البعد التداولي للسخرية في الخطاب القصصي الجزائريpdf

د/ حمو الحاج ذهبية

جامعة تيزي وزو( الجزائر)

Résumé:

La problématique de cet étude se base sur les questions suivantes : L’ironie ; a quoi sert elle ?, qu’elle place occupe l’ironie dans le discours ?, Pourquoi l’ironie dans les histoires ? Quelle est la dimension pragmatique de l’ironie dans le discours littéraire ?

L’ironie sert à dire en un condensé d’arguments ce qu’on veut dire ; soit : critiquer, évaluer, juger, argumenter, vouloir persuadé de vertus, tout cela non pas directement, mais indirectement et d’une façon ambigu.

Dans notre corpus, l’ironiste ne s’avoue pas ouvertement comme la source de la critique, de l’évaluation et du jugement, de ce fait il prend ses distances et n’assume pas la responsabilité de ses dires, et tout cela d’une manière pleine de malice. La dimension pragmatique nous a été très précieuse à savoir le rôle de l’énonciateur, et de l’énonciataire ainsi que le contexte pragmatique ; de se fait  l’ironiste comme énonciateur à essayé de se sauver la face et éviter aux autres de perdre la leur.

L’ironie a aide l‘énonciateur à faire passé ses propos sans avoir peur des conséquences, à dire des choses sans qu’l soit blâmé, à transgresser la loi du silence et du tabous qui range les esprits tout en gardant une relation meilleur avec autrui.

 Et comme conclusion l’ironie permet d’avoir un autre regard sur le monde, et un autre regard par rapport à la réalité,  à la société et aux autres.

عُرف عن الأدب أنّه بليغ القول، والبلاغة عموما تعني تسخير الآليات البنائية التي تسمح بتشكيل العمل الأدبي سواءً تعلق الأمر بالرواية، أو بالقصيدة، أو بالمسرحية...لقد أصبح الكاتب الآن يتعامل مع السخرية ليس باعتبارها ظاهرة أسلوبية، وإنّما باعتبارها استراتيجية تسمح بالدخول إلى عالم الآخر بطريقة تستدعي الذكاء والفطنة. لقد تحدث الكثير من الباحثين عن السخرية أمثال جورج لوكاتش، وما نقونو، وأوركيوني معتبرين إياها عنصرا أساسيا في العمل الأدبي، ونشهد لدورها المثالي عند العرب مع الهمذاني، وعند الغرب مع دون كيشوت الذي تأسست روايته على التناقض الصريح بين شخصيتي دون كيشوت والخادم سانشوبانزا.

تعددت المفاهيم التي قدمت للسخرية سواءً عند العرب* أو عند الغربيين، إلا أنه حدث الاتفاق حول المبدأ الذي تنبني عليه من حيث أنّها تتشكل في صيغة مفارقة بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي/ الانزياحي، أو المفارقة بين حالات الوعي والواقع الذي يتأسس هو بذاته على مفارقات يحاول الكاتب أو القاص فضحها بشكل ساخر، فالسخرية أداة إجرائية يعبر بها الكاتب عن نظرته إلى العالم([i]). ولا يمكن تجاهل أنّ السخرية وسيلة إضحاك وترفيه، تحتمل أبعادا شتى كفضح الأمور التي تختفي وراء غياهب المجهول، وانتقاد الأشخاص والعالم، والإدانة بالواقع المعا ش....

ورغم هذه الأبعاد التي ترمي إليها السخرية، فهي تعتبر شكلا متميزا للكتابة، تجعل المخاطب يُبحرُ بآرائه دون خوف من الاصطدام بالواقع لأنّه بإمكانه الاحتماء بغير المقول، وتجعل المتلقي يستمتع حينا ويحاول تفكيك الخطاب عقدة بعد عقدة حينا آخر متسائلا: هل هذا هو المعنى المقصود؟ ومن خلال هذا التساؤل تتشكل نصوص أخرى ربّما تتطابق مع المقاصد الحقيقية أو تقترب منها.

ولمعالجة إشكالية السخرية في الخطاب الأدبي، تناولت قصة طريفة وهي للقاص الجزائري: السعيد بوطاجين والموسومة: بداية الزعتر، آخر الجنّة المستقاة من كتابه "تاكسانة"، والاختيار لم يكن من محض الصدفة، لأنّني وجدت أنها تأخذ من معاني السخرية الكثير لأنها تحتمل معنى الإضحاك والنكتة، وفي الآن ذاته تقترب من معنى الاستخفاف والاحتقار، احتقار الحياة العصرية وما تحمله من قيم مخالفة للقيم الموروثة، ويظهر ذلك في حنينه إلى ماضيه وعاداته، وبالتالي يمكن تقسيم السخرية إلى بنيتين:

1-  البنية اللغوية، وتظهر في المفارقة الدلالية وما ينتج عنها من التباس وغموض([ii]).

2-  البنية العميقة (الانفعالية)، وتظهر في الاستخفاف والاحتقار الذي تبنّاه في أغلب العبارات الموظفة في القصة.

إنّ قول القاص/ المخاطب: "كان ليل دمشق مضيئًا، وكانت الأزقة المظلمة مضيئة أيضا، وكانت المآذن الشامخة تضيء أعماق الولد القادم من هناك. نَظَرَ إلى جبل قاسيون، حارس دمشق وجدّها الذي لا يغفو لحظة، كان يشبه جبَل صنْدوح، لكن صندوح له ثياب خضراء وارفة والسيد قاسيون لا ثياب له، لم تحسن له الجغرافِيا. كان ترابي الملامح، باهتا ومقطبا من شدّة القلة، لكنّه ظلّ وفيا وواقفا بالجملة"([iii]). فالمفارقة الدلالية التي توجه إليها المخاطٍب جعلت عباراته تلتبس في ذهن المتلقي من حيث الفرق بين الجبلين، ولاسيما عملية التشخيص المؤطرة للعملية الخطابية، إذ ما فتئ يستنجد بقدرة مخيلته في تصوير الجبلين بأسلوب أدبي انزياحي.

