تركيب النداء: "يا ليت" ودلالته اللغويةpdf

د/ فريد محمود العمري

جامعة طيبة المدينة المنورة

(المملكة العربية السعودية)

 Abstract

 The value of this applied syntactic study comes from the importance of the functional aspects of the different syntactical levels, especially those related to public issues that have received much concern because of their high frequency of use among speakers in general. The study leads to the conclusion that the vocative style, such as  "Ya Lait", bears the concept of time more than anything else.

 This study follows a method that depends on the induction of syntactic clues and an attempt to understand their common features and analyses them linguistically and syntactically so as to get well defined results.

  المقدمة

 لا يكاد كتاب نحو متخصص يخلو من الحديث على أسلوب النداء، وهو حديث يعدد أدوات النداء، ومعانيها، أو مواضع المنادى الإعرابية إن كانت منصوبة، أو مرفوعة، أو (مبنية على الضم) في محل نصب، إلى آخر الكلام الذي بات يعرفه جل المهتمين بتدريس النحو العربي، وقد عالجت بعض كتب البلاغة الأساليب العربية ومنها أسلوب النداء، واستخرجت منه الجوانب البلاغية، ومعاني أدواته ودلالاتها المستفادة منها بحسب السياقات الواردة فيها، وضمت إليها ما صار يعرف بنداء الحرف، مثل: (رُبَّ، وليت).

 وقد لاحظ الدارس الحالي بوصفه أحد متكلمي العربية، وواحد من المهتمين بلغة العرب والباحثين فيها، أن المركب الندائي (يا ليت) يجري على ألسنة الناس كثيرا، فلفت ذلك انتباهه من حيث كثرة الاستعمال، والغاية المطلوبة، فكان لابد للتساؤل أن يتحول إلى اهتمام، والاهتمام أن يتحول إلى بحث واستقصاء؛ للوصول إلى نتائج حقيقية قد ترضي على الأقل صاحبها، فهذا الاستعمال لا يمكن أن يأتي عفو الخاطر، أو لغير ما غرض مقصود في ذهن الناطقين بهذا المركب.

 وتجدر الإشارة إلى أن هذا البحث رؤية تمثل وجهة نظر صاحبها؛ ومن ثم فلا يفرضها على فكر آخر، وإنما يدعو للوقوف عليها ومناقشتها.

 وعليه فقد تناول البحث هذا الموضوع بنوع من المنهجية المحدثة غايتها الأولى إعادة لفت الأنظار إلى هذا النوع من الاستعمال، وغيره مما يشبهه، ثم محاولة الوصول إلى تفسير لغوي علمي لهذه الظاهرة على الرغم من أنها بحثت كثيرا فيما مضى؛ فاتخذ البحث الجانب الوصفي التحليلي التطبيقي من الأساليب الحديثة في البحث النحوي، مركزا على استبطان المعاني العميقة التي قد يرومها المتكلم، مدللا على ثراء هذا المنهج الذي لا يختلف في كثير مما أتى به  عما قدمه الدرس النحوي العربي قديما، وكذا الدرس البلاغي.

 وقد اتخذ البحث -عدا هذه المقدمة، والخاتمة من بعد- ثلاثة محاور،أو أقسام ؛للوصول إلى الغرض المنشود:

 القسم الأول: الحديث عن معنى النداء لغة، واصطلاحا، عند القدماء والمحدثين.

 القسم الثاني: تقديم رأي في النداء، والمقصود منه.

 القسم الثالث: نقد وتحليل للقضية مدار البحث.

 كل ذلك مشفوعا بجداول ورسوم مشجرة تحاول توضيح المقصود وتبصير القارئ بما تم بحثه أولا بأول؛ ليقترن الكلام بالصورة وفي ذلك بعض فائدة مرتجاة.

 القسم الأول: النداء، ومعناه

 تعريف النداء

 لغة: أن تدعو غيرك ليقبل عليك، واشتقاقه من (ندى الصوت) التي من معانيها: بُعْدَه (الصوت)، يقال: إن فلانا أندى صوتا من فلان، إذا كان أبعد صوتاً منه، و(ناداه، مناداة، ونداء) إذا صاح به [1].. وهو توجيه الدعوة إلى المخاطب، وتنبيهه للإصغاء، وسماع ما يريد المتكلم، أو هو طلب الإقبال بالحرف(يا) أو أحد إخوته، والإقبال قد يكون حقيقياً، وقد يكون مجازياً يراد به الاستجابة كما في نحو (يا الله)[2].

 وفي الاصطلاح: طلب الإقبال، أو تنبيه المنادى وحمله على الالتفات بأحد حروفه، أو إنه "ذكر اسم المدعو بعد حرف من حروف النداء"[3].

 عند النحاة القدماء

 حذف الفعل

 أجمع النحاة قديما على أن المنادى على اختلاف أنواعه منصوب بفعل محذوف وجوباً، تقديره "أدعو"، أو "أنادي". وهو إمَّا أن يكون منصوباً لفظاً، أو منصوباً على المحل[4]. ويقول ابن يعيش: " منه المنادى؛ لأنك إذا قلت يا عبد الله! فكأنك قلت: يا أريد، أو أعني عبد الله، ولكنه حذف لكثرة الاستعمال، وصار "يا" بدلا منه، ولا يخلو من أن ينتصب لفظا أو محلا"[5].

