السوسيولوجية العربية "الهرمة" ومشروع تفكيك التمركز؛ نحو إعادة تفكير الموضوع (المجتمع)pdf

د.أحمد عماد الدين خواني

جامعة سطيف2 (الجزائر)

Abstract:

The project as a proposal for a system of external philosophical knowledge (alternative), arises the epistemological rupture to overcome the crisis of sociological theory (Western positivism), Starts from a dialogue with the Arab self thinker, to rid it of impossible positivism , through the contemporary applications of the philosophical heritage, after the founding of its system and completeness of its epistemological components, which inevitably will produce a knowing self, overtaking the contradictions of the philosophical; positive and sociological system, which will give us the cognitive and methodological tools, necessary to establish a system of knowledge and interpretative sociology.

الملخص:

إن المشروعكمقترح لمنظومة معرفية فلسفية بديلة، تحدث القطيعة الإبستمولوجية لتجاوز أزمة النظرية السوسيولوجية (الوضعية الغربية)، ينطلق من محاورة الذات المفكرة العربية لتخليصها من الاستحالة الوضعية، عن طريق التطبيقات المعاصرة للفلسفة التراثية، بعد تأسيس منظومتها واكتمال تركيبها الإبستمولوجي، والتي حتما ستنتج ذات عارفة متجاوزة لتناقضات المنظومة الفلسفية والسوسيولوجية الوضعية، والتي ستمدنا بالأدوات المعرفية والمنهجية اللازمة لتأسيس منظومة معرفية وسوسيولوجية.

مدخل اشكالي:

إن المقاربة الإبستمولوجية تظهر أن نشأة المعرفة وتطورها تخضع للسياقات الاجتماعية، النفسية والتاريخية للذات المفكرة في تفاعلها مع موضوع معرفتها، سنفهم إبستيميا الإشكالية المركبة التي نحن بصدد معالجتها، والتي تتحدد في غياب منظومة فلسفية ذاتية تستمد منها السوسيولوجيا مسلماتها وإطارها المعرفي والمنهجي من جهة، وغياب الموضوع السوسيولوجي العربي من جهة أخرى، فالتساؤل مشروع حول " مدى قدرة النظرية الاجتماعية المعاصرة التي يوظفها علماء الاجتماع العرب حاليا لتفسير وفهم ديناميكية التحولات الاجتماعية في المجتمع العربي، وهذه التحولات من التداخل والتعقيد والخصوصية، بحيث تستعص على الفهم والتفسير برؤى ومعايير وأدوات تحليل النظرية الاجتماعية المعروفة، وبشكلها البنائي الوظيفي أو الصراعي الجدلي " (علي الحوات، 2010: 87).

إن التحدي والرهان " جسيم بالنسبة لعلم اجتماع المعاصر، لأن هذا العلم يخاطر في أن يصبح بائعا لأفكار بالية مستعملة أو مجرد كتاب مدرسي ضخم عن تكنولوجيا الاجتماع [...]، إن علم اجتماع منذ بداياته ممزق بين الميول الوضعانية والميول الجدلية" ( يان سبورك، 2009: 91-123)، فمحاولة الذات المركزية بلوغ درجة الذات الإبستمية من خلال تجزئة الظاهرة المدروسة ومحاولة إخراج تلك الذات من الموضوع مخاطرة بالغة الخطورة، تظهر نتائجها المستحيلة في مستوى النظرية.

إن تحليل أسباب أزمة السوسيولوجيا ينطلق من مخاطبة الذات المفكرة المنتجة للمعرفة السوسيولوجية، فإذا كانت الذات المفكرة الغربية تشكلت في سياقات تاريخية ثقافية وفكرية متميزة، كانت استجابة منطقية للواقع الغربي وتحدياته، فهنالك اتفاق بين المحللين للمعرفة الإنسانية مفاده، أن الفكر، بما في ذلك الفكر الاجتماعي، يتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع، وأنه، وعلى الرغم من أن للفكر قدرا من الاستقلال النسبي، الذي يتمثل أحيانا في تقدمه على الواقع الاجتماعي أو تخلفه عنه، فأنه في نهاية الأمر محكوم عليه بعوامل موضوعيه تجعله أحيانا أكثر توضيحا للواقع من اجل تجاوزه، وأحيانا أخرى أكثر تزييفا للواقع من اجل الحفاظ عليه (خليلعبدالله المدني، 2007: 13)، على العكس من ذلك، فإن الذات السوسيولوجية العربية " لم تواجه الواقع بعد، وإنما بدأت بفعل سوسيولوجيا السوسيولوجيا متأزمة ناقصة، مبررا ذلك النقص بحداثية أي شباب السوسيولوجية في العالم العربي [...]، إن السوسيولوجية في العالم العربي ما تزال إذن في لحظة شبه نرجسية في لحظة بحث عن الذات وعن الطريق " (عبد الصمد الديالمي، 1989: 17)، فالذات السوسيولوجية العربية " تعتمد على النظرية والممارسة [الغربية] الإمبريقية القديمة والحديثة التي تتلخص في تطوير المواد الخام واستيراد المواد المصنعة [...] إذ تصدر المعلومات والبيانات الأولية إما بواسطة العلماء الأجانب أنفسهم أو بواسطة أبحاثنا نحن، ثم يقومون بصياغتها وتأليفها ضمن نظرية معينة ليعاد تصديرها إلينا مرة أخرى " (عمار حمداش، 1990: 63)، فهي " نبني مقولات وفروض ومعايير مستمدة غالبا من النظرية الغربية، وهي لا تتفق أو تستجيب للمجتمع العربي " (علي الحوات، 2010: 89)، وبعد نصف قرن من أزمة السوسيولوجية العربية المتمركزة، والذي يعيق تكوينها وإدراكها لموضوعها، يكون للتساؤل مشروعيته الإبستمولوجية التي تجعل من العلاقة ذات-موضوع مفتاح فهم إنتاج المعرفة العلمية، فالسوسيولوجيا " تكشف عن تنظيم معين للحياة الاجتماعية الموروثة عبر الزمن، والتي يمكن أن تندثر إذا لم تتكيف مع الضرورات الاقتصادية والفكرية " (Abdelhakim Bouhroum, 2006: 09)، وعليه فتفكيك الإشكال القائم بين الفكر والسوسيولوجيا كمعرفة يؤدي حتما إلى فتح أفاق جديدة واسعة نحو قراءة مستقبلية أفضل لسوسيولوجيا "غير هرمة"

1. السوسيولوجية الوضعية والنهاية التعيسة:

إن النتيجة التعيسة التي وصلت إليها المنظومة الفلسفية الوضعية في بداية القرن العشرين، والتي عبرت عليها بطريقة جيدة مدرسة فرانكفورت ثم أكدتها ما بعد الحداثة، تجعل الذات المنظرة السوسيولوجية تساءل نفسها عن نفسها، عن أسباب وجودها، وعن ماهيتها..، إنها أسئلة الداخل الصعبة والحساسة التي شكلت نسق الأزمة الوجودية والمعرفية للذات المفكرة الوضعية، " لو طلبنا في الثمانينات أو في التسعينات من علماء الاجتماع أن يصفوا عصرنا بكلمة واحدة لكان الجواب دون أدنى شك: الأزمة" ( يان سبورك، 2009: 55)، إن أزمة الذات المنظرة انعكست مباشرة على النظرية السوسيولوجية، " ليسقط علم الاجتماع هو ذاته في أزمة حسب الخطاب السائد حول هذا الموضوع، رغم اعتبار البعض –خاصة في الحالة الفرنسية- أن الذي كان وراء الأحداث التي تعرفها المجتمعات الغربية والتي أظهرت بوضوح حالة الشكوك واهتزاز في القناعات، رغم ما أثارته من آمال، هُم السوسيولوجيون " (P. Bourdieu, 1984 : 20)، فيصف "جيوفاني بوسينو" تلك المرحلة الحرجة من تطور النظرية السوسيولوجية بقوله: " لقد تفتت كل شيء، الجماعة التي تحترف مهنة علم الاجتماع بصفتها جماعة علمية، دور عالم الاجتماع، مقاييس العلمية، كل آمالنا وكثير من رجائنا [...] لقد تحطم كل شيء من منظومة المفاهيم والنظريات التي استخدمناها من أجل إضفاء مفهوم على العالم الذي كنا نعيش فيه، أو نعتقد أننا نعيش فيه، إلى التزاماتنا وهويتنا المهنية، وأصبح من الآن فصاعدا، باطلا وغير مفيد " (جيوفاني بوسينو، 7:1995)، إن الأزمة المعرفية للذات المنظرة السوسيولوجية الغربية خلال القرن العشرين، جعلت الكثيرين من المفكرين والسوسيولوجيين يراجعون تصوراتهم الفلسفية وممارساتهم العملية؛ " إن علم الاجتماع هو علم يقوم بقفزات، أو على الأقل يتحرك مع كل أزمة اجتماعية مهما كان نطاقها " (Bourdieu, 1984 : 37P.)، فالتفكير السوسيولوجي والفلسفي الجديد القادم من أوروبا وأمريكا الشمالية خلال الستينيات، يؤكد التأثيرات العميقة للأزمة " الجامعية وأوسع من ذلك الأزمة الاجتماعية، التي تمس منذ سنوات بلدان أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، هي مرتبطة بحالة إعادة النظر في علم الاجتماع " (Bourdieu, 1971 : 37P.)، وأكثر ما يدل على هذه وضعية الأزمة داخل النظرية السوسيولوجية الغربية هو " التكاثر غير المحدود للمؤلفات التي تقترح إعطاء تحديدات جديدة لعلم الاجتماع [...]، وكأن علم الاجتماع انطلاقا من عدم رغبته فيما هو موجود، يحس بالحاجة إلى إعادة التفكير بطريقته الخاصة في مكانة وملامح ممارسته النظرية الخاصة به " (س.ي. بوبوف، 1984: 158).

إن الأطر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجت الخطاب التنظيري السوسيولوجي، كانت محملة بالأزمات والصراعات الاجتماعية والسياسية، حيث قدمت السوسيولوجيا نفسها كوسيلة إنقاذ معرفية جديدة " ابتكرتها الارتيابية والعدمية لكي ترمي رداء العجز على كل معرفة [...لذلك] يبدو لنا أن الأسباب العميقة لأزمة سوسيولوجيا المعرفة الراهنة تكمن في ممكن آخر في التبعية الشديدة، حتى لا نقول العبودية، التي يعيشها علم اجتماع المعرفة تجاه الموقف الفلسفي المسبق، المعلن أو المضمر " (جورج غرفتش، 1994: 44)، وهي اليوم تعيش نفس تلك الظروف، لكن تجد السوسيولوجيا نفسها من خلال المنظومة الفلسفية الوضعية في قفص الاتهام.

إن كل الجهود التي حاولت مقاربة أزمة السوسيولوجية الغربية، باختلاف مداخلها وتعدد فهومها للوضعية أو الظاهرة السوسيولوجية تتفق في الأخير على أن بعدين أساسيين يشكلان نسق هذه الأزمة؛ الأول: هو البعد الإيديولوجي الذي ارتبط علم الاجتماع منذ النشأة به، بل الدافع الإيديولوجي من أهم الدوافع التاريخية لظهور علم الاجتماع كخطاب اجتماعي أكاديمي بديل للخطاب الديني الثيوقراطي التأسيسي لعلم الاجتماع، من جهة أخرى العناصر الإبستمولوجية المكونة داخليا للنسق السوسيولوجي باعتباره علم له عناصر تكوينية وشروط إبستمية يتقيد بها إذا أراد أن يوصف بالعلمية، إن علم الاجتماع الغربي " لا يملك الأسس والمنطلقات السليمة لبناء هذا العلم وتحقيق أهدافه، فالأسس والمنطلقات [...] والمداخل المنهجية، تمنعهم من التخلص من الأزمة، بل هي التي تسبب لهم الأزمة" (مراد زعيمي، 1997: 58).

