الذاكرة العاملة والازدواجية اللغويةpdf

دراسة مقارنة بين تلاميذ ناطقين بالعربية وتلاميذ ناطقين بالتارقية بمنطقة تمنراست

د. رحمة صادقي

د. فاطمة صادقي

المركز الجامعي تمنراست (الجزائر)

 Abstract :

This study planned to know the relationship between the working memory and the bilingualism from comparing the school results of two categories of 4th level learners of primary schools in Tamanrasset ( those who speak Arabic and the other ones who speak Touareg language “Tamaheght”).

The result was: There is a difference in school results of the categories according the capacities of the working memory.

Key word:The working memory, The bilingualism, Touareg language “Tamaheght”.

Résumé:

Cette etude a été concue dans le but de connaitre la relation entre la mémoire de travail et le bilinguisme, à travers la comparaison de l’apprentissage de deux groupes d’élèves des écoles primaires de la région de Tamanghasset ( des élèves arabophones et leur homologues parlant la langue targuie). Les deux groupes ont le niveau de quatrième année primaire.les résultats obtenus montrent qu’il y a des différences d’apprentissage, relatives aux capacités de la mémoire de travail de ces eux groupes.

Mots clés : mémoire de travail, bilinguisme, la langue targuie.

الملخص:

صممت هذه الدراسة بغرض معرفة العلاقة الموجودة بين الذاكرة العاملة والإزدواجية اللغوية، من خلال المقارنة بين تحصيل فئتين من التلاميذ بالمدارس الإبتدائية بمنطقة تمنراست ( تلاميذ ناطقين بالعربية ونظرائهم الناطقين بالتارقية) من المستوى الرابعة إبتدائي، حيث توصلت النتائج إلى وجود فروق بين الفئتين في التحصيل ترجع إلى التفاوت في قدرات الذاكرة العاملة.

الكلمات المفتاحية: الذاكرة العاملة، الإزدواجية اللغوية، التارقية

مقدمــــة

لطالما استرعى موضوع العلاقة بين الازدواجية اللغوية والتطور المعرفي اهتمام العديد من العلماء والباحثين في مجال علم النفس اللغوي حول اعتبار أن تطور الازدواجية اللغوية كنتيجة هامة للتطور المعرفي أو العكس، أي أنها تتطور بصفة مستقلة عن الفكر، هذا الأمر أدى إلى بروز تيارين متناقضين حيث تمثل الأول في المدرسة البياجية التي اعتبرت أن التطور المعرفي غير خاضع أو أنه خاضع قليلا للغة، وبالتالي فإن بياجيه (Piaget) ينفي أي أهمية للغة في بلورة البنى المعرفية بقوله: " إذا كانت اللغة مهمة في بلورة البنى المنطقية فإنها ليست العامل الرئيسي في تكوينها"([1])، حيث دعمت هذه النظرة بأعمال سانكلير (Sinclair-de Zwart) (1969) الذي يرى أنه حتى إذا كان بياجيه اعتبر أن اللغة ليس لها دور سببي في تطور الفكر، فلقد اقترح أن اللغة أداة هامة بالنسبة فيما يخص التعبير عن الفكر المجرد ففي نظريته فإن التجربة المزدوجة اللغة تؤثر على السير المعرفي بما أنها تفرض استدعاء بعض الميكانيزمات الذهنية الخاصة من أجل حل المشاكل المتداخلة في التنسيق بين لغتين دون التأثير في مستوى تطور بعض الميكانيزمات المعرفية، وفي هذا الإطار نطرح إشكالية الترابط القائم بين التعلم والذاكرة، إذ تعتبر هذه الأخيرة مركز لجميع العمليات والأنشطة المعرفية للفرد، وقد استقطب ذلك اهتمام العديد من العلماء والباحثين في مجال علم النفس المعرفي، إذن يجب النظر إلى التعلم باعتباره بناء تراكيب أو أبنية معرفية، فعندما يتم تعلم معلومات جديدة فإنها تكون إضافة إلى البنية المعرفية السابق وجودهـا في الذاكـرة، ولكي يصبح التعلم أكثر ديمومة يتعين إدماج الخبرات الجديدة في الخبرات السابقة، ثم إعادة استخدام هذه الخبرات في المواقف الجديدة([2])؛ حيث أصبح اهتمام علماء النفس المعرفي هو دراسة وفهم العمليـات المعرفيـة المعقـدة، ومن بين هذه المواضيع نجد التعلم بصفة عامة والتعلم المدرسي بصفة خاصة، وفيما يلي سوف نتطرق إلى دراسة الذاكرة والازدواجية اللغوية من خلال دراسة ميدانية لدى تلاميذ السنة الرابعة أساسي بمنطقة تمنراست.

