الصحة والمرض وعلاقتهما بالنسق الثقافي للمجتمع مقاربة

من منظور الأنثروبولوجيا الطبية.pdf

 

 

 

د: مختـــار رحــاب

جامعة المسيلة. ( الجزائر)

الملخص:

توصلت العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية أنه توجد علاقة وثيقة بين الصحة،المرض والنسق الثقافي و الاجتماعي لأي مجتمع كان، وهذا الاهتمام العلمي يقع عاتقه على الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع من خلال دراسة هذه العلاقة، وكذا تحديد الإمكانيات المختلفة و المتوفرة، ودراسة الأحوال الصحية والمستوى التعليمي السائد، وكل هذا يندرج تحت مسمى المعادلة الثقافية للطب والصحة والمرض ضمن الحياة الاجتماعية .

الكلمات المفتاحية: الصحة، المرض، الأنتروبولوجيا، المجتمع، النسق الثقافي.

Résumé :

Plusieurs études et recherches académiques ont pu découvrir l’existence  d’une étroite relation entre la santé, la maladie et l’agencement culturel et social de toutes les sociétés. Cet intérêt scientifique est à prendre en charge par  les anthropologues  et les sociologues de toutes les sociétés à travers l’étude de cette relation et la détermination des différents moyens disponibles ainsi que l’étude de l’état de santé et le niveau de l’enseignement en cours. Et tout cela est désigné sous le nom de l’équation culturelle de la médecine, de la santé et  de la maladie dans le cadre de la vie sociale.

Mots clés : la santé, la maladie, l’anthropologie, l’ethnologie médicale, la société, l’agencement culturel.   

تمهيد

إن اهتمام الأنثروبولوجيا بقضايا الصحة، المرض وعلاقتهما بثقافة المجتمع السائدة اهتمام حديث نسبيا، والسبب في ذلك هو انتشار أفكار بعض الفلاسفة منذ زمن طويل، واعتقاد الناس من خلالها على إن ظواهر الصحة والمرض هي ظواهر عالمية مشتركة، مما أدى إلى انتفاء الخصوصية المحلية أو الثقافية لقضايا الصحة والمرض، أو قضايا الطب بصورة عامة، ولكن مع بداية القرن العشرين بدأ الاهتمام من قبل الأنثربولوجيين يزداد بقضايا الطب، والجانب الصحي وعلاقته بالنماذج الثقافية، والأنماط الاجتماعية السائدة في المجتمع. 

وحسب الكثير من الأنثروبولوجيين فإنه توجد علاقة وثيقة بين الممارسات الطبية والمعتقدات، خاصة عند الشعوب الأمية، وكان الباحث والعالم الانثروبولوجي "ريفرز" قد قام بدراسة حول (الطب ،السحر، والدين) وقام بدور الطبيب و الانثروبولوجي في الوقت نفسه، وركز على النظر للممارسات الطبية والعلاجية كنسق ثقافي، ذلك أن للمعتقدات الشعبيةوالطقوس والرموز أثرا على الحالة الصحية للفرد، فبدافع المعتقد قد يفضل المريض العلاج التقليدي، بدلا من الذهاب إلى العلاج الطبي الرسمي الحديث، حتى في حالة توفر الإمكانيات اللازمة لذلك.

لقد عملت بعض الفروع العلمية كالطب الاجتماعي، والأنثربولوجيا الطبية، على البحث في علاقة الصحة بالدائرة الاجتماعية، ومدى الأثر المتبادل بينهما، وكذلك تأثير المستوى التكنولوجي، والمعتقدات، والقيم، والأعراف على الصحة العامة، وفي إطار هذه العلاقة ركز الكثير من الباحثين في هذا المجال على دراسة عنصرين أساسيين هما: اعتبار الإطار الاجتماعي والثقافي كمرآة صادقة تعكس طريقة وأساليب عيش الأفراد، ونظامهم الغذائي، ومستواهم التكنولوجي، أما الثاني فهو اعتبار الصحة العامة نشاط سوسيوثقافي تساعد الأفراد على القيام بأدوارهم ضمن البناء الاجتماعي العام .

ولذلك فهناك علاقة وثيقة بين الصحة، والدائرة الاجتماعية والثقافية لأي مجتمع كان ولذا وجب على الأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع ضرورة دراسة هذه العلاقة، وكذا تحديد الإمكانيات المختلفة المتوفرة، ودراسة الأحوال الصحية والمستوى التعليمي السائد، وكل هذا يندرج تحت مسمى المعادلة الثقافية للطب والصحة والمرض ضمن الحياة الاجتماعية .

أولا: الإشكــالية:

إن من أبرز ما يقوم عليه المدخل الأنتروبولوجي في دراسة قضايا الصحة والمرض هو مجموعة من المنطلقات والتي تكاد أن تكون شبيهة بالفروض المؤكدة، ومن بين هذه المنطلقات نذكر:أن تصورات وتأملات الفرد أو الجماعة لقضايا الصحة والمرض وطرق الاستجابة للأمراض، وطرق الوقاية منها، وأساليب العلاج، كل هذا مرتبط بما يشمله النسق الثقافي للمجتمع، حيث يقع التأثر سواء سلبا أو إيجابا، تبعا للنماذج الثقافية والطرائق النمطية للحياة الاجتماعية . ورغم تقدم الطب العلمي في عصرنا الحالي، وتخريج أعداد هائلة من الأطباء المكونين بالكليات الطبية المتخصصة، غير أن التلازم بين الطبيب والأنثروبولوجي سيظل قائما، فإذا كانت مهمة الأول هي تشخيض المرض وعلاج الجسد "البيولوجي أو العضوي " فإن مهمة الثاني هي رصد ووصف وتحليل التقاليد والعادات وجملة التصورات والتمثلات، والممارسات التي تنتشر لدى الجماعات البشرية وتؤثر على الحالة الصحية للأفراد.     

وهكذا ستظل الثقافة محور اهتمام ودراسات علمية متتالية، لما لها من أهمية كبرى في حياة الإنسان، ولما تمتلكه من تأثير في شتى قراراته وأساليب عيشه، ونظرته وتفكيره في هذا الكون، فالإنسان في أصله ليس ذلك الكائن البيولوجي أو الفيزيقي، وإنما هو ذلك الكائن الثقافي، فالكائنات البشرية هي كائنات ثقافية بالدرجة الأولى، وفي مجال الانثروبولوجيا والأنتروبولوجيا الطبية تحديدا تقع القسمة مناصفة في مجال الدراسة بين الصحة والمرض وبين الثقافة، وكانت الأنثروبولوجيا قد تفرعت إلى فروع عدة، وذلك لتعدد الاهتمامات والمجالات فاهتم بقضايا الصحة والمرض، والقضايا العلاجية فرع من فروع الانتربولوجيا والذي نشط كثيرا خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، هذا الفرع هو الانتربولوجيا الطبية .

