إشكالية الشرف لدى المرأةpdf

رؤية نقدية للطالبة الجامعية الداخلية بوهران

أ: بوزيدي سولاف

جامعة وهران - الجزائر

الملخص:  

تشهد المجتمعات العربية حراكا اجتماعيا سريعا ضمن المعطيات الاجتماعية الحديثة بفعل التغير الذي مس البني الأساسية و الجوهرية في البناء التقليدي ، محدثا ضروب تفكير و معاملات سلوكية جديدة . هذه السلوكات عادة ما تعبر عن التغير الجذري ،كما تعبر أحيانا عن الازدواجية بين التقليدي و الحديث .

من بين هذه الأنماط ، ذلك التحول الذي مس " الشرف " ، مفهوما و ممارسة على اعتبار المرأة مقياسا له – أي الشرف – و محاولة تنميط واقعها وفق مؤشرات التحديث المنبثق من الطرح الوضعي للثقافة الغربية ؛ فقد كانت لهذه الرؤى تناقضات مع المنطق العرفي التقليدي ، لاسيما لواقع الحياة الجنسية عند المرأة التي تأثرت بالثقافة الغربية تقليدا كذلك بسبب التقدم العلمي و الطبي بشكل أساسي .

لعل ابرز الأمثلة عن هذه المرأة التي تعيش الازدواجية، هي تلك الطالبة الجامعي الباحثة عن هوية ذاتية خاصة بها، في هندسة اجتماعية جديدة، تعبر في عمقها عن واقع التصورات المختلفة و في أغلب الأحيان عن منطق الجماعة التقليدية.

الكلمات المفتاحية :

الشرف ، الفتاة ، الطالبة الجامعية ، الجنس ، المرأة ، القيم ، حرية المرأة ، الهوية الفردية

Le résumé :

Il s’avère que les changements que cannaient les pays arabes au niveau des structures sociales traditionnelles résultent des mutations déjà senti dans les groupes sociaux .ces mutations ont provoqué une déstabilisation au niveau des représentations des individus et leurs symboles culturels .

Parmi ces changements, on peut citer, celui qui a touché essentiellement « l’honneur » chez la femme .

Démarrant d’un constat où la femme est un critère de l’honneur, celui –ci est abordé dans notre étude d’abord, d’un point de vue conceptuel puis pratique.

Vu l’impact réel de la culture occidentale sur les sociétés arabes, il est évident de voir la femme se cherche un modèle qui peut la mettre sur la rail moderne, mais sans supprimer le modèle dont elle dépend. Alors c’est à ce moment là, que la fille commence à sentir la dualité qui la caractérise comme type de vie et de pensée.

Notre étude s’est focalisée sur la jeune fille étudiante universitaire qui cherche à se positionner en optant vers une identité propre elle qui lui permet de vivre selon ses représentations et ne pas nuire au groupe traditionnel.

حددت مكانة المرأة في المجتمعات العربية بضوابط أخلاقية صارمة عبرت عليها القبيلة في بداية التشكيلة والعائلة بعد ذلك ثم الجماعة. وعليه، كانت التربية والأخلاق الأنثوية حديث الجماعات لوزن المكانة الذكورية (le statut masculin) لذا طرح "الشرف" في المجتمعات العربية كمؤشر حامل لمكانة الذكر من خلال قوته في إثبات شرفه بين الجماعة، وذلك بالقدرة في السيطرة على مجموعة النساء اللائي أوكلن له بحكم التصرف -زوجة، أم، أخت أو حتى قريبة-.

فالمرأة بأنوثتها ظلت إشكالية الذهنية العربيةمع الزمن, يقول (Manicke)([1]):

« Ce n’est pas facile d’être une femme entre l’amour et le métier, entre l’audace et puis le charme, la tendresse et la liberté ».

("ليس من السهل أن تكون امرأة بين الحب والمهنة بين الوقاحة ثم الفتنة، بين الحنان والحرية").

من خلال هذا يمكننا القول أن الحضارات الإنسانية ظلت مع الوقت تحمل نماذج تناقضاتها الفكرية والتراثية في ثنايا التاريخ البشري، محملة الإنسانية مجامع الاعتقادات والأعراف التي بلورت الرصيد الإرثي لمختلف المجتمعات البشرية؛ ومن أهم ما عبرت عليه هذه المعتقدات، مسألة "الشرف"، باختلال واختلاف معانيه من مجتمع لآخر، ونمطية مسايرته للزمن، والتأثيرات الفكرية؛ بقي –الشرف- في المجتمعات العربية ينسج لنا فكر أجدادنا مع حامليه رافضا في غالب الأحيان النزعات المادية والوضعية التي ظهرت مع مرحلة التصنيع في أوربا، في كل هذا، كانت المرأة معيار هذا المفهوم منذ العصر الجاهلي مسألة "الوأد". وأيضا، حتى في العصر الإسلامي وإلى عصرنا المعاصر، حيث اختلفت الآراء والمواقف وزاد الحديث عن "الشرف" بوجهات نظر فكرية مختلفة، يقول (Edgar Morin):

«Nous somme à la recherche d’une connaissance qui traduit la complexité de ce qu’on appelle le réel, le respect de l’existence des êtres et les mystères des choses, et comporte le principe de la propre connaissance, il nous faut une connaissance dont l’explication ne soit pas mutilation et dont l’action ne soit pas manipulation » ([2]), « Edgar Morin ».

("نحن بصدد البحث عن معرفة تترجم تعقيد ما نسميه واقعا، يحترم فيه وجود الفرد وسر الأشياء و يحمل مبدأ المعرفة، نحن بحاجة إلى المعرفة التي منها الشرح لا يكون مشوها، ومنها الفعل لا يكون محتالا").

ومن أبرز ما كتب حول "الشرف" في المجتمعات العربية(Julian Pitt-Rivers) "Anthropologie de l’honneur"([3]).

وأبحاث (Pierre Bourdieu) الميدانية التي قام بها في منطقة القبائل (la grande Kabylie) في كتابه« Esquisse d’une théorie de la pratique » ([4]) و « La domination masculine » ([5]).

ومحاولات أخرى انطلاقا من أبحاث (P. Bourdieu) في تقريب الفضاء بالمفهوم –الشرف- عرضت في كتاب([6]) "Femme, culture et société au Maghreb"

حاول الباحثون من خلال هذا فهم قيمة "الشرف" في هذه المجتمعات الذي أسس بنية القوة المجتمعية فيها.

و"الشرف"، سيكولوجيا هو ذلك الإحساس الداخلي المهيكل في الذات الإنسانية الشعور بالعظمة والكبرياء بين الأفراد، عبر عنها (P. Bourdieu) بمفاهيم كالوجه، العرض، النيف، الحياء، الحشمة، وغيرها نستشفها لاحقا.