 حذف حرف النداء والمنادى

 ويقول ابن مالك في ألفيته:

وغيرُ مَندوبٍ، ومُضْمَرٍ، وما         جا مستغاثاً قد يُعرَّى فاعلما

ويوضح ابن عقيل هذا، فيقول:

"لا يجوز حذف حرف النداء مع المندوب، نحو: "وازيداه"، ولا مع الضمير، نحو: "يا إياك قد كفيتك"، ولا مع المستغاث، نحو: "يا لزيد"، وأما غير هذه فيحذف معها الحرف جوازاً، فنقول في "يا زيد أقبل" "زيد أقبل""[6].

هذا من حيث حذف أدوات النداء، أما بالنسبة للمنادى ففي شرح المفصل ما نصه: "اعلم أنهم كما حذفوا حرف النداء لدلالة المنادى عليه، قد يحذفون المنادى" لدلالة حرف النداء عليه، ومن ذلك قولهم: "يا بؤس لزيد"، والمراد "يا قوم بؤس لزيد"، فبؤس رفع بالابتداء، والجار والمجرور خبره، وساغ الابتداء به وهو نكرة لأنه دعاء، ومثله: "يا ويل لزيد" و "يا ويح لك" فيما حكاه أبو عمرو"[7].

من هذا نستطيع أن نفهم ما جاء في التنزيل، وما جاء في الأثر من كلام العرب من عدم ذكر منادى محدد بعينه، فيما ظُنَّ أنه التفات إلى أسلوب آخر هو غير النداء -بالضرورة طبعا.

وقد ورد في القرآن الكريم كثير من هذه الأمثلة خالية من ذكر اسم صريح بعد أداة النداء، قال تعالى:

"يـَليتَ لنا مِثْلَ ما أُوتيَ قـَرونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظيمٍ"[8].

"وَيَقُولُ يـَلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً"[9]

"يَـلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ"[10]

أما ما جاء على لسان العرب شعراً، فمما ورد فيه "ليت" حيث إنها وردت بعد أداة النداء مباشرة ما يأتي:

يا ليت بعلك في الوغى              مُتقـلِّـدا ســيفاً ورمـحـا[11]

كذلك ورد الشاهد الآتي:

يا ليتني كنتُ صَبَياً مُرْضَعاَ           تَحْمِلُني الذَّلْفاءُ حَوْلاً أكْتَعا[12]

وذكر ابن هشام الشاهد الآتي:

 يا ليتني وأنتِ يا لميسُ                        في بلدٍ ليس به أنيسُ[13]

 لقد اتفق علماء اللغة على حرفية "ليت"، بينما اختلفون في حرفية (رب)[14] ، التي دخل عليها حرف النداء غير مرة في المأثور العربي[15]، ويتجلى هذا الاختلاف في إنصاف الأنباري؛ حيث يعترض عدد من النحويين على حرفيتها (رُبَّ)، ويعدونها من الأسماء ذاكرين حججهم، وبراهينهم على كلا الأمرين، ولم يذكروا أنها من الأسماء؛ لأنها نوديت "دخل عليها حرف النداء"، فموضوع لحوقها بحرف النداء ليس وارداً ضمن حججهم في إثبات اسميتها، فلعلها تكون أقرب إلى الحرفية -إن لم تكن حرفاً- منها إلى الاسمية. ومن هنا نستطيع الدخول إلى موضوعنا، وهو نداء (يا ليت)، وهو أكثر ما خُصَّ، أو عُنِيَ بنداء، أو دخول أداة النداء "يا". إذ دخلت على الحرفين (ليت، و رُبَّ) متقدمة عليهما، فكيف وضح النحويون أسلوب النداء في هذا النطاق؟

 ذكر في البداية ما قاله شارح المفصل حول جواز حذف المنادى لدلالة حرف النداء عليه. ويقول أيضا: "ويجوز أن يكون (يا) هنا تنبيها لا للنداء فلا يكون ثم مدعو محذوف، وما بعدها كلام مبتدأ"[16]، ويضيف ابن عقيل مؤكدا: وتحذف –طبعاً (يا) النداء- "إن وليها (ليت) أو (رُبَّ) أو (حبَّذا) فهي للتنبيه لا للنداء، نحو: "يا ليتني كنت معهم"، و "يا ربَّ سارٍ بات ما توسَّدا"، و "يا حبذا جبل الريان من جبل"، و إنما كانت مع هذه  للتنبيه؛ لأن الناطق بها قد يكون وحده، كقول مريم: "يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا""[17].

 وورد أن "(ها) و (يا) حرفا تنبيه، ولا خلاف في (ها)، وأمَّا (يا) فقيل إنما تكون للنداء، وفي قوله:

 يا ليتَ زوجَك قد غَدا                مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحا

 المنادى محذوف، أي (يا امرأة)، وكذلك ما كان نحوه مما لا يصلح للنداء، وقيل هي في ذلك للتنبيه؛ لاستعمالها حيث لا منادى –"يـَليتني مِتُّ قبل هذا""[18].

 ويقول الزجاج: "وكما جاز حذف حرف النداء، فيما تقدم جاز حذف المنادى، كما قال: يا ليتنا نُرَدُّ، أي: يا قوم ليتنا نُرَدُّ. ومثله: يا ليت بيني وبينك، ويا ليت قومي يعلمون، وما أشبه ذلك. وأما قوله تعالى: "ألا يا اسجدوا لله الذي يخرج الخبء"، فقد قال المبرد: إن التقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى، والذي اختاره أبو علي: أن الجملة هاهنا كأنها المنادى في الحقيقة، وأن (يا) هاهنا أخلصت للتنبيه مجردا من النداء[19].