وفي هذا المقال سأحاول تحديد أهم الموضوعات التي أثارت اهتمام علماء الأنثربولوجيا، خاصة المتخصصين منهم في فرع الأنثربولوجيا الطبية، كما سأركز في هذا المقال على جملة المنطلقات التي انطلقوا منها، واهم النظريات، وجملة الحلول التي توصلوا إليها في إبراز علاقة الصحة والمرض بالثقافة، وعلاج المعادلة الثقافية للطب، والصحة، والمرض عموما, وذلك من خلال منظور أنثروبولوجي  .

 ثانيا: تحديد وضبط المفاهيم .

$11- الانتربولوجيا الطبية :

الانتروبولوجيا الطبية هي "دراسة كلية مقارنة للثقافة ومدى تأثيرها على  المرض والرعاية"، وقد تزايد الاهتمام بهذا العلم وذلك انطلاقا من إدراك ما للثقافة من دور وتأثير على قضايا الصحة والمرض، مثل منشأ المرض وتطوره، وانتشاره المكاني أو الجغرافي وكذلك الوسائل والأساليب التي تعتمد عليها المجتمعات في مواجهته، والطرق المناسبة من أجل نشر الطب الحديث في المجتمعات التقليدية، وكيفية تحسينه وطرائق تطويره .[1]

$12-تعريف الصحة :

لقد تعددت تعريفات الصحة بتعدد المؤسسات والمتخصصين، والتعريف الآتي يجمع في تعريف الصحة بين الحالة الاجتماعية والنفسية والبدنية للفرد. لقد عرفت منظمة الصحة العالمية عام 1984 الصحة على أنها :هي مجمل الموارد الاجتماعية والشخصية والجسمية التي تمكن الفرد من تحقيق طموحاته وإشباع حاجاته .[2]

ومن بين تعريفات الصحة نجد :هي مؤشر دال على حياة وسير كل الوظائف الدالة على حياة الأعضاء المشكلة للجسم الإنساني بشقيه الفيزيقي والنفسي خلال مدة زمنية كافية تماشيا مع النمط  أو النمو العادي الذي تحدده الأصول الطبية والعلمية المتخصصة في هذا المجال مع استثناء ـ العاهات والإصابات التي قد تصيب الجسم ولكن لا تعيق الأعضاء على أداء وظائفها، كالأعمى مثلا يتوفر على قدر معتبر من الصحة.[3]          

$13- تعريف المرض:

إن المرض عبارة عن اختلال في التوازن الطبيعي (ومع الطبيعة ) يجب إصلاحه، هذا هو أساس الطب الغربي "العقلاني"الذي بدأ مع أبقراط والذي يعتمد على علاج "الأمزجة "ولكننا قد نجد الأمر ذاته في الصين من خلال التقابل بين )ين ) و(يانغ) ، وفي عدد من المجتمعات الأمية في أمريكا الجنوبية وإفريقيا، حيث توجد ممارسات يتقابل فيها "الحار" و "البارد" اللذان يتوجب فقط التوازن بينهما مع تجنب تجاوز الحدود، والمرض هو اختلال ذلك التوازن. [4]

ولكن هناك توجه فكري لا يقل انتشارا عن الأول يقضي بعدم النظر إلى المرض كمجرد انشقاق عن البيئة الطبيعية، وباعتباره على العكس، أو في الوقت ذاته  انسلاخا عن البيئة الاجتماعية، فحسب التوراة إذا كانت الحياة نعمة إلهية، فإن المرض والبؤس تدل على غضب الله.[5]

نقصد بالمرض الاضطراب الوظيفي المتطور، فالمرض ليس حالة ثابتة، وإنما حالة حركة متطورة تطورا غير طبيعي في جسم الإنسان، وهذا التطور قد يأخذ فترة طويلة أو قصيرة ولكنه ينتهي دائما بنتيجة قد تكون إما الشفاء التام  أو الوفاة أو تقف في مرحلة وسط تعمل على إعداد الجسم لظروف جديدة.[6] 

$14-تعريف الثقافة :

لقد تعددت التعاريف حول الثقافة، وتجاوزت حدود المائة تعريف، ولعل السبب في ذلك يعود إلى الصفة الشمولية التي تتميز بها الثقافة، وذلك أن علاقتها بحياة الإنسان متعددة ومتشعبة، فلها علاقة بالجوانب الاجتماعية، والفكرية، والثقافية، النفسية للحياة البشرية، ومن جملة التعاريف التي صيغت حول مفهوم الثقافة نذكر ما يلي :يعرفها "هوايت White "بقوله : "هي تنظيم لأنماط السلوك والأدوات والأفكار، والمشاعر التي تعتمد على استخدام الرموز[7] 

. ويعرفها "رالف لينتون Linton "بقوله : "هي التشكيل الخاص بالسلوك المكتسب ونتائج السلوك التي يشترك جميع أفراد مجتمع معين في عناصره المكونة ويتناقلونها ".[8]

ورغم تعدد التعريفات، فهناك تعريف مشهور يكاد يفي بالغرض العلمي حول تعريف الثقافة ،وهو تعريف "ادوارد تايلورTylor  E.": الذي يرى أن الثقافة هي ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفن، والأخلاق، والقانون، والعادات، أو أي قدرات أخرى، أو عادات يكتسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع.

ثالثا: نشأة وتطور الانتروبولوحيا الطبية:

كانت الأنتربولوجيا الطبية قد عرفت ازدهارا معتبرا، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية لما أسهمت في دراسة المشكلات الطبية، فكانت هناك دراسات تناولت وصف المفاهيم الأسطورية والمعتقدات المرتبطة بالصحة والمرض والممارسات في المجتمعات البسيطة، وكانت هذه الدراسة قد شكلت محاور أساسية في مجال الدراسات الانتروبولوجية ونذكر منها على سبيل المثال :دراسات "إيفانز بريتشاردPritchard (1937) وريفرزRivers (1924) وكليموش دراسة كاوديل "، وكانت دراسة هذا الأخير قد ألقت الضوء على أهمية الانتربولوجيا في المجال الطبي، وكانت نقطة تحول حيث انخرط انثربولوجيون وعلماء اجتماعيون كثرفي الاهتمام بالبرامج الصحية والبحث الطبي والتعليم الطبي وغيرها من المجالات الطبية، وكانت الفترة الممتدة بين (1962 ـ 1982) قد عرفت تطورا ملحوظا في مجال الانثربولوجيا .[9]

وترتكز الانثربولوجيا الطبية على دراسة أثر الثقافة على الصحة والمرض وذلك من خلال :                                                                                                                                                                                     1ـ مساهمة الثقافة في صناعة تمثلات الصحة، والمرض لدى الفرد وطرق الوقاية والعلاج من الأمراض.

2ـ تعمل الثقافة على تحديد طريقة انتشار المرض، وطريقة الحد من انتشاره .

3ـ تعمل الثقافة على ترسيخ قناعات لدى الأفراد من جدوى الطب الحديث، وبالتالي التحكم في مدى استجابة الفرد، ودرجة تفاعله مع الأساليب الطبية الحديثة .