في ذات الوقت يرتبط "الشرف" سوسيولوجيا بالأخلاق، الدين، العرف، القيم ومحددات نستشفها هي الأخرى في المقاربة النظرية والميدانية للموضوع المطروح.

من هنا يمكن تصنيف الشرف إلى :

1- شرف الدين: كحرمة المساجد.

2- شرف العرف: كذلك الاعتقاد بأولياء الله الصالحين، والزواج بالشرفاء دون غيرهم من الرتب الاجتماعية الأخرى، والمكانة العظيمة للنسب الشريف على الآخرين بكونهم ينتمون إلى سلالة الحسن والحسين أبناء فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.

3- شرف الذات: المرتبط بالطهارة والصفاء الحفاظ على العذرية مثلا.

S160901

أصناف الشرف، غالبا ما تكون مرتبطة ببعضها البعض بشكل متناغم حيث يكمل كل صنف، الصنف الآخر فقد جاء هذا الفصل من باب التوضيح فقط.

وعلى اعتبار المرأة مقياسا يتحدد فيه كقالب رافعا بقيمتها المتمثلة في العفة والطهارة والصفاء، غير أنه بمجرد الحديث عن المرأة، نصادف أطروحات وأفكار مختلفة إلى حد التناقض الكبير في غالب المواقف.

المرأة في المخيال العربي تطرح على أساس مقياس القوة والضعف وبهذا ظلت أسيرة السلطة البطريكية([7]) يقول العقاد عن المرأة كقوة مسوقة والرجل كقوة عاملة "خلق الرجل للأمر والمرأة للطاعة"؛ هذا من ناحية، أما عندما نتحدث عن معادلة الالتحام في الرابطة الجنسية، فإن الأمر يختلف تماما، والمقصود هنا وجود المرأة والرجل داخل مركب القوة الجنسية التي تترجم بالحاجة البيولوجية من جهة والحاجة النفسية والاجتماعية. من هذا التباين بين الطرفين، تطرح المرأة كعنصر يتوجب عليه مراعاة شروط العرف والدين والأخلاق في خلق جنسية، وكل علاقة تعقدها المرأة خارج نطاق القانون الاجتماعي هي مساس بشرف الرجل والقبيلة وكل الأقارب.

فتاريخ العلاقات بين الرجل والمرأة هي بداية وتلعثم، فهذه العلاقات تتمأسس كمفاتيح لفهم الإنسانية([8]).

طبيعة الشرف مختلفة من مجتمع إلى آخر، وبالتالي من ثقافة إلى أخرى ترسم حدودها المعتقدات والأعراف والتقاليد الاجتماعية، والامتداد التاريخي؛ في هذا السياق، يطرح التساؤل: إلى أي مدى يمكننا رسم حدود هذا المفهوم في مجتمعاتنا؟ الحدود التي ربط فيها "الشرف" بمجموعة من الصفات والرموز التي نعت بها –أي الشرف- كالأنف، الرجولة، الفحولة، العرض، الحشمة، وغيرها.

لقد كان ربط شرف الرجل بسلوك النساء الجنسي مهمة ممكنة وسهلة عندما كانت النساء حبيسات الأمكنة الخاصة بهن كالبيت والحمام وأقرب قبر ولي صالح وبالتالي، فليس هناك ما يبعث على الدهشة في أن النساء اللائي يمتلكن هذه السلطة في الحفاظ على شرف الرجل أو تلويثه، تكون هدفا لكي يفجر الرجل فيهن أشكال كبته وعدوانيته([9]).

- الجسـد:

يعتبر الجسم الإنساني أحد الموضوعات البحثية الهامة لعديد من الدراسات الاجتماعية نظرا لدوره كوسيط في التفاعل بين البشر، كتجسيد للحياة البشرية([10]).

فقد اتجه الاهتمام حديثا لدراسات تبحث في العلاقة بين الجسد والمجتمع وعناصره المختلفة، وما يحويه من اطر ثقافية، ذلك من خلال دراسات أنثربولوجيا الجسد.

فالجسد كيان بيولوجي ثقافي اجتماعي يحتوي على عقل صانع العديد من التصورات والإدراكات والاتجاهات الفكرية التي تتبدى وتتضح من خلال نماذج سلوكية ثقافية تتم من أجل ضبط هذا الجسد أو السيطرة عليه، يتضح ذلك خاصة في نطاق الدراسات العالمية والاهتمام الكبير الذي توليه الحركة النسائية العالمية بموضوعات المرأة والأنوثة، والعلاقة بين الجنسين، وقضية النوع، والذكورة والأنوثة([11]).

الجسد الأنثوي يعتبر بهذا الطرح قاعدة التجادل الحقيقي بين الدارسين لهذا الموضوع، وإبداء نظرية اللاتوافق بين إشكالية النوع وطبيعة كل مجتمع، إن فلسفة الصراع القائم بين الرجل والمرأة من خلال هذا العنصر "الجسد" هو دليل صارخ لوجود هذه المفارقات الفكرية التي أحدثت مع الوقت تقابلا جادا بين مختلف المنظرين الذين حاولوا توضيح مواطن التقارب والتباعد بين الكيانين.

أعطى علماء الاجتماع اهتماما واضحا لأهمية الجسد وعلاقته بالمحيط الاجتماعي أمثال العالم الفرنسي إميل دوركايم، ومارسل موس(Marcel Mauss) وروبرت هرتز (Robert Herts)، وقد تخطى ذلك إلى الاهتمام بالمعنى الاجتماعي للجسد حيث لم يعد الجسم كيانا فزيولوجيا محضا، بل أصبح هذا الكيان عاكسا لمعاني اجتماعية متنوعة تعد نتاج تفاعل هذا الجسم بالبيئة الاجتماعية المحيطة.

لقد حاول كل من مارسل موس وروبرت هرتز التأسيس لمعنى الجسد وعلاقته التوافقية بطبيعة المجتمعات، هذه الرؤية تبرز إلى أبعد حد، المعنى الجوهري لطبيعة الطروحات الفكرية وارتباطها بالقواعد العرقية التقليدية المؤسسة للتوجهات الاجتماعية، إن فلسفة الجسد أعطت مع الوقت رمزية الشعوب المؤسسة لهويتها وتميزها.

هكذا اهتم هيرتز (Herts) بالجانب الرمزي المتعلق بأبعاد الجسد الإنساني، واهتم مارسل موس (Marcel Mauss) بالعمليات والميكانيزمات التي يتحول عن طريقها الجسد الإنساني إلى معنى مجسد من صنع الإنسان عن طريق إظهار أساليب للتعبير عن عمليات التعلم والتدريب من خلال الجسد([12]).