 ومن جعلها حرف نداء –فقط- قدَّر في جميع هذه المواضع منادى،  بخلاف من جعلها حرف تنبيه، ولجميع حروف التنبيه صدر الكلام إلا (الهاء) الداخلة على اسم الإشارة[20]. ثم يقول في موضع آخر: "وقد يحذف المنادى لقيام القرينة، نحو: "ألا يا اسجدوا" والمنادى مفعول به، فيجوز حذفه إذا قامت قرينة دالة عليه، بخلاف سائر المفعول به، فإنه يحذف نسيا منسيا[21].

 وفي شرح التصريح على التوضيح ذكر الأحرف التي ينبه بها المنادى، وذكر منها: (يا و أيا) وهي لمناداة البعيد[22]، يقول ابن مالك (الناظم)[23].

 وللمنادى النَّاءِِ أو كالنَّاءِ (يا)                 و(أي) و(آ) كذا (أيا) ثم (هيا)

 عند المحدثين

 وقد ناقش المحدثون هذه الصيغ الأسلوبية في النداء كما ناقشها القدماء "وفي هذه الحالات يكون حرف النداء، إمَّا داخلا على منادى محذوف، مناسب للمعنى، فيقال في الآية: يا رب، أو يا أصحاب … أو نحوهما، وهذا عند من يجيز حذف المنادى، و إمَّا اعتباره  حرف تنبيه عند من لا يجيز حذف المنادى. والرأيان مقبولان، ولكن الثاني أولى لصلاحه لكل الحالات، ولو لم يستوف الشرط الآتي الذي يتمسك به كثير من النحاة، وهو: عدم حذف المنادى قبل الفعل الذي دخل عليه حرف النداء إلا إذا كان الفعل للأمر، أو للدعاء، أو صيغة حبذا، فمثاله قبل الأمر قراءة من قرأ قوله تعالى: "ألا يا .. اسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض …"، وقبل الدعاء قول الشاعر:

 ألا يا .. اسلَمي يا هندُ، هندُ بني بدر          إذا كان حيٌّ قاعداً آخرَ الدَّهْر

 فإن لم يتحقق الشرط عند المتمسكين به فلا منادى محذوف، ولا نداء، ويكون الحرف المذكور هو للتنبيه[24].

 وقال محمد عيد: إذا ورد بعد الحرف(يا) أحد الحرفين (ليت- رُبَّ) فيقدر بين حرف النداء وهذين الحرفين منادى محذوف، ومما ورد لذلك الشواهد الآتية: قول الله تعالى: "يـَلَيْتَ قومي يعلمون"، وقول الرسول: "يا رُبَّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة" على أنه ينبغي أن نتنبه للملاحظة المهمة الآتية –أخيرا- عن حذف المنادى، فإن بعض النحاة يرى أن المنادى لا يحذف مطلقا، وأن (يا) في الموضعين السابقين إنما هي حرف تنبيه ولا علاقة لها بالنداء"[25].

 ويعرب محمد عبد العزيز النجار الحديث الشريف"يا رُبَّ كاسية " على أن الـ (يا) للتنبيه، أو هي للنداء والمنادى محذوف[26].

 ويقول أحمد قبش: "إذا دخلت أداة النداء (يا) على فعل، أو حرف جاز فيها أمران: أن تكون أداة نداء والمنادى محذوف، وجاز أن تكون حرف تنبيه وهو الأحسن"[27].

 مما تقدم جميعه -قديمه ومحدثه- يتبين لنا أن النحاة قد انقسموا إلى فئتين: واحدة تقول بحذف المنادى وأخرى تمنعه، وبعبارة أخرى -واحدة تقول إن (يا ) في هذه الشواهد هي حرف نداء ولا يمنع أن تكون للتنبيه، والأخرى تقول هي للتنبيه حسب، فلا يجوز حذف المنادى، وهنا لا يظهر أي منادى.

 القسم الثاني: رأي في النداء والمقصود منه

 بالنظر إلى هذه الشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، والشواهد الشعرية الموروثة نلحظ ما يأتي:

 أولا: ثبات أداة النداء (يا) في كل هذه الأمثلة، وهو ما يتفق مع طبيعة أسلوب النداء المعروف لدينا، ذلك أن المنادى يمكن أن تختلف عليه أدوات النداء المختلفة، وبذلك يستحق أن تكون له صفة المنادى.

 فالاسم (محمد) يمكن أن ينادى بـ (يا) فيصبح (يا محمد)، أو بغيرها (أمحمد)، أو (أيا محمد) …… إذ من غير المعقول أن يبقى على حالة ندائية واحدة في كل مرات ندائه حتى لو كان المنادي واحدا. فيكون تركيب النداء كما يأتي:

تم تحويل المركب الندائي(يا محمد) من البنية العميقة إلى البنية السطحية[28]عن طريق حذف المركب الفعلي (م.ف) = أدعو، والمركب الاسمي (م.س)= الفاعل (فا) وإحلال أداة النداء محلهما، وتغيير حركة الاسم المنادى= المفعول به = مفع في البنية العميقة إلى الرفع لتتناسب مع الموقع الجديد = البناء على الضم، وغيره من المواضع المحددة عند النحاة، بينما نلحظ بقاء الحركة على حالها في المنادى المضاف، وغيره من المواضع المحددة كذلك[29].

 وقد يتفق الدارس الحالي  مع من يقول: إنه يمكن أن نستعمل (أيا) مع الأمثلة السابقة، ولكن، هل يكون هذا الاستعمال رديفا أو مماثلا للاستعمال الحقيقي مع النداء؟ ثم لماذا لم نلحظ أنه  تم استعمال مثل هذا التركيب ولو مرة واحدة مع كثرة الأمثلة التي سقناها لهذا الغرض ولغيره كذلك؟ من هنا يظن الدارس الحالي أن استعمال (يا) هو المقصود بنفسه، وله دلالة مقصودة كذلك.

