ذلك جانب من الفقه لأنها تشبه العديد من الدعاوى في القانون المدني .

الهوامش :

$11       - Boris STARCK : Droit civil " les obligation " Librairies techniques 1972 P 117 et suiv .

$12      – علي فيلالي : الإلتزامات " العمل المستحق للتعويض " موفم للنشر و التوزيع ، الجزائر 2002 ، ص 167 و ما يليها .

$13      محمد صبري السعدي : شرح القانون المدني " العمل غير المشروع، شبه العقود و القانون " ج 02  ط 02 دار الهدى 2004 ص 241 .

$14      هذه الفكرة لم تظهر إلا حديثا و ذلك عن طريق المادة 46 من القانون 11/04 المتعلق بتنظيم الترفية العقارية ( ج ر 14 لسنة 2011 ) .

$15      أنظر ج ر رقم 32 لسنة 1994 .

$16      أنظر خديجي أحمد : نطاق المسؤولية العشرية ، رسالة ماجستير ، جامعة ورقلة 2006 " رسالة غير منشورة ص 07    و ما يليها .

$17      أنظر خديجي أحمد  : المرجع السابق ، ص 08  .

$18   أنظر القانون 90/29 المؤرخ في 18/08/1990 المتضمن قانون التهيئة و التعمير بالإضافة للمرسوم التنفيذي رقم 15/19 المؤرخ في 25/01/2015 المحدد لكيفية تحضير عقود التعمير و تسليمها .

$19      أنظر خديجي أحمد : المرجع السابق ص 11 و ما يليها .

$110  أنظر ج ر رقم 04 لسنة 1972 .

$111  أنظر ج ر رقم 49 لسنة 1968

$112  أنظر ج ر رقم 11 لسنة 1983 .

$113  أنظر ج ر رقم 34 لسنة 1986 .

$114  أنظر ج ر رقم 10 لسنة 1986

$115  أنظر ج ر رقم 14 لسنة 1993 .

$116  أنظر تلك التعريف و أخرى خديجي أحمد : المرجع السابق ، ص 51 و ما يليها .

$117  أنظر ج ر رقم 34  لسنة 1988 .

$118تم إنشاؤه بموجب الأمر 68/381 المؤرخ في 03/06/1968 ثم ألغي هذا الأمر بموجب المرسوم التنفيذي رقم 83/186 المؤرخ في 12/03/1983 الذي أعاد هيكلة هذه الهيئة .

$119  أنظر المادة 19 من المرسوم التشريعي 94/07 .

$120  محمد حسين منصور : المسؤولية المعمارية ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، الإسكندرية 2003 ، ص 123 و ما يليها .

$121  محمد حسين منصور : المرجع السابق ، ص 124 و ما يليها .

$122  أنظر المادة 46 و 47 من دفتر الشروط الإدارية العامة