وباعتبار أن الذاكرة نظام متعدد المخازن (مرحلي) فإن اهتمامنا سيقتصر على الذاكرة العاملة، هذه الأخيرة التي تعد مخزناً مؤقتاً لحفظ ومعالجة المعلومات، وتعتبر هذه المرحلة حاسمة بصفتها المرحلة التي تتكون فيها استراتيجيات التعلم التي تبلور قدرة التلميذ على تجميع كل معارفه وخبراته.

الإشكالية:

تعتبر الذاكرة العاملة محط اهتمام الكثير من الباحثين وخاصة الدراسات النفسية العصبية، ومن بين هذه الدراسات لدينا نظرية بادلي(Baddeley) التي ظهر من خلالها مصطلح الذاكرة العاملة، هذه الأخيرة التي تتكون من نظامين تابعين متمثلين في الحلقة الفونولوجية والسجل الفضائي البصري، بالإضافة إلى إداري مركزي يعمل على التنسيق بين النظامين السابقين، كما أنه يتدخل في التخطيط لحل المشاكل والبحث عن المعلومات في الذاكرة طويلة الأمد([3]).

وباعتبار أن اللغة والذاكرة نظامان مرتبطان إلى حد بعيد بحيث يصعب التفريق بينهما ( Mazeau, 1999)، وبالاعتماد على نموذج بادلي للذاكرة العاملة فإننا سنسعى إلى تأكيد هذه الصلة من خلال المقارنة بين فئتين من التلاميذ، انطلاقاً من التفاوت الموجود بين لغة الأم ولغة المدرسة وأثره على التحصيل الدراسي.

ففيما يخص العلاقة بن الازدواجية اللغوية والتطور المعرفي، فهناك من يرى أن هذه الأخيرة لديها أثر وبيل على التطوّر الفكري للطفل، حيث بين كل من بانتر وكالر( Pienter et Keller) سنة 1992 وجود إعاقة لغوية عند المزدوج، وبالمقابل هناك من يقر بالتفوق الفكري للمزدوج إثر التعبير عن أكبر مرونة معرفية، مما يؤهل المزدوج لإعطاء تحليل للخصائص الدلالية ([4])، وإذا ما رجعنا إلى وجهة النظر الأولى فإننا نجد أنها تتفق مع أعمال كل من جانشاو وسبارك (Ganschaw et Sparks, 1993)، التي تبين وجود علاقة بين صعوبة تعلم لغة أجنبية ونقائص في معالجة الرموز اللسانية عامة، والتي غالبا ما تكون مرتبطة بنقائص الترميز الفونولوجي مما يؤدي إلى إطالة زمن المعالجة، ولما كانت الأداءات في النشاطات اللفظية المعقدة مرتبطة بشدة بفعالية معالجة بعض العمليات الأساسيـة لرموز اللغة ( Lewis, 1975 ; Hunt, 1980) ([5])، فإن هذا من شأنه أن يؤثر على النتائج المدرسية للتلميذ، كون أن النجاح المدرسي يتطلب استئناساً للمادة التي تتعامل معها المدرسة، وهذا ما لم تهتم به الدراسات في الجزائر، كل هذا دفعنا إلى البحث في العلاقة بين الذاكرة العاملة والازدواجية اللغوية فيما يتعلق باختلاف الرمز الفونولوجي من خلال المقارنة بين تحصيل فئتين من التلاميذ بالمدارس الابتدائية بمنطقة تمنراست في مستوى الرابعة ابتدائي، بحيث لدينا مجموعة نشأت على العربية العامية، وأخرى نشأت على التارقية، فإذا استطعنا التحدث عن العلاقة القائمة بين العربية الفصحى والعامية، فإن هذه العلاقة تنعدم فيما يخص اللغة التارقية، والتي تعتمد على نظام لساني مختلف عن اللغة العربية، ولما كانت ذخيرة الطفل التارقي أقل من نظيره الناشئ على العربية، فإن هذا من شأنه أن يؤدي إلى تدني محصوله الدلالي الذي يساعد على فهم واكتساب ما يقرأ، هذا بالإضافة إلى أن التكرار الآلي للمادة المتعلمة لا يساعد على تذكرها في ظل عدم ارتباطها بما هو قائم في البناء المعرفي للتلميذ، لاسيما وأن المدرسة الجزائرية تعتمد كثيراً على الحفظ والتلقين، ولما كان للغة وبلوغ الكفاءة في مهارتها من أثر على العمليات العقلية فإن هناك تأثير على صعوبات تعلمها في تعلم غيرها من المقررات([6]).

