شعرية المثل في رواية نسيانcom  لأحلام مستغانميpdf

أ/أحلام بن الشيخ

جامعة ورقلة ( الجزائر)

 Résumé :

Le travail sur la  poésie dans le texte narratif nous permettra de découvrir les points de beauté artistique.

 Cet article analyse  le dernier  roman  « Nisyan Com » (Oublie) de la romancière  algériennecélèbre  Ahlem Mostaghanmi  pour définir et évaluer  les  points précédents .

مدخل:يعتبر البحث في الشعرية ببعديه المصطلحي و التطبيقي من أكثر البحوث التي أذكت السجال النقدي حول مفهومها، وموضوعها، و مبدأ اصطفافها تحت وطأة منهجية ما، هي بنيوية أو غير بنيوية. لكن اللافت أن زئبقية هذا المصطلح - كما يؤكد الدكتور يوسف وغليسي- سمحت بانضواء البحث حولها و موضَعة إجراءاتها بما يتوافـق والصنف الذي تندرج ضمنه، إذ يكفي أنها :" تدل على كل موضوع جمالي وارف الظلال التخييلية ، كثيف الطاقات الإيحائية..."[1] سواء أاتصل موضوعها بالنثر أو الشعر. وبما أننا نخوض في شعرية المثل الموظف في الرواية ارتأينا مقاربة هذه الشعرية من خلال البحث فيما يتميز به هذا الشكل الأدبي من خصائص فنية  وقيمية تعتبر حمولة إبداعية مضافة و موظفة في خطاب له ما يميزه أيضا، و لعل البحث في الشق التناصي، ثم التداولي لهذا التوظيف يقف عند ملامح الشعرية بشكل أكثر و ضوحا لما يوفره البحث من فسحة للابتعاد بالدلالة عن الحدود اللغوية للسياق.

مصطلح الشعرية بين النقدين الغربي و العربي:

ولدت الشعرية بادئ الأمر من رحم الفلسفة الأرسطية النقدية الثاقبة ، لكنها ما فتئت أن تحولت إلى أحضان البحث اللساني حيث تطورت من المفهوم الأرسطي القائل بأنها دراسة الفن الأدبي بوصفه إبداعا لفظيا،ثم إلى مفاهيم أخرى كثيفة كثيرة ، متباينة و متفقة، ولّدها البحث اللساني السالف الذكر. فإذا ما حاولنا الكشف عن معنى (poétics)كما قال بها أرسطو أول الأمر ثم ظهورها في قاموس المصطلحات اللسانية نجد أنها :" قسم من اللسانيات يتعلق عدد هام من تطبيقاته بنظرية العلامات ولا يتوقف عند حدود المشاكل اللغوية"[2]، و في ذلك إحالة إلى مشروعية علاقتها بالمفهوم السيميائي الذي صرح به  تودروف حيث اعتبرها: "جزء من المشروع اللساني بما أن العلامة منطلق لها"[3] فموضوع الشعرية وفق منظوره ليس هو العمل الأدبي في ذاته بل ما تستنطقه من خصائص هذا الخطاب النوعي. و ليس العمل إلا إنجازا من إنجازاتها الممكنة، و بمعنى آخر إنه يعنى بالخصائص المجردة التي تصنع فرادة و تميز الحدث الأدبي[4]. و بعيدا عن ربط المصطلح بالمفهوم السيميائي نلاحظ اتفاقا في بعض الدراسات الغربية على أنها:" مجموعة مبادئ الجمالية التي تقود الكاتب في عمله الأدبي"، أي أنها الخاصية الجمالية المشتركة في الإبداع المتجانس، و في ذلك يقول فاليري(valery)  :"يبدو لنا اسم شعرية -إذا فهمناه – ينطبق عليه معناه الاشتقاقي ،أي أنه اسم لكل ما له صلة بإبداع كتب. أو تأليفها حيث تكون اللغة - في آن واحد- الجوهر و الوسيلة، لا بالعودة إلى المعنى الأصلي الضيق الذي يعني مجموعة من القواعد أو المبادئ الجمالية ذات الصلة بالشعر"[5].