تعددت الرؤى بين الجسد والمجتمع، واختلفت المنطلقات الفكرية في دراستها فهناك من تناولوا الجسد الإنساني من خلال منظورات ثقافية اجتماعية، أمثال "بارسونز" و"تيرنر" وازداد الاهتمام بجسم الإنسان داخل الاتجاهات الحديثة والمعاصرة.

كما حاولت هذه الاتجاهات تجاوز الطرح الكلاسيكي لعلاقة جسم الإنسان بالمجتمع، عبر النظر للجسد بوصفه موضوعا ثقافيا اجتماعيا يقوم بوظيفة، وأن هذا الجسد يعد مكونا أساسيا من مكونات التفاعل الاجتماعي، والذي لا يمكن حدوثه إلا بين كيانات اجتماعية تمتلك أجسادا وأبنية للشخصية وقدرة على إقامة علاقات اجتماعية([13]).

وهناك دراسة كاترين أرنولد (Katherine Arnold) في البيرو (Pérou) عن الجسم الإنساني وانقسامه إلى نوعين ذكر وأنثى وأثر النوع (le genre) على العلاقة بين الرجل والمرأة([14]).

"إن الجسد الأنثوي بماله من خصوصيات، ومميزات، ظل مع الوقت يحمِّل هذا الكيان الأنثوي، ضرورة الحضور والغياب والإقصاء بين المجموعات البشرية، التي أعطته قدسية جعلته خاضعا لحكم الجماعة، وتحت إمرة وسيطرة الرجل، أحيانا أخرى، إن فلسفة الإحكام هذه، جعلته كيانا ثائرا، تحاول من خلاله المرأة الحالة لهذا الضغط المفروض عليها طبيعيا تكسير الحواجز، وجعله كيانا عاديا، يخضع لسيطرة الحاملة، لا غير".

جسم المرأة مقيد تاريخيا، إنه جسد مؤسس، كل قوانين التحريم والمنع تهدف لاحتواء هذا الجسد ووضع مفاتيحه في يد الرجل، فالوانين هي إذا وسيلة الرجل وسلاحه لامتلاك جسد المرأة والسيطرة تتم من خلال الجسد والتحكم به.

عندما يفلت الجسد ويعبر عن طاقته ورغباته بحرية، يفلت الإنسان من التسلط والقهر، ولذلك فالمرأة حين تتمرد، فإنها تفعل ذلك أساسا من خلال إعطاء نفسها حرية التصرف بجسدها جنسيا في المقام الأول([15]).

يقابل التركيز الجنسي المفرط والاختزال لجسد المرأة قمع له، يبلغ أقصى درجات الشطط والقسوة، فالممنوعات التي تفرض على جسد المرأة، دينيا ومدنيا أشهر من أن تعرف.

قانون المجتمع في أشد وجوهه قمعا، منقوش منذ الطفولة على جسد المرأة، في حركية هذا الجسد وتعبيراته، ورغباته، جسد المرأة المختزل إلى بعده الجنسي، هو "عورة" يجب أن تستر وتصان وتحمى، وهو قبل ذلك ملكية الأسرة ومن ورائها المجتمع، أسرة الأب في البداية، ثم أسرة الزوج فيما بعد، وليس للمرأة سلطة على جسدها (جنايات الشرف تشهد على ذلك بشكل صارخ وفادح) ([16]).

في البداية هناك اختزال للمرأة إلى حدود جسدها، واختزال لهذا الجسد إلى بعده الجنسي، المرأة مجرد جنس، أو أداة للجنس ووعاء للمتعة، هذا الاختزال يؤدي مباشرة إلى تضخم البعد الجنسي لجسد المرأة، بشكل مفرط، وعلى حساب بقية أبعاد حياتها.

إن التركيز على المرأة وتسليط أقصى العقوبات على هذا الجسد، خلف موجات تطاحن تاريخية جعلت المرأة تتموقع وتتحجر في جزء الطبيعي الذي قيدها وقومها في وضعية حالة الطبيعة والمعطى الإلهي، الذي لا مفر منه.

المرأة والجسد الأنثوي مصطلحات متلازمات أعطتهم القاعدة الاجتماعية مكانة الخضوع والرضوخ، والاستجابة للمنطق الجمعي، إن إتيان المرأة بأي خطأ عضوي في هذا الجسد سيزيد من تقيدها واضطهادها.

إنه يمحور المرأة ويمركزها حول المسألة الجنسية؛ يركز كل قيمتها في هذا البعد من حياتها. كما تفجر كل مخاوفها الوجودية حول حلول كارثة ما تعصف بوجودها([17]).

أما في الفكر الكنسي الغربي، فإن جسد المرأة يطرح على أنه واسطة الجمال للرجل، وواسطة بين الرجل والطبيعة، سر جسد المرأة في الرابطة الزوجية يعني أنه واسطة حب؛ بينما جسد الرجل مغلق، هو بدون إيقاع ودون سرّ، هو كله للزوجة ومعطى في عطاء بسيط.

بينما جسد المرأة كله معطى للزوج لكن في عطاء وسطي، في حين هو أيضا كله معطى للطفل، ومنه ينمو الطفل ويتطور، وفي الوقت نفسه، أحيانا معطى أموميا للطفل، وزوجيا للزوج([18]).

جسد المرأة هو سر لأنه يستقبل الرجل والطفل، في عطاء الحياة الزوجية فإن المرأة تأخذ الرجل باتجاه الطفل([19]).

حاولت الطروحات الكنسية أن تجد تفسيرا مبررا للطبيعة ولهذا الجسد الذي أحدث تضاربا تاريخيا وإشكالا صعبا حسب تعقيد المكانة والأدوار في المجتمعات، واعتبروه الوسيطة الممررة للحياة بين الرجل كجسد والطفل كمعطى إلاهي.

لقد فرضت الظروف الاجتماعية منذ تاريخ بعيد أن تكون المرأة جسدا، وساعد ذلك على اندثار نفسها وعقلها في طي النسيان، وجهل الناس بمرور الزمن أن المرأة يمكن أن يكون لها نفس وعقل كنفس الرجل وعقله([20]).

لا شك أن تلك المحظورات والقيود التي فرضها المجتمع على المرأة أو بالذات على أعضائها التناسلية، قد ساعد على تشويه معنى العلاقة الجنسية، وارتبطت في الأذهان بالإثم والخطيئة والنجاسة. وغير ذلك من التعبيرات المعيبة، التي جعلت الناس يخشون الحديث عن الجنس والأعضاء الجنسية وبالتالي أصبحوا يجهلون عنه وعنها الكثير([21]).