لقد ساهمت السخرية في هذه القصة في تشكيل الخيال، ووضع الشخصيات، وكلَّ العناصر المتدخّلة في طريقة السرد والوصف والحوار، مبرزة أنّها الخيط الأساس الذي جعل العمل القصصي منسجما. وهذا ما جعلنا نسعى إلى إبراز مدى تجلّي السخرية وتبيان كيف تعتبر نمطا من الكتابة*، يتمكن الكاتب من خلالها إبراز ذاتيته وموقفه من العالم والواقع وأمور تخصّه في حياته اليومية، ثمّ الأسئلة التي أودّ طرحها: ما علاقة السخرية بلعبة اللغة؟ وهل السخرية لعبة للغة حقّا؟ ما هي حدود اتصالهما وانفصالهما؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، أنطلق من بعض الفرضيات التي أجدها عند كييرك قارد([iv])، وعند فجنشتاينWittgenstein  :

-السخرية عند كييرك قارد Kierkegaardليست فقط استراتيجية كلامية، وإنما طريقة للعيش، وبعض المعلومات التي نمتلكها حول الكاتب تسمح لنا بأن نقول أنه كان يسخر كثيراً ويوظف عبارات تستدعي التأمل والتفكير، وهذا ليس إلا تعبير عن القدرة الإبداعية للكاتب الذي كان يحب الجمع بين المتناقضات.

-عولجت السخرية غالبا، ليس باعتبارها طريقة للعيش وإنما نوع من الأنماط الخطابية، وكل ما يخرج عن هذه الأنواع لا يمثل إلا استعارات، وقصة "بداية الزعتر، آخر الجنة" ما هي إلا نوع خطابي يندرج ضمن الخطاب الساخر الذي يعتبر عند كييرك قارد ظاهرة ذات بنية متميّزة تدعى بالتواصل غير المباشر، فالكاتب أراد التواصل مع ماضيه وذاكرته بحنين لا يوصف إذ يقول: "... تنقصني تاكسانة، تلك القرية الوديعة ما أعظمها. زُرتُ مُدُنًا وعرفت ناسًا كانوا أصدقاء... وهكذا كبُرت في عيني، هل تعرفينها؟.

-من؟ ساءلت بعفوية

-تاكسانة، أجاب بصوت خفيض"([v]).

إن السخرية بمفهوم كييرك قارد موقف تجاه العالم، وموقف الكاتب في قصته يبرز في كلّ عبارة وفقرة إذ يبدي برأيه ساخرا، وربما يتعلق الأمر بمفهوم وجودي existentielيقتضي إيقاض الذّاتية التي كانت حبيسة القيود الاجتماعية، فهو الذي يقول: "كنّا نَشْرُبُ نقيع صديقي الزعتر تحت الدّالية مقرفصين على فراش الحلفاء الذي أصبح منّي"([vi])، وقوله: " ذلك السكر لا قيمة له لأنه فوق القيم، فوق مدن العار، فوق المراتب، فوق الجميع، فوق مجيئهم"([vii])، وقوله أيضا: "الفقير ينسج ابتسامات تعيد للشقي بهجته"([viii])، وأقوال أخرى من هذا القبيل لأن الإفصاح يتطلب آليات لإيصال الرسالة إلى الآخر، وفي هذه العبارات امتزجت المضامين الخفية بالصرّيحة، لأنه ليس من السهل البوح بمصاعب الماضي المؤلم الذي ساهم ربّما في تعقيد وتعِّقد شخصية الكاتب ذاتها، فيمكن القول أنّ الأسلوب الساخر الموظّف ليس إلاّ تصحيح للذاتية الهشة([ix]).

ومن ملامح السخرية التعارض أو التناقض بين ما نفكر فيه حقيقة، وبين المعنى الجانبي للخطاب الذي نتلفظ به، وإذا رجعنا إلى المدوّنة وجدنا أن مثل هذا الملمح لا يمكن استجلاؤه في الخطاب بكامله، لأن الكاتب أحيانا كثيرة يقوم بسرد حياته ووجهة نظره تجاه الحياة الماضية بالخصوص، فهي ليست بسخرية مطلقة إلا أن تلاعبه باللغة جعل أسلوبه متميزا، وفي كثير من العبارات والمقاطع يبدي بآرائه بصفة تهكمية، ذلك لتبنّيه موقف الازدراء من الحياة العصرية والاستخفاف من قيّمها التي لا تشبه في نظره أية قيم.

إنّ المنطلق في السخرية إذا كان هو الاحتقار، فلا نجد له تجليات عميقة في القصة، وإذا استنجدنا بأركيوني التي تقول:" ...فأنْ نسخر من أحد، هو أن نقلّل من شأنه..."([x])، مثل هذا المفهوم بعيد عن ملامح القصة في حد ذاتها، لأنّ الإشكال يدور حول احتقار الحياة في عمومها، فسخريته تنبني عموما على الإدانة، انتقاد الواقع، فضح الواقع الاجتماعي، والتشاؤم وعرضه بشكل مميز، وهو ما نشهده في بعض المقاطع مثل:

"يعجبني تعلقك بطفولتك، هذا أمر رائع، الطفولة هي المرحلة النبيلة من حياة الانسان. بلا سبب كبرت وبلا جدوى. كانت هناك حقائق تنتظرني وكانوا في الطريق أولئك وهؤلاء. البراميل والأكياس، براميل اللفظ"([xi])، واستعمال كلمات براميل وأكياس توحي بعدم موافقته على تصرفات هؤلاء الأشخاص، وإنّما احتقار ما فعله هؤلاء لفصله عن ماضيه في طريقة لباسه وحركاته إلاّ أنّ الماضي كان أقوى لأنه راسخ في أعماقه، وهو ما نشهد في قوله: "كنت أتسكّع في الدروب الضيقة مزهوا بالموسيقى الآتية من رائحة الخبز، من لون الذرة وطعامنا النحيل كظلّ الفاصلة، وموسيقى رائحة تعزفها جوقة المكان"([xii]).

والعودة إلى عبارات القصة التي لا تنفصل عن المفارقات الدلالية، نكشف عن مفهوم السخرية المحرّرة، إذ في الخطاب العادي تتحمل الأشخاص حقيقة ما تقول، ويمكن أن تنتقد في حال قولها أشياء غير حقيقية، بينما لا يحدث هذا مع السخرية لأن المخاطب/ الكاتب يحِسُّ بالحرية إزاء الآخرين وإزاء ذاته، فالذي يمارس مثل هذا الخطاب متحرر من كلّ مسؤولية، وكلّما تحدّث المخاطب بحرية وفرض على المخاطَب (المتلقي) فكّ رموز أقواله كلّما كان ساخرا.