أما في النقد العربي فقد لوحظ استعمال المصطلح بما لم يدل على معناه أحيانا أو أنه دلّ عليه قاصرا دونما توسيع أو ربط فقد ورد في بعض أحاديث القدامى وأبرزهم الفارابي (399ه) حيث قال:" والتوسع في العبارة بتكثير الألفاظ بعضها ببعض، ترتيبها وتحسينها، فيبتدئ حين ذلك أن نحدث الخطية أولا  ثم الشعرية قليلا قليلا " [6] ويبدوا هنا حصرها في امتلاك موهبة الشعر والسعي وراء تحسينها شيئا فشيئا، وفي ذات السياق ورد عن ابن سينا قوله (428 ه):" إن السبب المولد للشعر في قوة الإنسان شيئان: أحدهما الالتذاذ بالمحاكاة، والسبب الثاني حب الناس للتأليف المتفق والألحان طبعا، ثم قد وجدت الأوزان مناسبة للألحان فمالت إليها النفوس وأوجدتها، فمن هاتين الصلتين تولدت الشعرية وجعلت تنمو يسيرا تابعة للطباع، وأكثر تولدها عن المطبوعين الذين يرتجلون الشعر طبعا، وانبعثت الشعرية منهم بحسب غريزة كل منهم وقريحته في خاصته  وبحب خلقه  وعاداته "[7]. و يبدو أن ابن سينا بحث في علل تأليف الشعر. ونقل ابن رشد قول أرسطو: " وكثيرا ما يوجد في الأقاويل التي تسمى أشعارا ما ليس فيها من معنى الشعرية إلا الوزن فقط  كأقاويل سقراط الموزونة وأقاويل أبناء القيس في الطبيعيات بخلاف الأمر في أشعار موريس"[8]، ومن خلال قول أرسطو هذا اعتبر ابن رشد أن القائل بالشعر يحمل شعرية خاصة ووقف بذاته يربط بين الشعريات والأدوات التي توظف في الشعر. أما حازم القرطاجني (684 ه) فاعتبر الشعرية:"نظم أي لفظ كيفما اتفق نظمه وتضمينه، أي غرض اتفق على أي صفة اتفق لا يعتبر في ذلك عنها قانونا ولا رسم موضوع"[9]، وهو هنا يقدم  لقوانين الشعر وقواعد الإبداع فيه. ومن خلال هذه الجولة السريعة يلاحظ عدم وضوح المصطلح في غير النظر في علاقته بالشعر وهذه لم تكن سمة القدامى في تعاملهم مع المصطلح وحسب فقد أخفق المعاصرون في تعريفه تعريفا واضحا كما أنهم لم يفرقوا بينه وبين الشعر، فقد دار سجال ونقاش كبيرين حول ترجمة المصطلح أولا فانتقل من الشعرية إلى البيوطيقا ثم نظرية الشعر، ففن الشعر أو الفن الإبداعي إلى غاية الشاعرانية، الشاعراتية، الشاعرية....التي اقترحها عبد الله محمد الغذامي، إذ يراها مصطلحا جامعا يصف اللغة الأدبية في النثر والشعر حيث رفض في المقابل ترجمة الشعرية بينما جعلها عبد السلام المسدي تتأرجح بين الإنشائية والشعرية آخذا بمفهوم تودوروف للمصطلح ويذهب أدونيس إلى أن سر الشعرية:" في أن تظل كلاما ضد الكلام، لكي تقدر أن تسمي العالم وأشياءه أسماء جديدة، أي تراها في ضوء جديد والشعر هو حيث الشيء يأخذ صورة جديدة و معنى آخر"[10]. وإن كان مفهوم أدونيس يهيم في شيء من الضبابية وعدم التحديد فإن مفهوم كمال أبو ديب للشعرية يظهر بمظهر المؤسس للفهم العلائقي بين الجنس والسمة والبعد الذي هو مادة الشعرية، يقول:" لا يمكن أن توصف الشعرية إلا حيث يمكن أن تتكون أو تتبلور أي بنية كلية فالشعرية إذن خصيصة علائقية، أي أنها تجسد في النص بشبكة من العلاقات التي تنمو بين مكونات أولية سمتها الأساسية أن كلا منها يمكن أن يقع في سياق آخر دون أن يكون شعريا لكنه في السياق الذي تنشا فيه هذه العلاقات و في حركته  المتواجشة مع مكونات أخرى لها السمة الأساسية ذاتها يتحول إلى فاعلية خلق للشعرية ومؤشر على وجودها"[11].