إن النظريات السوسيولوجية "النقدية تتموضع بطريقة معينة في تقليد فلسفة الأنوار [...] وهي تحمل في ذاتها إمكانية سلبها" ( يان سبورك، 2009: 215)، فلا غرابة، إذن، أن يحمل علم الاجتماع الغربي في ثناياه وفي سياق تطوره النظري والمنهجي، أهمَّ خصائص هذا الفكر الفلسفي الثنائي المتمثلة أساساً في الصراع بين شكلين فلسفيين، كان لكل منهما تاريخه الخاص: "العضوية" (Organicisme) برومانسيتها و"الوضعية" (Positivisme) بماديتها " (فضيل دليو، 2004: 43)، ويؤكد سبورك " أن الفكر السوسيولوجيا القائم والذي تحول إلى علم مدرسي ومهني وتطبيقي قد أصبح أكثر فأكثر عاجزا عن فهم مجتمعنا وعن جعل الآخرين يفهمونه..، والحال أنه في علم الاجتماع الحالي لم يبق من طموح الفهم وإرادة جعل المجتمع قابلا للإدراك والتعقل سوى ذكرى حنينه إلى حد ما [...]. وفي إطار العلاقة المباشر مع انبثاق هذا المجتمع الجديد يتساءل علماء الاجتماع اليوم حول أنفسهم ووجودهم " (يان سبورك، 2009: 9-10)، وهذا ما جعل " علم الاجتماع (ونظريته) حزينا، كما لاحظ "Jean Duwgard" (جان دوفيقرد) منذ السبعينيات، حيث أصبح هذا العلم يشبه أكثر فأكثر "الروح الجديدة" بالمعنى النتشوي أو السارتري" ( يان سبورك، 2009: 11)، فبالرغم من ثراء الإرث السوسيولوجي " فإن العلوم الاجتماعية وخصوصا نظرية علم الاجتماع تبدو اليوم عاجزة بما يكفي ومنزوعة السلاح..، وإن طموحها التقليدي في فهم المجتمع يبدو وكأنه خارج الإطار الزمني وهو غالبا ما يكون مهملا " (يان سبورك، 2009: 12)، إن العلوم الاجتماعية " خصوصا علم الاجتماع، تجد نفسها في وضع مأساوي متميز [...]، إن وضع علم الاجتماع في أوروبا يتغير ببطء ولكن بعمق وخصوصا بسبب الانقلاب الاجتماعي العميق " (يان سبورك، 2009: 6574- )، لم يعد علم الاجتماع " كما كان في أيام خلت ذلك العلم النظامي الذي يستعيد طرح الأمور بشكل دائم، فهو قد فقد بشكل واسع القدرة على التفكير بمفردات التجاوز واليوتوبيا (بلوخ، أدورنو)" (يان سبورك، 2009: 18).

إن أزمة التناقضات التي تعيشها السوسيولوجيا الوضعية اليوم بمستوياتها المتعددة، لم تجد سبيلا للقطيعة رغم الجهود الحثيثة التي قدمت في هذا الإطار، وكأنها اليوم تلفظ أنفاسها الأخير مستسلمة لعبء التناقضات التي تعيشها ولم تستطع تجاوزها، إنها النهاية التعيسة لمشروع الفهم والتحكم الوضعي للمجتمع الإنساني.

2.السوسيولوجيا العربية "الهرمة" وأزمة الذات المفكرة المتمركزة:

إن تحليل أسباب أزمة السوسيولوجيا العربية ينطلق من مخاطبة الذات المفكرة المنتجة للمعرفة السوسيولوجية، فإذا كانت الذات المفكرة الغربية تشكلت في سياقات تاريخية ثقافية وفكرية متميزة، كانت استجابة منطقية للواقع الغربي وتحدياته، فهنالك " اتفاق بين المحللين للمعرفة الإنسانية مفاده، أن الفكر، بما في ذلك الفكر الاجتماعي، يتأثر بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع، وأنه، وعلى الرغم من أن للفكر قدرا من الاستقلال النسبي، الذي يتمثل أحيانا في تقدمه على الواقع الاجتماعي أو تخلفه عنه، فأنه في نهاية الأمر محكوم عليه بعوامل موضوعيه تجعله أحيانا أكثر توضيحا للواقع من اجل تجاوزه، وأحيانا أخرى أكثر تزييفا للواقع من اجل الحفاظ عليه " (خليل عبدالله المدني، 2007: 13)، على العكس من ذلك، فإن الذات السوسيولوجية العربية " لم تواجه الواقع بعد، وإنما بدأت بفعل سوسيولوجيا السوسيولوجيا متأزمة ناقصة، مبررا ذلك النقص بحداثية أي شباب السوسيولوجية في العالم العربي [...]، إن السوسيولوجية في العالم العربي ما تزال إذن في لحظة شبه نرجسية في لحظة بحث عن الذات وعن الطريق " (عبد الصمد الديالمي، 1989: 17)، فالذات السوسيولوجية العربية " تعتمد على النظرية والممارسة [الغربية] الإمبريقية القديمة والحديثة التي تتلخص في تطوير المواد الخام واستيراد المواد المصنعة [...]، إذ تصدر المعلومات والبيانات الأولية إما بواسطة العلماء الأجانب أنفسهم أو بواسطة أبحاثنا نحن، ثم يقومون بصياغتها وتأليفها ضمن نظرية معينة ليعاد تصديرها إلينا مرة أخرى " (عمار حمداش، 1990: 63)، فهي " تبني مقولات وفروض ومعايير مستمدة غالبا من النظرية الغربية، وهي لا تتفق أو تستجيب للمجتمع العربي " (علي الحوات، 2010: 89).