 ثانيا: ومما نلحظه في هذه التراكيب أن أداة النداء فيها غير لازمة الذكر، فيمكن حذفها من دون أن يتغير على التركيب الجملي أي شيء يذكر، حيث يبقى المعنى العام على حاله، وربما الدلالة الخاصة كذلك، إذ إن معنى التمني يبقى ملاصقا -ملازما- التركيب الجملي بما يحتمله من تشهي حصول الشيء أو الأمر المرغوب فيه، ووجود (يا) فيها ربما أضاف بعض التشوق أو أعطى نوعا من تطويل النفس في بث الرغبة لا أكثر، أما تركيب النداء إذا حذفت منه أداته فلا بد من الاستعاضة عنها بشيء يسمى في علم اللغة (النبر)، وهو نبر خاص بتركيب النداء يدل بدلالة قاطعة مانعة على وجود الأداة، وإلا عُدَّ التركيب في غير باب أو أسلوب النداء.

ولعل حذف أداة النداء يساعد في تقريب المسافة بين المنادى والمقصود من النداء. والدارس الحالي يلحظ أن المنادى في مثل هذا الشكل (ج = 2) يحرَّك بالحركة المناسبة؛ ليتم الوصل به وبالمقصود من النداء بأقل مسافة زمنية. في حين يلحظ –أن بعد ذكر أداة النداء– بما فيها من مطل صوتي لابد منه –يعقبه سكت على المنادى- فاصلا زمنيا بسيطا إلى حين البدء بإلقاء المقصود من النداء.

 وما جرى هنا هو تحويل المركب الندائي من البنية العميقة إلى البنية السطحية عن طريق حذف (م.ف) فعل النداء= (أدعو) و (م.س)=  الفاعل (الضمير"أنا" المستتر)، وإحلال أداة النداء محلهما، ثم تم حذف أداة النداء، و إحلال (نبر الصوت) الخاص بالنداء محلها، إذ إنه بغير هذا لا يمكن قراءة التركيب بصورته الصحيحة المقصودة، واحتمالات ذلك واضحة لمن ينعم النظر فيه. ولا يخفى على ذي بصيرة أن يدرك أنه على الرغم من أن الأداة من أهم قرائن تعلق الكلام بعضه ببعض كما يقول تمام حسان[30] فإن التعرف إلى أن بنية التراكيب الندائية -كما لاحظنا للتو- إنما تتوضح بقرينة (التنغيم) الخاص به، وهي بذلك تعد قرينة لفظية أخرى من قرائن التعليق اللفظية، كما يوضح تمام[31] -أيضاً في موضع آخر- بقوله: "الصيغة التنغيمية منحنى نغميٌّ خاص بالجملة يعين على الكشف عن معناها النحوي" ويوضح أن بالإمكان أحياناً أن نحدد ما إذا كانت الجملة استفهاماً، أو إثباتا، أو تأكيداً إذا ما سمعنا الجملة ممن ينطقها وهو مقفل الشفتين، إذ قد تغني النغمة العامة المسموعة حينذاك عن سماع ألفاظ الجملة. من هذا نستنتج أنه: سيان أن ترد أداة النداء أو لا ترد حتى يكون تركيب النداء مفهوماً بوساطة النغمة التي تتكفل بالإشارة إلى دلالة التركيب بصورة ظاهرة مثل الحركة الإعرابية.

 إن التنغيم في الكلام يقوم بوظيفة الترقيم في الكتابة، بل إنه أوضح منه من جهة أنه يحدد المعنى ويشير إليه، وتكون علامات الترقيم تابعة له إلى حد كبير في كثير من المواضع. فربما أهملت العربية الفصحى ذكر الأدوات اتكالاً على التعليق بالنغمة، وأن المدوِّنين للتراث ربما لم يجدوا مفراً من الاحتفاظ بالأدوات؛ لخلو الكتابة من الترقيم والـتـنغيـم[32]. وفي حين بدا (التنغيـم) مهـماً كـما لاحظنا يري الدارس الحالي أن اللغـة العـربية بمسـتوييها: الفصيح والعامي، تعتمد إلى حد كبير على التنغيم، وأن المعاني العامة لأغلب الجمل ومنها (النداء) ليس بالإمكان تبينها إذا خلا الكلام من التنغيم. وقد ذكر الأستاذ (فيرث)( J.R. Firth) أهمية (التنغيم) إذ أكد أن لا نحو من دون تنغيم فإمكان تبين المعاني العامة للجملة غير وارد إذا خلا الكلام منه[33].

 ثالثا: ومما يلحظه الدارس الحالي أن هذه التراكيب الندائية -وأنا أذكرها هنا بصيغة الجمع نسبة إلى عددها وليس إلى نوعها، إذ إنها في حقيقة الأمر تبدو تركيبا واحدا- ثابتة الرتبة، فلا يمكن أن يتغير موقع المنادى فيها، فهو يتصدر الجملة المقصودة من النداء من بعده، ونحن نعلم أن التركيب الندائي من حقه أن يتصدر الجملة التي يراد لفت انتباه المستمع إليها، أو يتوسطها، أو يتأخر عنها[34]، فمثلا باستطاعتنا التلاعب بموقع التركيب الندائي حسب رغبتنا في الدلالة المتوخاة، إذ نقول:

 وهذا ما لا يتوافر بالتركيب الندائي الذي نتكلم عنه، وينطبق هذا على المنادى العاقل و غير العاقل، لما فيه من تنويع الطرق في لفت انتباه المنادى، وتوجيهه إلى نقاط الاهتمام، ومن ثم التأكد من أن -الرسالة الندائية المقصودة قد وصلت كما يراد لها، في حين يشي ثبات الموقعية هذا بما يتوافق مع ما نذهب إليه من هذه التراكيب.

