إشكالية اللغة في تدريس العلومpdf

 د/عبد المجيد سالمي 

جامعة الجزائر 2(الجزائر)

 Résumé

Cet article traite la problématique de l’adoption  d’une langue d’enseignement pour les sciences autre que la langue nationale ?

Pour donner des éléments de réponse à cette question épineuse posée par les linguistes et les pédagogues et bien sur derrière eux les politiques, l’auteur a  soulevé les points suivants :

1.    Nature du langage et caractéristiques de la langue.

2.    Les langues de spécialité ou  langage scientifique.

3.    Langue et enseignement des sciences, la langue est uniquement  un moyen ? est il plus utile de produire dans sa langue ?

4.    La langue arabe : langue des sciences à travers les siècles.

5.    Faut-il enseigner les sciences en arabe : raisons et preuves historiques. 

1.   المدخل:

يجمع علماء اللسان اليوم على أن اللغة ظاهرة إنسانية للبشر كافة ولا يعبأون بالتفريق بين لغة وأخرى. وهي في نظر علماء الاجتماع واقع اجتماعي قائم وظاهرة اجتماعية متفاعلة وقوة إنسانية إرادية مفكرة ومعبرة في المجتمع.

إن معالجة اللغة على هذا الأساس هي إحدى المسائل النظرية الرئيسية للسانيات العامة، وهي مسألة أخذت بها جميع المدارس اللسانية الروسية والإنكليزية والفرنسية والأمريكية.

واللغة عند الفلاسفة والمناطقة والمفكرين أداة التخاطب الجماعية بها يتواصل الناس وتنقل الأفكار والعواطف والرغبات فهي تساعد على التفكير وهي عند بعضهم نمط من السلوك وضرب من العمل.

واللغة في نظر اللسانيين نظام من الأدلة والعلامات المتواضع عليها بين جماعة من المتكلمين للتعبير عما يريدون فهي وسيلتهم للاتصال والتفاهم.

إن اللغة مهما كانت طبيعتها وخصائصها تستطيع أن تؤدي الوظيفة الأساسية وهي التبليغ والوظائف المرتبطة بها، ولم نسمع أن عالما لغويا ادعى غير ذلك، فليس هناك علاقة جدلية بين اللغة وأدائها لوظائفها المختلفة من جهة وبين التحضر والتحصيل من جهة ثانية بل إن مثل هذه العلاقة تُلتمس عند أصحاب اللغة ومستخدميها، ومقدرة اللغة على التعبير عن العلم أو النفس أو الكون، عن المجهول أو المعلوم(1)، عن أدق التفاصيل أو أكثر الصياغات تجريدا هي مقدرة حامليها على تطويعها وتهيئتها وتمكينها من ذلك، وصلاح حامليها لاكتساب العلم واستيعابه وإنتاجه يعني صلاحها لهذه المهمة. ومن يقول بغير ذلك فهو إما عارف يحرّف أو جاهل يخرّف.

من الضروري أن نبرز طبيعة اللغة البشرية وخصائصها وما تشتمل عليه من لغات التخصص وعلاقتها بها والاختلاف الحاصل بين ألفاظ اللغة العامة ومصطلحات العلوم لنباشر بعد ذلك الحديث عن المشكلة الرئيسية المطروحة وهي أهلية لغة بعينها لتدريس العلوم.

2.      طبيعة اللغة وخصائصها:

تختلف  اللغة عن وسائل التبليغ الأخرى فهي ظاهرة اجتماعية قديمة قدم الإنسان استعملها على مر العصور والحقب بأشكال مختلفة وتطورت وتنوعت واختلفت بعضها عن بعض واختلف العلماء في منشئها ولهم في ذلك آراء ونظريات.

وتكمن أهمية اللغة في كونها أداة البشر في التواصل والتفاهم ووسيلتهم في تحصيل المعارف والعلوم ونقل الحضارة والتراث والتاريخ. ورد ذكرها في القرآن الكريم قال سبحانه وتعالى: "وعلم آدم الأسماء كلها" ليستخلفه في الأرض.