الجسد الأنثوي مرهون بتطلعات فكرية مختلفة، حيث يرى الروائي توفيق الحكيم في كتاباته أن رباط الزوجية هو الرباط المقدس ليس توافقا ورفقة وودا ومحبة ووفاء متبادلا كما يتعارف الناس، بل هو عقد وكلمة عقد هنا تستخدم بكل مدلولاتها التجارية، أي أن العقد هو عقد بيع بين مشتر وبائع. المشتري هو الرجل والبائع هو المرأة.العقد ينص على أن يتكفل الزوج بإعالة المرأة وأن تتكفل المرأة بصيانة جسدها في المقابل، وصيانة الجسد تقدم للرجل الضمان أن يكون الأبناء من صلبه هو ورثته، والعقد لا يلزم الرجل سوى بإعالة المرأة، فالرجل حر في أن يستخدم جسده كما يحلو له خارج نطاق رباط الزوجية([22]).

الجسد الإنساني يخضع لعمليات تنشئة اجتماعية ورقابة وضبط تجعل الإنسان يقوم في التحكم بجسده وحركاته وتعبيراته وفقا لمعايير التنشئة التي يتلقاها والتي غالبا ما تتفق وثقافة مجتمعه أو أسرته.

فقد أكدت إحدى الدراسات الهامة "أجسام المعرفة" على أن هذا الجسد ليس مجرد كيان بيولوجي عضوي، بل بناء يحمل معرفة اجتماعية وثقافية تمكنه من أن يتحرك وأن يتفاعل وفقا للأطر الثقافية والقواعد الاجتماعية المتعارف عليها في مجتمع من المجتمعات.

لم يكن للجسد أن يكون كذلك لولا خضوعه لعمليات الرقابة والضبط بل والقمع التي تفرضها عليه قواعد تنشئته لتجعله يتصرف ويتحرك ويستخدم جسده ليتطابق مع معارفه ومعايير ثقافته([23]). فيصبح الجسد بشكل عام وبعض موضوعاته أو أعضائه بشكل خاص، ليست ملكا للأفراد أنفسهم بل ربما تكون ملكا لغيرهم –سواء من الأفراد أو ملكا للمجتمع وثقافته-([24]).

إن موضوع المرأة مرهون في غالبه بفضاء الأبحاث في علم النفس الاجتماعي ، و الموضوع المطروح ينصب في القالب نفسه ، إذا ما تعلق الأمر خاصة بواقع الجنس في حياة المرأة.

لأجل هذا ،حاولنا معالجة موضوع يطرح في هذا الإطار ،فأخذنا الجسد و العذرية ، معياريين لمقاربة واقع الحياة الجنسية عند الطالبة الجامعية و حدود ارتباطها بالطرح التقليدي لمفهوم " الشرف " من حيث مجموع التكونات الأخرى ، كالتنشئة الاجتماعية ، تأثير القيم و التقاليد العرفية ، انتقال الفتاة من مستوى تعليمي محدد إلى مستوى تعليمي متفتح على مجموع الثقافات العالمية ،أهمها الثقافة الغربية .ثم كيف تمكنت هذه الثقافات من التأثير حتى على الممارسات المحدودة كظهور ممارسات جنسية دخيلة على الثقافة العرفية ، و ظهور العذرية الاصطناعية مع التقدم العلمي و الطبي ، و كيف استطاعت الفتاة التأقلم بين الثقافتين وأن تكون وسطا بينهما " الثقافة التقليدية و الثقافة الغربية " .

في إطار بحث سوسيولوجي مكبر (Macro-sociologie) ،اعتمدنا على التقنيات الإحصائية ذات الدلالة القياسية بالنسب المئوية .فبعد تحديد السؤال المحوري الذي كان كالتالي : ماذا يمثل الجسد الأنثوي في الفكر الأنثوي و علاقته بالشرف؟

باعتبارهما : أ- نتاجا طبيعيا ( طبيعيا )

             ب- نتاجا اجتماعيا (أخلاقيا)

إن هذا السؤال أهلنا أن نحسن تحديد أسئلة تقنية الاستمارة التي وزعت على 100 مبحوثة، وقد تم ذلك بالاعتماد على المخبر المفضل (l’informateur privilégié)    أي من كن من الفتيات على علاقة معرفية بظروف المبحوثات ، حيث اختلفت مجالات تخصصهن و ظروفهن المحيطة بفضاء التكون الاجتماعي حسب التنشئة الاجتماعية و الوضعية الأسرية و تخصصالدراسة ، وحتى مسار التوجه الفكري.

-الطرح التصوري في المجتمع المدروس للجسد الأنثوي:

جدول رقم 01: توزيع إجابات المبحوثات حول أرائهن عن الجسد الأنثوي:

الاختبارات

التكرار

النسبة

شرف المجتمع

62

60,78%

وسيلة لكسب المال

24

23,52%

شيء آخر

09

08,82%

بدون إجابة

07

6,86%

المجموع

102

100%

ارتباط مخيال الطالبة بالفضاء التقليدي الذي ترتب فيه وفق أصول تنشئوية تركز على جسد الفتاة وتكثر فيه الحواجز بين الفتاة والذكر، يتمظهر من خلال نفس الطرح الذي تنطلق منه الجماعة الكلية عند الفرد الجزئي، وهو اعتبار جسد الفتاة شرف المجتمع([25])، وهذا بمعدل 60,78%، وهي نسبة تفرض منطق الجماعة على منطق الفرد.

بينما يظهر منطق تصور جديد عند بعض الطالبات، حيث عبرت نسبة 23,52% على المبحوثات اللائي ربطن جسد الفتاة بالمادة على كونه وسيلة لكسب المال.

هذا ما فسر بعض التصورات الفكرية الجديدة المتأثرة بالتيارات المادية التي تعتبر جسد الفتاة أداة إستراتيجية لتحقيق الأهداف المادية وفق متطلبات "السوق الرجالي" (le corps féminin comme objet).

أما نسبة 08,82 والتي عبرت على جسد الفتاة حسب التصريحات التالية: (وسيلة يتحكم فيها العقل لفرض الوجود في المجتمع، جسد الفتاة شيء يخصها وحدها، وسيلة لجلب شريك حياتها وتحقيق رغباتها، الكرامة، عورة، شيء عادي، شيء لا قيمة له سوى للجنس، أعز شيء لديها تهبه لمن تحب) وهي تفسيرات أخرى تدل على تضارب الآراء حول الجسد الأنثوي وماذا يمثل.