تعتبر الذات السوسيولوجية العربية مستهلكة للمعرفة السوسيولوجية الغربية " لفهم الواقع العربي، فإذا كان علماء الاجتماع الغربيون قد شهدوا "أزمتهم" الخاصة التي أخذت أشكالا فكرية مختلفة بدأت في نقد المسلمات النظرية الكلاسيكية وصولا إلى اليسار الجديد الذي يعبر عن "رفض الرفض" وصولا إلى إبراز الطابع الإنساني (الفينومينولوجي والأنثروبولوجي)، فإن علماء الاجتماع العرب قد واجهوا أزمة مزدوجة؛ افتقاد النظرية الاجتماعية للتماسك والاتساق من ناحية، واغترابها عن الواقع العربي من ناحية أخرى " (جهينة سلطان العيسي، السيد الحسيني، 1982: 31)، وهنا تستخدم الذات السوسيولوجية الباحثة " إما النظرية البنائية الوظيفية إذا كان المجتمع العربي الذي نحلله وندرسه يعكس درجة عالية من الثبات والاستقرار، أي يتغير ببطء أو لا يتغير مطلقا، مجتمع تقليدي إلى أبعد الحدود، وإما نستخدم نظرية الصراع إذا كان المجتمع العربي الذي ندرسه يعكس درجة عالية من التحول والتغير السريع، وخاصة إذا كان المجتمع يتحول ويتغير في إطار إيديولوجية اجتماعية وسياسية مخالفة لإيديولوجية " (علي الحوات، 2010: 90)، وفي دراسة محمود جاد "الاتجاهات النظرية لعلم الاجتماع" في البلاد النامية قدم فيه عرضا نقديا لكل من الاتجاه المثالي والاتجاه المادي التاريخي ثم الاتجاه التوفيقي، حيث يقول: " إذا كان التوفيقيون يزعمون أنهم يتبنون خطا ثالثا في الفلسفة مستقلا عن كل من المادية والمثالية، فإنهم غالبا ما يفشلون في الدفاع عن هذا الخط حيث أنهم يضطرون- عندما يقتضي الأمر منهم ضرورة اتخاذ موقف محدد تجاه مسألة بعينها- إلى اتخاذ إما الموقف المادي وإما الموقف المثالي، وبالتالي فإنهم يضطرون إلى اتخاذ موقف غير ثابت ومتناقض وميكانيكي لدرجة أنهم يحاولون التوفيق بين الفرضيات والمبادئ المتناقضة " (مراد زعيمي، 1997: 129)، ومما يزيد الوضع أكثر تأزما الطبيعة التعليمة والفكرية للباحثين السوسيولوجيين، وبالتالي " يمكن الحديث – خاصة خلال السنوات الأخيرة، في علم الاجتماع عن أزمة بشرية مفكرة، فأغلب الدارسين لهذه العلم أو المدرسين ليس لديهم ما يؤهلهم للتدريس سواء من حيث الكفاءة التربوية أو من حيث المعارف المتخصصة [...]، إن ما يجعل الوضع سيئا حقا هو أن بعضهم لا يشعر بذلك الضعف إطلاقا وبالتالي لا يفكر في تجاوزه، كثيرون هم أولئك الذين جاءوا إلى الجامعة صدفة أو لأنها في نظرهم (وهم محقون حتى الآن) أسهل سبل الارتزاق " (عنصر العياشي، 1999: 75)، لكن خلال الملتقى الثاني المنعقد في جامعة الجزائر (نوفمبر 1997) ظهرت ملامح المراجعة الذاتية النقدية الإبستمولوجية للذات الممارسة السوسيولوجية الجزائرية من أجل إعطاء تصور لسوسيولوجية خصوصية واعية وهادفة، من خلال " تحقيق ثلاثة أهداف أساسية وهي: 1- إعداد محصلة لمجموعة الأعمال التي أنجزها علماء الاجتماع الجزائريين حول مجتمعهم.2–القيام بتحليل نقدي للخطاب السوسيولوجي حول المجتمع الجزائري وخاصة ذلك المنتج لأسباب تاريخية من طرف علماء اجتماع أجانب .3-إبراز الاتجاهات الحالية والمستقبلية للأبحاث السوسيولوجية في المجتمع الجزائري " (حسين عبد اللاوي، 2000: 09)، تأثر الذات السوسيولوجية الجزائري داخليا وخارجيا بالسياقات التاريخية البنائية والفكرية الأيديولوجية للتفكير الغربي والأزمة التاريخية للفكر العربي بإعادة إنتاج للممارسة دون حذر إبستمولوجي .

إن تحليل المنتوج السوسيولوجي للذات المفكرة العربية يساعد في " استنتاج وجود مواقف واتجاهات عديدة؛ بعضها كان "تكنوقراطيا" حتى لا يلاحظ، وبعضها عندما اهتم بالكتابة حول الاتجاهات النظرية أو وصف الأوضاع أخذ موقف "الراوي" الذي يكتفي بالسرد بدعوى الحياد، والقليل منهم هو الذي أخذ موقف "صاحب الرأي" سواء من حيث الموضوعات والقضايا المطروحة أو طرائق التناول، وفريق رابع أخذ موقفا تلفيقيا سماه توفيقيا، ربما هروبا وربما لصلاحيته لكل الحقب والمراحل " (عبد الباسط عبد المعطي، 1986: 369)، ومن ثم فإن " الدفاع عن البحث الميداني (ضد النظري) يشكل اختيارا منهجيا يعكس اختيارا إيديولوجيا طبقيا يرى الهاجس الشمولي خطرا على الاستمرار القبلي للمشاكل السوسيولوجية [...] فالهم الأساسي الذي ينبغي أن يحرك عالم الاجتماع، صانع الحرية هو إيجاد النظري الذي يساعد على فك الارتباط (La Déconnexion) التحرر من التبعية إلى الاقتصاد الرأسمالي العالمي"(عبد الصمد الديالمي، 1986: 16).

تعيش الذات السوسيولوجية العربيةإ شكاليات مركبة من بعدين؛ البعد الاستعماري الغربي المستعلي والمتمركز، وبعد الأزمة التاريخية الإيديولوجية للفكر العربي المعاصر بتمظهراته المختلفة وممارساته السياسية المتناقضة، والتي انعكست بشكل مباشر على السوسيولوجيا العربية التي لا تشعر – في غالبها، بوجود الأزمة أصلا، وبالتالي لم ترقى إلى مستوى عالي من المقاربة الإبستمولوجية لتفكيكها، فتعيش حالة نرجسية تعاود إنتاج الأزمة باستمرار، أن علم الاجتماع العربي " ما هو الآن إلا أفكار دون أن يصل إلى مشروع، وبالتالي أي تقييم في هذا الإطار ليس له أية أهمية " (F.Maatouk 1992:11)، ذلك أن الأطر الاجتماعية والثقافية والسياسية للفكر العربي التاريخي لم تنتج – عدا ابن خلدون، " فكرا سوسيولوجيا متخصصا واعيا، وإنما الوعي بهذه الممارسة كعلم حدثت خارج الماهية العربية-الإسلامية، وبالتالي يجب مراجعة التراث من باب الاستنتاج لا من باب الإصلاح والوصاية، فوجهة نظر المصلحين كانوا يرون العالم العربي والإسلامي ليس كما كان، ولكن كما يجب أن يكون وانطلاقا من هذا كانت وجهة نظرهم الاجتماعية للواقع مثالية وليست موضوعية، وتبتعد كل البعد عن المقاربات السوسيولوجية " (F.Maatouk 1992: 9)، فغياب الوعي الإبستيمي، أدى إلى تغيب الذات المفكرة العربية-الإسلامية عن حقيقة ماضيها التراثي، فتشبثت بحاضر الغربي المختلف وعاشت الأزمة، فالسوسيولوجية منذ البداية لم تنطلق " من فرضية ذات معنى لكي تتمتع بمسألية محددة، هذا ما يشعر به الذين يتعاطون هذه العلوم، ولكن الجميع لا يدركون السبب الحقيقي لهذه الأزمة، فالأزمة التي نعانيها في هذا المجال هي أزمة انطلاقة وليست أزمة نمو" (فريدريك معتوق، 1985: 263)،فالذات السوسيولوجية العربية الباحثة تصنع " صورا اجتماعية وهمية لا وجود لها في الواقع [...]، والمحصلة أن اكتشافاتنا الاجتماعية ونتائجها هي انطباعات وليست قوانين نرضى بها أنفسنا كباحثين اجتماعيين، ونرضى بها الآخرون مهما كانوا، الإدارة أو السلطة الاجتماعية، أو العقل الجماعي السائد في المجتمع، وأخشى أن أسوء ما يترتب عن ذلك أن كثيرا من خططنا الاجتماعية وبرامجنا الاجتماعية مبنية على هذا الانطباعات، وليست مبنية على حقائق الواقع المتغير المتبدل في البلاد العربية وتقريبا يصدق الأمر في معظم البلدان النامية في العالم " (علي الحوات، 2010: 95).