ومن أجود تعريفات اللغة التي وصلتنا من علمائنا العرب ما قاله ابن جني:

"اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" ففي هذا التعريف على الرغم من مضي عشرة قرون عليه يشير إلى بعض خصائص اللغة البشرية التي لم يتناولها علماء اللغة إلا في منتصف القرن الماضي.

فاللغة ذات طبيعة بشرية يلد الإنسان وهو قادر على اكتسابها بصرف النظر عن خصائصها وصعوبتها بل ويبدع فيها إذ لا يكتفي بالتقليد، ويحدث هذا الاكتساب في مراحل متلاحقة وبالتدريج وما أن يصل سن الخامسة حتى يكتمل لديه نظام اللغة بأسره وما يحصل بعد ذلك هو من قبيل الزيادة في الثروة اللغوية وتنويع الأساليب.

ومن أدق التعريفات الحديثة قول العالم الفرنسي أندري مارتيني صاحب النظرية الوظيفية في اللسانيات:

"إن اللسان أي لسان كان هو أداة تبليغ يحصل على مقياسها تحليل لما يخبره الإنسان، أي ما يعلمه بالتجربة سواء كانت حسية أم ذهنية، على خلاف بين جماعة وأخرى بين ذوي الألسنة المختلفة وينتهي هذا التحليل إلى وحدات ذات مضمون معنوي وصوت ملفوظ وهي العناصر الدالة  على معنى أي الكلمات، ويتقطع هذا الصوت الملفوظ بدوره إلى وحدات مميزة ومتعاقبة وهي العناصر الصوتية أي حروف المباني، ويكون عددها محصورا في كل لسان وتختلف هي أيضا من حيث ماهيتها والنسب القائمة بينها باختلاف الألسنة."

ومن هذا التعريف نرى أن للسان عدة خصائص فقد أشار التعريف إلى أنه أداة تبليغ أي أنه يتميز بصفتين الأداء أي التخاطب بين أفراد الجماعة لتبادل المعلومات والأغراض بكيفية خاصة ويقتضي مفهوم الأداء وجود جهاز خاص يستعمل في تحقيق غاية معينة. أما التخاطب فيتطلب أمرين الأول نظام من الأدلة والعلامات والثاني هو أن اللغة مواضعة واصطلاح.

إن اللغة وإن كانت مهمتها الأساسية هي التبليغ إلا أن لها عملا آخر كأنه ملازم له وهو تحليلها للواقع الذي يظهر ويتحقق بظهورها وتحققها لأن الكلام هو فعل المتكلم إنما هو تقطيع يقع على حقيقتين مختلفتين في آن واحد وهم الصوت الذي يرسله المتكلم والمعاني أي ما يحصل له من المعلومات الإختبارية التي يريد إبلاغها إلى السامع.

وكما أن اللغة يختلف بعضها عن بعض في ماهية أصواتها ونظام أبنيتها فكذلك يختلف تحليل المعاني فيها والحق أن لكل لغة نظرة خاصة إلى الواقع نظرة أصحابها في الحقيقة ويستلزم هذا أيضا عدم مطابقتها للظواهر الفكرية. إن الأدلة اللغوية وغير اللغوية تتكون من مادة هي قوامها ومحلها نسميها الدوال ومن مضمون يحل هذا المحل وهو المدلولات. يختلف اللسان عن غيره من الأنظمة الدلالية لأنه صوت ملفوظ وتكون مادة هذه الأنظمة إما أنوار أو مادة صلبة أو حبرا أو حركات وقد تكون أصواتا لكنها غير ملفوظة أي غير حادثة في المخارج والأحياز الصوتية الإنسانية وهي ميزة تمتاز بها اللغة عن غيرها أي الصفة الصوتية الفيزيولوجية.

ويترتب عن هذا المظهر الصوتي أن للغة بعدا واحدا مختلفة عن غيرها مما له بعدان أو ثلاثة أبعاد، فالصوت لا يحصل إلا متتابعا متسلسلا تتعاقب فيه عناصره الحرفية الواحد بعد الآخر فهو بهذا المعنى زماني خطي.