ومن كل ما سبق نطرح التساؤل التالي:

هل يوجد فرق بين تحصيل التلاميذ الناطقين بالتارقية وتحصيل التلاميذ الناطقين بالعربية يعزى إلى التفاوت في قدرات الذاكرة العاملة؟

فروض الدراسة

الفرضية العامة :

- يوجد فرق بين تحصيل التلاميذ الناطقين بالتارقية وتحصيل التلاميذ الناطقين بالعربية يرجع إلى التفاوت في قدرات الذاكرة العاملة.

الفرضيات الجزئية:

-توجد فروق دالة إحصائيا بين الأطفال الناطقين بالعربية ونظرائهم الناطقين بالتارقية في التحصيل الدراسي لصالح الناطقين بالعربية.

-توجد فروق دالة إحصائيا في الأداء على مهام قياس الإداري المركزي بين الأطفال الناطقين بالعربية ونظرائهم الناطقين بالتارقية لصالح الناطقين بالعربية.

-توجد فروق دالة إحصائيا في الأداء على مهام قياس الحلقة الفونولوجية بين الأطفال الناطقين بالعربية ونظرائهم الناطقين بالتارقية لصالح الناطقين بالعربية.

مصطلحات الدراسة:

الذاكرة العاملة (mémoire de travail): والتي يعرفهــا كــل من بادلي وهيتش ( Baddeley A.D et Hitch G J, 1974, ) على أنها: " نظام لقدرات محدودة معينة للاحتفاظ الزمني ولمعالجة المعلومات أثناء تحقيق مهمات معرفيـة مختلفـة مثـل: الفهـم، التعلـم، التفكير، والاستدلال"([7]).

والتعريف الإجرائي للذاكرة العاملة في البحث يشمل العلامات المتحصل عليها من قبل التلميذ في اختبار مكونات الذاكرة العاملة المتمثلة في: الإداري المركزي، الحلقة الفونولوجية.

الازدواجية اللغوية (bilinguisme) : ويعرفها تيتون (Titone)على أنها: " قدرة الفرد على التعبير بلغة ثانية مع احترام المفاهيم والبنيات الخاصة بهذه اللغة بدون الإطناب باللغة الأم "([8]).

والازدواجية اللغوية في البحث تتمثل في ( اللغة الأم، ولغة المدرسة)، ففيما يخص اللغة الأم فهي اللهجات المحلية ونقصد بها: " التنوع في اللغة الواحدة المتأتى من تنوع الأقاليم الجغرافية([9])، ولدينا:

أ‌-    العامية بمنطقة تمنراست، وهنا نتكلم عن الثنائية اللغوية (diglossie)، وهي حالة لسانية مستقرة نسبياً يتواجد فيها مستويين للكلام من نفس اللغة كالعامية والفصحى([10]).