4ـ تعمل الثقافة على إبراز مفهوم المرض، والاستجابة له، فما يعتبر مرض في ثقافة اجتماعية ما، قد لا يكون كذلك بالنسبة لجماعة أخرى .

إن الصحة والمرض مرتبطان بأنماط الحياة وإعادة إنتاجها والحفاظ عليها، أو فقدانها وتسعى الأبحاث والدراسات الانتروبولوجية للكشف عن نظرة الناس وطريقة إدراكهم لعالمهم وكذلك العلاقة بين الصحة وحدوث المرض، وخصائص الأنساق والقيم الاجتماعية، وبذلك يمكننا القول أن الانثروبولوجيا الطبية ليست مجرد طريقة للنظر والتأمل في حالات الصحة والمرض في المجتمع، ولكن يمكننا القول أنها طريقة للنظر والتأمل في المجتمع ذاته .

وكان كليمونتس Clements قد ألف كتابا تحت عنوان "المفهوم البدائي للمرض" وكانت دراسته حسب ما أورده بعض المختصين قد حازت جانبا كبيرا من المنهجية العلمية، ومن أهم النتائج  التي التوصل إليها في هذه الدراسة أنها توصلت إلى تصنيف خمس نظريات حول الأسباب المنتجة والمسببة للأمراض نذكر منها اختراق المرض للأشياء، السحر، تحدي واختراق كل ما هو طابو، دخول الأرواح، وأخيرا فقدان الروح .[10]

ونظرا لاتساع موضوعات الانثربولوجيا الطبية كانت قد تفرعت حسب الاهتمامات، فطهر ما يسمى الطب الشعبي، التشريح الشعبي، البيولوجيا الشعبية، علم الأوبئة، الصحة العمومية .

 رابعا: الصحة، المرض، الثقافة، أية علاقة ؟

إن العلاقة جد وثيقة بين الصحة، المرض، والثقافة، فمن خلال الكثير من البرامج الطبية ومخططات الرعاية الصحية لا يهمل المتخصصون تأثير العناصر الثقافية، والنسق الثقافي للمجتمع على الناحية الصحية للأفراد، فإذا أرادت الحكومات توطين مستشفيات ومراكز صحية والعمل على ترغيب الناس ببعض الأساليب الصحية العلاجية، فلا بد من أخذ العوامل الثقافية بعين الاعتبار خاصة في المجتمعات التي تؤمن بطرائق وأساليب العلاج التقليدي، ولا شك أن المظهر الصحي لأي مجتمع ما هو إلا مرآة صادقة تعكس أساليبهم طرائقهم المتبعة في معيشتهم .

إن القيم الثقافية المتصلة بتنظيم الحياة الأسرية وأساليب العمل والترويح، وقضاء أوقات الفراغ هي الأخرى لها تأثير في تحديد أنواع الأمراض والوفيات، فلو نظرنا إلى الإنسان الساكن في البيئات الصناعية، تأثر بطبيعة البيئة التي يسكنها، ذلك أن هذا النوع من البيئات سببا رئيسيا في إصابة الأفراد ببعض الأمراض، فمثلا نجد أن أمراض القلب أكثر انتشارا بين نموذج الشخصية السائدة في الثقافة الغربية، فهذا الأخير يحيا حياة المنافسة القوية، والاستغلال الشديد للوقت، إضافة إلى انتشار أساليب الحيل، والعدوات المختلفة.[11]

إن العلاقة جد وثيقة بين الأطر الثقافية، والجوانب الصحية، وهناك تأثير متبادل بين الحالة الصحية والمنظومة القيمية السائدة في المجتمع، وقد تتعدد الأنماط الثقافية، وتختلف مكونات المنظومة القيمية داخل المجتمع الواحد، خاصة في مجتمعاتنا النامية، حيث نجد البيئة الريفية وحياة القرية والمدينة، فالنمط الثقافي داخل كل بيئة من البيئات السابقة له دور في صناعة رؤى وتمثلات حول الحالة أو الجانب الصحي، ولا شك أن أي برنامج صحي يسعى لتطوير الأنماط الثقافية وفق ما يتناسب وطبيعة البناء الاجتماعي، وبالتالي الثقافة التقليدية ولا بد من الاستغلال السليم لهذه الأنماط، ذلك أنها تشكل عادات وقيم الأفراد منذ نشأتهم، كما يستلزم على أي تخطيط للرعاية الصحية النظر إلى طبيعة حياة أية جماعة أو مجتمع من جانب بساطتها أو تعقيدها، وقياس حياتها الاقتصادية، بين القوة أو التدهور، ومعرفة درجة الوعي الصحي المنتشرة بين الأهالي، كل هذا من أجل ضمان نجاح برامج الرعاية الصحية .

وتؤكد الدراسات الأنتربولوجية على أهمية العوامل الثقافية في الصحة والمرض والوفاة وكانت الباحثة "دي بندا" قد اشتغلت على محاولة تفسير سبب ارتفاع معدلات وفيات الأطفال في ريف كولومبيا، فوجدت نوعا من اللامبالاة لدى الآباء والأمهات، وهذا السلوك من اللامبالاة ناتج عن قناعات ثقافية، فالآباء يطلبون الخدمات الصحية لأبنائهم المرضى وإذا مات أحد الأطفال كان عزاؤهم في ذلك أن مصيره قضى بعدم نموه، وكمثال على آخر، فهناك بعض الأبحاث الأنتربولوجية أثبتت وجود تباين ثقافي في التعبير عن الألم وتفسير أعراض المرض والتجارب معها بين جماعات البحر المتوسط، فالثقافة عند هذه الجماعات تقدم تفسيرا للمرض، ولأسبابه وعلاجه، وهي تتعارض مع التفسيرات العلمية للأمراض، وتتناقض مع وسائل العلاج الطبي الحديث.[12]

وفي هذا السياق كان لبعض الانثربولوجيين دراسات حول علاقة الدين والقيم الثقافية للممارسات الصحية، وقاموا بدراسة وتحليل الطقوس الخاصة بالميلاد، وطقوس الموت والوفاة وتحليل تصورات الأفراد وقناعاتهم بما لهذه الطقوس من فوائد ووظائف الحماية والوقاية، كما اهتموا كذلك بتأثير القيم على الصحة، ومدى تأثير العادات والأنظمة الثقافية المتعلقة بالغذاء والأكل، إضافة إلى ما يحدثه التغيير الثقافي من تأثيرات على الحياة الصحية.[13]