في مدونتها، نلحظ أنّ المخاطِب يتحدّث مع ذاكرته، ويسرد سيرته حين كان طفلا، كما يسرد حقيقته السابقة بحنين متميّز واضعا مفارقة كبيرة بين الحاضر والماضي أو ما هو عليه الآن، وما كان من المفروض عليه أن يكون. إنها بنية لغوية لا تميل بالأساس إلى السخرية إلاّ إذا ارتكزنا على مفهوم الحرّية الذي أوردناه، ولكن يمكن إدراج قصّة السعيد بوطاجين ضمن القصص التي نشهد فيها للعبة لغوية تخترق العادة والمألوف، إذ حاول إيصال أفكاره متلاعبا باللغة وبشكل أنيق سمح بظهور الصور البلاغية المبنية أساسا على العلاقة  بين المعنى الحرفي والمعنى المجازي. وإذا كان هدف الكاتب هو الإحساس بالحرية، فهو كذلك عن طريق السخرية.

لا يقتصر التصور الجديد للغة عند فجنشتاين على التركيب المنطقي فقط، لأن اللغة ليست نظاما بسيطا من العلامات، ففهم جملة ما لا يعني فهم اللغة، ولا يتم دون أخذ النشاط الذهني في الحسبان، وفي هذا السياق يقحم فجنشتاين مفهوم "لعبة اللغة" فهو الذي يقول: "إنّ مفهوم لعبة اللغة تعني أنّ ممارسة اللغة مرتبطة بطريقة العيش، أو بموقف، أو بشكل من أشكال الحياة"([xiii])، فاللغة نشاط وسلوك أيضا لأنها لا يمكن أن تتحدد إلا من خلال الممارسة، فهل مفهوم السخرية الذي انطلقنا منه هو لعبة للغة؟. لقد لاحظنا عند فجنشتاين وكيير قارد أن فهم اللغة يؤدي إلى وصف استعمالها في سياق معين بربطها بالحياة، والسخرية تترك ميدان المنطوق لترتبط بالحياة باعتبارها موقفا، وفي هذه الحالة فإنّ السخرية تسمح بالانفصال إزاء سياق اجتماعي ثقافي معين.

والإحالة إلى القصة هي عودة إلى مواقف المخاطِب/الكاتب إزاء ذاته وإزاء الحياة التي كان يعيشها في الماضي بخاصة، فهو الذي يقول: "... كبرتُ خطأ، كبرتُ في الموت..."([xiv])، وقوله: "أراني بمئزر مبرقع، مبقّع بالحبر أو بالصمغ، بالصلصال الذي كنت أمحو به اللّوح في الكتاب..."([xv])، ويقول كذلك: "عندما كنت في سنّه كنت أرعى الماعز قرب عطره... كنت أُحضِرُ لها تلك النبتة الحبيبة ونشرب نقيعها في ساحة الكوخ"([xvi])، ثمّ يقول أيضا: "أنا، من هذا الوقت، من وقتهم، من الخطأ، من بلدهم. كبرتُ بقوانينهم، بفضل الأوهام، حذاء خالي أبهى. كان هبة من السماء. كنت أحشوه بالقش والصوف وأوراق الجرائد والكراريس..."([xvii]).

فالسخرية تقابل بين الجانب الداخلي والخارجي للمخاطب الساخر، موقف يؤيّده أغلبية الباحثين، إذ من المقبول أن يتوجه الخطاب الساخر إلى جلب المعنى المخالف للمعنى الجانبي للقول، ففي قول المخاطِب: "كانت الجدة تستقبل الجميع، أنا والقطيع والحذاء الذي جعلني رجلاً في السادسة..."([xviii])، ويقول أيضا: "حكايتك مثيرة، علّقت وهي تنظر إليّ متلصصة: لعلّك قبس منها... ثمة شيء ما يجب تفسيره، لا يجوز تفسيره حفاظا على الوهم ولذّة الأسطورة، هرَبا من الحقائق... لقد عاشت جدّتي مثل خرافة بوشاح ذابل، لكنّه كان حاذقا مثلها... كانت تعقده على الرأس صباحا، تشعل الحطب في الكانون، وتحضّر لنا نقيع الزعتر أو النعنان. هل حَدَثَ وأن أبصرت النقيع يبتسم؟. نعم، وكان يهدهد الولد الصغير فيمتلئ جريا في النوادر بحثا عن نباتات يقتاتُ بها، وعن أشعة الشمس لفصل الشتاء"([xix]).

يمكن ملاحظة أن وراء كل عبارة معنًى مخالف للمعنَى الجانبي، فالجدّة لا تستقبل الحذاء بمفهوم الحذاء الحقيقي، ولكن المخاطِب شخصه نظرا للأهمية التي يكتسبها عنده، والمكانة التي يحتلها في حياته، يوم كان الحذاء والقميص من الكماليات والأشياء المفقودة. ولا يتوقف المخاطب عن تشخيص الظواهر وبطريقة طريفة، فقوله "النقيع يبتسم" قول مضمر يحيلنا إلى المحيط والظروف التي كان يعيشها المخاطِب في زمن مضَى، فالسياق المعرفي يفرض أن يؤول القول ويفهم على أنّه يعيش حياة بسيطة ينتظر من الطبيعة –بسذاجتها- أن تقدّم له ما  يقتات، وربما هي إحالة إلى الحياة البدائية التي لا تتطلب الكثير.

ومهما كان من تناقض بين السلوك الخارجي والحالة الداخلية للمخاطِب، فليس إلاّ تناقض سطحي، لأنّ التعارض في التصور الوجودي للسخرية لا مَعنَى له، ولأنّ أغلب الحالات لا تنبئ إلاّ بمفارقة سطحية بين المعنى الجانبي والمعنى الضمني الذي ليس بمعنى بعيد يوحي إلى الاستخفاف من الحياة والسخرية منها، نظرا لما تحمله هذه الحياة بالنسبة للمخاطِب من معالم خلافية حيث لا علاقة بين الحاضر والماضي.

يفرض الوصول إلى المضامين الخفيّة أنْ نكشف عند المخاطِب وعند المخاطَب (المتلقي) نوعا من الإحساس بالفوقية من حيث الإحساس بالتحكّم في الوضع (code) يفترض أنّه ملكهم، فيمكن الاستنتاج أن هناك تناظرا بين الخطاب المسنّن   D.Codéوالخطاب الساخر ، وكلّما حدث التعاون بين الطرفين تمكنّا من إنجاح العملية الخطابية، لأنّ المقاصد والأهداف تلتقي في نقطة السنن وفكّها.