وتتميز اللغة بخاصية أخرى هي انقسامها إلى مستويين من التحليل هما التقطيع الأولي الذي تنتج عنه العناصر الدالة عن المعاني الإفرادية وهي الكلمة، والتقطيع الثانوي الذي يفضي إلى العناصر الصوتية غير الدالة التي تتركب منها الكلمة وهي حروف المبنى. 

وأهم شيء في اللسان وأخص صفاته هو الصورة الأدائية التي تنتج عن تأليف أجزائه وانتظامها  وهذه الصورة هي البنية اللسانية التي يهتم بها اللساني في مسالكها ومجاريها في عملية التبليغ.(2)

3. اللغة المتخصصة أو لغة العلوم:

إن اللغة من حيث هي نظام من الأدلة تقوم بوظيفة التبليغ عامة وتؤدي الوظائف الأخرى استجابة لحاجات المتكلمين وأغراضهم وهي بهذا المعنى تعتبر لغة مشتركة أو عامة مختلفة في ذلك عما يسمى لغة التخصص أو لغة العلم من حيث التخصيص والتعميم، فاللغة المتخصصة ينحصر مجال استعمالها في علم واحد وميدان معرفي واحد وإن لم تختلف في بنيتها ونظامها عن اللغة العامة فهي جزء منها إلا أنها تختلف عنها في طبيعة ألفاظها وأصنافها وأنواعها. إن لغة التخصص تتكون من عناصر مفردة أو مركبة إما لفظية أو رمزية أو عددية أو مركبة منها جميعا أو من بعضها دون البعض الآخر. ومن أهم ما يميز اللغة العامة عن لغة العلم احتواء الأولى على ألفاظ ذات دلالة عامة واحتواء الثانية علة مصطلحات علمية أو تقنية ويمكن أن نلخص بعض خصائصهما فيما يأتي :

إن المصطلح وثيق الصلة بالعلم الذي ينتمي إلى موضوعه فالعلاقة بينهما هي كالعلاقة بين الدال والمدلول فكل حديث عن الدال منفصلا عن مدلوله إنما ينطوي على فصل بين المتلاحمات وهو فصل لا يتجاوزه المنطق ولا يستسيغه الظن إلا باعتباره إجراءً منهجيا لا غير.(3)

إن علاقة المصطلحات على أساس أنها وحدات العلم وأجزاؤه المكونة له باعتباره كلا متكاملا ونظاما هي علاقة شائكة وكثيرا ما توقع من لا يتمثلها من الباحثين تمثلا دقيقا في البعد عن الحقيقة وإثارة القضايا الزائفة.

فالخاصية الأولى للمصطلحات هي أنها وحدات العلم وأجزاؤه الصغرى وتمثلاته الأساسية ومفاتيحه وأولياته التي يتوسل بها إلى إدراكه وفهمه وتجريد مضامينه وصياغة مقولاته وأفكاره.

والخاصة الثانية التي تتميز بها المصطلحات هي أنها متعددة بينما تتميز مفردات اللغة العامة بالوحدة، وذلك لوجود مستويات مختلفة لاستعمال اللغة وإن اتّحدت هذه الاستعمالات في المفهوم الجامع بينها واختلفت في الدلالة الفعلية الناتجة عن السياق. ولا يمكن أن نجد مثل ذلك في المصطلحات لأنها مرتبطة بميدان محدد وإذا استعملت في ميدان آخر اختلف مفهومها وإلا إذا كانت من المصطلحات المشتركة بين العلوم وهو وضع خاص ببعض المصطلحات المشتركة بين العلوم، كما توجد مصطلحات عامة يتقاطع استعمالها في العلوم مع استعمالها في اللغة العامة.

وتختلف المصطلحات عن الألفاظ العامة بأنها غير عالية التواتر شديدة التغير بتطور العلوم تعتمد على الألفاظ العامة في التوليد ويمكن معرفة محتوى المصطلح بمعرفة مرجعه أو إدراك مفهومه بينما تعرف دلالات اللفظ العام من خلال السياق، كما أن المصطلح يدل على مفهوم واحد يلازمه مما يسمى "أحادية الدلالة". وهو أحد الشروط الأساسية لوضع المصطلحات العلمية، فالمصطلحات العلمية لا تقبل الترادف وإذا حصل ذلك فإنه يتسبب في الالتباس العلمي.