 وإذا ما عاينا تعامل النقاد العرب مع مصطلح الشعرية ومحاولة التطبيق من خلاله مجازفة  وتوخيا للإبداع في مجال السرديات، نلاحظ ذلك الخط المتخبط المتضارب في القراءة الشعرية للسردية العربية وشعرية القص في خصوصها، فما فتأت تلك الأخيرة عبر سائر الأقطار العربية تتخلص من وطأة انفتاح المصطلح حتى وقعت أسيرة القراءة السميائية المتسلحة بالمنهج السيميولوجي في تناوله للظواهر الأدبية عبر فك شفراتها و اكتشاف شعريتها[12]وهي تتقاطع في كثير من ذلك مع ملامح الأسلوبية في تناولها للنص السردي[13]. و إن كان هذا التناول يشكل تباعدا في بعده الإجرائي  وتمايزا قد يفسد المسار الملموس في الاتفاق حول معنى الجمالية فإن ما توفره شعرية الجمال[14] بارتباطها بالتخييل أو المتخيل لا يعيدها إلى أصلها المتعلق بالخلق و الإبداع .

إن العمل على موضوع الشعرية في مجال السرد يتيح الوقوف على زوايا الجمال النصي مبتعدة عن شكله و بنائه  فإذا ما كان هذا النص رواية للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي فإن القول بجمالية أعمالها فنيا والحكم عليها بالبلاغة الأدبية لا يكون من مجال المبالغة في شيء و نحن نتخير في هذا البحث روايتها  الأخيرة نسيان com  .

رواية نسيان com لأحلام مستغانمي :

تعد رواية نسيانcom للروائية أحلام مستغانمي صورة عاكسة لوضع المجتمعات العربية في حلة روائية مبتكرة، ابتعدت بها شكلا عن سابقاتها من الروايات حيث أسست من خلالها لشكل ومضمون متفردين في المتن الحكائي على غير ما ألفه القارئ العربي، فنسيان رواية تزخر بتقاطع الفنون من مثل وحكمة وشعر وأقوال العلماء والحكماء على اختلاف انتماءاتهم العلمية والإيديولوجية والثقافية، إنها ليست رواية فحسب بل هي حالة فنية ونفسية وفكرية، إنها فعلا كما وصفتها الروائية تعتبر وصفة علاجية من آثار حب أخرق مترسب في ثنايا القلب والذاكرة، تريد من خلالها أن تمحي عفونة الماضي  الملتبس بالعبودية حيث تطرقت للنسيان بين المحبين والعشاق فأهدت المرأة العربية أول نصيحة ظهرت شعارا على الغلاف: " أحبيه كما لم تحب امرأة و أنسيه كما ينسى الرجال".  