وإذا كان المخاطب الساخر يعيش بالسخرية، فكلّ شيء بالنسبة له ما هو إلاّ لعبة، والسخرية التي سمحت لسقراط بأن يتحرّر وهذا بانسحابه عن المجتمع، سمحت للمخاطِب أن يستيقظ ذاتيا، والانفصال ليس فقط عن الآخر ولكن الانفصال أيضا عن ذاته، وفي هذا المقام صدقت المقولة الشّهيرة لكيير قارد: "اعرف نفسك بنفسك".

ولكن في ناحية أخرى سمحت السخرية باعتبارها لعبة بمفهوم فجنشتاين بالانغماس في المجتمع، لأنها سمحت للمخاطِب بأن يمرر أقواله بأسلوب طريف مفعم بالإنزياحات يقول دوني برتران Denis Bertrand: "ترتكز السخرية على لعبة مزدوجة من الانفصال والالتزام، ينفصل المخاطِب الساخر للتعيين، ويلتزم للتمكن من الحكم أو لطلب الحكم، فهو يسجل خطابا يمكن أن تنسبه إلى شخص آخر قصد قلب موقف هذا الأخير"([xx]).

إنّ الحديث عن القلب في المواقف يوازي الانتقال في التوجه الحجاجي، لأنّه كلّما قدمت حُجج في توجه ما كان ذلك منفذاً بالنسبة للمخاطِب الذي يحتكم إلى نوع من التقابل بين الفكر والأداء حيث بإمكانه التهرب من مسؤولية القول. لقد أسس بروندونر([xxi]) السخرية على وجود تناقض منطقي ويقترح  ثلاثة حالات:

1-التعارض الصريح: يظهر مثلا في المخاطِب: "كنت أسمع رائحة الأرغفة في الدشرة، وأنا أبحث عن نبتة تسكت جوعي"([xxii]) فالتعارض وارد بين، الرغيف/ النبات. السماع/ التذوّق.

وإنْ كان السماع لا يرتبط بالرائحة، ولكنها صورة تجسّد عدم تمكن المخاطِب حتى من رؤية الرغيف، وما بالنا بالتذوق الذي كان مستحيلا من شدّة الفقر المدقع.

2-الحقيقة المضادة، تبرز في قوله مثلا: "الجوع هو الذي كان يخدع العصافير، وليس ذلك الولد"([xxiii])، لأنّ العصافير تقع في الافخاخ ببحثها عن القوت، ويظهر ذلك باستعمال القرينة (ليس)، والمسؤولية يتحملها الجوع وليس الولد.

3-التعارض الضمني: ينتج عندما يسمح الملفوظ وعن طريق عمليتين استنتاجيتين بالوصول إلى ملفوظين متعارضين ضمنيا، على أن نُمثّل لذلك بقول المخاطب: "كان خيال الطفولة لا يتعدى جبل صندوح، هناك تنتهي الجغرافيا، ويبدأ عالم الغيب وعزرائيل وأهل الكهف والبراميل وأصحاب الفيل"([xxiv]).

يتمثل الاستنتاج الأول في حدود الفكر والخيال التي تميز أهل القرى والمداشر، والاستنتاج الثاني يتمثل في حدود الأرض والعالم التي تتوقف عند حدود الجبل أو قيمته، فظاهريا قد يتراتبا في انسجام ولكن ضمنيا فهما متعارضان لأنّ حدود الفكر والخيال لا ترتبط بقيمة الجبل أو حدوده ولا ترتبط بسذاجة أهله إذ يشهد التاريخ علماء فقراء لم يكن من نصيبهم إلا قلة القليل.

إنّ بروندونر محقّ في اعتقاده من حيث أن التعريف التقليدي للسخرية غير كاف، لأنه تعريف لا يميّزها عن الأوجه البلاغية الأخرى التي تحتمل صفة التعارض/ التقابل وهي غير ساخرة، ونجد في ذلك الاستعارات التي تبدو كحالات خاصة للتقابلات التي تدخل في إطار مدلول الملفوظ الجانبي/ الحرفي.

ومن خلال الدراسات التي تناولت هذا الإشكال، يمكن الاستنتاج أنّ التقابلات الساخرة ليست الوحيدة التي تنشئ مقاما تأويليا مشابها، وأنّ التقابلات داخل المعنى ليست من خصوصية السخرية فقط، وبالتالي فالسؤال الذي يظلّ مطروحا: ما هي خصوصية السخرية مقارنة بالصور الأخرى التي تحتمل التقابل؟.

إنّ ما يميز السخرية في نظر بروندوز هو الغموض الحجاجي، فهي تقابل ذات قيمة حجاجية، يقول بروندوز: "... لا يمكن للجملة ذاتها وفي الوقت ذاته أن تستعمل كوسيلة حجاج في اتجاهين متعاكسين، فيوجد هنا قانون أساس للانسجام الخطابي أو مسلّمة منطقية طبيعية أو إذا فضلنا أن نقول يوجد قيد أخلاقي"([xxv])، وهذا القيد الأخلاقي الذي يثيره بروندونر ينحصر في اختيار أحد التوجهين: المحاجة في الاتجاه الأول أوالمحاجة في الاتجاه الثاني (العكسي)، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اتخاذ الموقفين لأن ذلك سيهدد الانسجام الخطابي.

وتعارض القيمة الحجاجية للسخرية يعدّ فكرة جدّ وجيهة لأنّها تحتمل وتتضمن عدّة أبعاد: البلاغية والتداولية، والحجاجية التي تبرز في ما يمكن تسميته بالحجاج المزدوج Double argumentation.

يبدو أن مفهوم السخرية واسع وغير ثابت، إذ يتغيّر من عصر إلى عصر آخر، ولا يحتمل الدلالة نفسها عند كلّ الأمم، فقد وجدنا أوركيوني Orecchioniفي هذا الاطار تحدد السخرية من خلال مكونين:

1-  مكون إنجازي: لأنّ السخرية تهدف إلى التهجم على الناس، الفضح، استهداف شخص أو مصلحة ما...

2-  مكوّن لساني: يتمثل في التحديد الدلالي المتضمن عملية التسنين/ التشفير وفك الشفرات.