وتختلف المصطلحات عن الألفاظ العامة في أنها تنتمي في الغالب إلى صنف الأسماء ولا يوجد من الأفعال إلا القليل النادر.

أما اللغة العلمية فتتميز باحتوائها على نصوص مكونة من وحدات معجمية هي الوحدات التامة وعبارات غير لسانية يسميها بعضهم المقصرات الكتابية وهي إما ألفبائية أو رمزية عددية أو خاصة، كما تتميز بضبط المصطلحات وتنظيم المفاهيم وحياد الشعور والاقتصاد والإيجاز في الألفاظ والدلالات، ومراقبة المشترك وحذف المترادفات، وتوخي التبسيط والابتعاد عن العاطفية والذاتية.

4. اللغة وتدريس العلوم:

في مجال تدريس العلوم يجب أن نميز بين عدة عناصر أولا عنصر اللغة ثانيا عنصر العلم وثالثا عنصر التعليم أي العملية التي يتم من خلالها توصيل المعارف المرتبطة بذلك العلم من أستاذ إلى طلبته في الأوضاع التقليدية وتتطلب هذه العملية كما هو معلوم أن يتحكم الأستاذ في ثلاث مسائل رئيسية هي:

-      المادة العلمية التي يدرسها.

-      اللغة التي يستخدمها في توصيل مادة علمه.

-   التقنيات التعليمية الخاصة بتبليغ المعلومات العلمية والتي ترتبط بتكوينه في مجال أدائه لمهنته التي يقوم بها ويرتبط التحكم في تقنيات التعليم باستعمال الوسائل الحديثة والمستندات التربوية الخاصة بذلك.

وما يهمنا في هذا الباب هو مسألة اللغة التي تستخدم في تبليغ العلوم وهل يمكن أن تكون هناك لغة لها من الخصائص الذاتية ما يؤهلها لأن تكون قادرة أكثر من غيرها على أداء وظيفة توصيل المعلومات العلمية. وبالرجوع إلى الخصائص التي تحدثنا عنها وأجمع عليها علماء اللسان فإنه لا يجرى التمييز بين اللغات في أداء وظيفة التبليغ ولا في وظيفة توصيل العلم وتحصيله والبحث فيه.

ولذلك فإن كل اللغات في ذلك سواء من حيث القدرة الكامنة وإنما يجري التفريق بينهما في مجال أدائها لوظيفة تدريس العلم باعتبار القدرة الفعلية وتطويع أهلها لها لتقوم بهذا الدور وليس من حيث  مطلق الإمكان.

وهناك اعتبارات أخرى تجعل البعض يختار لغة دون أخرى غير أن هذه الاعتبارات تدخل في باب توافر الشروط والوسائل ومنها:

- يصعب استعمال لغة ما في مجال تدريس العلوم إذا كانت هذه اللغة لا تشتمل على مفردات هذه العلوم، وليس لها المراجع الكافية ترجمة وتأليفا وينعدم فيها نشاط الترجمة ونقل المعارف من اللغات الأخرى ولا تكاد نجد فيها قاموسا متخصصا أو موسوعة علمية تضم بين طياتها أنواع المعارف وأصناف المعلومات عن الطبيعة والكون التاريخ والحضارة وعن العلوم والمعارف.

وبوجه عام فإن أهل اللغة هم الذين يجعلون منها أداة طيعة تؤدي ما يريدون من وظائف التبليغ والتخاطب والتعبير عن المشاعر والعواطف وعن مسالك الحياة العامة وعن الحضارة التاريخ وعن مشارب العلوم ومذاهبها وعن العمران والهندسة والطب والفلك وعلوم الطبيعة والكون أما إذا توانوا دون ذلك فإن اللغة تجمد بجمودهم وتنطفئ جذوتها بكسلهم وركودهم.