ب‌-اللهجة التارقية: وهي تنتمي إلى مجموعة اللسان البربري، لها وزنها ضمن هذه المجموعة وصفة متميزة خاصة من جانب المفردات، وكما هو الحال بالنسبة للغات البربرية التي تتكون من عدة لهجات، فإن التوارق يقسمون لهجتهم إلى أربع لهجات من بينها " تهقارت أو تماهق" التي يتحدث بها " كل اهقار" بالجزائر و" كل آجر" بليبيا والجزائر ([11]).

أهمية البحث

لعل أهمية هذا البحث تنبع من الاعتبارات التالية:

1-يعد هذا البحث إضافة جديدة إلى البحوث التجريبية فيما يخص الذاكرة واللغة، وذلك بالتركيز على الذاكرة العاملة من جهة، والازدواجية اللغوية من جهة أخرى.

2-  إن دراسة الذاكرة العاملة لدى التلاميذ وتحديد مواطن القوة والضعف فيها هي حجر الزاوية في عملية التطور والتحديث.

3-  تسليط الضوء على فئة التلاميذ الناطقين بالتارقية، والبحث عن الأساليب والإجراءات العملية التي تؤدي إلى تحسين الاكتساب المعرفي لهم.

مكونات الذاكرة النشطــة: نموذج بادلي (Baddeley)

حسب بادلي فإن الذاكرة النشطة تشمل على إداري مركزي يضم عدد من الأنظمة التابعة المسؤولة عن الإحتفاظ الزمني بالمعلومات والمتمثلة في الحلقة الفونولوجية والمفكرة الفضائية البصرية.

1-  الحلقة الفونولوجيةLa boucle phonologique

وتختص بالتخزين المؤقت للمعلومات اللفظية، تتركب من مخزون فونولوجي وسياق تكرار لفظي، حيث يستقبل المخزون الفونولوجي المعلومات المقدمـة سمعيـا والتي تخزن على شكل رموز فونولوجية في مدة قصيرة جدا تتراوح من (1.5) إلى (2) ثانية حسب ما بينه كل من تومسون وبادلي([12])، وتدرج باستمرار بواسطة ميكانيزم التكرار النطقي، أما إذا كان تقديم المادة بصرياً فتمر عملية التخزين بمرحلتين: المرحلة الأولى يتم فيها ترجمة أو تشفير المادة فونولوجياً بواسطة ميكانيزم التكرار اللفظي، ثم في مرحلة ثانية يتم تخزنها في السجل الفونولوجي أين تتم عملية التنشيط بواسطة نفس الميكانيزم لأجل الاحتفاظ بالمعلومة لزمن معين.

2-  المفكرة الفضائية البصريةCalepin Visio- spatial:

وهي المسؤولة عن التخزين القصير المدى للمعلومات البصرية الفضائية، يملك هذا النظام في آن واحد وحدة التخزيــن البصري للصور والأحداث ذات طبيعــة بصريـة وميكانيزم فضائي يسمح بنوع من البرمجة للحركات البصرية، بالإضافة إلى سياق تكرار حيوي ( نظير سياق التكرار النطقي) ([13]).

3-  الإداري المركزيL'administrateur central:

يشرف الإداري المركزي على النظامين السابقين (الحلقة الفونولوجية والمفكرة الفضائية البصرية)، و يعتبر كنظام واعي يعمل على تنسيق عمليات الأنظمة التحتية المتخصصة، كما أنـه يدير مرور المعلومات بين هـذه الأنظمـة التحتية والذاكرة طويلة المدى، ويقوم باختيـار الاستراتيجيـات المعرفية وربط المعلومات بمصادر مختلفة، ويستطيع جزء من قدراته المحدودة أن يؤثر في معالجة عمليات التخزين لتفاقم المعلومات الممكن الاحتفاظ بها في الأنظمة التابعة، كما أصدربادلي سنة 1996 تقسيماً للإداري المركزي إلى مركبات تحتية إجرائية متخصصة(تتمثل في التنسيق بين مهمتين منجزتين في آن واحد، تعديل استراتيجيات الاسترجاع من الذاكرة طويلة المدى، الانتباه الانتقائي، تنشيط المعلومات في الذاكرة طويلة المدى) والشكل التالي يوضح مخطط مبسط للذاكرة النشطة حسب بادلي (Baddeley A.D, 1986) نقلا عن أوستاش وفور (Eustache F et Faure S, 1996, 256):

