شعرية الفضاء وشخصية الهامشي في نماذج من النثر العربي القديم

 

د/ محمد بن صالح العميري الأستاذ المساعد بقسم الأدب

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

المملكة العربية السعودية الرياض

تمهيد:

يتغيأ هذا البحث دراسة المكان في الأدب العربي القديم، ويشكل  المكان في جميع اللغات منزلة أساسا من ناحية الاستعمال أولا، ومن ناحية التعبير عن علاقة  العنصر المكاني بالفكر والوجدان ثانيا، وكذلك من ناحية التعبير عن قيمة المكان أيضا. ويعدُّ المكان في الإبداع الأدبي الفضاء أو "الحيّز" كما يسمّيه بعض الباحثين [1] الذيتبرز فيه الرؤية الأدبية، ويعدّ كذلك في الدراسات الأدبية عامّة والسرديات خاصّة مكونا حكائيا من المفاهيم الإبداعية والإجرائية الأساس بالنسبة إلى الفضاء الحكائي: فهو من المفاهيم الإبداعية لأنه عنصر من عناصر الحكاية في جميع أجناس الحكي القديم والحديث على السواء، وفي سياقه تنتظم الأحداث والوقائع ويتم فيه بناء الشخصيات وملامحها ومواقفها وصورها. ويكون المكان نوعا من أنواع الموضوعات الأدبية والأغراض كغرض الأطلال في القصيد القديم، ويكون كذلك فضاء من فضاءات المطارحات الشعرية والتندر فيه يتم التعريف بالأعلام والترجمة لهم وبيان قدراتهم الأدبية وعلاقاتهم بمن يعاصرون من الرجال . فالمكان المجلسي في التراث العربي هو الفضاء الذي تنتعش فيه النوادر و الأخبار والمناظرات ويكون في القصور و البلاطات و هو سياق إنتاج أدب المنادمة والمطارحات والمفاكهات،وإنتاج خطاب المجالس الأدبية في المقامات ،و فضاء الذكريات في أدب السيرة الذاتية وقد كان المكان أهمّ الفضاءات التي احتضنت أزمة الإنسان في المجتمع العربي القديم وعبّرت عن التحوّلات الخطيرة في البنية الاجتماعية ( الصراع بين الريف والمدينة – القيم الأخلاقية والمدنية – المكان والهوية ...المدينة والضياع- الشاعر والسلطان- الخصومات الأدبية ... )     

ويعدُّ المكان كذلك من المفاهيم الفنية والأدبية ، لأنّ  الراوي في الحكاية يستغلّ المكان لبناء الرمز الحكائي. ويعدّ المكان أو الفضاء أخيرا من المفاهيم النقدية لأنّه مدخل من المداخل التي تمكّن الناقد من إعادة فهم الفضاء وتأويله وفهم العالم المتخيّل الذي ينزّل فيه الراوي شخصياته وأحداثه القصصية وخصائصها النفسية ومواقفها، وأقوالها ومواقعها الاجتماعية، وهو كذلك من الأدوات التي تسهم في إنارة ملامح الشخصيات ومواقفها وحركتها القصصية.

  وقد تبيّن لنا بعد طول تدبّر في خصائص المكان والفضاء عامة في السرد القديم أن أدب الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والفضاءات العامة هو مجال من أكثر المجالات الأدبية استخداما لأدبية المكان عامة والفضاءات الاجتماعية بصفة أشمل . ولما كانت الكدية والتطفيل من أكثر الموضوعات التي وفرت للكتّاب القدامى منذ عصر الجاحظ الإطار التخييلي الملائم لبناء أدبية المكان في الكتابة السردية القديمة[2] فقد زخرت النصوص الحاملة لخطاب المكدي والمتطفل بعناصر أدبية متنوعة عن المكان وأبعاده السوسيولوجية والنفسية والثقافية. ففي خطاب الكدية على اختلاف الأجناس السردية أخبارا ومقامات ونوادر تنمو مكونات المكان الفني وتتسع الفضاءات العامة الخاصة والمنفتحة على السواء والتي توفر للمكدي البليغ فرص استعراض طاقاته البلاغية الممتعة للقراء ، وقدراته التعبيرية، ومجال نسج العلاقات الاجتماعية مع مختلف الأوساطو سياق إنجاز الفرجة الأدبية أمام جمهور واسع متنوع.وقد اهتم بالمكان في السرد القديم عدة باحثين ووضعت فيه مصنفات كثيرة منها على سبيل المثال كتاب تجليات المكان في السرد الحكائي العباسي لمحمد خوجة ، وقد اهتم فيه بالمكان في مقامات الهمذاني والحريري ولكنه لم يتناول المكان في صلته بظاهرة الكدية وأثر حركة المكدي وأفعاله وأقواله وعلاقاته في الفضاء السردي [3]. واهتم بعض الدارسين ببلاغة هؤلاء المهمشين ضمن ما سماه ضياء كعبي "ببلاغة المقموعين"[4]، ويتغيأ هذا البحث سدّ هذه الفجوة وهو دراسة شعرية المكانفي صلته بحركة المكدي وبالفضاء الاجتماعي الذي انتعشت فيه هذه الظاهرة قديما.

 

[1]ينظر مثلا في ما كتبه عبد الملك مرتاض: في نظرية الرواية، فهو يستعمل هذا المصطلح لأنّه أوسع دلالة من المكان وأدقّ من الفضاء . ويعني بالحيّز جملة التقنيات السردية  المكونة للمكان  في قيمته الجمالية  ومختلف أبعاده الفنية، فللسرد  فضاء خاص يتمّ فيه تقسيم الأمكنة تقسيما فنيا.                                                                                                             

[2] ينظر في : أيمن بكر: السرد في مقامات الهمذاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1993، ص104، وخليل إبراهيم أبو دياب: دراسات في فن القص، دار الوفاء للطباعة والنشر، الإسكندرية، 2006، ص17.

[3] منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع ، عمان الأردن 2009.

[4] السرد العربي القديم: الأنساق الثقافية وإشكاليات التأويل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الأردن 2005، ص229.