5. العربية لغة العلوم:

إن تاريخ اللغة العربية حافل بتجارب التاريخ التي تؤكد قيام اللغة العربية بدور مشرق في الاستعمال العلمي فهو أمر يقره الأعداء قبل الأصدقاء. فقد أتيح للعرب أن يحققوا نهضة علمية امتدت زمانا لا يقل عن الخمسة قرون ومكانا من تخوم الصين إلى سواحل الأطلس وبلاد الأندلس وجزر المتوسط ومن أقاصي طشقند إلى منابع النيل في أواسط إفريقيا، وكان المعين الذي استقت منه هذه النهضة هو العقل والسبيل الذي سلكته هو سبيل التجريب والاختبار.

وعبر عن ذلك ابن البيطار قائلا:

"فما ثبت لديهم بالخبرة لا بالخبر وصح عندهم بالمشاهدة والنظر ادّخروه... وما كان مخالفا في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية هجروه"

وقال جورج سارطون في كتابه تاريخ العلوم:

 " لقد كان العرب أعظم معلمين في العالم وقد زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء".

ودار الزمن دورته وأصيب العرب بويل الاستعمار فترة من الزمن تفشى فيها الجهل والتخلف إلى أن انتفضت الشعوب العربية وتحررت من ربقة الاستعمار وظلمة الجهل وسعت في نهضتها إلى نشر التعليم وإعلاء مكانة العلم وأخذت بأسباب الرقي والتقدم وعلمت أن مصدر القوة هو العلم وأن الجهل هو سبب الضعف والتخلف فاستأنفت مسيرة التقدم مجاراة للعصر وحماية الوطن والتماسا للحماية والقوة والمَنعة.

فأرسلت البعثات لتحصيل العلوم وافتتحت الكليات والجامعات والمدارس لتدريس الطب والهندسة والزراعة والعلوم العسكرية والصناعات والفنون والإدارة واللغات، وجعل التدريس فيها باللغة العربية ونشطت حركة الترجمة لنقل العلوم، فعادت اللغة العربية إلى معانقة العلم واحتضان المعرفة لأن في ذلك الغذاء والثراء والسبيل إلى الأذهان وأداة أهل اللغة في الإفصاح والبيان.

إلا أنه وبعد سنوات قليلة قامت حملة على اللغة العربية اشترك فيها أجانب وعرب زعموا أنها لا تصلح للعصر وعلومه، وأنها السبب في التأخر والتخلف فرأى بعضهم تركها إلى العامية، ورأى غيره استعمال لغة أخرى بدلا منها، ومن هؤلاء من العرب: عبد العزيز فهمي وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى وسعيد عقل.

وعلاوة على الأدلة التي يؤكدها تاريخ اللغة العربية في قدرتها العجيبة على الأداء العلمي فإن إجماع اللسانيين والمفكرين عامة يؤكد أن التدريس بغير اللغة الوطنية لا يخدم العلم ولا ينميه وله من المحاذير البيداغوجية الشيء الكثير. فتدريس العلوم لا يمكن أن يكون إلا بلغة أهل البلد بل إن البحث بغير لغة الأم قليل الجدوى يصعب النبوغ، فيه خاصة أن اللغة العربية لغة مطواعة لها من خصائص التصريف والتركيب ما يثبت قدرتها على القيام بكل ما يحتاج إليه أهلها من أغراض الحضارة والعلم وأدواتهما.

إن اللغة العربية تملك من المزايا والخصائص ما يمكنها من السيطرة على جوانب الاصطلاح وهي مفاتيح العلوم إذا عمل العلماء والمفكرون على حل المشكلات العالقة في هذا المجال من حيث التوليد والاستعمال والتوحيد.

إن توحيد التعليم في اللغة العربية هو خيارنا الوحيد الذي يمضي بنا في مدارج الرقي لأن التعليم والتأليف بغير العربية يحصر العلم في مجموعات محدودة ضيقة النطاق ويضعف تبادل المعرفة بينها وبين سواد الشعب. والتعليم بها يساعد على نشر المعرفة بين فئات المجتمع لأن العلم يتحدث بلسانها ويقرب إليها المعرفة بوسائل شتى تنهل منها فتكون أكثر علما وقدرة على الاستجابة لمتطلبات العصر.