  

  في النداء تنبيه وإشارة إلى معنى الكلام المقصود من النداء (ج.ف) أو (ج.س) الذي سيتلوه، وهو أصل التركيب الندائي ويحمل دلالته(1).

 يتذيل تركيب النداء (ج.ف) وما يتعلق بها، أو (ج.س)، بما يحمله هذا التذيل من إبراز أهمية  -المقصود من النداء- فالعرب إذا اهتمت بشيء قدمته، وفيه تأكيد إن لزم الأمر، بما فيه من عودة على الفاعل المستتر في (أقبل)[35].


  يتوسط النداء (ج.ف) ويفصل ما بين أركانها وما يتعلق بها، أو (ج.س)؛ فهو -جملة اعتراضية- بما يحمله الاعتراض من توضيح كلامي قد يتبادر إلى الذهن خلافه، وكذلك فيه تقوية للنداء، وتوكيد له[36](1).

 القسم الثالث: نقد وتحليل

 من كل ما سبق يمكن أن نستنتج أن السياق وحده هو الذي يحدد معنى الحرف (يا)، كما أن السياق وحده هو الذي يحدد معنى كثير من الألفاظ، (المفردات، والتراكيب)، فإذا كان لفظ (السليم) يدل في موضع على صحيح الجسم الخالي من الأمراض، أو الإيذاء، وفي موضع آخر على الملدوغ الذي لدغته الأفعى، أو العقرب، وإذا كان الحرف(ما) يدل في سياق على الاستفهام، وفي سياق آخر على النفي، وفي ثالث على التعجب -إذا كان هذا كذلك مما هو مثبت في قواعد النحاة وآثارهم، فإن (يا) كذلك يتغير معناها بحسب السياق الذي ترد فيه، فإذا ورد بعدها اسم عاقل ممن ينادى، ويكون منه استجابة فإنها تكون للنداء، وإذا كانت في سياق جاء بعدها اسم لا يعقل كانت (للتنبيه) مثلا كمن يصوت بها لنفسه، يبعث فيها بعض مشاعرها حزينة أو فرحة، أما إذا كان بعدها في سياق آخر حرف مما نمثل له، فإنه  ينبغي لنا أن نستنتج لها دلالة أخرى غير ما ذكرنا مما ينسجم مع سياقها، وموضعها، وطبيعتها، ويرجو الدارس الحالي أن يكون مصيبا، في أنها في مثل هذا الموضع تكون أقرب إلى المناجاة الروحية التي لا تجد مناصا من التصويت بها؛ إذ إن مخرجها الصوتي مع (ليت) فيه تنويع بين العلو- الذي ينطلق من الأعماق- والانخفاض-الذي يعيد للنفس استقرارها- بحيث يجعل هذا التنويع في التصويت نوعا من الإضافة الدلالية على التحسر، والتفجع، والتمني الذي طال عليه الزمن فلا يسعف المتكلم إلا أن يبوح به نظرا إلى عدم تمكنه من تحقيق غرضه أو بعض غرضه.

 ومناداة غير العاقل إنما تدل على نوع آخر من الاستعمال الحقيقي للأداة (يا)؛ إذ ما نفع هذا النداء إذا لم تكن هناك استجابة حقيقية من المنادى؟ وما دور هذا الاستعمال الذي يكاد يكون أسلوبيا -مجازيا إن شئت- أكثر منه وقوعا على وجه مراد في مثل هكذا أسلوب؟

 نحن نعرف أن النداء في أصل وضعه تعبيري إفصاحي لواحدة من أكثر الأغراض استهدافا من الكلام ككل –المشاعر والأفكار- فإذا لم يتحقق من هذا شيء، فإذن لماذا نبقى نسمي الأشياء بغير مسمياتها؟ ولماذا لا نبحث عن الغرض الأساس لمثل هذا الانحراف الأسلوبي الذي نتوخاه؟ وأظنه ليس بعيدا عن متناول فكرنا لو تتبعنا الأمر، والأمثلة على ذلك كثيرة، فهذا الخطيب -المتحدث- والباحث يقصد هنا أي متحدث، -يلجأ إلى وسائل كثيرة لتساعده على الإفصاح عما يريد قوله، إما بتعابير الوجه، أو اليدين، أو بالحركات المختلفة من جسدية وصوتية في آن واحد. إنه إذا أراد أن يرفع من درجة صوته المسموع (المحسوس) لابد له من أن يُعلي نبرة صوته حتى يتطابق الشعور مع مستوى الكلام في الموقف الكلامي المحدد، وبخلاف ذلك تبقى كلماته بحدود العاطفة التي تنسجم مع الأداء اللغوي (الكلامي)، وهذا الذي يستعمل (يا) لمناداة من لا يعقل، أتراه يبتعد عن هذا كثيرا؟ هل يعقل أن ينادي هذا الإنسان قائلا: (يا قرطبة الغراء هل فيك مطمع؟) ليسألها عن واقع الحال، وأكثر من ذلك، وبلسان المقال -والبلدة على كل حال لا تسمع أبدا-  أي مناد يفعل ذلك، أ ثمة منادى أخر يريد أن ينبهه ليعرف بالأمر، أم أنه يريد أن يسمع الجيران، وأهل الحي بذلك فقط؟ إن أصحابه ربما لا يعرفون -إلا المقربون منهم جدا- عنه شيئا، فهل إذا أراد المناداة -المناجاة- فضح كل مستور وانقلب من المنادمة إلى البوح؟ إن النداء هنا على الأكثر لا يتسع إلا أن يكون استثارة لجملة من العواطف، ولعلها عاطفة لكنها مكبوتة يريد أن يطلق لها العنان، مع زفرة حرَّى يمكن لها أن تريح القلب وتخفف من وطأة المعاناة التي يرزح الشاعر تحتها. فربما تكون (يا) هنا تعبيرا عن مساحة زمنية -شعورية- طويلة بين ما يعيشه في الواقع وما يطمح لو أنه يكون. وهل يتساوى هذا الاستعمال في الإفصاح مع استعمال الآخر للتركيب نفسه عندما يقول: (يا بلادي لك حبي وفؤادي)؟ مما لا شك فيه أن الاستعمالين يندرجان في منحى أسلوبي واحد من حيث التركيب والأسلوب، وربما فيهما حث واستثارة، وتوجيه، وتحويل، ولكن يبدو أن كلا منهما متوجه إلى شيء يختلف عما يتقصده الآخر، ويعمل فيه فكره، ومشاعره، باستثناء الرغبة في اختصار الزمن، والاندماج في الحالة الوجدانية التي يعيشها كل منهما. فأصل هذا التركيب وتحويلاته، جرت كما يأتي:

 

والتركيب الثاني جرى فيه من التحويل، مثل ما جرى في التركيب السابق، أو بعضه، ولكن كان المقصود منه التعبير عن الفخر، والإفصاح عن مشاعر الحب، والإعجاب بالبلد الذي ينتمي المتكلم إليه.

 إن تحويلا عميقا جرى على مستوى المعنى -الدلالة- في نفسية المتكلم، وذهنيته من دون تمييز بـيـنهما، ثم كان لهذا التحـويل الدلالي مظـاهر من أبـرزها الشكل الفـونـولـوجـي -الصورة الصوتية للمورفيمات- وكذا الشكل الجملي الذي تنبثق عنه الدلالة المتوخاة، وهي بالتأكيد تختلف من شكل جملي إلى شكل جملي آخر بما يحمله كل شكل منها، مثل إفراغ الشحن العاطفي، وإثارة الإعجاب، أو الأسى والحزن، أو التوكيد الكلامي وتسديده ... .

      ج = يا قرطبة الغراء هل فيك مطمع

 

فإذا قلنا: إن المنادى محذوف، أو إن (يا) للنبيه، أو إنها (يا) وضعت لمعنى آخر، فإن هذه الاحتمالات الثلاثة صحيحة إلى درجة ما، ولكن ليس في نسق دلالي واحد، إذ إن لكل احتمال حقلا دلاليا مختلفا تنبع منه جملة معطيات لها بؤرتها الخاصة بها.

 إن صيغة النداء إنشاء وإفصاح، وتقدير الفعل كما يظن الدارس الحالي في موضع (يا) لا يصح إذ يعود بالتعبير إلى الإخبار، وبالشعور إلى العقل، وهو فيه من المخالفة ما يرجع بالنقيض إلى النقيض. يقول ابن هشام: "إن العرب يشترطون في باب شيئا، ويشترطون في آخر نقيض ذلك الشيء على ما اقتضته حكمة لغتهم وصحيح أقيستهم، فإذا لم يتأمل المعرب اختلطت عليه الأبواب والشرائط"[37].

 وإذا عدلنا عن الحرف (يا) إلى فعله فمعنى ذلك جواز العدول عن بقية الأدوات إلى أصولها التي انبثقت عنها، فأتمنى بدل ليت، وأترجى بدل عسى ولعل، وأستفهم بدلا من هل، وهكذا[38].

 وفي هذا الموضع -تحديدا- إذا فسرنا هذه الحروف وطبقناها على ما نودي من غير العقلاء، صار لدينا تعبير هو من الضعف والركاكة ما تأباه عربيتنا السليقية، كيف بنا إذا قلنا: أدعو أتمنى قرطبة، أو البلاد أن يكون كذا وكذا … ؟ لو قلنا ذلك مما مثلنا له من الآي الحكيم، وأقوال العرب المشهود بفصاحتهم، لخرجنا إذن من لسان الحال إلى مقال الفلاسفة والمناطقة مما لا يستقيم ولا يستساغ، قال ابن جني: "من ذلك قولهم: عليك زيدا أن معناه خذ زيدا، وهو لعمري كذلك إلا أن زيدا إنما هو منصوب بنفس (عليك) من حيث كان اسما لفعل متعد لا أنه منصوب بـ(خذ) أفلا ترى فرق ما بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى، فإذا مرَّ بك شيء من هذا عن أصحابنا فاحفظ نفسك منه، ولا تسترسل إليه. فإن أمكنك أن يكون تفسير الإعراب على سمت تفسير المعنى فهو ما لا غاية وراءه"[39].

 وقد نهى سيبويه في مواضع مختلفة عن الخلط بين المعنى الأصيل للأداة وتفسير ذلك المعنى، فقال في حديثه عن خلا وعدا: " ما أتاني أحد خلا زيدا، وأتاني القوم عدا عمرا، كأنك قلت جاوز بعضهم زيدا. إلا أن خلا وعدا فيهما معنى الاستثناء، ولكني ذكرت جاوز لأمثل لك به، و إن كان لا يستعمل في هذا الموضع"[40]. ونلاحظ أن سيبويه  بعد الانتهاء من مناقشة المسألة يبين أن هذا تمثيل، ولم يستعمل في الكلام، فالتمثيل هو صورة للشيء لا حقيقته، وشتان ما بين صورة الروضة الجميلة التي تبين مواضع الماء، والشجر، والورد، وحقيقتها الخلابة التي تزار؛ فتثير الإعجاب بروائحها العطرة، وظلالها الوارفة، ومياهها المتدفقة. وعليه يكون استبدال (يا) من الفعل تمثيل لا يرقى في القيام بدور البديل، إنما هو صورة يتم بها الشرح والتمثيل والتعليم، فلا يكون له أدنى أثر غير ذلك في تركيب النداء. وإذا كانت الـ(وا) للندبة ووضعت الـ(يا) كذلك للغرض نفسه في مواضع وضحها النحاة من مثل: يا (غلاماه)، تكون (يا)  هنا للندبة ولا تكون للنداء؛ لأنها موضوعة تحديدا في هذا الموضع للندبة، وهي إذن تقوم مقام الـ(وا).