S160101

كما وضع بادلي(Baddeley A.D, 2000) تعديلات لنموذجه الثلاثي في عام 1986 والذي تمت مراجعته سنة 1998، حيث أضاف إليه مركبة رابعة سماها الحاجز العرضيbuffer épisodique، هذا الأخير يكون نظام لقدرات محدودة للدمج والتخزين المؤقت للمعلومات المتعددة النماذج أثناء تصور عرضي أحادي للمعلومات الآتية من الأنظمة التابعة والذاكرة طويلة المدى، كما يخضع هذا الدارئ أيضا لمراقبة الإداري المركزي([15]).

الإطار الميداني للدراسة:

الحيز المكاني الزماني للدراسة: تم إجراء البحث الميداني بمنطقة تمنراست في مدرستي "موسى بن نصير" الواقعة بحي متنتلات، ومدرسة "مصعب بن عمير" الواقعة بحي تهقارت الغربية"، للفترة الممتدة من شهر أفريل إلى غاية شهر ماي 2005.

عينة البحث: وتشمل عينة البحث وفقا لأهداف الدراسة مجموعة من التلاميذ الناطقين بالعربية(18 تلميذ)، ومجموعة التلاميذ الناطقين بالتارقية (18 تلميذ) من مستوى السنة الرابعة ابتدائي.

أدوات البحث: من أجل التحقق من صحة الفرضيات فإننا سنعتمد الأدوات التالية:                                           

أ - اختبار التحصيل الدراسي: ولقياسه اعتمدنا على اختبار القـراءة – بالرجوع إلى النتائج المدرسية المحصل عليها في القراءة من قبل معلمي تلاميذ العينة في مدرستي موسى بن نصير ومصعب بن عميـر -، حيث أكّدت الدراسات النفسية أن التطور في القدرات القرائية والعادات الدراسية يؤدي في الغالب إلى تطور ملحوظ في قدرات الفرد على التعلم والتحصيل([16])، كما أن القراءة هي إحدى الطرق القوية والمؤثرة في تطوير رصيد المعلومات في الذاكرة، وأنها تلعب دورا متميزا في تطوير الخطط العقلية، وأنماط التفكير([17]).

ب‌-    اختبارات قدرة الذاكرة العاملة: وستشمل المكونات الثلاث المتمثلة في الإداري المركزي، الحلقة الفونولوجية، والمفكرة الفائية البصرية.

ب-1- مهام قياس الإداري المركزي: لقد إعتبر كل من نورمان وشاليس (Norman et Shallice, 1986) وكال (Kale, 2004) أن ظاهرة ستروب التي اكتشفها ستروب ( Stroop, 1935) تعبّر بدقة عمّا يحدث أثناء الضبط التنفيذي، حيث تطلب هذه الظاهرة من الفرد أن يظهر تركيزاً على المهام، مهما انتقل بينها دون أن يفقد تركيـزه، وفي نفس الوقت عليه أن يكف الانتباه للمهام الغير مطلوبة. اعتبر سوانسون وآخرون (Swanson et al, 1998) أن الاستعانة بظاهرة ستروب في قياس عملية تنشيط/كف المتصلة بعمليةالإداري المركزي مناسبا، حيث يتم حل الصراع بين عمليتين، ويظهر حل الصراع في الأداء على مهام ظاهرة ستروب، عند قراءة الأسماء بالألوان التي تطبع بها، فقد تكون أسماء الألوان بنفس ألوانها، أو قد تكون مكتوبة بألوان مختلفة.و الصراع ينشأ من قراءة اللون المكتوب بلون مختلف، بينما لا يحدث هذا الصراع عندما يكون اللون مكتوب بنفس اللون ([18]).