وقد أوصى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورته الرابعة والستين سنة 1998 بما يأتي:

" يوصي المؤتمر الحكومات العربية باتخاذ الوسائل اللازمة لتعريب التعليم الجامعي والعالي في الوطن العربي".

وعلى نقيض ما زعم المفترون قدر العالم بأسره أهمية اللغة العربية لما تتصف به من مرونة وغنى وما تحمله من إرث علمي إنساني كبير، وما تتميز به من قدرة على مواجهة المستقبل والوفاء بسائر الأغراض. فاعترفت هيئة الأمم المتحدة والمنظمة العالمية للتربية والعلوم الثقافة والهيئات والوكالات الدولية الأخرى بأن اللغة العربة لغة عالمية حية واعتمدتها لغة رسمية إلى جانب اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية.(4)

ولنا في الأمم الأخرى خير مثال نحتذي به مثل اليابان وكوريا والفيتنام وإسرائيل وغيرها من الأمم التي اعتمدت لغتها الوطنية في تدريس العلوم والبحث فيها.

ومن دواعي التعريب:

- العامل النفسي التربوي: فالعربية لغة الطفولة تخالط الشعور والفكر وهي جزء من الكيان النفسي وسبيل العربي إلى الفهم والاستيعاب والتمثل بل طريقه إلى الكشف والإبداع.

- العامل الاجتماعي المهني: فالمتخصص واحد من أفراد المجتمع والعربية أداته للتفاهم معه.

- العامل القومي الحضاري: فالعربية مستودع الثقافة ووعاء التراث وسمة الحضارة.

ومن فوائد التعريب:

-تحقق الانسجام والتفاهم والتعاون بين أفراد المجتمع بكل أطيافه وفئاته.

-ترسيخ علمية اللغة العربية بعد أن تأكدت عالميتها والمساعدة على توطين العلم ببلادنا.

-تقوية الرابطة بين أبناء الأمة في البلاد العربية.

-تحقيق التوازن الطبيعي بين الفكر واللسان وبين المعرفة واللغة.(5)

ومن نافلة القول أن تعليم اللغة العربية في مختلف المراحل التعليمية لا ينفي إتقان اللغات الأجنبية لأن في ذلك عونا على البحوث والدراسات وسبيلا إلى المراجع الموسعة والبحوث الجديدة ونافذة تطل على الثقافات الأخرى.    

وللنهوض باللغة العربية تيسيرا لمهمتها في تدريس العلوم نقترح الإجراءات العملية الآتية:

-      زيادة الاهتمام بالبحث العلمي والتقني لموضوعات اللغة العربية وربطها بمختلف التطبيقات التقنية العملية لا سيما ميدان المصطلحات العلمية.

-      تنشيط مجالات الترجمة في مختلف التخصصات وخاصة منها العلمية والتكنولوجية.

-      إصدار المعاجم المتخصصة باللغة العربية في مختلف مجالات العلوم والتقنيات.

-      تدريس العلوم باللغة العربية بشكل تدريجي.

 الهوامش

 (1) مسعود بوبو، اللغة العربية وعلوم العصر، مجلة الفكر العربي، عدد خاص ص 59 -65 المركز القومي للإنماء بيروت 1988.

(2) عبد الرحمن حاج صالح، مدخل إلى علم اللسان الحديث، مجلة اللسانيات عدد 1، معهد العلوم اللسانية والصوتية، الجزائر، 1971.

(3) عبد السلام المسدي، المصطلح النقدي، ص 12، الدار العربية للنشر، تونس، 1994.

(4) شحادة الخوري، العربية لغة العلم، مجلة اللسان العربي، عدد 96 سنة 2000، مكتب تنسيق التعريب، الرباط.

(5) شاكر الفحام، تعريب التعليم العالي، مجلة مجمع اللغة الغربية بدمشق عدد 86/ 2001.