وقعت الرواية في ثلاثمئة وتسع وعشرين صفحة في طبعتها الأولى، وتتشكل عامة من بعدين هامين يمثل البعد الأول: الصيرورة الزمنية للأحداث، أما البعد الثاني: فيتمثل في وصف الأماكن والأشياء[15] ففي الرواية تقول أحلام: " كتبت دليل النسيان هذا بسخرية كبيرة"، حيث اعتمدت أسلوبا لغويا خاصا ومصطلحات ليست بالبعيدة عن الواقع الاجتماعي أحالت الكتاب إلى وصفة لحالات الصدمة والجروح النفسية العاطفية لمدة علاجية ذات صلاحية غير محددة، واحتلت المرأة النصيب الأكبر في الرواية وتعددت صورها من حيث علاقتها بالرجل حيث تناولت في مقالاتها الموزعة في كامل الرواية ما يلي: ( المرأة الناصحة ،السياسية ،الوفية ،التي تريد النسيان، القدوة، المتدينة، الشريرة، المتواضعة، الخائنة، القوية، الضعيفة، المحبة) وحاولت من خلال تحليلها لصورة المرأة أن تصل إلى الوصفة السحرية التي تتخلص بها المرأة من أمراض الذاكرة والوفاء الأبدي لمن لا يستحق، وفق فهم جيد لنفسية المرأة وربطها لواقعها الحسي مبتعدة عن الخيال والأحلام الواهية الواهنة المستسلمة، واستعانت الروائية بجملة الوسائط النصية التي تلاحمت مع السياق بل وأضافت إلية بالقدر الذي أخذت منه لذا توسعت جمالية استغلال هذه الوسائط و أبرزها المثل.

البعد التناصي للأمثال في الرواية:

يعتبر التناص أداة لغوية يستعملها الأديب لتحقيق علاقة تماسية بين نصين حاضر و غائب ، حيث يحال النص الحاضر إلى زاوية رؤية تستحضر الماضي وتبحث عن أبعاده في الحاضر، ويصبح النص الحاضر أيضا بطاقة إيحائية دلالية. وترى جوليا كريستيفا أن:"التناص أحد مميزات النص. فكل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة النصوص الأخرى. كما ترى أن كل نص عبارة عن لوحة فسيفسائية من الاقتباسات ، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى."[16] ويقول رولان بارث:" إن النص منسوج من عدد من الاقتباسات و من المراجع ومن الأصداء ...إن التناص l’intertextualitèالذي يجد نفسه في كل نص، ليس إلا تناص لنص آخر ..."[17]  ويضيف:"كل نص ليس إلا نسيج جديد من استشهادات سابقة"[18]و أراء بارث هذه ما هي إلا شروحات  وتأكيدات لما قالته جوليا كريستيفا ، ليأخذ لوران جيني بمبدأ التحويل الذي اقترحته كريستيفا فيجعل التناص هو:"عمل تحويل و تشرب لعدة نصوص يقوم بها نص مركزي يحتفظ بزيادة المعنى"[19].و هذا المبدأ في حقيقة الأمر يعتبر أحد الآليات الأساسية التي يقوم عليها التناص، فكل نص في نظر كريستيفا هو امتصاص و تحويل و إثبات  ونفي لنصوص أخرى"[20]. و اللافت في مجموع المفاهيم التي تعرض إليها النقاد و اللسانيون أنها تلتقي في النقاط التالية: -التناص نسيج من نصوص كثيرة أدمجت بطرق مختلفة.

-يصير التناص بآلياته النصوص منسجمة مع فضاء بنائه و مع مقاصده.

-التناص محول للنصوص بتمطيطها أو تكثيفها بقصد تعضيدها بوسائله المتعددة.

إن النص الغائب يتخذ لنفسه مستويات ثلاثة في النص الحاضر هي:(الاجترار، الامتصاص، والحوار) وتختلف هذه القوانين من نص لآخر على حسب مستويات الوعي التي تتحكم في قراءة الكاتب لنص من النصوص الغائبة، و هذا يعتمد على مجموع التراكمات الفنية و المعرفية التي يمتلكها، ومدى انفتاحه على مجالات معرفية أخرى كالتاريخ و الآداب و الثقافات...وغيرها.