إن الاهتمام بدور الثقافة  في قضايا الصحة والمرض، من بين المحفزات للباحثين للاشتغال على ومواضيع أنثروبولوجية، والعمل على تطويره، ومن ذلك فمن بين اهتمامات المدخل الأنثروبولوجي هو إبراز الدور الذي تلعبه الثقافة في الحياة الصحية للمجتمع، كما يسعى المدخل الأنثروبولوجي كذلك والى تقديم الخدمات الصحية في ضوء البناء الاجتماعي والثقافي السائد، و النظر لكي تتناسب الخدمات الطبية مع نوع البيئة، سواء أكانت ريفية أو حضرية، أو ساحلية أو صحراوية ....، ومن ناحية أخرى يمكن للأنثروبولوجي أن يلعب دورا هاما في مجال الصحة، وذلك من خلال تقديم المساعدة للأطباء ورجال الخدمات الصحية، ذلك أن الأطباء إذا كان دورهم معالجة الحالات المرضية  والحفاظ على صحة الإنسان، فإن هؤلاء يحتاجون إلى من ينظر إلى المجتمع والى جذور مشكلاته نظرة دقيقة، كما يحتاجون إلى من يستطيع أن يتتبع نتائج الممارسات والوسائل الطبية.[14]

والى جانب الاهتمام بالعوامل الثقافية وتأثيرها على الحياة الصحية في المجتمع، فهناك من الباحثين من ركز على دور الدين وتأثيراته على صناعة تمثلات الفرد لقضايا الصحة والمرض، وطرق الوقاية وأساليب العلاج، مما أدى إلى بروز فكرة مفادها أن الانتروبولوجيا الدينية تتقاطع في كثير من الموضوعات  - ليس فقط فيما تعلق بالصحة والمرض – مع الأنتروبولوجيا الطبية، فمن خلال المعتقد الديني يستطيع الفرد أن يعطي تعريفا للصحة وتعريفا للمرض، وما هي آليات العلاج المتبعة في حالات المرض، فقد يكون علاج نفسيا،أو إرشاد إلى الاستفادة من الطبيعة وما تجود به من نباتات ووسائل علاجية أخرى، كما قد يكون العلاج في إقامة مجموعة من الطقوس، وغالبا ما تكون العلاقة وثيقة جدا بين السلامة الصحية ،المرض، والمقدس .

$11-العادات، التقاليد،  وصناعة التمثلات حول الصحة والمرض :

ورد في بعض القواميس أن :"العادات هي أي نمط سلوكي تعده الجماعة الاجتماعية صحيحا وطيبا ، وذلك بسبب مطابقته للتراث الثقافي القائم ".[15]  

والعادات في علاقاتها بالصحة والمرض لها وظيفة تحديد الأساليب العلاجية التي يجب إتباعها، سواء كانت أساليب علاجية تقليدية أو خدمات صحية رسمية، كما يمكن للفرد من خلال العادات والتقاليد أن يحدد نوعية المرض، فيراه مؤقتا سرعان ما يزول وبالتالي يتخلى عن العلاج الرسمي، وقد يكون غير ذلك فتعمل العادات على دفعه لإجراء فحص طبي رسمي حديث .

إن عادات وتقاليد الحياة اليومية تختلف من الريف إلى المدينة باختلاف المدخل الثقافي لكل بيئة، ففي مجتمعنا الجزائري مثلا وفي الريف تحديدا نجد ـ وبحكم بعض العادات ـ الكثير من الأفراد عرضة للكثير من الأمراض، فالأطفال يستحمون في المياه والبرك غير الصحية والتي بلا شك تسبب لهم مجموعة من الأمراض، كما يقوم بعض العمال بممارسة أعمال دون استخدام الألبسة و الأدوات الواقية، كما تقوم المرأة بغسل الملابس وحتى الأواني في مجاري قد يتبرز فيها الإنسان والحيوان .

وكان " ميكانيك Mechanic "   و"فولكارت  Volkart " قد بينا مدى تدخل العادات الفردية والجماعية في تقييم درجة المرض وخطورته وبالتالي تحديد طريقة العلاج . وهل يستوجب الأمر الاستعانة بالخدمات الصحية العصرية، وهذا ما يكشف لنا دور العوامل الثقافية والاجتماعية، وكمثال على ذلك في إفريقيا الاستوائية كان الناس يتطببون بالطب التقليدي وهم على ثقة بذلك، فأراد فريق من الخدمات الصحية هز تلك الثقة وجلبهم إلى العلاج الحديث ،فباءت المحاولة بالفشل والسبب في ذلك هو ارتباط نسق الطب التقليدي بسلسلة من العادات الاجتماعية والمعتقدات الشعبية، وبذلك تغلب أسلوب العلاج التقليدي لارتباطه بالعادات التي لعبت دورا في توجيه سلوك الأفراد.[16]  .

ونظرا لارتباط الصحة والمرض بالنمط الغذائي المعتمد من قبل الأفراد فإن العادات والتقاليد تلعب دورا كبيرا في تحديد نوع من الأطعمة، وتحريم أطعمة أخرى قد تكون جد مفيدة غير أن الأفراد بحكم العادات والمعتقد لا يستفيدون منها ومثال ذلك :عدم استفادة الهندوس من لبن البقرة ولحمها رغم أن لها فائدة كبيرة جدا لما توفره من دسم وبروتينات يستفيد منها جسم الإنسان، وقد تؤثر العادات والتقاليد على صحة المرأة لما تكون حاملا  أو مرضعا مما يؤدي استلزاما إلى تأثر الرضيع الصغير .

وبالتالي فإنه يمكننا القول :" أن الأنماط الثقافية تحدد عادة الغذاء ،وقواعد التغذية وممارستها، وهي تنطوي على علاقة وثيقة بالصحة، وهنا تنسحب هذه الأهمية على دور المرأة في المجتمعات الريفية، نظرا لأنها المسؤولة عن الطعام والحفاظ على ثقافته، ولأن دورها يتضمن كل شيء، فهو يرتبط بميلاد الأطفال ورعايتهم وإرضاعهم وتنشئتهم على العادات الغذائية في صغرهم، وإذا كانت تلك العادات سيئة وخاطئة، فإن المرض يظهر على الفور والدليل على ذلك أن الفرد لا يولد مريضا، ولكنه لديه الاستعداد الفطري للإصابة بأمراض محددة.[17]

   2ـ الصحة والمرض من خلال مضمون المعتقدات الشعبية :

إن للمعتقدات سلطة أمرية قوية التأثير في حياة الأفراد في جانب شتى من الحياة، وإذا أخذنا جانب الصحة والمرض وجدنا للمعتقدات تأثير في صناعة تمثلات الأفراد للصحة والمرض، وكيفيات التشخيص ،وطرق العلاج ،فهناك بعض المعتقدات المنتشرة في مجتمعنا والتي لا يزال لها تأثير قوي منها تسبب العين الشريرة في إصابة الأفراد بأمراض قد تؤدي بهم إلى حد الوفاة ،وهناك معتقد السحر الذي يسبب الخمول وعدم السعي للحركة والعمل ،وكثيرا ما يظل الفرد الذي يوهمونه بأنه مريض ومنزوي ومنعزل ،يعاني من القلق والإحباط ،حتى وإن كانت قواه البدنية سليمة وقوية ،وقد يعيش سنوات تحت تأثير هذا المعتقد المخدر غلى أن يلقى حتفه .