ورطت الذات الباحثة السوسيولوجية العربية " في معارك أهلية [...] إما بالأصالة عن أنفسهم أو نيابة عن أطراف سوسيولوجية متعاركة في مجتمعات أخرى وساد ما يمكن تسميته بمرض "البداوة السوسيولوجية"، فقد قسم المشتغلون العرب بعلم الاجتماع أنفسهم إلى قبائل اتخذت أسماء ومسميات مختلفة (فهناك النظريون والتطبيقيون وهناك الماركسيون والوظيفيون، وهناك أتباع المدرسة الفرنسية وأتباع المدرسة الإنجليزية والأمريكية أو السوفيتية...إلخ)، وكل قبيلة سوسيولوجية جرى تقسيمها إلى عشائر وظيفيون ووظيفيون جدد وماركسيون، وماركسيون جدد...إلخ، وجرى تقسيم كل عشيرة إلى بطون أو حتى أفخاذ، لقد أصبحت البداوة أفيون علماء الاجتماع العرب وفي خضم الانشغال الشديد بهذه الحرب الأهلية وبمشاكل الحياة الأخرى [...] كان فائض الطاقة والتفكير والخيال السوسيولوجي الذي يمكن أن ينصرف إلى دراسة الواقع العربي وفهمه قد ضمر ضمورا ومن ثم كان نتاج المعرفة السوسيولوجية عن هذا الواقع، هزيلا للغاية " (سعد الدين إبراهيم، 1986: 347)، فتمركزت الذات السوسيولوجية العربية حول الذات السوسيولوجية الغربية المتمركزة تكوينيا، فكان "التمركز المزدوج" الذي يتطلب عملية تفكيك إبستمولوجي، مما أنتج سوسيولوجيا متأزمة إبستيميا ضائعة تاريخيا وفكريا، فالوضع المتأزم الذي تعيد إنتاجه الذات الباحثة السوسيولوجية العربية " يحتم التحلي بالحذر أكثر فأكثر [...]، فهل آن الأوان للسوسيولوجيا العربية أن تنتقل بدورها من سوسيولوجيا التنمية إلى تنمية السوسيولوجيا؟ وأن تساهم من ثمة في خلق وضع سوسيولوجي عالمي جديد؟ " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 18).

3.نحو تفكيك تمركز الذات المفكرة السوسيولوجية العربية الهرمة:

لقد كانت النظريات السوسيولوجية الوضعية الغربية " على اختلاف اتجاهاتها، نتاجاً طبيعياً لعدم وجود أسس فكرية وأطر معرفية علمية ثابتة، فجاءت هذه النظريات تعبيراً عن أزمة في الأسس والمنطلقات والخلفيات، وبالعكس من ذلك، لم تكن أزمة الدراسات الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي أزمة أسس بقدر ما كانت أزمة ضياع هوية الفكر العربي المعاصر تحت ضغط واقع التبعية الفكرية، وهيمنة الأطر المعرفية الغربية، لقد غدا الفكر العربي، وحتى الإسلامي عاطلاً عن التفكير الجاد ليعيش في شبه غيبوبة، غير قادر على إيجاد أساليب منهجية بحثية تنطلق من ثقافته ومذهبيته، وتعبر عن هويته " (محمد أمزيان، 2008: 145)، فالانحراف الإبستمولوجي الذي وقع للذات السوسيولوجية العربية عميق، حولها من " أداة قادرة على العلاج إلى أداة قابلة للعلاج، أنها نفسها تعاني مرض التجزيء وتقع فريسة للإستيهامات والهلوسات الوجودية " (عبد الصمد الديالمي، 1997: 05)، فلقد " نشأعلم الاجتماع في الوطن العربي كطفل متبنى دون أن تكون له هوية محددة أو أهداف واضحة أواستراتيجية مرتبطة بإصلاح المجتمع العربي أوتطويرهوالنهوض به من تخلفه"(خليل عبدالله المدني، 2007: 30).

إن الذات السوسيولوجية العربية لم تكتشف موضوعها الاجتماعي، وبالتالي لم تكن السوسيولوجيا " مرتكزة على الذات، تسعى إلى فك الارتباط مع التبعية لمركز الإنتاج السوسيولوجي " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 06)، فالمقاربة الإبستمولوجية للمعرفة العلمية تؤكد مستويات الخصوصية والنسبية في إنتاج المعرفة، حيث تتأثر الذات المفكرة بالإبعاد النفسية، التاريخية والثقافية عند تفاعلها مع موضوعها الإشكالي، وبالتالي" فإن مهمة النقد المزدوج هو تفكيك هذا المركب واكتشاف الصور الحقيقية للخطاب السوسيولوجي [...]، حيث لا يمكننا أن نتصور أن علم الاجتماع في العالم العربي يمكن أن يكون بدونها قادرا على إنجاز معرفة، تجعله قادر على الإمساك بموضوعه في خصوصيته أي في حقيقته " (محمد وقيدي، 1983: 59)، أين يكون الخطاب السوسيولوجي العربي في حاجة ماسة إلى مراجعة واستقصاء دائمين " من أجل تكريس رؤية سوسيولوجية خاصة بالعالم الثالث [...]، تسعى إلى البحث عن الأسباب الموضوعية لتحريره، وتحرير فاعلية ومجتمعه [...]، كي تتوفر بذلك شروط إمكانية وجود معرفة سوسيولوجية تساهم حقا في إرساء قواعد ممارسة سوسيولوجية حقيقية نستطيع من خلالها مواجهة متطلبات ما بعد سنة 2000 " (محي الدين مختار ، 2000: 43)، فمظاهر أزمة السوسيولوجيا العربية يبن أنها " تتمثل أساسا في الانحياز الاجتماعي للمشتغلين لعلم الاجتماع [...]، الاختيارات الإيديولوجية [...]، أنشطة المشتغلين بهذا العلم سواء على مستوى التدريس أو البحث [...]، هوة واسعة بين ما ينتج في علم الاجتماع وبين السياسة الاجتماعية والفعل الاجتماعي " (محمد عزت حجازي، 1986: 15)، وعليه تكون المهمة الإبستمولوجية للسوسيولوجية " رفض المنظومة السوسيولوجية الغربية كسوسيولوجية مركزية ونموذج مشروع، والعمل على فك الارتباط مع الذات المعرفية الغربية، ليس رفضا مطلقا لمجموع القيم المعرفية العلمية، ولكن رفض للإيديولوجيا الغربية المستترة، فالسوسيولوجيا شكل من أشكال الوعي الاجتماعي المرتبط بفئات اجتماعية معنية، والمستند إلى رؤيا معينة للعالم، وبناءا على ذلك، آن الأوان لكشف القناع عن حياد السوسيولوجيا، وآن الأوان لتوظيفها واستغلالها في خدمة تحقيق الحرية والاستقلال " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 29)، ويبدو أن هناك موضوعين تعالجهما الذات السوسيولوجية العربية " واحد صوري مثالي يوجد في الأذهان، وثان فعلي ملموس قد لا نعبر عنه، ولكننا نتصرف ونسلك ونعمل في إطاره [...]، والنظرية الاجتماعية العربية، أو علم الاجتماع العربي اليوم، يمكن أن يتوصل إلى نظرية ومنهجية مختلفة عن تلك النظرية والمنهجية المطروحتان الآن في بحوث علم الاجتماع العربي " (علي الحوات، 2010: 93).