قام أبرامس ( Abrams, 2002)بإعداد مقياس ستروب ضمن مجموعة من البرامج النفسية المبرمجة، وعملت الباحثة أمل السيد على تصميم نموذج مماثل للبرنامج الذي وضعه أبرامس (2002)، أضيفت بعض التعديلات مثل عمل نموذج يعتمد على كلمات باللغة العربية(أحمر، أخضر، أزرق، أصفر) والتجربة تعتمد على تأثير كل لون من الألوان وأسماء الألوان والألوان المستخدمة في كتابتها،يتم تطبيق المهمة وفقا لثلاث حالات:

1)- الحالة المحايدة: يتم فيها عرض الحرف (X) بشكل متتالي، بلون من الألوان الأربعة، والحرف هنا ليس له دلالة.

2)- الحالة المطابقة : يتم عرض أسماء الألوان بنفس ألوانها(الأحمر يكتـب بالأحــمر، والأصفر بالأصفر، والأخضر بالأخضر، والأزرق بالأزرق) .

3)- الحالة الغير مطابقة : يتم عرض كلمات (أحمر، أخضر، أصفر، أزرق) بلون حبر مخالف للإسم.

المطلوب في الحالة الأولى قراءة اللون لا الحرف، أما في الحالتين الثانية والثالثة فالمطلوب هو قراءة الكلمة لا اللون، سواء كانت الكلمة مكتوبة بنفس اللون أو بلون مغاير.

تحتوي المجموعة على 36 محاولة، وتشتمل على عدد متساوي من الحالات الثلاث للمثيرات، حيث نضع لكل حالة 12 محاولة.

وسوف يتم حساب نتائج ظاهرة ستروب على أساس المقارنة بين نتائج الأداء تحت تأثير الشروط الثلاث (اللون بنفس الإسم، اللون بإسم مختلف، الشكل المحايد) وذلك لتحديد أثر ستروب على الأداء، والتجربة تعتبر نتائجها قياسا للذاكرة العاملة، خاصة قياس المكون التنفيذي المركزي.

ويتمتع هذا المقياس بثبات عالي،تقدر قيمة ألفا كرومباخ (0.80)، كما جاءت نتائج الصدق التمييزي باختبار (ت) مساوية لـ 8.10 وهي دالة عند مستوى (0.001).([19])

ب-2-مهام قياس الحلقة الفونولوجية: من أجل اختبار الحلقة الفونولوجية اعتمدنا على وحدة الحفظ الذاكري (empan mnésique)، والمتمثل في وحدة حفظ الأرقام لتقييم قدرات التخزين القصير المدى للفرد، والمستوحى من اختبار وكسلر للذكاء (le test Digits Forward)، ويشمل الاختبار على عرض سلاسل متزايدة الطول من2 إلى 9 أرقام بمعدل رقم في الثانية، ومهمة الفرد هي الإعادة الصحيحة لسلسلة الأرقام المعطاة من قبل المختبر، وعندما تسترجع كل متتالية بشكل جيد يقرأ المختبر المتتالية الأخرى الأكثر طولاً ويستمر إلى غاية فشل الطفل في الاسترجاع الصحيح لسلسلتين متعاقبتين، أو عند تمكنه من الإعادة الجيدة للأرقام التسعة المعروضة عليه، وحدة الحفظ القصير المدى للفرد تشمل المتتالية القصوى المسترجعة بشكل جيد([20]).

المعالجة الإحصائية:

لمعالجة نتائج الدراسة تمّ استخدام إختبار "ت" (T, test) لعينتين غير مترابطتين.