-   الاجترار: و هو تكرار للنص الغائب من دون تغيير أو تحوير أو تطوير.. ، وقد وظفت الروائية الأمثال ضمن رواياتها ومن بينها نسيان.com معتمدة على هذا المستوى أكثر من غيره من المستويات ، كونه يضمن التواصل مع القارئ بتقريبه من المعنى، فمن الأمثال المذكورة عبر هذا المستوى:

1/الأمثال الشعبية: قولها :"خلات راجلها ممدود وراحت تعزي في محمود"[21]، وهو من الأمثال التي استحضرتها من الذاكرة الشعبية الجزائرية نقلا على لسان والدتها التي تحضر بروحها لتكثيف الدلالات التلقينية التربوية المحفورة في لاشعور الروائية والتي من الظاهر أنها لا تجتهد كثيرا لاستحضارها، ويحضر هذا المثل في معرض سخرية أحلام من صديقتها التي لا تأبه للأساسيات و تغمض أعينها لإرضاء نفسها وعزاؤها الوفاء الذي ترى أحلام ألا مقابل له في الواقع، وفي إطار السخرية والتهكم من ذات المرأة المستكينة لصمتها وسلطة الرجل عليها أوردت الروائية أيضا:

" شردودة لا مطلقة ولا مردودة"[22]، "ربي يكثر لمهابل حتى يعيشوا الفاهمين"[23] "ابكي..ابكي وزيني بكاك واذكري ليلة الجدي"[24]،والملاحظ أن مورد هذا المثل هو أن امرأة من إحدى قبائل البدو ذهبت تزور ابنتها التي تزوجت وانتقلت للعيش في كنف قبيلة جديدة، ففرحت البنت بقدوم أمها و ذبحت جديا تعبيرا عن فرحها، وعند حضور زوجها مساء جعل يعد أغنامه كعادته فوجد جديا ناقصا، وفهم أن زوجته قامت بذبحه فأوسعها ضربا، اغتاظت الأم و عزفت عن العشاء وارتحلت بكورا إلى قبيلتها، وبعد مدة سمعت بوفاة زوج ابنتها فذهبت تعزيها وإذا بابنتها تنحب و تلقي الأتربة على نفسها حدادا، وتتمنى لو أنها لحقت به .فقالت الأم " ابكي..ابكي وزيني بكاك واذكّري ليلة الجدي" فتذكرت البنت كيف انهال عليها زوجها ضربا و شتما دونما رحمة، فقامت ونفضت عن نفسها التراب ،وسار ذلك المثل منذ ذلك الحين . أما المضرب  فقد ذكر المثل في معرض وصية للنساء اللواتي  تبكين الرجال بعد خيانة أو غدر أو طلاق جائر بعد أن كن قد أحببن أولئك الرجال و سخّرن لهذا الحب كل معاني الوفاء والإخلاص،" تلك الكدمات التي اخترقت زرقتها قلبك، ذلك التجريح .. وتلك الإهانات التي كان الحب يغفرها و يخفيها"[25] فأرادت أن تبعث في نفوس هذه النسوة الأمل و الثقة بالنفس بعد أن جردن منها باليد و اللسان.

2/ الأمثال الفصيحة: وفي معرض السخرية أيضا استغلت الروائية الأمثال التالية:"الطريدة تسهر على صيادها[26]،"من يمسك بأذناب البقر رمين به في الحفر"[27].