إنّ وراء العنصر الانجازي مقاصد أو أغراض محدّدة، إذ تنطلق السخرية من وعي المخاطِب الساخر بقصد الإساءة أو الفضح أو الإدانة... في شكل نصّ قابل للتأويل من قبل المتلقي الذي يلمّ بالمعطيات السياقية من طبيعة مختلفة، ويمكن أن تُجمل هذه العناصر في النقاط التالية:

-      القصد يؤدي إلى موضوع السخرية.

-      عمل المخاطِب الساخر إذ يمكن إيجاد ثلاث عمليات متسلسلة:

أ‌-    العملية الأولى: وضع درجة التشابهات الخاصة بالمعنى الجانبي.

ب‌-العملية الثانية: تحويل القصد إلى المعنى الجانبي.

ت‌-العملية الثالثة: تقدّم العمليات التي تشير إلى وجود السخرية.

-      النص: يمكن أن تنتج الجملة الساخرة من علامة عادية وأخرى ساخرة.

-      السياق: يشكل السياق الاديولوجي والثقافي الوسط الذي تنشأ فيه كل الأحداث الساخرة.

ويمكن أن نمثل لهذه العناصر بالخطاطة([xxvi]) التالية:

         التأويل الذي أُشير إليه في الخطاطة ينشطر إلى أربعة مراحل:

1-  رفض المعنى الجانبي باعتباره معنى مستحيلا/ مستبعدا.

2-  اعتبار ورفض المعاني غير الساخرة الممكنة أو التأويلات الأخرى.

3-  القراءة الساخرة.

4-  إعادة بناء قصد المخاطِب الساخر.

كما يشترط التأويل عدم تلاؤم المعنى الحرفي أو الجانبي للنص مع السياق، وليس تحويلات المعنى أو الانزياحات مثلما يعتقد بعض الباحثين الآخرين، ولكن ألاّ يمكن النظر إلى السخرية من حيث هي انزياح؟

السخرية والانزياح الدلالي:

تنظر أركيوني إلى السخرية على أنها مجاز، وتعتقد أنّ الاستعارة هي مجاز المجازات وهي فكرة وجيهة إذ تجعلنا نتصور أنّ السخرية بثرائها الدلالي وتعقّدها فرضت أهميتها إلى جانب الصور البلاغية كالاستعارة.

إنّه بتقبل مفهوم المجاز، تفترض أركيوني الكشف عن جدوى بعض المفاهيم مثل: المعيار، القصدية، المرجع الخطابي... وعودتها إلى الاستعارة، هي عودة إلى التحليل الذي يرتكز على الكلمة، ورفضها للسخرية التي تتجاوز بعد الكلمة أو المقطع، فهي إذن ترفض السخرية المقامية والسخرية التي تقحم النص بكامله، تقول أركيوني في هذا الصدد: "يوجد مجازات لا تلتقي إلاّ في الصيغة المعجمية، وهناك مجازات أخرى دُعيت بمجازات إبداعية... والأمر نفسه بالنسبة للسخرية، حيث إذا كانت بعض العبارات مستعملة باستمرار وبطريقة متضادة يمكن اعتبارها نوعا من السخرية..."([xxvii]).

إنّ الحالة التي تحتمل فيها الكلمة لقيمتين، تجبر المتلقي على اختيار إحداهما، والسخرية لا تبرر إلاّ في حال غموضها الجزئي، لأنّ الغموض الكلي العبارة الساخرة يؤدي إلى التضليل والابتعاد عن النمط الأساس للسخرية التي يمكن من خلالها أنْ يحتمي المخاطِب بأقواله، والسؤال المطروح: ما جدوى الحديث بسخرية إذا استدرك المخاطِب الساخر قوله مباشرة؟

إنّ الهدف من هذا الأسلوب يتمثل في إعطاء المتلقي إمكانية الفهم والتأويل، فقول المخاطِب مثلا: "كانوا مثل أنفسهم، بلون التراب وحجمه، في حجم قاماتهم التي تذهب إلى النوادر باكرا، إلى الغابة، إلى الفعل، إلى الكرامة"([xxviii]). فالسخرية واضحة بشكل جزئي، إذ وظّف المخاطِب كلمة التراب التي استعارها لتشبيه الإنسان العربي بلون التراب نظرا لاسمراره، وما أضافه من كلمات وضّح ما استدرك به سخريته بشكل طريف.

وإن كانت السخرية مجازا، فإن أركيوني تصنّف المجازات على أساس نوعين من المعنى، وبذلك فهي تقابل المجازات الدلالية بالمجازات التداولية، ومن ثمة فهي تتحدّث عن السخرية من حيث كونها مجازات دلالية – تداولية. والمعنى التداولي هو المعنى الحقيقي، ذلك أنّ العلاقة بين المعنى الحرفي والمعنى الانزياحي أو المعنى التداولي هي علاقة التقابل الدلالي.

والحديث عن المعنى التداولي يحيلنا إلى القيمة الإنشائية للسخرية التي سوف تتجاوز ثنائية المخاطب إلى الشخص الثالث وهو المستهدف في أغلب الأحيان، يقول المخاطِب: "لو أنه عاد لسلم عليهنّ واحدة واحدة تقديرا لصبرهنّ الجليل الذي سقى الأرض وأخرج منها نقيعا ورمانا وقمحا وبهاء وابتسامات... الأخطاء المكلّفة قد تعود به إلى الوراء، إلى المستقبل، وليس إلى التراب الذي علّقت به الذاكرة ودفن فيه الأهل والأحباب الذين ماتوا قبل أن يجيئوا إلى الدنيا خوفا من البراميل"([xxix])، فهناك كلام موجه إلى شخص محدد يختفي وراء كلمة البراميل التي كرّرها المخاطِب مرّات عديدة، وكأنه الشخص المستهدف من الكلام، لأنّ في القصة نادرا ما كان المخاطِب هو المستهدف من خطاب المخاطِب الساخر*.

البعد التلفظي والتداولي للسخرية:

قبل الخوض في هذا البعد، يجدر بنا القول أنّ التداولية اكتسبت مفاهيم جدّ مهمة. وكانت مهمة تحديدها صعبة جدّا نظرا لتعدد المشارب التي أخذت منها، وكذا عدم استقرارها، وبالعودة إلى أقدم تعريف لها نقول أنّها تعود إلى شارل موريس (1938)، وتؤكد ذلك أرمنقو F. Armangaud في قولها: "إنّ التداولية هي ذلك الجزء من السميائيات الذي يعالج علاقة العلامات بمستعمليها"([xxx])، فحسب أرمنقو، يوجد ثلاثة مفاهيم مهمة للتداولية وهي مفهوم الفعل L’acte، ومفهوم السياق ومفهوم الأداء (الانجاز).