هذا يعني تعقيد منطق تصورات الطالبة لاعتبارها حاملة لجسدها، فالجسد الأنثوي يتمظهر من خلال منطقين اثنين هما:

-          اعتباره معطى طبيعي (إلاهي) تحترم فيه المقدسات أي العفة والطهارة.

-          اعتباره معطى اجتماعي (أخلاقي) تحترم فيه القوانين العرفية أساسها الحفاظ على العذرية وإثبات ذلك يوم الدخول بالعروسة.

- البعد السوسيولوجي لمفهوم "الشرف":

  المرأة، أصبحت اليوم موضوع اهتمام عالمي، إسلامي ومغاربي، فموضوع المرأة أو ما يتعلق بالوضع الأنثوي يتموقع اليوم في قلب الرهانات الإيديولوجية في بلدان المغرب.

الخطاب السياسي كيفما كان يمينيا أو يساريا يرفع بشكل استراتيجي مسألة الدور، ما الدور الذي تلعبه المرأة في المجتمع؟ هذا الدور مرهون بكل الأسئلة المتعلقة بالتربية، الدين، التطور، التقدم إلى الديمقراطية([26]).

في نفس الوقت هدفنا إمبريقيا ونظريا يتعلق بالرفع الإمبريقي لخصوصيات اكتساح وتنظيم الفضاء([27]) ويكون ذلك الفضاء معنيا بالبيت في فضاء مغلق أو الشارع المتمثل في القبيلة أو الأهل والأقارب بشكل واسع فيكون الفضاء هنا مجالا موسعا لكن في حدود متطلبات الوضع العرفي الذي يحدد مجاله القانون العام المضبوط بالتقاليد وأحكام القيمة التي ترسمها الجماعة.

- المنزل وقانون الشرف:

بناء الفضاء يعني بناء العائلة، لذا يجب أن تكون هذه الظروف –أي ظروف بناء الفضاء- مفهومة في إطار نظام القيم المجتمعية، هناك قانون شرف يساير قوانين هذا النظام الذي يعطي عمق الدلالة لمكانة الرجل والمرأة ويحدد هدف هذه الأفكار نحو من هي مصوبة؛ من هنا تظهر علاقة الهيمنة والسلطة الذكورية بين الرجل والمرأة، تعبر عنها نماذج القيادة وطريقة تسيير السلطة داخل الفضاء إذ يدرك كل جنس معنى دوره في البيت([28]).

تقسيم الفضاء بين الجنسين ذو أصل اجتماعي وثقافي، فنشاط كل جنس داخل الفضاء يؤدي إلى إتباع القوانين التي نسميها "التقسيم الأخلاقي للفضاء" (la division morale de l’espace) الذي يحدد القوانين المناسبة للسير التي تبين داخل الفضاء وليس داخل غيره (Jullian Pitt Rivers).

هذا التقسيم جعل من الرجال يقضون وقتهم مع النساء ويشاركونهن الفضاء، في حين أن البيت بالنسبة للرجل لا يستعمل سوى للأكل والنوم، بينما عند النساء هو بمثابة المسرح اليومي لحياتهن الداخلية.

هذا التقسيم الأخلاقي محكوم بقانون الشرف بشكل متناقض، الشرف حاضر في هذه العلاقات داخل الفضاء لكنه يأخذ تسميات أخرى أشار لها (Pierre Bourdieu) كالحياء والحشمة([29]).

لا يحتمل الرجل أن يثار اسم أخته أمام الرجال أو زوجته، على اعتبار أن هذا يمس خصوصياته ويمس شرفه، فلا يجب مناداة الزوجة باسمها الحقيقي أمام الغرباء، وهي ظاهرة مازلت سارية في المغرب كما في المشرق، إذ دخل الرجل إلى المنزل ومعه ضيف، لا ينادي زوجته مطلقا، ولكنه يلفت انتباه الضيف بوجودها كالسعال مثلا، أوي قول كلاما غير مفهوما "تأتأة" تدل على وجودها، أو يقول عند الدخول ""ديرو الطريق" (ouvrez la voie) ("أفسحوا الطريق")([30]).

يتموقع الشرف في فضاء علائقي تسلسلي، وهو الذي يفصل بين الرجل والمرأة ولكي يشعر الرجل برفعه رأسه داخلا، يجب على النساء أن تكن تحت رقابته، ويسيطر عليهن بحكم السلطة داخل البيت، فقانون الشرف إذا يطرح علاقة بين الرجل والمرأة([31]).

مفهوم الشرف (honneur) في العربية الكلاسيكية، كما في مختلف اللهجات، كأن نقول "اللي راسو مرفود" ("من رأسه شامخ") (celui qui a la tête haute) يكون وجه أحمر (que son visage est rouge)، أو نقول الذي له وجه نظيف (le visage propre) يعني أنه معكوس بالشرف.

على العموم، كل هذا يكون محددا في "النيف" ("الأنف") (le nez)، وهو تعبير رمزي عن "الشرف"، عندما يضيع احمرار الوجه، أو عندما يصبح الوجه متسخا (sale)، فالعار "يسقط رأس الرجل"، أي شرف الكبرياء.

وعندما يكون الرجل غير قادر على الدفاع عن شرفه، هذا معناه أنه لا يمكن "النيف" ("مجدوع الأنف").

فالوجه يستعمل إذا، كواجهة للشرف (la surface)، لكن المظهر البارز (saillante) للأنف يستعمل للدفاع، فالشرف يمس واجهة الرجل، نسميه أحيانا وجها (face). هذا الأخير يواجه العالم الخارجي -المجتمع-([32]).

شرف الرجل من حشمة المرأة، التعبير الوصفي "العالي" أو "شأنه عالي" ("شأنه عالي") (son statut est élevé)، تعني النجاح الاجتماعي للفرد، كلمة "السر" تعني العظمة والهيبة، والاتزان والاحترام، المرتبط أساسا بالسن، "رزين" معنى الاتزان والحكمة للذي يزن هذه الكلمات، وهو الذي يعطي للكلمات معنا.

كلمة رجلغنية بالمفاهيم حسب تعدد المجالات المجتمعية التي تؤسس العلاقات الاجتماعية، رغم كل شيء يجب التمييز بين ما يأتي من الهيبة وما يأتي من الشرف، فالشرف والهيبة يتقاسمان خاصيات جوهرية، هذا يعني أن القيم هي ليست ما يعطيه الفرد فقط، وإنما ما تعطيه الجماعة أيضا "الغير" (Jullian Pitt Rivers).

فالفرق بين الهيبة "العظمة" و"الشرف"، تظهر في أن الأولى "الهيبة" تقوم في مستوى مادي، أما الثانية فتظهر في مستواه الرمزي.