ولها أيضا من الأمثال الواردة بذات المستوى: "الحاجة أم الاختراع"[28]،" رجال و استحلى"[29]ورد في معرض الحديث عن غرور الرجل إذا ما اهتمت به المرأة أكثر مما يستحق،" نقع سبع مرات و نقوم ثمانية"[30]و فيه معنى القوة و الجلد، "زيادة الخير خيرين"[31]القوة، ألي باعك بالفول بيعو بقشور الفول"[32]الاعتزاز بالنفس، " النساء كالقطط يقعن دائما على قوائمه"[33]الاعتزاز بالنفس،"إلوي عنق الدجاجة التي تأكل عندك و تبيض عند غيرك"[34]اتخاذ القرار الحاسم إذا ما استدعت الضرورة و ذكرت في ذات المعنى" آخر الدواء الكي"،"كل ما تنزل دمعة تضوي شمعة"[35]التعلم من الخطأ، "ياربي اجعلوا خيط و النسا حيط وحشما مع كل مرا" و الدعاء هنا في معرض التنفيس تحقيقا للانتقام غير المباشر انطلاقا من أن دعوة المظلوم يستجيب لها المولى عز و جل فما بالك إذا ما كانت من امرأة (مهيضة الجناح)،"الذي لا يعتبرك رأس مال لا تعتبره مكسبا"[36]وورد في معرض الانتقام للنفس أيضا و حفظ الكرامة،و في هذا المستوى ذكرت أيضا:"قديمك نديمك"، "قاضي الأولاد شنق حالو"،"زيتنا في دقيقنا". و الملاحظ أن الروائية لم تستدعي المثل العامي الجزائري فقط بل استدعت نظيره المشرقي محاولة أن تجعل من التجربة واقعا يوحد الشعور بين النساء العربيات على اختلاف الثقافات و المستويات.

-   الامتصاص:و هو أعلى درجة من المستوى السابق فعملية الامتصاص هي:" قبول سابق للنص الغائب وتقديس وإعادة كتابته ينطلق من قناعة راسخة، وهي أن هذا النص غير قابل للنقد، أي الحوار، و الامتصاص بهذا المعنى هو مهادنة للنص و الدفاع عنه، و تحقيق صيرورته التاريخية، و من ثم لا يكون النص الجديد إلا استمرارا للنص الغائب وفق قوانين مغايرة، لا تتعارض معه و لكنها تتناقض معه فقط"[37]. و الملاحظ أن استدعاء المثل بهذا المستوى غير حاضر في هذه الرواية. كما يغيب المستوى الثالث و الخير و هو:

-   الحوار: و هو أعلى هذه المستويات إذ أنه :" يعتمد النقد المؤسس على أرضية صلبة تحطم مظاهر الاستلاب، مهما كان نوعه و حجمه و شكله، لا مجال لتقديس النصوص الغائبة مع الحوار. فالشاعر أو الكاتب لا يتأمل النص، إنما يغيره، و بذلك يكون الحوار قراءة نقدية علمية لا علاقة لها بالنقد كمفهوم عقلاني خالص أو كنزعة فوضوية أو عديمة، و هنا يكون صاحب النص الحاضر مشاكسا"[38].

البعد التداولي للمثل في الرواية:

لم يتوقف الباحثون على كثرة مساعيهم عند مفهوم وحيد للتداولية، لا لكونها علما لغويا بالمعنى السائد، بل لأنها علم جديد يدرس الظواهر اللغوية في مجال الاستعمال.فهي تركز اهتمامها " على مجموع الضوابط و المبادئ التي تحكم عملية تأويل الرموز و الإشارات اللغوية في إطار جهاز تلك الدلائل لا في حرفيتها".[39] فهي تستعين في مقاربتها للنصوص بمفاهيم ثلاثة هي:

-   الفعل الكلامي: و المقصود بالفعل الكلامي" الملفوظات المتحققة فعلا ومن قبل مستعمل للغة معينة و في موقف معطى و محدد "[40]،و تتمثل خصائصه في أنه:فعل دال، فعل إنجازي، و أنه فعل تأثيري. و من هذا الفهم تتعين الأمثال في الرواية كأفعال قولية تجمعها مستويات:(التركيب، الدلالة، الصوت) فهذه الأقوال عبارة عن دوال منجزة تستدعي بوجودها ضمن الخطاب الروائي تأثيرا معينا

-      السياق: و يعني:" الموقف الفعلي توظف فيه الملفوظات، و المتضمن بدوره لكل ما تحتاجه لفهم و تقييم ما يقال "[41].و المقصود هنا جملة السياقات السردية المتضمنة للأفعال الكلامية( الأمثال).