   وكان الأنثربولوجيون قد ركزوا على دراسة تأثير المعتقدات على النظر إلى الصحة والمرض وطرق العلاج ،فكان "ريفرز Rivers "قد قام بدور مزدوج لما كان طبيبا وباحثا أنثروبولوجيا وقدم دراسة عام 1928 حول "الطب ،السحر، الدين "كما قامت  "ماكلين MacleanV." بدراسة ميدانية في إحدى الجهات من نيجيريا حول "الطب السحري " وظلت الدراسات الانثربولوجية تبحث في العلاقة بين المعتقدات والنظر للصحة ،وحاول الباحثون الانثربولوجيون التحقق من ذلك ميدانيا في ضوء متغيرات هامة، كالطبقة الاجتماعية ،والفروق البيئية، والفروق العمرية "الجيلية"، وكانت نتائج هذه الأبحاث أن المعتقدات السائدة في الوسط الاجتماعي لها تأثير كبير على تقييم أعراض المرض ،وعلى تفسير أسبابه ،و بالتالي اللجوء إلى الخدمة الصحية الرسمية أو الشعبية، وفي حالة فشل العلاج أو الاستشفاء، فان المعتقدات تكون شبيهة بالشماعة أو المشجب الذي يعلق عليه الفشل، وهذه وظيفة كبيرة يؤديها المعتقد في حياتنا الثقافية والاجتماعية في الصحة، وهي بلا شك وظيفة لها أهمية كبيرة. فقد نفسر فشل العلاج بسبب إتيان المعاصي، أو قطع صلة الأرحام.[18]

وإذا نظرنا مرة أخرى للمعتقدات، فنجد أن لها تأثيرا كبيرا في حياة الأفراد، فقد يفسر مرض"الرجل"بأنه مصاب ب:"التابعة" وهي عبارة عن نوع من الجن تسكن الرجل و تتزوج منه، كما يصاب كذلك الرضيع بنوع آخر يسمى "أم الصبيان" فيظل الطفل الرضيع يعاني من إصابتها، فيكثر من البكاء دائما، ويكون عرضة لتغير خلقته البيولوجية.

إن للمعتقدات دورا مزدوجا حول الصحة والمرض، فقد تعمل على تجنيد العلاج التقليدي، والاعتماد على الطقوس الرمزية  العلاجية المعتادة، وكمثال على ذلك تأثير المعتقدات على نظرة سكان البوادي والأرياف للصحة والمرض، فهؤلاء غالبا ما يلجؤون في حالات المرض إلى العلاج التقليدي، فالبدوي مثلا نجد له معرفة ببعض الأعشاب والسوائل الطبية، وغالبا ما يوفرها في بيته ليستخدمها عند الحاجة، فقد يصاب الفرد بحالة من الإسهال الحاد ولا يذهب إلى الطبيب وإنما يستخدم علاج تقليدي لهذا المرض، وقد يكون الأمر أشد خطورة كأن يصاب الفرد بلسعة الحيات السامة كالعقرب مثلا ولا يلجأ إلى المصاب الطبيب، وإنما يستخدم علاج تقليدي من خلال الاعتماد على بعض الأعشاب والسوائل، وقد تعمل المعتقدات على تحفيز الناس للاعتماد على الطب الحديث .

      3ـ الدين، الطقوس، والصحة والمرض :

إن العلاقة بين الدين والصحة والمرض جد وثيقة، فمن خلال نظرة تاريخية نجد أن الإنسان كان يدرك منذ عصور زمنية سحيقة العلاقة بين الدين والصحة فكان الإغريق يجسدون نظرتهم إلى الصحة من خلال ممارساتهم الدينية، حيث كانوا يقومون بزيارة الأضرحة، كأضرحة أولمبيا، وأضرحة ديلفي، وكانوا يعتقدون في ذلك وجود الإنسان الكامل من الناحية الروحية والاجتماعية والفيزيقية .

وحتى في بيئتنا العربية والإسلامية في مرحلة زمنية من مراحل تاريخنا، اعتقد الناس في أن جلب الصحة طرد المرض يكون من خلال التقرب إلى الأولياء، وإقامة طقوس الزيارة إلى أضرحتهم، وتقديم القرابين إليهم ،وطلب الشفاء لمرضاهم،  أو لمن كانت عاقرا بأن ترزق بالولد والعانس بأن تتزوج ....

ومن الأدلة التي تؤكد وثاقة العلاقة بين الدين والصحة والمرض، هو الصياغة النصية للقسم الذي يؤديه الطبيب لما يستكمل التكوين ويكون مؤهلا لأداء الخدمات الصحية ومداواة المرضى، فكان أبوقراط ما قبل الميلاد قد صاغ قسما طبيا مشهورا، من يقرؤه يدرك عمق العلاقة بين الدين والصحة، وظل ذلك القسم ساري المفعول حتى عام 1947 م، إلى أن قام الاتحاد الطبي الدولي بإعادة صياغة القسم عام 1968 م.[19]

وإذا نظرنا إلى تاريخ الحضارة العربية الإسلامية فإننا نجد أن المسلمين الأوائل قد أولوا اهتماما كبيرا للصحة ومعالجة الأمراض، فعمدوا إلى دراسة الطب، والصيدلة والتشريح وقاموا بتطوير الأبحاث المتعلقة بهذا المجال حتى بلغوا في ذلك شهرة عالمية وحضارية كبرى، فشخصوا الكثير من الأمراض وقاموا بوصف مجموعة من طرق العلاج،  وقد كانت هذه الأخيرة متعددة ومتنوعة وبلغت شهرة المسلمين العالم كله،  في تشييدهم للمستشفيات وكانت تسمى بالبيماريستانات، فبنيت في بغداد، والشام، ومصر، وبلاد المغرب ،والأندلس كما لمعت أسماء أطباء لا  تزال الحضارة الغربية الحالية تعتمد على مكتشفاتهم وقواعدهم وقوانينهم الطبية،  كابن سينا، وابن النفيس، والزهــراوي، وابن البيطار.    

وفي الدين الإسلامي حث شديد على ضرورة أن يعتني الإنسان بصحته، منها قوله عز وجل "ولا تؤدوا بأنفسكم إلى التهلكة "، وإذا تتبعنا نظام حياة المسلم من خلال أوامر القرآن الكريم والسنة النبوية فإننا نجده كله نظافة وطهارة تنجي الإنسان من الوقوع في المرض، فمن جزئيات نظام حياة المسلم أنه يتوضأ للصلاة خمس مرات في اليوم وبالتالي فأعضاؤه دائمة النظافة،  أما حول نظام الأكل والشرب فقد حث الإسلام أن يتوسط الإنسان في ذلك، فالمعدة هي بيت الداء، كما حرمت بعض أنواع من الطعام والمأكولات ،أما فيما يتعلق بنظافة الروح والصحة في الجانب المعنوي والروحي والنفسي فقد حث الإسلام على التآخي ،وعلى حب التآزر، والسلامة بين الأفراد منها حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "المسلم من سلم الناس من يده ولسانه" و"تبسمك في وجه أخيك صدقة "،كما رغب الإسلام في الأجر الرباني الكبير لمن اعتنى بتمريض المريض، وزيارته، وعيادته، وتقديم العون إليه، وهناك الطب النبوي فيه كنوز كبيرة مفيدة لتشخيص المرض والعناية بالصحة .