 يرى الدارس الحالي أن (يا ليت) وحدة تركيبية واحدة بجزأيها المفترضين، لا يجوز فصل أحدهما عن الآخر في هذه السياقات، وأمثالها؛ لأنها تعطي دلالة إشارية ثابتة نحو الزمن البعيد الذي لا يمكن استرجاعه؛ فيتحسر عليه، وهيهات أن تنفع غير الحسرة في هذا الموقف. وهي أعني (يا) في هذه المواضع، ربما تكون ضرورة لا يجوز الاستغناء عنها؛ لأن وجودها يمنح امتدادا في الزمن، ولا يتأتى هذا الزمن من دونها؛ لأن الموقف القولي، و (السياق الحالي) يتطلبان هذا الامتداد في الزمن، بعكس لو جيء بـ(ليت) خالية منها، على الرغم من أنها تحمل معنى تمني الشيء لا يتحقق في أحيان كثيرة، ولكن اقترانها بـ (يا) بما فيها من مزدوج صوتي صاعد -أكثر طولا- يمنحها قدرة فائقة على إطالة صوت المزدوج الهابط -القصير نوعا ما- في (ليت)، فهذا التوقيع، وهذه المخالفة بين الأصوات فيهما -حيث تأتي حركة جديدة بعد حركة أولى تفصلها عن الثانية مسافة معينة -لا بأس بها، لابد أن تتولد عنهما معان أخرى تنضاف إلى معناهما السطحي الظاهر[41]. إذ إنه من الثابت ارتباط مفهومي -التصويت والإيقاع معا- منذ القديم بالمادة الدلالية المتوخاة -ابتداء من الحرف، إلى اللفظة المفردة، إلى التركيب البسيط، إلى الجملة المركبة، لذا رأينا اهتمام النحاة في مختلف العصور على الإفادة من النظام الصوتي للكلام؛ للتمييز بين المعاني النحوية.

 وابن جنّي يستخدم التشكيل الصوتي في فهم بعض المعاني النحوية، يقول: "فقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها. وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: (سير عليه ليلٌ)، وهم يريدون: ليلٌ طويلٌ. وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لِما دلَّ من الحال على موضعها. وذلك أنك تحسُّ في كلام القائل لذلك من التطويح، والتطريح، والتفخيم، والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويلٌ أو نحو ذلك. وأنت تحسُّ هذا من نفسك إذا تأملته. وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلا! فتزيد في قوة اللفظ بـ(الله) هذه الكلمة، وتتمكن في تمطيط اللام، و إطالة الصوت بها، و(عليها)، أي رجلاً فاضلاً، أو شجاعاً، أو كريماً، أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانا! وتمكنَ الصوت بإنسان، وتفخمه، فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنساناً سمحاً أو جواداً، أو نحو ذلك. وكذلك إن ذممته، ووصفته بالضيق، قلت: سألناه وكان إنساناً! وتزوي وجهك وتقطبه، فيغني ذلك عن قولك: إنساناً لئيماً أو لَحِزاً أو مبخَّلاً أو نحو ذلك. فعلى هذا وما يجري مجراه تحذف الصفة. فأما إن عرِيت من الدلالة عليها من اللفظ أو من الحال فإن حذفها لا يجوز"[42].

 والتنغيم كما يعرفه محمود السعران: "المصطلح الصوتي الدال على الارتفاع (الصعود) والانخفاض (الهبوط) في درجة  Pitch     الجهر  Voice  في الكلام"[43].

 ويقول تمام حسان: "أي مقطع في المجموعة الكلامية، سواء كان في وسطها أو في آخرها، صالح لأن يقع عليه هذا النوع من النبر … ولكن الملاحظ أن المسافات بين كل حالتي نبر تبدو كأنها متساوية تقريبا وهذا ما نسميه الإيقاع  … فالتنغيم يكون بارتفاع الصوت وانخفاضه أثناء الكلام وربما كان له وظيفة نحوية  …"[44].

 فتكون الآية الآتية في ضوء ما سبق كما يتوقع الدارس الحالي:

 فصارت الجملة تحويلية تفيد الإشارة إلى الزمن البعيد والتحسر على عدم وجوده معهم.

 ثم جرى تحويل آخر بزيادة قيد الزمان (ف.ن) = (كان) لإفادة تحديد زمن الكون معهم، وأنه في الزمن الماضي(الدنيا)؛ ليزيد من استحالة تحقق الشيء المُتَمَنَّى، أو المُتَحَسَّر على عدم تحققه، وجرى ما يقتضي هذا التحويل من زيادة (م.س)= الضمير، ثم تقديم(عنصر الإشارة إلى الزمن) وتوسيط (ف.ن)، فصارت الجملة تحويلية إفصاحية تفيد التحسر على الزمن الماضي:

 (عنصر تنبيه) يشير إلى الزمن والتمني+ م.س (ضمير)= اسمه + ج.س (ف.ن+ م.س(اسمه) + م.س(مفع فيه=خ)) = خ

 وبزيادة (ج.ف) = ر (غائي) + م. ف + م.س (فا=ّ) + م.س (مفع مطلق) + م.س (نعت)

 صارت الجملة تحويلية تفيد تمني الكون معهم في الزمن الماضي البعيد؛ ليحصل له الفوز المنعوت.