ولتناول السخرية، يبدو من الأهمية بمكان الإحالة إلى السياق، فديلر وركاناتي Diller et Racanati عندما يتحدثان عن التداولية يضعان في الواجهة سياق التلفظ لتحديد أقوال المخاطِب، فهما يقولان في هذا المقام: "... لتحديد قول المخاطِب، ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الجملة الملفوظة، ولكن أيضا سياق التلفظ، وبعض العناصر في الجملة التي وظيفتها الإشارة إلى أيّة وضعية ينبغي اعتبار التلفظ حتى نحدّد ما يقوله المخاطِب"([xxxi])، فيمكن الحديث هنا عن ارتباط التواصل الخطابي بالمتلفظ، والمتلفظ إليه والسياق سواء كان لغويا أو غير لغوي.

إذا انطلقنا من البعد التداولي، يمكننا القول أن قراءة السخرية ينبغي أن تستند إلى ما هو أبعد من النص، بمعنى الاستعانة بالسياق غير اللغوي حتى يفكك القول الساخر نظرا لاحتماله البعد الضمني الذي يؤطر السخرية وليس العكس، تقول هتشون Hutcheonفي هذا الصدد: "الشيء الذي يتفق حوله المنظرون للسخرية هو وجوب قراءة النص الساخر خارج النص ذاته، نحو تفكيك القصد التقديري لسخرية المخاطِب"([xxxii]).وقبل الحديث عن خارج النص، نصف البعد البنيوي للسخرية، وذلك يعني وصفه من وجهة نظر التلفظ، ثم من وجهة نظر المتلفظ.

1-من وجهة نظر التلفظ:

ننطلق من فكرة اعتبار التلفظ إنية تسهل الانتقال بين الكفاءة والانجاز، وبالتالي يمكن اعتبارها وسيطا منتجا للخطاب. إنّ إنتاج الخطاب يستحضر علاقة المتلفظ بملفوظه، التي يمكن أن تتشكل كإنية قاعدية للتلفظ بحضور أنا، هنا، والآن. يتمثل الفعل التلفظي وبفضل عملية النفي والانزياح التي تمارس في الملفوظات الساخرة في تجاهل الإنية الأساس للتلفظ، ففي المثال التالي: "ودّ لو أخْبر ندى بأنها تشبه الجدّة، تشبه النساء المحزونات اللائي صنَعنَ عبق الابتسامة وطعم الذّرة المشوية على الجمر في تلك القرية التي تسكن في ذيل الكوكب، بعيدا عن الحضارة، بعيدا عن ربطة العنق وعلم الدلالة"([xxxiii]).

فعبارة "ذيل الكوكب" التي وظفها المخاطِب تستحضر زمنا بعيدا أكبر بكثير من زمن التلفظ، إذ تبتعد القرية عن الحضارة التي صنعها الإنسان في الزمن الحاضر والمرهونة بربطات العنق والسيارات الفاخرة... والنفي الموظف في المثال لا يتجسد إلاّ ضمنيا، حيث ينفي أن ترتبط القرية وسذاجة أهلها بالحضارة وما تعنيه في العصر الحالي.

2-من وجهة نظر المتلفظ:

يفرض علينا هذا العنصر أن تحلّل بنيتين مختلفتين ومتوازيتين: قول واعتقاد المتلفظ الساخر، وبالتالي تنطلق من تحليل قوله ثم تحليل اعتقاده، ونقصد بالقول ما هو منطوق ومكتوب، وهو ما يفضي حتما إلى الحديث عن السخرية الخطابية والسخرية النصيّة، والقول أنّ السخرية تبقى دائما فعلا لغويا، ويمكن أن تتمحور البنيتان حول فكرة قول المخاطِب الساخر ما يعتقده، أو عكس ما يريد قوله، إذن هما عمليتان متوازيتان من حيث الانجاز، إذ تحدثان في الآن ذاته وتجعلان المخاطِب في حالة مميّزة، يختلف فيها عن الآخرين. وفي الحقيقية، فهو لا يعبر إلاّ عن حالة شخصية أو وضعية عامة، وبالتالي الاهتمام بما يدور حول المخاطِب من زاوية ذاتية.

السخرية والسياق:

هناك من الباحثين من يقترحون في دراساتهم تحليلا لأثر السخرية بعيدا عن المستوى البلاغي، ويمكن كشف ذلك من خلال بعض الأمثلة المستقاة من القصّة:

"أحبّ هذه المدينة، أشعر أني في أزقة من العلامات الممتلئة بالإحالات. دمشق ليست من الاسمنت والقصدير، ليست من الحجارة الجافة التي تركل الرأس. دمشق مدينة من الضوء والذاكرة"([xxxiv]).

"هناك أوهام يجب سقيها لتنمو في ربوع النفس بعيدا عن الحضارة...، أمّا الحقيقة الوحيدة في الدشرة فهي الأمل: العلاج الوحيد الذي أنقذ الأهل من الفجيعة، فجيعتهم وهكذا جئت أنا، ولدًا مطعماً بأحلامهم التي تقتات بالانتظار السعيد، انتظار لا حدّ له"([xxxv]).

"نعم، ذلك ما تبقى للمحزون بعد الرحلة، وبقي حلم العودة ذات يوم إلى المعنى، إلى شبه الجملة أو شبه الدنيا، أو إلى ما تجيئه دموعك ودموع الأمل"([xxxvi]).

فمن خلال هذه الأمثلة، يتبين لنا العلاقة التي نشأت بين الذات وأقوالها في سلبياتها المألوفة، وحسب برانت Brandt، فإن السخرية أصبحت تواصلية بدخولها في السلبيات، وفي السياق الحواري، فإنّها تبرز كقاعدة للمعنى، كخطر ينبغي تفاديه وتحديده، وبالتالي تحليله([xxxvii])، مما يفضي إلى الاعتقاد أن الإجابة عن السخرية لا تكون إلا ساخرة بدورها. ولكن من الصعب التيقن من ذلك لأن السخرية لا تقبل بالتكرار الصيغي.