الرجل هو الذي يسير قانون الشرف، والشرف يقوم على جدلية بين الفرد والجماعة([33]).

ومن هنا برزت كلمة الرجولة في معناها عند (Bourdieu)، حيث نراها وهي مفهوم بارز وعلائقي مبني للرجل الآخرين، أمامهم ولهم وضد الأنوثة في إطار الخوف من الأنوثة وقبل كل شيء من الذات نفسها([34]) وذلك سعيا وراء كسب المكانة بين الجماعة في المجتمع المتمثل في "الشرف".

"الشرف" يقوي العظمة الاجتماعية، ويكون هذا النجاح بتراكم مجموعة من الخصائص، التي ترفع بمكانة الفرد وتجعله رجلا محترما؛ لكي يكون الرجل رجلا يجب أن يمتلك الشجاعة والقدرة للدفاع عن الشرف.

مفهوم "الراجل" تعني الرجولة والشرف، ولكن أحيانا تكون بحاجة إلى ميزات إضافية للتأكيد على هذا، من بين هذه الميزات، الجانب الفيزيقي للرجل الشارب (la moustache). هذه العلامة الموجودة على وجه الرجل هي رمز للرجولة الإيجابية (la virilitie positive)، وهي دلالة على شرف الرجل خارجا؛ عندما نقول "راجل بشلاغم" ("رجل بشاربين")، فذلك دلالة على أنه "رجل شريف" (un homme d’honneur) كأن نقول مثلا "راجل بدراعو" ("رجل بذراعيه")، للدلالة على القوة والقدرة على العمل لتلبية حاجيات أسرته([35]).

     - الطرح التصوري لمفهوم الشرف في المجتمع المدروس:

يشكل الشرف والطهارة مفهومين جد حساسين في الهندسة الاجتماعية، حيث أنهما يربطان بطريقة شبه قدرية بين مكانة الرجل والسلوك الجنسي للنساء الخاضعات له زوجات، أخوات، أو قريبات عازبات([36]).

جدول رقم 02: توزيع إجابات المبحوثات حول آرائهن لمفهوم الشرف

الاختبارات

التكرار

النسبة

الصفاء الجسدي

09

7,96%

وجود عذرية

55

48,67%

الكفاءة وقوة المرأة في تحقيق وجودها داخل المجتمع

45

39,82%

ليس هناك شرف

01

2,65%

بدون إجابة

03

0,88%

المجموع

113

100%

مازال للعذرية في تصور المبحوثات مكانة اجتماعية قوية كتلك التي يراها المجتمع التقليدي حيث مثلت 48,67% نسبة المبحوثات اللائي ربطن الشرف بوجود عذرية، وإن كان هذا الطرح كما سبق وأن أشرنا لا يتوافق مع المعنى الحقيقي لصفاء الجسد الأنثوي، وهذا ما يعبر فعلا على معنى الإدراك الجدي للمبحوثات لمتطلبات الجماعة التقليدية، ويكون ذلك معبرا للدخول في الحياة الاجتماعية من خلال نقطة فصل التي تمثلها "ليلة الدخلة".

من جهة أخرى، نجد أن 39,82% من المبحوثات، ربطن الشرف بالكفاءة وقوة المرأة في تحقيق وجودها داخل المجتمع، هذا ما فسر أيضا دلالات الفكر الغربي لمكانة المرأة في هذه المجتمعات، لكونها عنصرا فاعلا، وتحقيق ذاتها – أي البحث عن هويتها من خلال كفاءتها العلمية والمهنية وحتى الجنسية- من خلال كفاءاتها التعليمية والمهنية وقد تعني القوة أيضا قدرة المرأة في استغلال جسدها لتحقيق أهدافها.

كما نجد أن 07,96% من المبحوثات، ربطن الشرف بالصفاء الجسدي؛ إذ أنه وبالرغم من ممارستهن الجنسية، فإن منطق تصورهن يختلف عن سلوكاتهن، وربطن الشرف بالصفاء الجسدي، وبالتالي فالمبدأ لا يعبر أو لا يعكس السلوك دوما.

اختلفت مواقف المبحوثات في هذا الصدد، فهناك من ندمت على اقتحامها لمثل هذه الممارسات قبل زواجها، لأن العفة عندها شرط ضروري لبناء حياة زوجية على مقياس شريف؛ قد يفسر هذا وعي الطالبة لرمزية العلاقة الزوجية.

لقد ساعدت الظروف الاجتماعية السابقة([37]) من قوقعة الشرف وتحديد مجاله لأن المرأة كانت محصورة في فضاء داخلي مغلق –البيت-، وأمام موجة التحولات التي شهدتها المجتمعات أدى ذلك إلى خروج المرأة إلى ميدان العمل والتوجه نحو التعليم ومنافسة الرجل في كل المجالات، وانتقال مجال المرأة من فضاء مغلق إلى فضاء موسع اختلفت فيه ميكانيزمات تحدد مقياس الشرف، وقد اتضح ذلك من خلال تصورات الطالبة للمفهوم نفسه.

فنتائج البحث الميداني أعطت جزءا من هذا ووضحت اختلال معاني الشرف وفق المعطيات الموضحة سابقا في نفس الموضوع بين الشرف كمفهوم في الطرح التقليدي والشرف كمفهوم أيضا في المجتمع المدروس –أي الطرح العصري- وحتى الشرف واقعا وممارسة، كتأخر سن الزواج الذي جعل من الفتاة (la jeune fille) تشعر بأنها كائن اجتماعي جديد (nouvel être social) والذي يؤدي بدوره إلى اشتهاء الرجال (la convoitise des hommes)([38]).

- الرؤية الأنثوية التصورية في المجتمع المدروس لرجل اليوم:

تقديس الذكر واقع عميق في جزائر الأمس واليوم؛ الولد موضوع كل الانتظارات والرغبات، المرأة –الأم- تنتظر بفارغ الصبر الولد الذي يأتي ليعزز مكانة مهددة دوما وغير مستقرة على المستوى الاجتماعي.

يعتبر الولد قادرا على حماية أمه من السلطة الأبوية العظمى؟ وعلى المستوى النفسي يباشر الولد على الإصلاح النرجسي، إني قادرة على إنجاب الذكر إذن أنا موجودة([39]).

جدول رقم 03: توزيع إجابات المبحوثات حول أرائهن لرجل اليوم

الاختبارات

التكرار

النسبة

شريك حياة

43

32,57%

وجود حاجة اجتماعية ملحة

24

18,18%

مادة

25

18,93%

القوة التي تحتمي تحتها الفتاة

40

30,30%

المجموع

132

100%

رغم تباين مواقف المبحوثات في الإجابات حول أرائهن لرجل اليوم، عبرت نسبة 32,57% على أن الرجل شريك حياة، معنى الشراكة في الحياة هنا، تحمل أبعاد ومعان واسعة كأن يتقاسما الحياة بقساوتها وبساطتها، ومعناه أيضا أن المرأة في حاجة إلى الرجل كذلك.