تتمثل المهمة الأساسية لتفكيك تمركز الذات السوسيولوجية العربية "الهرمة " عند "عبد الكبير الخطيبي" " في القيام بعمل نقدي مزدوج؛ أ-تفكيك المفهومات الناتجة عن المعرفة السوسيولوجية والكتابة السوسيولوجية والكتابة التي كانت تتكلم باسم العالم العربي، ويغلب عليهما الطابع الغربي وأيديولوجيته المتمركزة على الذات. ب-في الوقت ذاته فقد المعرفة والكتابة السوسيولوجية اللتين أنجزتهما مختلف مجتمعات العالم العربي حول ذاتها" (عبد الكبير الخطيبي، د.س: 157)، فالمراجعة النقدية-الإبستمية " نرى أنها وحدها قادرة على تجاوز مجرد الإعادة والتكرار، ونفتح أمام رجال علم الاجتماع إمكانية معرفية علمية أقل استلابا وأكثر تكيفا مع خصوصية الموضوع المطروح " (عبد الكبير الخطيبي، د.س: 157).

إن أزمة الذات السوسيولوجية العربية حسب تحليل "عبد الصمد الديالمي" تمظهرت من خلال ثلاث أشكال؛ " السوسيولوجيا السعيدة، السوسيولوجيا القلقة، السوسيولوجيا الفرحة، فالسعيدة تشير إلى المجموعة من الدراسات والأبحاث التي لا تنظر إلى المغرب كاختلاف، وإلى السوسيولوجيا الغربية كاختزال في ثنايا هذا الموقف الصريح والواضح تكمن السعادة، ليس للمغرب-الموضوع خصوصية تجعله يرفض الرضوخ إلى المناهج والمفاهيم والنظريات السوسيولوجية الغربية، وليس لهذه الأخيرة طابع جزئي أو جهوي يحد من شموليتها " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 332)، فالذات السوسيولوجية السعيدة ترى نفسها امتداد للذات الغربية مركز الحقيقة المطلقة، لذا " تجد هذه الذات السعادة في ولاءها المطلق لذلك المركز والتي تتميز إلى اتجاهين: أ-اتجاه إمبريقي: وتمثله تلك الدراسات والأبحاث الميدانية التي تعتمد أساسا تقنية الاستمارة، إن التوصل إلى نسب، إلى متوسطات، إلى جداول، وفي كتلة واحدة، إن حضور الرقم أو العلامة الرياضية كافي في حد ذاته، لإثبات العلمية وضمان السعادة [...]، ب-اتجاه مادي: الرغبة في الفهم الكلي وفي التنظير كثيرا ما تنقل بالباحث الاجتماعي غير الحذر من الإمبريقية الهستيرية إلى المادية الهستيرية " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 333)، عكس السعيدة تتعامل السوسيولوجية القلقة مع الذات الغربية كند، تحاول استيعابه وتجاوزه انطلاق من خصوصياتها، " لا تؤمن بالانفصام المطلق بين الأنا والغربي، فالعلاقة بينهما ليست علاقة خارجية، باردة بين ذاتين لا تتفاعلان، على العكس من ذلك يجب الاعتراف بأن الغربي أصبح جزءا منا، وأن الهوية التي ترفض الغربي كآخر، وتتركه في الخارج الأنطولوجي، لا بد من أن تقع في الجنون وتتغلغل في التوحش" (عبد الصمد الديالمي، 1986: 336)، وتنطلق السوسيولوجيا الفرحة من إمكانية " استغلال العقل الغربي وإمكانيته دون قلـق، يتحتم على الباحث الاجتماعي أن يتعقل "الجهاز المعرفي الغربي" دون شعور بالإثم (القلق)، دون سذاجة ودون تقيد نظري- مذهبي، حرية الفكر وسلامته، هما الوجهتان الأساسيتان في التعامل مع النظرية الاجتماعية الغربية " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 337)، فالخطاب السوسيولوجي فوقي، مركزي ومغيب عن الواقع الاجتماعي، فهذه الوضعية " تستوجب تحقيق الوعي بالكيد السوسيولوجي، الكامن وراء مظاهر النقد والتمرد، فهل من إمكانية لقيام وضع سوسيولوجي عالمي جديد يشهد مساهمة العرب في شكل إستراتيجية موحدة تعمل على فك الارتباط مع مركز التبعية [الآخر]؟ " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 07).