عرض ومناقشة وتحليل نتائج الفرضيات:

1-عرض نتائج الفرضيات:

 

التلاميذ الناطقين بالعربية

التلاميذ الناطقين بالعربية

 
 

المتوسط

الانحراف م

المتوسط

الانحراف م

قيمة"ت"

مس الدلالة

الفرضية1

13.86

1.9

10.22

3.83

3.61

0.05

الفرضية2

34.42

5.2

28.51

5.94

3.17

0.05

الفرضية3

07

0.8

05

1.5

05

0.05

2-     مناقشة وتحليل نتائج الفرضيات

بالنسبة لفروض الدراسة فإننا نجد من خلال المعالجة الإحصائية للبيانات باستعمال اختبار "ت" لعينتين غير مترابطتين أن قيمة " ت" المحسوبة أكبر من المجدولة مما يؤكد وجود فروق دالة إحصائية عند مستوى (0.05) بين متوسطي تحصيل (القراءة) الأطفال الناطقين بالعربية والناطقين بالتارقية لصالح الأطفال الناطقين بالعربية، وهذا ما يتفق مع دراسة كل من بانتر وكالر الذين وضحا وجود إعاقة لغوية عند المزدوج، ونفس الشيء عند سير (Saer, 1993) الذي اعتمد على مفهوم الغموض لوصف السير الفكري عند المزدوج، حيث وضحت عدة دراسات أن النتائج المعرفية تكون مرتفعة عندما تكون اللغة الأم مقومة من طرف الوسط العائلي(Long, Padilla, 1970) والمدرسي (Lambert, 1977).

أما فيما يخص الفرضية الثانية والثالثة والموجهتان لاختبار قدرات الذاكرة العاملة من خلال قياس مهام الإداري المركزي والحلقة الفونولوجية وباستعمال اختبار "ت" لعينتين غير مترابطتين فإننا نجد أن قيمة " ت" المحسوبة أكبر من المجدولة مما يؤكد وجود فروق دالة إحصائية عند مستوى (0.05) بين التلاميذ الناطقين بالعربية والناطقين بالتارقية فيما يخص قدرة الإداري المركزي والحلقة الفونولوجية على التوالي لصالح التلاميذ الناطقين بالعربية، وهذا ما يتفق مع نتائج كوك (Cook, 1977, 1979) الذي وضّح أن وحدة الاستيعاب الذاكري تكون جد ضعيفة إذا كانت العناصر المراد استدعاؤها تنتمي إلى لغة أجنبية مقارنة بالعناصر من اللغة الأم، وهذا ما يبرر تفوق التلاميذ الناطقين بالعربية على أترابهم الناطقين بالتارقية، ففي نشاطات التذكر المتسلسل تكون الرموز الذّاكرية قائمة على الخصائص الصوتية أو النطقية للمواد المعروضة، وحتى عندما لا تقود المهمة إلى تلفظ فعلي للمادة فإن الذاكرة تستعمل في بعض الحالات كسند للتمثيلات الذهنية القائمة على الخصائص اللفظية.([21])

خـــاتمة

من خلال ما سبق يمكننا القول بوجود فرق بين تحصيل تلاميذ السنة الرابعة ابتدائي -بمنطقة تمنراست- الناطقين بالتارقية وتحصيل التلاميذ الناطقين بالعربية يرجع إلى التفاوت في قدرات الذاكرة العاملة. فلما كانت البنية المعرفية للتلميذ التارقي ضعيفة، فإنه يصعب عليه الاحتفاظ بالمعلومات لفترة أطول مما يعيق عملية معالجة المعلومات بالمستوى المطلوب دون الحاجة المستمرة للرجوع إلى الذاكرة طويلة المدى، والتي تفتقر للمكافآت المعرفية اللازمة لتفسير المثيرات الجديدة، فالتلاميذ الناطقين بالتّارقية، يعانون من قصور عام في الذاكرة العاملة يحتمل أن يرجع إلى صعوبات في عملية التخزين والمعالجة للمعلومات التي يقوم بها الإداري المركزي فهم لا يستطيعون الوصول إلى مستوى المعالجة المطلوبة لقصور الترميز لديهم لضآلة حقلهم المعرفي، لكن بالمقابل لاحظنا حصول بعض التلاميذ على نتائج ممتازة في التحصيل الدراسي، وكذا في اختبارات قدرات الذاكرة العاملة، وهذا ما أدلى به اكستراند(Ekstrand, 1980) في أن الأطفال المزدوجي اللغة يطوّرون قدرات متّسعة بالنسبة للتحويلات اللفظية وتعويض الرموز.([22])