-   الكفاءة: و هي:" حصيلة إسقاط محور الفعل على محور السياق وهذا الإسقاط الذي يختلف المتكلمون في مستوياته و درجاته بناء عليه تتحدد كفاءتهم التواصلية"[42].

و نمثل لهذا البعد من خلال المثل الأول الوارد في الرواية:" شردودة لا مطلقة لا مردودة" تجاوزا لمستويات فعل القول"(التركيبي، الدلالي، الصوتي) فإن الفعل المتضمن فيه يتجاوز المعنى الظاهر ، معنى الاضطراب و اللا استقرار فهي ليست بالطرف الفاعل في علاقتها بالآخر، و يبقى هذا الآخر دائما يتحكم في زمام علاقاته رغم أخطائه المتكررة، فالاستكانه و القبول المطلق و الرضوخ علامات مسجلة تتعلق بالحلقة الأضعف في كل ما يجتمع فيه هذين الطرفين المرأة و الرجل.

أما الفعل الناتج عن هذا القول يظهر في استجابة "كاميليا" التي تمثل صورة المرأة العربية المغلوبة على أمرها في أهون و أضعف صورها، حيث تقرر التخلي عن جلباب الضعف و أن تمتثل للوصفة العلاجية التي قررتها الساردة معلنة القطيعة مع الطرف الأقوى(الرجل) لكن هذه الاستجابة لم تكن بالقوة المنتظرة حيث اختارت العلاج التدريجي فقد اقترحت عليها "أحلام" أن تكلمها في الوقت الذي اعتادت أن يكلمها صديقها فيه، و تسمعها في كل يوم أغرب ما فعله و يفعله الرجال بالنساء مثيلاتها حتى تشفى نهائيا من هذا السقم المستبد بعقلها و قلبها. و هكذا اعتمدت الروائية على المثل كثيرا في أغلب مضامين القصص التي انتشرت في هذا الخطاب المميز.

خاتمة:        

استطاع المثل عبر سائر الأزمان أن يؤدي الدور الذي جيء به من أجله و هو الوعظ و الإرشاد غالبا فقد كان و لا يزال مستمرا يسري في الذهنية بسبب ما يتمتع به من خصائص امتزجت فيما بينها فأكسبته ميزات عن الفنون النثرية الأخرى، فلولا تمتعه بالإيقاعية و الإيجاز لما سهل حفظه و تداوله ، فهو مرآة عاكسة للمجتمع تحوي بين ثناياها تجارب الإنسانية مستدلة على الحالة الفكرية و التاريخية و الاجتماعية للفرد ضمن هذا السياق العام الذي يعيش فيه .    

و بوجود المثل ضمن الخطاب السردي بما فيه من تميز على مستوى الشكل و البناء، حقق في ذاته جمالية إيقاعية، حيث مثّل ضمن السياق نواة مركزية، يدور حولها المفهوم  ويتغذى بوجودها، ليجعل دلالته في تطور دائم. بالإضافة إلى جمالية الغموض التي تحققت في بعض الأمثال وفُسرت بوجودها ضمن السياق السردي، بل و اتسعت دلالاتها و كأنها تبني بوجودها داخل الخطاب "موارد" جديدة بالمعاني الحديثة التي وظفت فيها بالاضافة إلى توفيره للتشويق الفني. أما في بعدها التناصي فإنه يجدر التنبيه إلى أن الكاتبة استخدمت كثيرا من الأمثال الواردة ضمن هذه الرواية في أعمالها السابقة مما يجعلها تتناص ذاتيا لتكّون سلسلة يمكن تحقّق التواصل الثقافي و المعرفي بينها، وما تحقق من جمالية التواصل مع قضايا الواقع بوسائل الواقع و معطياته تجعل البعد التداولي  يجسد الارتباط الإيديولوجي بين السياق و المرجع  أو الماضي  في علاقة تتسم بالثبات حيث لا يمكن الفصل بينهما على الإطلاق، و بالإضافة إلى ما جسّده المثل من أبعاد تقريرية و تواصلية و حجاجية  فإن الروائية استطاعت من خلال توظيفه مخاطبة روح الجماعة، مستغلة قدرتها على الاحتواء و الإسقاط، و هي ميزة إبداعية جمالية من ضمن ما يتميز به الخط الروائي للمبدعة .