يقترح "أنور عبد المالك" مشروع معرفي لبناء سوسيولوجيا بديلة انطلاقا من إعادة بناء مفاهيم الذات العارفة؛ " إن نقطة انطلاق المسيرة التي نحن بصدد وضع خطوطها الكبرى، هي إثبات عدم ملائمة الجهاز المفاهيمي للعلوم الاجتماعية للمجتمعات الغربية، الذين زودوا مواد التحليل من أجل الإعداد المفاهيمي، ووضعوا الأنساق النظرية في مختلف التخصصات من جهة أخرى " (A.Abdelmalek ,1970: 41)، إن مراجعة وتحرير الذات عملية خطيرة ومرهقة للتحرر من المركزية اللاشعورية التي نعيد إنتاجها باستمرار، ومنه " لا يمكن إسقاط المنظومة الفكرية الغربية بشكل تلقائي على خصوصيات ثقافية أخرى، عربية مثلا-حتى عملية الاستفادة من هذا الإنتاج الفكري لا يمكن أن يتم بعيدا عن الحذر الإبستمولوجي الناقد للذات الغربية المتمركزة، والتي لا تتصور أي مجتمع ممكن إلا على صورته " (محمد وقيدي، 1983: 70)، وعليه يقترح "أنور عبد المالك" ثلاث مراحل للقطيعة المعرفي وهي: " 1-النقد .-2الكشف .-3إعادة البناء؛ فالمرحلة الأولى تهدف إلى نقد الجهاز المفاهيمي للآخر، عن طريق تفكيكه إلى علمي وعملي (نظري وإجرائي)، التي من خلالها يمكن كشف الخصوصية المتمركزة لهذا الجهاز. أما المرحلة الثانية (الكشف): تستلزم مقاربة تاريخية-نقدية يتحرر من خلالها المحتوى الخصوصي للمجتمعات المدروسة بأبعادها التركيبية الاجتماعية والاقتصادية المختلفة. في المرحلة الثالثة (إعادة البناء): يتم بناء المعرفة الخصوصية انطلاقا من الواقع الاجتماعي الذاتي، ومعطيات العالم الواقعي والوجود الفعلي للمجتمعات المحددة في إطار الزمان والمكان، لتكون إلى حد ما المصدر المؤسس للعالم المفاهيمي الجديد" (A.Abdelmalek ,1970 :53). إن المشروع المعرفي الذي يقدمه "أنور عبد المالك" يهدف إلى مراجعة المنظومة المعرفية للذات والتي تسمح ببناء سوسيولوجيا خصوصية باعتبار الواقع العربي الإسلامي المختلف إبستمولوجيا عن الواقع الغربي بشكل خاص.

خلاصة عامة/ نحو اعادة تفكير الموضوع (المجتمع):

بعد نصف قرن من أزمة السوسيولوجية العربية المتمركزة، والذي يعيق تكوينها وإدراكها لموضوعها، تكون المراجعة الإبستمولوجية أكثر من ضرورة لإحداث الصلح من بين الذات والموضوع والتراث، "يبدو واضحا قصور الثقافة العربية على استنتاج نظريات ذات خلفية فكرية وفلسفية، تمتلك القدرة على حل مشكلات الواقع والفكر عبر إيجاد نظريات ذات إمكانيات على الربط الجدي بين المجتمع وسيرته الواقعية من جهة والتفكير العقلاني من جهة أخرى " (ناظم عودة ،2009 :18à) ، فالواقع السوسيولوجي العربي " منذ منتصف القرن الماضي تقريبا وحتى الآن، وما يقابلها من نظريات اجتماعية للفهم أو التفسير أو التغير، أو إجراء البحوث، تضعنا كعلماء اجتماع في أزمة عميقة ومنعطف وحيرة؛ فإما أن نفكر ونقدم نظرية اجتماعية حديثة تناسب واقعنا الاجتماعي، ويكون لها القدرة على فهمه وتفسيره والتنبؤ به، وإما أن نظل كما نحن نجري بحوثنا المعتادة ونبني صورا ونظريات اجتماعية غير حقيقية، ونستنتج قوانين اجتماعية لا صلة لها بالواقع الاجتماعي الحقيقي الذي نعيشه، والذي لا نريد تصويره أو تشخيصه " (علي الحوات، 2010: 96)، وعليه يمكننا الحديث عن إيداع سوسيولوجي ذاتي وفق شروط معينة: " أولا؛ عدم الاعتراف بوجود سوسيولوجية مرجعية يجب الانطلاق منها أو الاعتماد عليها أو التموضع داخلها أو ضدها [...]، ثانيا من الممكن في مرحلة أولى تشجيع سوسيولوجيا هندية وسوسيولوجية عربية وسوسيولوجية زنجية [...]، إن الاتجاه الوحدوي هو القيمة الأساسية المحركة لإبداع سوسيولوجي حقيقي، يركز على وحدة المستغلين (بفتح اللام) ضد وحدة المستغلين (بكسر اللام) الجاهزة والمهيمنة " (عبد الصمد الديالمي، 1986: 31)، إن" الأملمعقود على ميلادعلماجتماعفيالوطنالعربييستفيدمنسلبياتالماضي وتجاربالحاضر لكييعملفيالإطارالذي اقترحتاهسابقاوليس اهم في إنقاذ مجتمعاتنا من التبعيةوالتخلف والتمزق الذي تعيشه ألان. ولقد ظهرت في السنوات الأخيرة دعوات وإرهاصات لميلاد علماجتماعللقيامبهذاالدور،وقداختلفتالمسمياتواختلف المسمون،فهنالك مندعي لقيامعلماجتماععربي،وهناكمندعيلعلماجتماعإسلامي وهنالكمنيدعوإلى أسلمة المعرفةفينطاقهاالأوسع " (خليلعبدالله المدني، 2007: 30)، وبالتأكيدفأنه"لابدأن يقومعلىالهويةالدينيةوطبيعة المعرفة ومصادرها،تلكالمعرفةالتيتشكلالعقل الجمعيلهذهالمجتمعاتوهىمعرفةيقوم الدين فيهابدورأساسي. ويمكنأنيستفيد النموذجالإرشاديمنإنجازاتعلم الأنثروبولوجيا " (خليلعبدالله المدني، 2007: 32)، فمن الضروري التأسيس لسوسيولوجيا بديلة " تتوفر فيها على الأقل ثلاث شروط أساسية، هي: 1.القدرة على الفهم الحقيقي للمجتمع العربي والظواهر المستجدة.2.تطوير منهج أو منهجيات جديدة متحررة من الثنائيات المستوردة من الفكر الاجتماعي الغربي التقليدي والحداثة، القديم والجديد، ومجتمع الحداثة وما بعد الحداثة. فهل تحققت الحداثة العربية بالمعنى العقلي والفكري حتى نتحدث عن ما بعد الحداثة؟ 3- الوصول إلى قوانين أو تفسيرات اجتماعية ليس بالضرورة أن تكون متفقة أو متطابقة أو محاولة إلى النظريات الاجتماعية الكبرى في علم الاجتماع " (علي الحوات، 2010: 88).