ومن هذا الجانب، لا يمكن للبنية التواصلية أن تدرس دون الإحالة إلى الا-سخرية وهناك تكمن المجازفة، لأن البنية التواصلية للسخرية تكشف بنية غير ساخرة مضمرة، وبقول آخر فهي تؤدي إلى بنية معاكسة، وهكذا تدرك السخرية، وفي هذه الحالة وكأننا نتحدث عن الازدواج المرجعي: السخرية والا-سخرية اللتان تتقاسمان القول، يقول هونجر وألي Hongre et Alii: "لا تأسس السخرية على الجمل المتضادة فحسب، فهي تعمل أيضا على المفارقة بين حقيقة الأشياء والملفوظ الذي يقوم بترجمتها بواسطة المتوازيات والقضايا المتضادة التي لا يلحظها القارئ غير المتأمل..."([xxxviii])، والسؤال الذي يظل مطروحا: فيما تتمثل هذه المفارقات؟.

يمكن أن ندرج فيها ما يدعى بالتناقضات، المبالغة، المعنى المضاد، السخرية... ومهما تعددت هذه المفارقات إلاّ أنّ وجودها في الخطاب يشكل علامات تخبر المتلقي بوجود السخرية.

ووجود السخرية مرتبط أشد الارتباط بالمخاطِب أولا ثم بالمتلقي (المخاطَب) ثانياً، ومرتبط بما يحيط بالخطاب من ملابسات تتبلور في السياق خارج لساني الذي يتحدد عند جماعة µ في : "...إنّ السياق اللغوي والسياق غير اللغوي هما اللذان يسمحان بإدراك المفارقة"([xxxix])، فعند قول المخاطِب: "يا لذلك الحذاء! كان يسبقني إلى الكوخ عندما أعود مساءًا، يصل قبلي من شدّة الطول ليقول للجدّة: إنّ حفيدك قادم"([xl]). الوقوف عند حدود هذا القول يجعل السخرية واضحة، وذلك بوجود المفارقة بين المعنى الحقيقي والمجازي/ الانزياحي، ولكن بالنظر إليه من منظور السياق الخارجي للبعد التداولي نفترض دائما وجود إضافات تتمثل في معرفة أفكار المخاطب وقيمه الإيديولوجية،  وبهذا البعد نكشف عن الزوايا المظلمة من حيث التعرّف على قلّة الحاجيات في وقت من أوقات الأمة الجزائرية التي كان عليها أن تعيش وتعايش مخلفات الاستعمار. ونقصد بذلك الفترة التي تلت الاستقلال، وكانت فترة فقر مدقع بالنسبة لأغلبية الجزائريين، ولا يخفى على أحد إذن أن نتصور شخصا منتعلاً حذاء ليس في مقاسه. فقد وظّفه المخاطِب القاص بشكل طريف يسخر به من الواقع، ويشخّصه بطريقة مفعمة بالحيوية، فالسياق خارج لغوي له دور أساس، لأن المخاطِب إذا افتقد لهذه المعلومة الإضافية الخارج لغوية، فهو سيأخذ القول على ما هو عليه، وبالتالي يؤخذ الملفوظ على أنه مجرّد سخرية هدفها الترفيه والإضحاك، فيمكن أن يؤخذ القول من ناحية المعنى الحرفي أو من ناحية المعنى المقابل، والفاصل الوحيد بينهما هو السياق اللغوي والسياق خارج لغوي. وما أدى إلى القول بسخرية كثير من الأقوال في الخطاب القصصي من قبيل: "لابدّ أنّ الكرز الذي يموسق في ساحة بيتنا الريفي يعرفك، لا بدّ أنّه يبكي خبباً، مثلما يفعل العنب المهجور هناك..."([xli]).

 "لاحظت أنّه يمشي محنياً وقد غارت كتفاه قليلاً، عبثا حاول أن يستقيم. كانت تنبّهه في الشوارع والحارات وواجهات الباعة الذين في عيونهم أنياب مهمّة، لكنّه سرعان ما يعود إلى هيئته المطوية مثل الفاصلة"([xlii]).

"أسمع الذئب يؤمّ المؤمنين ويقرأ ما تيسر من آيات المشنقة"([xliii]).

هو أنّ المتلقي يلاحظ أنّ هذه الأقوال لا تتطابق مع الحقيقة المدركة، أو هي مخالفة للسياق خارج لغوي، وبمعنى آخر فهي أقوال يلحظ فيها مفارقة بين القول والسياق خارج لغوي الذي أنجزت فيه، فللبعد التداولي دور حاسم في مساعدة المتلقي على الإقرار بسخرية الأقوال وعدم سخريتها. إنّ السخرية إذا نظرنا إليها في بعدها التداولي الذي يربط العلامات بمستعمليها فإنّ المخاطِب الساخر يمتلك القدرة على ربط أقواله بالواقع تارة والانفلات منه تارة أخرى بطريقة ذكية. وإن كان الأساس في السخرية متمثلا في الاستخفاف والاحتقار... فإن الخطاب القصصي للسعيد بوطاجين كان مفعمًا بملامح السخرية الترفيهية الفاضحة للواقع وللأحاسيس، والتي تمزج بين جمال العبارة وأبعادها الدلالية والتداولية.

خلقت هذه العبارات الساخرة جوّا من العبث بالكلمات ربطناها بلعبة لغوية سمحت للمخاطِب بأن يكتسب سلطة الاخبار والإبداع، وهي تنطلق من خلفيات معرفية وثقافية واجتماعية أبحرت بالمخاطِب إلى عالم من الخيال لذي لم يبتعد كثيرا عن حقيقة الأشياء المعالجة بشكل حجاجي سردي لا مثيل له.

فالجدوى من السخرية هو القول وبشكل تراكم الحجج المستوحاة من الاقتصاد اللغوي ما يريد المخاطِب قوله، أو انتقاده، أو تقييمه،... بطريقة غير مباشرة غامضة وبطريقة ضمنية وذكية، لا يكشف المخاطِب الساخر على أنه منبع النقد والحكم والتقييم، وبذلك فهو يتّخذ مسافة إزاء ما يقول ولا يتحمل مسؤولية أقواله، وبحديثه الساخر والغامض، فهو يقوم بإنقاذ واجهته ويتفادى للآخرين افتقاد واجهتهم.

 المراجع:

1-    A. Berrendonner, « de L’ironie » in : Elément de pragmatique linguistique, Edition Minuit, Paris 1989.

2-    Brandt Per Aage, « ironie et subjectivité », in Revue Romane, Copenhague 1981.