وعليه نقترح توسيع دراسة العلاقة بين الذاكرة العاملة والازدواجية اللغوية على عينة أكبر، من خلال البحث في جذور هذه الأخيرة بالتركيز على الأنواع الفرعية للازدواجية اللغوية والمتمثلة في التكميلية (bilingualité additive) و(bilingualité soustractive).

كما نقترح بناء اختبارات لقياس قدرات الذاكرة العاملة باستعمال النظام اللساني التارقي حتى نتمكن من قياس وحدة العبء الذهني للتلميذ التارقي في اللغتين (العربية والتارقية) للوقوف على الأسباب الحقيقية للتأخر الدراسي.

الهوامش والمراجع المعتمـدة :


([1]) Piaget, J et Barbel, B, (1959), La genèse des structures logiques élémentaires. Neuchatel. Paris. P12

([2]) فتحي مصطفى الزيات، (1995)، الأسس المعرفية للتكوين العقلي وتجهز المعلومات. دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيـع، جامعـة المنصورة، ط2.

([3]) Majerus, S et Belin, C. (2001), Relation entre perception mémoire de travail et mémoire a long terme. SOLAL. Marseille.

([4]) Josiane, F, Hamers et Blanc, M. (2001),Bilingualité et bilinguisme. Pierre Maradaga. Paris. P 91

([5]) Gaounac’H, D et Largaudrie, P. (2000). Mémoire et fonctionnements cognitifs. Armind Colin. Paris. P36

([6]) محمد عبد المطلب جاد،(2003)، صعوبات تعلم اللغة العربية. دار الفكر للطبعة والنشر والتوزيع، عمان،ص 54

([7]) Seron, X et Jeannerod, M. (1998). Neuropsychologie humaine. Maradaga. Sprim. P 285

([8]) Titone, R. (1972). Bilinguisme précose. Dessart. Bruxelles. P11.

([9]) عبد الله عبد العزيز. (1983). اللسان العربي. ص20

([10]) جهاد محمد، سيكولوجية اللغة ، دار الكتاب ، بيروت لبان، الطبعة الأولى

([11]) اللبيكا،( 1977)،مركز الأبحاث وما قبل التاريخ وأصل السلالات البشرية. ص 206

([12]) Baddeley, D et Thomson, N. (1975). Imagery and visual working memory. In P.M.A. Rabbite et S. Dornic(Ed). Attention and performance. Academic press. London.

([13]) Seron, X et Jeannerod, M. op cit. p 283

([14]) Eustache, F et Faure, S. (1996). Manuel de neuropsychologie. Dunod, Paris. P 256

([15])Majerus, S et Belin, C. op cit. p39

([16]) خشروم سليمان حسين. (1976). المطالعة أهميتها للفرد والمجتمع. المجلة التربوية الدوحة. العدد 14.

([17]) Crafton, Linda, K. (1983). Learning from reading : What Happens When Studente Generate Theire Own Background Information. Journal of Reading. Vol.5. N. 7.

([18]) Swanson, H. L. (1994). Short-term memory and working memory: do both contribute to our understanding of academic achievement in chigdren and adults with learning disabilities? Journal of Learning Disabilities.

([19]) أمل محمود السيد محمود الدوة. (2003). النشاط النيروسيكولوجي للمخ المرتبط بالانتباه لدى الأفراد زائديالنشاط منخفضي التحصيل الدراسي. رسالة دكتوراه غير منشورة. كلية التربية بالعريش. جامعة قناة السويس.

([20] ) Gaounac’H, D et Largaudrie, P. op cit. p141

([21]) Gaounac’H, D et Largaudrie, P. op cit.p.p 236-245

([22]) Josiane, F, Hamers et Blanc, M. op cit. p121.