كما تعبر الشراكة بين الرجل والمرأة عن العلاقة في إطارها المقدس، وهو الرباط الديني والروحي والعرفي، حيث تتوحد فيه المتناقضات؛ إلا أن المعطيات الظرفية أفرغت عمق المحتوى الجوهري لمثل هذه الازدواجية، لظروف سبق وأن أشرنا إليها منها تأخر سن الزواج، الفقر، الغزو الثقافي.

من جهة أخرى، نجد أن 30,30% من المبحوثات يرين في الرجل تلك القوة التي تحتمي تحتها الفتاة. المبحوثات هنا يدركن الواقع الطبيعي الذي يكمن في قوة الرجل على المرأة. وهذا تدعيما لتصور الجماعة التقليدية، مما يفسر بشكل واضح ارتباط تصور المبحوثة بتصور الجماعة التقليدية التي وجدت فيها.

رغم بعض الانحرافات إلا أن احترام مبدأ الجماعة يظل قائما في مستواه التصوري عند الطالبة، وهذا ما عبرت عليه أيضا نسبة 18,18% للاختيار المرتبط بوجود الرجل كحاجة اجتماعية ملحة.

يفسر هذا وعي الطالبة الكبير بالقيمة الاجتماعية للرجل في حياة المرأة، فمعظم التصريحات كانت تعبيرا عن رأي الجماعة بتعبير فردي؛ هذا التصور التقليدي ساعد في ترسيخ وانتظام السلطة البطريكية في المجتمع المحلي وحتى المجتمعات العربية.

وقد جعل هذا التوارث تصور خاص بالجماعة وهو أولوية الرجولة (la virilité)، على الأنوثة (la féminité) حسب مبدئي: القوة (la force)، والضعف (la faiblesse).

             نسبة 18,93%  من المبحوثات، ترى من جهتها أن الرجل مرتبط بالمادة، وهي نسبة ضعيفة مقابل الاختيارات الأخرى، قد يعبر هذا عن عدم وعي الطالبات لواقعهن، فقد يجعلن الرجل اليوم مصدرا ماديا، حسب ظروفهن الراهنة باستغلال جسدها من أجل المادة لأنها تتمتع بحرية مطلقة ولأنها اعتادت على مثل هذه المواقف بقضاء الليالي وكسب المال، ولهذا فقد يكون هذا الطرح عند العينة مؤقتا حسب ظروفها الآتية.

وقد عبرت المبحوثات في تصريحاتهن حول الرجل على النحو التالي:

المبحوثة 53: "الرجل انتهازي وغير انتاع صوالحه"("..الرجل انتهازي.. وأناني").

المبحوثة 52: "مادة وهدف استراتيحي لتحقيق رغباتي كلها".

المبحوثة 63: "كذلك لتفادي التخلاط ومعرفة رجال آخرين".

المبحوثة 64: "ملك الفراغ بلعبة اسمها الحب".

المبحوثة 72: "نصف حياتي الآخر وبدونه أصبح تائهة".

المبحوثة 77: "لا رجل بدون امرأة والعكس كذلك فهما عنصران متكاملان".

المبحوثة 66: "صورة الرجل تدهورت عبر السنين".

المبحوثة 93: "الرجال قلة في مجتمعنا "كلهم رخاس".

المبحوثة 96: "نصف الدين".

المبحوثة 97: "الرجل بالنسبة لي هو ذئب جائع ولكنه سرعان ما يشبع لا يصبح بحاجة للمرأة".

المبحوثة 83: "من أجل الجنس فقط".

المبحوثة 39: "هو شيء يجب على المرأة في مجتمعنا أن تحتمي به هذا إذا كان يقدر ذلك فإذا كانت من دون رجل ما حالها في مجتمعنا".

المبحوثة 51: "ستار".

المبحوثة 08: "لا يمثل لي شيء فهو من حطم الفتاة وجعلها تقوم بهذه الأشياء".

المبحوثة 05: "لا وجود له".

المبحوثة 48: "الرجال رخاص مايسواوش" ("الرجال منحطون ولا قيمة لأحد منهم").

المبحوثة 46: "لا يوجد في الوجود شيء أجمل من أن تجد الفتاة رجلا وزوجا تعتمد عليه لأن المجتمع قاس والحياة الآن أقسى منه".

المبحوثة 43: "الرجل لا يفكر في المرأة إلا مصدرا للجنس".

المبحوثة 47: "لا يمثل شيء لأنه يبحث عن le plaisir "(المتعة)

من خلال التصريحات تتباين إجابات الطالبات في تصورهن للرجال بتناقضات واضحة، هناك من ترى في وجوده ضرورة، وأخريات ترين وجوده مادة، وهناك من عبرت على الرجال بكلمة "رخاس" و"مايسواوش" أي الدناءة، وهذا التصور مربوط بظروف العلاقة التي جمعت المبحوثات بالرجال، فهناك من اغتصبت وهماك من فقدت عذريتها لتجد نفسها حاملا من رجل كانت تثق به لكنه تجاهلها بعد أن دمرها.

تبقى هذه التصورات مرهونة بالظروف العلائقية بين الجنسين، والأعم من ذلك هو اختلال عنصر "الثقة" بين الطرفين حتى وإن كان هذا الشرط أساس العلاقة بين الرجل والمرأة.

وعليه كانت –المعطيات- بناءا على ما جاء في أجوبة الاستمارات وتصريحات المقابلات، تتبناه عينة المجتمع المدروس، فهي تعكس واقع فئة ولم تكن بالضرورة مطابقة للواقع –أي المجتمع الكلي-

وبالتالي جاء هذا البحث في ضوء المقاربات السوسيولوجية من منظور الدراسات الميدانية للواقع والتمثلات الاجتماعية في علم اجتماع الهوية والتحول الاجتماعي لمجتمع يعرف حراكا اجتماعيا كبيرا.


الهوامش:

[1]- Les trois couplets de la chanson cités à différents moments du texte sont pris à la chanson de Manicke « je m’en vais, je m’en vais » dans son disque paroles de femme cité au livre « d’Algérie et femme ». Préface Fatima-Mernissi, édité par l’association Aicha 1994 Alger, Page 39.

- Morin Edgar : « La méthode, la nature de la nature » Paris, ed du seuil, 1977.p19 .

- Julien pitt Rivers : « Anthropologie de l’honneur, la mésaventure de sichem » Paris ed le sycomore, 1983.