3-    C.K.Orecchioni, “l’ironie comme Trope », in Poétique n0 41, Le seuil, Paris 1980.

4-    C.K.Orecchioni, L’implicite, Armand Colin Editeur, Paris 1986.

5-    Denis Bertrand, Parler pour convaincre, Rhétorique et discours, Gallimard 1999.

6-    Lucie, Didio, Une approche sémantico-sémiotique de l’ironie ; Thèse pour l’obtention du Doctorat en Sciences du Langage de l’Université de Limoges.

7-    Diller Anne Marie, Racanati François, « la pragmatique », in : Langue Française, n0 42. Larousse, 1979.

8-    F. Armengaud, L’approche Pragmatique, P.U.F, Paris 1993.

9-    Groupe µ, Rhétorique générale, Editions du Seuil, Paris 1982.

10- Hongre Bruno et Alii, Le texte argumentatif, Hatier, Paris 1989.

11-  S.Kierkegaard et L.Wittgenstein, Jeu de langage et d’ironie, 2010. www.mlikahamdi.unblog.fr

12-L. Hutcheon, « ironie, satire, Paradie », in poétique n0 46, Seuil 1981.

13-Mari-Ange, Voisin Fougère, L’ironie naturaliste Zola et les paradoxes du sérieux, Edition Honore Champion, Paris 2001.

14-L.Wittgenstein, Les investigation, Fragment n° 23, Editions Gallimard, Paris.

15-       السعيد بوطاجين، تاكسانة ، بداية الزعتر آخر الجنة، دار الأمل للطباعة والنشر،  الجزائر 2009.

16-        محمد العمري، البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب 2005.

17-       محمد مشبال، أسرار النقد الأدبي، مقالات في النقد والتواصل، منشورات مكتبة سلمى الثقافية، تطوان المغرب 2002.

الهوامش


* يحيلنا مفهوم السخرية في المعاجم العربية وعند ابن منظور بخاصة إلى معنى التذليل والقهر وإخضاع الآخر، فهي تعبّر عن نوع من الفوقية التي تجعل المرء ينظر إلى غيره باستخفاف واحتقار، ولكنّها تحمل معاني أخرى مثل معنى الفكاهة والهزل والنكتة لارتباطها بالحياة اليومية.

([i])- Mari-Ange, Voisin Fougère, L’ironie naturaliste Zola et les paradoxes du sérieux, Edition Honore Champion, Paris 2001, p16.

([ii])- محمد العمري، البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب 2005، ص 97.

([iii])-السعيد بوطاجين، تاكسانة ، بداية الزعتر آخر الجنة، دار الأمل للطباعة والنشر،  الجزائر 2009، ص 30.

* علما أن مثل هذه الكتابة وُجدت منذ قدم الكتابة ذاتها، فقد وجدت عند ابن المقفع عند العرب، وعند لافونتتن Lafontaine في الأدب الفرنسي.

([iv])-  S.Kierkegaard et L.Wittgenstein, Jeu de langage et d’ironie, 2010. www.mlikahamdi.unblog.fr 

([v])  - تاكسانة، ص 10.

([vi])-تاكسنة، ص 11.

([vii])- نفسه، ص 13.

([viii])- نفسه، ص 14.

([ix])-محمد مشبال،أسرارالنقد الأدبي،مقالات في النقد والتواصل،منشورات مكتبة سلمى الثقافية،تطوان المغرب 2002،ص 49-50

([x])-  C.K.Orecchioni, L’implicite, Armand Colin Editeur, Paris 1986, P 102.

([xi])- تاكسانة، ص 15.

([xii])- نفسه، ص 20.

([xiii])- L.Wittgenstein, Les investigation, Fragment n° 23, Editions Gallimard, Paris, P 125.

([xiv])- تاكسانة، ص 09.

([xv])- نفسه، ص 10.

([xvi])- نفسه، ص 11.

([xvii])-نفسه، ص 13.

([xviii])-نفسه ، ص 14.

([xix])- تاكسانة، ص 15.

([xx])-  Denis Bertrand, Parler pour convaincre, Rhétorique et discours, Gallimard, Paris 1999, P 84.

([xxi])-  A. Berrendonner, « de L’ironie » in : Elément de pragmatique linguistique, Edition Minuit, Paris 1989, P 176.

([xxii]) – تاكسانة، ص 20.

([xxiii])- تاكسانة، ص 21.

([xxiv])- تاكسانة، ص 24.

([xxv])-  A. Berrendonner, « De l’ironie », in Elément de pragmatique linguistique, éditions de minuit, Paris 1989, P 185.

) [xxvi](- Lucie ; Didio, Une approche sémantico-sémiotique de l’ironie, Thèse pour l’obtention du Doctorat en Sciences du Langage de l’Université de Limoges, P 81.

([xxvii])- C.K.Orecchioni, “l’ironie comme Trope », in Poétique n0 41, Le seuil, Paris 1980, P 108-109.

([xxviii])- تاكسانة، ص 25.

([xxix])- تاكسانة، ص 25.

* من المحتمل أن يكون المخاطَب هو المستهدف، مثلما يظهر ذلك في البعد التلفظي، ولكن الخطاب أغلبه غير مباشر وأنجز بتوظيف الضمير (هو).

([xxx])- F. Armangaud, L’approche Pragmatique, P.U.F, Paris 1993, P 05.

 ([xxxi])- Diller Anne Marie, Racanati François, « la pragmatique », in : Langue Française, n0 42. Larousse, 1979, P 3.

 ([xxxii])- تاكسانة، ص 25.

([xxxiii])- L. Hutcheon, « ironie, satire, Parodie », in poétique n° 46, Seuil 1981, P 141.

 ([xxxiv])- تاكسانة، ص 26.

([xxxv])- تاكسانة، ص 28.

([xxxvi])- نفسه، ص 30.

([xxxvii])- Brandt ,Per Aage, « ironie et subjectivité », in Revue Romane, Copenhague (1981), P 40.

([xxxviii])- Hongre Bruno et Alii, Le texte argumentatif, Hatier, Paris 1989, P 54.

([xxxix])- Groupe µ, Rhétorique générale, Editions du Seuil, Paris 1982, P 139.

([xl])- تاكسانة، ص 14.

([xli])-تاكسانة ، ص 13.

([xlii])-  نفسه ، ص 17.

([xliii])- نفسه، ص 18.