أما حول الطقوس، فلكل مجتمع ثقافته الخاصة وطقوسه المتعلقة بجانب الصحة والمرض، وغالبا ما يقوم الإنسان بهذه الطقوس للحفاظ على الجانب الصحي في حياة الفرد والجماعة كعزل المريض في بعض الثقافات كي لا تنتشر العدوى، أو إقامة مكان خاص للمصاب بالمرض العقلي حتى يشفى، كما تساهم إقامة بعض الطقوس في توفير بيئات صحية ونظيفة فتقلل من الإصابة بالمرض .

ويذكر جاك بارك، أنه وبفعل الاستعمار، أصيب النظام الفلاحي القروي بتفكيك كبير اثر على النظام الاجتماعي، وبتأثر هذا الأخير وقع ارتجاج في الأطر الاجتماعي، ولكن رغم هذا حافظت دول المغرب العربي على نظام خاص بها Le Système Maghrébin" يتضمن من جملة ما يتضمن بنيات سلوكية فردية وظل هذا النظام له فعالية ومناعة قوية مما مكنه من أن يسيطر في واقع الحياة رغم ظهور نماذج ثقافية واجتماعية، كانت تحاول رسم علاقات جديدة بين الفرد والجماعة من خلال إعادة تعريف المكانات، وإعادة توزيع الأدوار الاجتماعية .

ويرى مصطفى  بوتفنوشت  في هذا المجال أأن المجتمع الجزائري ـ يسير نحو تشكل لثلاثة أنظمة اجتماعية، ولكل واحد من الأنظمة خصائصه من الاضطراب والاغتراب، فهناك النظام التقليدي، وهناك نظام اجتماعي حديث بنمط غربي، وبين هذين الاثنين نظام ثالث هو في حالة بناء، ويطرح مصطفى بوتفنوشت مجموعة من الأسئلة حول نوعية وخصائص هذا النظام، و ما هي أهم مميزاته، وكيف ستكون علاقته مع النظامين السابقين، وهل سيتأثر هذا النظام الذي هو في طريق التشكل بالأنظمة الاجتماعية المجاورة ؟وكيف هي علاقته بالانطمة العالمية ؟[20]

ونقول هذا الكلام من اجل لفت الانتباه والتركيز حول ثنائية (تقليدي ـ حديث) ومدى تأثيرها في واقع الحياة الاجتماعية، ومدى تأثيرها تحديدا على نظرة الأفراد للصحة والمرض في واقع الحياة، ويذهب أحد الباحثين وهو بلقاسم بن إسماعيل، إلى أنه توجد شبكة من المعاني المتعددة والمعقدة حول قضايا الصحة والمرض، ومحاولة التحليل مكن اجل التوصل إلى عملية الفهم، سيوصلنا إلى الكشف عن وجود خلاف كبير وجوهري، ومضمون هذا الخلاف هو وجود صدام أو تضارب بين نمطين من التفكير، نمط أو تفكير ثقافي محلي، وهو نظام تفكير المريض ضمن محيطه الذي يحياه، ونظام آخر يرتكز على النموذج الطبي الرسمي الأكاديمي الحديث، الذي يعتبر الطبيب المتخرج من كلية الطب محوره الأساسي.  [21]

خامسا: تمثلات الأفراد للصحة والمرض من خلال المنظور التقليدي .

لاحظ مصطفى بوتفنوشت أن السحر مازال منتشرا في الأوساط الجزائرية ،بل حتى الحضرية منها ،وفي كل الأوساط الاجتماعية ،خاصة الفقيرة منها، ويلجأ الفرد ـ حسب الباحث ـ لما يعجز عن تقديم منطق يفسر الأشياء ومكونات المحيط الذي يحياه، فاللجوء إلى الشعوذة هو فرار من الواقع باتجاه اللامعقول ،هذا العالم الذي يمتلك القوة التي تفوق قوة المعقول، ويذكر الباحث أن السحر ينتشر بصورة كبيرة عند النساء ،ففي العائلة الممتدة ـ خاصة ـ تسعى المرأة دائما لتوفير الأمان والضمان لحياتها الزوجية، فتمارس السحر حتى تجلب تقدير احترام من ينافسها أو يعادلها داخل الوسط العائلي سواء كانوا رجالا أو نساء، وتسعى دوما لكسب معركتها مع حماتها.[22]

ويسعى المشعوذ أو الساحر إلى إلحاق الأذى بالآخرين من خلال عملياته السحرية التي يستخدم فيها مجموعة من الأدوات والوسائل، فقد تكون هذه الأدوات معادن أم حيوانات سامة، أو دم قذر، أو ريش حيوانات،  أو نباتات، أو أحد أطراف جثة الميت، ويصيب الساحر ضحاياه بالسحر عن طريق طقوس القراءة أو وضعها في الأكل أو أن يخبئها في فراش المعني أو في بيته .......ومن خلال هذا يصبح الفرد يشعر بالمرض أو الوساوس .

ويرى ليفي ستروس أن للسحر وظائف، فمن خلال بعض أبحاثه ذكر أن للسحر والشعوذة وظائف تؤديها، وتكون سببا في استمرارها، فكان قد عقد مقارنة بين الشعوذة وبين العلاج الثماني أو فك طلاسم السحر وبين التحليل الذي يجريه المحلل النفساني، فرأى منطقية العلاج الأول.[23]               

إن التصورات التقليدية للصحة والمرض مرتبط بالسياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، ولذلك فيمكننا القول :أن مرجعيات هذه التمثلات لقضايا الصحة والمرض مختلفة، فمنها ما هو نابع من تفكير ميثولوجي غائر في التفكير الإنساني، ومنها ما هو نابع من تجربة وثقافة الحضارات التي عمرت بالجزائر ،وساهمت الرواية التاريخية في حفظ هذه التجربة، وتناقلتها الأجيال فظلت حية تؤدي وظيفتها باستمرار ،ومنها ماهو نابع من المنظومة الدينية، ومنها ما هو مستمد من الفضاء البيئي في تعامل الإنسان مع الماء ،والهواء، والنار، والنبات .