- Bourdieu Pierre : « La domination masculine », Paris, ed Seuil, collection liber, 1998.

- Bourdieu Pierre : « Esquisse d’une théorie de la pratique » Genève, ed Dlroze, 1972.

- Bourqia.R, Charrad.M, Gallagher.N: « Femme culture et société au Maghreb, culture femme et famille », ed Afrique- orient, 1996, page 09.

- حول السلطة البطريكية، وعلاقتها بالعذرية الاصطناعية عرضت بنوع من المقاربات السوسيولوجيا عن المجتمع المغربي في :

Revue de Presse octobre 1979, N°28 sous titre « Virginité patriarcale ».

- Martini Evelyne : « la femme, ce qu’en disent les religions » France ed Atelier, ed ouvrières, 2002, page 07.

- فاطمة المرنيسي: "الجنس كهندسة اجتماعية، بين النص والواقع" ترجمة فاطمة الزهراء، الدار البيضاء ،أزويل نشر الفتك ، ص148.

- حسين محمد محمد مها: "العذرية والثقافة، دراسة في أنتروبولوجيا الجسد"، خطة بحث لنيل درجة الدكتوراه في الآداب من قسم علم الاجتماع، جامعة القاهرة، إشراف: أ.د فاروق محمد العادلي، أ.د نبيل صبحي حنا، صفحة 1.

- المرجع السابق

- المرجع السابق ،صفحة 3.

- المرجع السابق.

- المرجع السابق ، صفحة 4.

- كولن ويلسن: "أصول الدافع الجنسي"، ترجمة يوسف شرورو، سمير كتاب، بيروت ، منشورات دار الآداب، الطبعة 2 أغسطس 1972، صفحة 225.

- المرجع السابق ، صفحة 224.

- المرجع السابق،صفحة

- Nicole Echivard : « Femme qui es-tu » Préface du cardinal Decourtray, paris, ed Criterion, 1985, N°Editeur 19, page 62.

- Ibid, page 64.

- السعداوي نوال: "المرأة والجنس"،القاهرة ، المؤسسة العربية للدراسات العربية والنشر،1982، القاهرة،ج1، ط05، ، صفحة 17.

- المرجع السابق ، صفحة 18.

- الزيات لطيفة: "المرأة ملكية فردية وأداة إنتاج"، من مجلة دفاتر نسائية، تشرف عليها زينب الأعوج، الجزائر ، دار المصباح للنشر، 1991، ص67.

- حسين محمد محمد مها، سبق ذكره، ص5.

- المرجع السابق ، صفحة 6.

- وإن كان هذا الأخير لا يعبر فعلا على المفهوم للطرح التقليدي إلا بوجود عذرية، وهي أعم من المرهون بالجسد إذ لا توجد مقاييس عرفية أخرى تثبت الصفاء الجسدي إلا العذرية.

- Bourqia.R, Charrad.M, Gallagher.N, « Femme, culture et société au Maghreb, , Casablanca, ed Afrique orient, tome 01, 1996, page 09.

- Ibid, page 15.

- Ibid, page 25.

- Ibid.

- Ibid, page 28.

- Ibid.

- Ibid, page 26.

- Bourqia.R, Charrad.M, Gallagher.N, Op.cit.

- Bourdieu Pierre : « La domination masculine », ed Seuil, Paris, 1998, p59.

- Bourqia.R, Charrad.M, Gallagher.N, Op.cit, page 27.

- J.G.Prestiany : « Honor and Shame, the values of Mediterranean society », Chicago, Press, 1996 .

37-المرنيسي فاطمة، "الجنس كهندسة اجتماعية بين النص والواقع"، مرجع سابق، صفحة148.

38- أي عندما كانت النساء حبيسة الأمكنة الخاصة كالبيت والحمام.

39- Juan Salvador, et le Gall Diddier, « condition et genre de vie chronique d’une autre France »,paris , ed l’harmattan, 2002

40- بوعطة شريفة: "الرجال، يالها من قوة"، من مجلة دفاتر نسائية، إشراف زينب الأعوج، دار مصباح للنشر، الجزائر، 1991.

المراجع باللغة العربية:

أ-الكتب:

1-المرنيسي فاطمة، الجنس كهندسة اجتماعية، بين النص والواقع،ترجمة :فاطمة الزهراء أزويل نشر الفتك الدار البيضاء.

2- السعداوي نوال، المرأة والجنس، ج1، المؤسسة العربية للدراسات العربية والنشر، ط05،القاهرة، 1982.

3-ويلسن كولن ،أصول الدافع الجنسي، ترجمة يوسف شرورو، سمير كتاب، منشورات دار الآداب، بيروت الطبعة 2 أغسطس 1972.

ب-المجلات:

1- بوعطة شريفة، الرجال، يالها من قوة ، من مجلة دفاتر نسائية، إشراف زينب الأعوج، دار مصباح للنشر، الجزائر، 1991

2- حسين محمد محمد مها،العذرية والثقافة، دراسة في أنتروبولوجيا الجسد، خطة بحث لنيل درجة الدكتوراه في الآداب من قسم علم الاجتماع، جامعة القاهرة، إشراف: أ.د فاروق محمد العادلي، أ.د نبيل صبحي حنا.

3-الزيات لطيفة، المرأة ملكية فردية وأداة إنتاج ، من مجلة دفاتر نسائية، تشرف عليها زينب الأعوج، الجزائر ، دار المصباح للنشر، 1991.

المراجع باللغة الفرنسية:

 

1-      Bourdieu Pierre : « La domination masculine », Paris, Ed Seuil, collection liber, 1998.

2-      Bourdieu Pierre : « Esquisse d’une théorie de la pratique » Genève, Ed Dalloz, 1972.

3-      Bourqia.R, Charrad.M, Gallagher.N: « Femme culture et société au Maghreb, culture femme et famille », ed Afrique- orient, 1996.

4-      Martini Evelyne : « la femme, ce qu’en disent les religions » France Ed Atelier, Ed ouvrières, 2002.

5-      Morin Edgar , « La méthode, la nature de la nature » Paris, Ed du seuil, 1977.

6-      Echivard Nicole : « Femme qui es-tu » Préface du cardinal Decourtray, paris, Ed Criterion, 1985.

7-      Salvador Juan, et le Gall Didier, « condition et genre de vie chronique d’une autre France », paris, Ed l’harmattan, 2002 .

8-      Rivers  Julien pitt, Anthropologie de l’honneur, la mésaventure de Sichem, Paris , Ed le sycomore, , 1983.

9-      Revue de Presse octobre 1979, N°28 sous titre « Virginité patriarcale ».