إن المحاكاة وعدم " الوعي بالذات، كانت وراء الكثير من الهزائم الفكرية غير المبررة، والانتكاسات المتتابعة التي عرفها الوعي الثقافي الإسلامي على المستوى العالمي، ولقد وقف هذا الفكر على أرض لم تكن أرضه ولن تكون أرضه، ودافع عن فكر لم يكن ولن يكون نابتاً من أرضه، وانتصر لقيم ليست قيمه، وظل وعيه العقدي في كل ذلك غائباً عن ممارسة رقابته " (محمد أمزيان، 2008: 180)، فعدم " جدوى الأدوات المعرفية والنظرية لامتلاك الموضوع علميا، تؤدي بالعملية المعرفية إلى إضافة الجهل للرأسمال الموجود " (Abdelhakim Bouhroum, 2006 : 03)، فعجز الذات المفكرة السوسيولوجية العربية يظهر في عدم مخاطبتها للتراث والتاريخ الذاتي، ثم إعادة تفهيمه وفق تصور يتلاءم وتحديات الحاضر، والذي يعد شرط أساسي لتفكيك تمركز الذات المفكرة وتجاوز أزمتها الذاتية وإبداع سوسيولوجي ، فقد " نحتاج إلى أبنية ومرجعيات علمية نبنيها بعقولنا ومن واقع مجتمعاتنا، ولا مانع من الاستعانة بالمرجعيات الأجنبية، فالمعرفة عالمية لا حدود لها. المهم وليس بالضرورة أن تكون نتائجنا الاجتماعية وأحكامنا الاجتماعية منبثقة أو تؤكد فرضيات سابقة، فقد تكون نتائجنا من طبيعة اجتماعية أخرى، لا من هذا ولا من ذاك، ولكنها تأخذ وتهتم بحركة الزمان والمكان والضرورة الاجتماعية للمجتمع العربي وطبيعته ونظمه ومؤسساته، وما نتج عنه من ظواهر وأنماط وأشكال ومؤسسات اجتماعية وظواهر اجتماعية " (علي الحوات، 2010: 97)، إن المنظومة الفلسفية الغربية أكثر وفاء ووعي بأهمية "السلف" للفهم والتجاوز والإبداع، فيجب " أن نساءل القدرة السوسيولوجية للحاضنة الزمكانية لمعرفة الإمكانيات الموضوعية في علاقتنا بموضوع المعرفة، وتجسيد العناصر الإيديولوجية التي تحجب الملاحظة والتحليل العلمي " (Abdelhakim Bouhroum, 2006 : 07).

قائمة المراجع:

1.إبراهيم سعد الدين، " تأمل الأفاق المستقبلية لعلم الاجتماع في الوطن العربي: من إثبات الوجود إلى تحقيق الوعود "، مجلة المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.

2.بوبوف س.ي، نقد علم الاجتماع البورجوازي المعاصر، ت: نزار عيون السود، دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، ط2، 1984.

3.جهينة سلطان العيسي، الحسيني السيد، " علم الاجتماع والواقع العربي، دراسة لتصورات علماء الاجتماع العرب، " مجلة المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 7، 1982.

4.جورج غرفيتش، الأطر الاجتماعية للمعرفة، مصر: الهيئة الجامعية للكتاب، ط2، 1994.

5.جيوفاني بوسينو، نقد المعرفة في علم الاجتماع، ت: محمد عرب صاصيلا، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1995.

6.حسين عبد اللاوي، " من التحقيقات السوسيولوجية إلى التفكير في الممارسة: تقديم أشغال الملتقى"، مجلة الدفاتر الجزائرية لعلم الاجتماع، الجزائر: دار الحكمة، العدد 01، 2000.

7.خليلعبدالله المدني، "علمالاجتماعفيالوطنالعربي الواقعوالطموح، دراسةفينشأةوتطورعلمالاجتماعفيكلمن: مصر،والسودانوالسعوديةودورهالعلميوالمجتمعي"، ندوة علمالاجتماعمنمنظورإسلامي، جامعةالنيلين القاهرة : مركز الدراسات المعرفية، 2007.

8.عبد الباسط عبد المعطي، " في استشراف مستقبل علم الاجتماع في الوطن العربي: بيان التمرد والالتزام"، مجلة المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.

9.عبد الصمد الديالمي، القضية السوسيولوجية نموذج الوطن العربي، الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 1989.

10.عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، بيروت : دار العودة، دون سنة نشر.

11.على الحوات، "النظرية الاجتماعية وتفسير المجتمع العربي المعاصر"، مجلة إضافات، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، عدد 25،2010.

12.عمار حمداش، " وضعية البحث السوسيولوجي في الوطن العربي "، مجلة المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 134، 1990

13.عنصر العياشي، نحو علم اجتماع نقدي دراسة نظرية وتطبيقية، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1999.

14.فردريك معتوق، " علومنا الاجتماعية والمسألية المفقودة "، مجلة الفكر العربي، بيروت: معهد الإنماء العربي، العدد 37 – 38، 1985.

15.فضيل دليو، علم الاجتماع المعاصر ثنائيته النظرية والمنهجية، قسنطينة: مؤسسة الزهراء للفنون المطبعية، 2004

16.محمد الذوادي، الثقافة بين تأصيل الرؤية الإسلامية و اغتراب منظور العلوم الاجتماعية، لبنان: دار الكتاب، ط1، 2006 .

17.محمد أمزيان، منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط4، 2008

18.محمد عزت حجازي،" الأزمة الراهنة لعلم الاجتماع في الوطن العربي"، مجلة المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.

19.محمد وقيدي، " النقد الإبستمولوجي، ضرورته ومستوياته"، مجلة دراسات عربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 1، 1983.

20.مراد زعيمي، النظرية العلم اجتماعية رؤية إسلامية، رسالة دكتوراه، جامعة قسنطينة: معهد علم الاجتماع، 1997.غ م.

21.معتوق جمال، " لمحة تاريخية عن الممارسة السوسيولوجية في الجزائر: حالة معهد علم الاجتماع بالعاصمة "، مجلة الدفاتر الجزائرية لعلم الاجتماع، الجزائر: دار الحكمة، العدد 1، 2000.

22.ناظم عودة، تكوين النظرية: في الفكر الإسلامي والفكر العربي المعاصر، لبنان: دار الكتاب الجديد، 2009

23.يان سبورك، أي مستقبل لعلم الاجتماع؟ في سبيل البحث عن معنى وفهم العالم الاجتماعي، ت: حسن منصور الحاج، بيروت: مجد، 2009.

24.Abdelhakim Bouhroumn," Sociologie et société algérienne ou les paradoxes d’une relation cognitive problématique" , esprit critique, Vol 12. No. 02, 2009, http://www.espritcritique.fr

25.Anouar Abdelmalek, la dialectique Sociologie, Paris : Ed. Seuil, 1970

26.Pierre Bourdieu, Questions de la sociologique, Paris : Ed. De minuit, 1984

27.Raymond Aron, les étapes de la pensée sociologique, Paris : Ed. Gallimard, 1960