إن واقع حياة الناس يبرز انتشار أنماط العلاج التقليدي بشكل كبير وواسع بين فئات المجتمع الجزائري فكثيرا ما تطلعنا الجرائد اليومية، وتقارير بعض المصالح الصحية، بالانتشار الواسع لظاهرة الشعوذة تحديدا واعتقاد الأفراد بسلامة هذا النمط من العلاج، فيرونه الملجأ للتنفيس عن الضغوطات التي يعيشونها، والأمل الذي من خلاله حلون من مشاكلهم، رغم أننا نعيش في مطلع الألفية الثالثة التي من أهم مميزاتها أنها قرن العلم والمعرفة والانتشار الواسع للتكنولوجيا والإعلام ولعل من الأسباب المفسرة لانتشار الشعوذة اعتقاد الأفراد بنجاعتها، أولا غلاء المعيشة وصعوبتها سيما العلاج الطبي الحديث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى انتشار نسبة الأمية خاصة في الأوساط الريفية. وعموما إن تحديد تمثلات الفرد الجزائري لقضايا الصحة والمرض تتداخل فيه مجموعة من العوامل منها النفسية والاجتماعية والثقافية والدينية بل وحتى التاريخية وتظل هذه التمثلات نسبية تحكمها العوامل السالفة الذكر بالإضافة إلى قناعات الفرد وتوجهات الجماعة .

وكان الباحث "فريك "قد جمع 186 اسما أو مصطلحا يعبر كل منها عن مرض معين له تصوراته الخاصة لدى الأهالي، وقد يكون لكل مصطلح دال على مرض معين اشتقاقات أخرى، وهذا ما يدل على مدى اهتمام الأهالي بكل التفصيلات الخاصة بظاهرة المرض، كما إن  لهم اهتمام بالحياة النباتية التي جمع حولها "تشارلز فريك "أكثر من أي مصطلح، والباحث الأثنوغرافي لا يكتفي بالتوصل إلى علاقات التقابل التي تجمع بين التصورات المختلفة، بل عليه التوصل إلى القواعد التي تكمن وراء عملية اختيار الأفراد لتصورات معينة دون غيرها، وقد توصل تشارلز من خلال بحثه إلى مجموعة المعايير التي تساعد الأشخاص المعالجين في عملية التشخيص.[24]

وقد كانت مجملة فيما يلي :

      1 ـ معايير خاصة بكيفية ظهور المرض .

      2 ـمعايير خاصة بمقدمات الأعراض المرضية .

      3 ـ معايير خاصة بمجموعة الأعراض الحالية للمرض .

      4 ـ معايير خاصة بمعرفة الظروف المحيطة بظهور المرض .

ويظل سلوك الإنسان تجاه الطب الشعبي تتحكم فيه عوامل ومتغيرات متعددة، فالأبعاد الطبقية والتعليمية فارقة في الجانب العقلاني منه، حتى وإن لم تكن هذه الأخيرة فارقة في الجانب السحري، فرغم الاختلافات الموجودة بين  الفقراء والأغنياء وفئة المتعلمين، فإنهم يفزعون جميعا للممارسات العلاجية الدينية السحرية والشيء الذي يميزهم في هذه الحالة هو اختلاف البواعث، فإذا كان الباعث للفقراء هو الفقر فإن الباعث للأغنياء هو استعصاء المرض، بينما الدافع للمتعلمين نحو الطب التقليدي أو العلاج الديني السحري تحديدا هو فشل الطب الرسمي، أو استعجال نتائجه، وبالتالي فالممارسات العلاجية الشعبية التقليدية تزال تتمتع بوظائفها المستمرة ـ حتى في وقتنا المعاصر ـ وبالتالي فهي باقية ومستمرة إلى جانب العلاج الرسمي الحديث.[25]

غير أن بعض البلدان المتطورة، خاصة في أوروبا، قاموا بدراسة علمية لمنظومة الطب الشعبي وأساليبه العلاجية، ومن ثمة أجروا عملية ترشيدية، فما كان سليما تركوه، وما اثبت علميا عدم صحته ونجاعته، تم القضاء عليه، ولو بسلطة التشريع القانوني ،عكس ما نراه في بيئتنا النامية، فالطب الشعبي يتعايش أحيانا مع الطب الرسمي الحديث، ويكون بديلا عنه في مواقف أخرى خاصة ما اتصل بالأمراض النفسية، والإصابات بالسحر، والحسد، والعقم .... وقد يكون في حالة تحدي وصراع مع الطب الرسمي في بعض قضايا المرض

سادسا: الطب الرسمي الحديث ونتائج الدراسات الأنثربولوجية :

هناك اهتمامات متداخلة بين الأطباء والأنثربولوجيين  ذلك أن الصحة والمرض لا يرتبطان بالعوامل البيولوجية فحسب، وإنما يرتبطان أيضا بالمصادر الثقافية وبالسلوك الاجتماعي لدى كل شعب من الشعوب فتشخيص المرض وكشف نوعه وتقديم كشوفات الأدوية المناسبة هو مجرد عملية بيولوجية في ظاهرها، أما إذا أردنا معرفة كيف يصيب المرض الإنسان، وكيف هي أنواع المرض التي تصيبه؟ فإننا نلجأ بالدرجة الأولى للاعتماد على العوامل الاجتماعية والثقافية السائدة لدى الجماعة البشرية، وبالتالي فنقطة الالتقاء الأساسية بين الأطباء الأنثربولوجيين هي أن الدور الأساسي للطبيب هو كيفية السيطرة على المرض لحماية صحة الفرد والحفاظ عليها، وكيفية تأثير السلوك الإنساني في هذه العملية، أما المختصون في مجال الأنثربولوجيا فدورهم المقابل لدور الطب الرسمي، هو أنهم يهتمون بالبحث في أصل هذه المشكلات ومنشأها وخاصة في مجال الأنثربولوجيا التطبيقية، والدراسات الاتيولوجية والوبائيات.[26]

لقد قدم " جورج فوستر G . Foster " عام 1951 تقريرا عن الأثر الفعال للدراسات الأنثربولوجية على كفاية العمال في ميدان الخدمة الصحية ضمنه النقاط الآتية :

1ـ ينبغي أن يكون القائمون على الإشراف على البرامج الصحية من الذين زودوا بدراسات أنثربولوجية تمكنهم من تفهم الأنماط الثقافية السائدة في البيئات الاجتماعية التي يباشرون فها مهام وظائفهم، سواء تعلقت جهودهم وبرامجهم تلك بالتخطيط أو التنفيذ أو بهما معا .

2ـ تدريب المشرفين على تنفيذ البرامج الصحية على كيفية الإفادة من الدراسات والنظريات الانثربولوجية وعليهم أن يغنوا ويزودوا بخبراتهم وملاحظاتهم ودراساتهم الميدانية هذا المجال من الرعاية الصحية، حتى يكون النفع متبادلا بين الإطار النظري والتطبيقي العلمي.

3ـ تشجيع الباحثين والدارسين في هذا المجال على التزود بالمفاهيم الأنثربولوجية ونتائج دراستها النظرية والتطبيقية ذات الصلة المباشرة بمسألة الرعاية الصحية .