الإحالات:


[1]ـ- يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط:1 ،1429 ه – 2008م،ص:276.

[2]-Jean Dubois(et autre), Dictionnair de l’inguistique,librairie de la rouse,Paris, 1973,p :381

[3]- T ,Todorov, Poètique, ed :Du Seuil,1968,p :25 

[4]- سعيد بوفلاقة، الشعريات العربية-المفاهيم و الأنواع و الأنماط، بونة للبحوث و الدراسات، عنابة، الجزائر، ط:1 ،2007 ،ص:24.

5-نفسه، ص:24.

[6]- نفسه، ص:18.

[7]- نفسه، ص:19.

[8]- نفسه، ص:21.

[9]- نفسه، ص:22.

[10]- أدونيس، الشعرية العربية، دار الآداب، بيروت، لبنان، (د.ت)،ص:23.

[11]- كمال أبوديب، في الشعرية،ص:24.

[12]- ينظر:صلاح فضل، شفرات النص، دار الآداب ن بيروت، لبنان، 1999، ص:05.

[13]- ينظر: يوسف و غليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ص:328.

[14]- نفسه، ص:329.

[15]- أحلام مستغانمي، نسيان COM، دار الآداب، بيروت، لبنان،ط:1، 2009.

[16]- عبد الله الغذامي، الخطيئة و التكفير ، من البنيوية إلى التشريحية، النادي الأدبي الثقافي،جدة، السعودية،ط:1، ص:322.

[17]- عز الدين المناصرة، علم التناص المقارن(نحو منهج عنكبوتي تفاعلي)، دار مجدلاوي للنشر و التوزيع، عمان، الأردن، ط:1، 1427ه- 2006م،ص:142-143.

[18]- نفسه، ص:143.

[19]- عبد القادر بقشي، التناص في الخطاب النقدي و البلاغي-دراسة نظرية وتطبيقية-،إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب،2007،ص:25.

[20]- نفسه، ص:25.

[21]- الرواية،ص:28

[22]- الرواية،ص:38.

[23]- الرواية،ص:177.

[24]- الرواية،ص:177.

[25]- الرواية،ص:.180

[26]- الرواية،ص:76.

[27]- الرواية،ص:82.

[28]- الرواية،ص:41.

[29]- الرواية،ص:42.

[30]- الرواية،ص:47.

[31]- الرواية،ص:81.

[32]- الرواية،ص:82.

[33]- الرواية،ص:82.

[34]- الرواية،ص:153.

[35]- الرواية،ص:309.

[36]- الرواية،ص:102.

[37]- سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي(النص و السياق)، المركز الثقافي العرببي، الدار البيضاء ، المغرب،ط:1،ص:253.

[38]- نفسه، ص: 253.

[39]- نواري مسعودي بوزيد،في تداولية الخطاب الأدبي،بيت الحكمة للنشر و التوزيع،بيروت، لبنان،ط:1 ،2009، ص:19.

[40]- نفسه، ص:26.

[41]- نفسه، ص:29.

[42]- صلاح فضل،بلاغة الخطاب و علم النص، دار نوبار للطباعة، القاهرة، ط:1، 1996،ص:25.