4ـ الاستعانة بالمستشارين المتخصصين في الأنثربولوجيا الاجتماعية الحضرية من شأنه تقديم الفائدة والتوجيه لمختلف الكوادر والمستويات الإدارية والفنية التي يعهد إليها بالتخطيط لبرامج الخدمات الصحية.[27]

وكل التوجيهات والشروط السالفة الذكر ضرورية ومهمة، ذلك أنها تضع دعائم الطريقة العلمية السليمة التي يعتمد عليها الأطباء وفق الرعاية الصحية أثناء ممارساتهم وتقديم أنشطتهم وخدماتهم الطبية في وسط اجتماعي تسوده معتقدات خاطئة في المجال الصحي، والتي قد تؤدي إلى هلاك الأفراد، وفي إطار الإتيان بالجديد لإزالة التقليدي الراسخ يتسلح الأطباء الأكاديميون، والمخططون في مجال الصحة بطرائق وثقافة الإقناع والتوجيه حتى الوصول إلى مرحلة التخلي عن العلاج التقليدي الضار بدلا من الإلزام بالجديد والتمسك بالقديم من طرف السكان، مما يؤدي في الأخير إلى فشل برامج التنمية الصحية .

    خــاتمة 

هناك علاقة وثيقة بين المجتمع، الطب، الصحة، المرض، وقد اشتغلت العديد من فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية لدراسة هذه العلاقة، كعلم الاجتماع والأنثربولوجيا وعلم النفس، وكان علم الأنثربولوجي من خلال بعض المقاربات قد ركز باحثوه على دراسة المدخل الثقافي لقضايا الصحة والمرض وعلاقتها بالمجتمع فاهتموا بدراسة وتحليل مكونات الأنساق الثقافية للمجتمعات الإنسانية، وكيفية مساهمتها في تشكيل وصياغة تعريفات الصحة لدى الأفراد، وكذلك تحديد أنواع الاستجابات التي تصدر من الناس تجاه المرض عند حدوثه إضافة إلى تحديد مواصفات وخبرات الأشخاص أو الفئة التي لها القدرة على تشخيص الأمراض و معالجتها  فأصبح من الضروري البحث حول تأثير الإطار الثقافي على الناحية الصحية، وضرورة الكشف عن العناصر الثقافية التي توجه سلوك الأفراد في حالتي الصحة والمرض، كما تعمل العناصر الثقافية أحيانا  على توليد وترسيخ قناعات بفاعلية الطب التقليدي.

إن استمرار فعالية النسق الثقافي بكل مكوناته حول قضايا الصحة والمرض يستدعي  الاستعانة بالعلوم الاجتماعية والإنسانية بمختلف فروعها لإنجاح التنمية الصحية لمجتمعنا، و للأنثربولوجيا إسهام كبير في هذا المجال، وذلك من خلال دراستها للمدخل الثقافي للصحة والمرض، ذلك أن معرفة مضمون الثقافة لأي مجتمع يوفر إمكانية التنبؤ والاستشراف العقلاني لمجريات الأحداث، إضافة إلى أن المسار الاجتماعي للمرض أو الصحة يتأثر بالمضمون الثقافي للمجتمع . 

الهوامش

$11-  علي محمد المكاوي: الأنثروبولوجيا الطبية، دراسات نظرية وبحوث ميدانية، دار النصر للتوزيع والنشر، جامعة القاهرة، ص ،17.

$12-    Brochon  Schweizer Marilon :Psycho de la santé ,Modèles ,concepts et méthodes Dound ,Paris ,2002

$13-    Robert :Le petit Ropert Dictionnaire  de la langue Française , p 1672   

$14-  فليب لابورت تولرا وآخر : إثنولوجيا، أنثربولوجيا، ترجمة: مصباح صمد، ط1، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت،1423  هـ 2004 م، ص.276.

$15-  فيليب لابورت تولرا وآخر:، المرجع نفسه ، ص ـ ص 276 ـ 277 .

$16-  مأمون سلامة : قانون العقوبات، القسم الخاص، ج2، دار الفكر العربي،1983، ص .128.

$17-  فارس خليل : التطور الثقافي، مكتبة القاهرة الحديثة، مصر، 1960.ص .52.

$18-    Lion ,R :Le fondement Culturel de la personnalité ,traduit par Andrée Lyonard dound ,Paris ,1968 ,p44

$19-  علي محمد المكاوي :الأنثربولوجيا الطبية، المرجع نفسه، ص ـ ص ,19 ـ 20

$110-Good Byron :Comment Faire de L’anthropologie médicale ? Médecine ,rationalité et vécu traduise par Sylvette gleise ,institut Synthélabo pour le progrès de la science ,le plessis robinson ,1998 ,p 79

$111-   محمد علي وآخرون: دراسات في علم الاجتماع الطبي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية،1987، ص.22.

$112-  علي محمد المكاوي: الانثربولوجيا الطبية، المرجع  نفسه، ص ـ ص .48 ـ 49.

$113-نبيل صبحي حنا : الأنثربولوجيا الطبية وخدمة قضايا الصحة والمرض في مصر، الكتاب السنوي لعلم الاجتماع، ع3، دار المعارف، القاهرة، 1982،ص ،38.

$114-نبيل صبحي حنا : الأنثربولوجيا الطبية، المرجع نفسه، ص,93.

$115-هولتكرانس ايكيه : قاموس مصطلحات الاثنولوجيا والفلكلور، تر: محمد الجوهري وحسن الشامي دار المعارف، القاهرة، 1973، ص .55

$116-علي محمد المكاوي :الأنثروبولوجيا الطبية، المرجع  نفسه،ص ـ ص .56 ـ 57

$117-علي محمد المكاوي :الانثربولوجيا الطبية، المرجع نفسه،ص . 58

$118-علي محمد المكاوي :الانثربولوجيا الطبية، المرجع نفسه، ص  ـ ص .61 ـ62

$119-عبد الله أحمد الجنيد : آداب المهنة الطبية ،ع1، جامعة صنعاء، فبراير 1984.

$120-   Boutefnouchet Mustapha: Système Social et changement social en Algérie ;O,P,U,Alger ,1984 ,p12

$121-  Belkacem Bensmail :Le sens de la maladie dans le culture Maghrébine arabe islamique ,Psychologie médical N 19 ,1987 ,Paris ,p985

$122-  Boutefnouchet Mustapha : Système Social et chargement social en Algérie ; O,P,U,Alger,1984 ,p128         

$123-   Claud Lévi  -Straus :Anthropologie Structurale ,plon ,Paris ,1973 ,p 227

$124-فتحية محمد إبراهيم، ومصطفى حمدي الشنواني: مدخل لدراسة الأنثربولوجيا المعرفية، دار المريخ للنشر، المملكة العربية السعودية،1992 ،ص ـ ص .219 ـ 226 .

$125-علي محمد المكاوي: الانثربولوجيا الطبية ، المرجع نفسه، ص.93

$126-علي محمد المكاوي: الأنتربولوجيا الطبية، المرجع نفسه، ص ـ ص .20 ـ 21

$127-  زكي محمد إسماعيل: الأنثربولوجيا والفكر الإسلامي، ط1، شركة عكاظ للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، 1982، ص ـ ص .80 ـ 81 .