 وفي الآية: "يـَلَيْتَني لم أُشْرِكْ بربي أَحَدا"[46]

 يكون أصل الجملة: أشركت

          

 

 أما قول الشاعر:

 فيا ليت الشباب يعود يوما             فأخبره بما فعل المشيب[47]

 فأصل الجملة فيه: الشباب يعود.

       

 جملة تحويلية إفصاحية تفيد الإشارة إلى الزمن البعيد وتمني تحققه لأنه صعب التحقق. ثم بزيادة الجملة الرابطية (فأخبره بما فعل المشيب) (الربط الغائي) الذي من أجله تمنى عودة الشباب تبين أن الزمن قد ولَّى، وابتعد، ولن يعود مهما سفحنا على أعتابه من حسرات وأمنيات.

 وهكذا في بقية الجمل التي تكون على شاكلة هذه الأمثلة، إذ بدى للدارس الحالي أن اقتران (يا) مع (ليت) اقتران بنيوي أو (بنائي) تلازمي.

 فإذا كانت (يا ليت) كذلك فهلا يحق لنا أن نسمي الـ(يا) بـ(يا) ليت مثلا، أو أن نطلق على هذا المركب، أو الصيغة المركبة من (يا + ليت) مسمى بأنه عنصر إشاري يشير إلى الزمن؟ فهذا التخصيص الارتباطي بينهما ربما يكون اعتباطيا وغير مقصود، أو غير مصطلح عليه لغويا في مثل هذه المواضع، أم أن القضية فيها حاجة إلى مزيد من الدراسة؟

 النتائج والتوصيات

 هذه محاولة جادة ومتواضعة هدفت إلى تقديم تصور معين حول قضية لغوية بالتحليل والوصف، وبعد هذا التطواف الأفقي والمعمق في ثنايا المادة النحوية ذات العلاقة، كان لابد من رصد بعض الملحوظات المهمة التي برزت هنا وهناك، ولعل من أبرزها:

 أولا: أن الدرس النحوي العربي القديم ببعديه الشكلي والمعنوي قد صار مادة حقيقية للدرس النحوي المحدث، الغربي تحديدا؛ لأن الدرس النحوي العربي بات كثيرا ما يأخذ منه مادته وطريقة المعالجة، ويطبقها على الكلام العربي، وهذه ظاهرة صحية إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العلوم سواء النظرية منها والتطبيقية تشبه الكائن الحي في نمائه وتطوره، وهي من ثم ليست حكرا على أمة من دون أخرى، فإذا كان هذا كذلك فإنه ليس بمستغرب أن نجد كثيرا من أصول النظريات اللغوية المستحدثة هذه ذات جذور عربية، بمعنى أننا واجدون فيها امتدادا وتطورا لما كرَّسه أسلافنا من علوم العربية، وعليه ينظر إلى الملحوظة الثانية.

 ثانيا: أن الأبواب النحوية المتعددة في اللغة العربية فيها حاجة إلى إعادة تنظيم، ومعالجة، وتحليل، في ضوء ما استجد من تطور كنَّا غائبين عنه طوال الفترة الماضية، على أن يكون هذا بما يتناسب والطريقة النحوية التي ترتضيها لغتنا، وتساير نحونا بما فيه من نظام داخلي يؤهله ليكون سهلا ومتيسرا على كل لسان عربي، ولا ضير في ذلك ما دمنا متأكدين من أن الدرس النحوي العربي يقف على أرضية صلبة لن يغيرها أو يزعزها جدة الأسلوب، والطرح، والمعالجة، بل إنه بهذا سيبهر الآخرين بتفوقه الذي رافقه منذ النشأة قبل أربعة عشر قرنا من الزمان، فهذه إذن دعوة من الدارس الحالي:

 أولاً: لتأصيل منهج نحوي جديد يأخذ بالدرس النحوي العربي إلى آفاق لغوية أرحب، أكثر قبولا لمستجدات العصر والحاجة.

 ثانياً: لإعادة النظر في الأبواب النحوية المتعددة، ودراستها بما يتوافق مع هذا المنهج المؤصل الجديد.

 ثالثا: أما القضية التي كان البحث بصدد معالجتها، على الرغم من صعوبة البحث فيها نظرا إلى عدم وجود منهج عربي متكامل حول هذه القضية وأشباهها، فإن البحث توقع أن الزمن أقرب إلى دلالة التركيب (يا ليت) قيد الدراسة، وأن التصويت به لم يكن محض تنفيس وتنبيه شعوري فقط، بل إن فيه استحضاراً لصورة كانت ، أو يؤمَّل أن تكون، وتقريبها إلى حقيقة، أو واقع يراد له أن يعاش، والإحساس بالبعد الزمني افترض التقاء (يا) مع (ليت) في تركيب واحد، حيث كان من الممكن أن يستعمل فيه كل منهما على حدة لو أريد غير هذا المعنى، وقصد غير هذا المقصد، فاتساع الشقة الزمنية بين القصد والرؤية فرض هذا الاستعمال في السياقات المدروسة بعينها، وكان هذا الفهم من خلال:

 -     مرونة اللغة العربية، فهي تقبل أن تتغير مواقع مكوناتها، وتقبل أن يدخلها مكونات جديدة؛ لإفادة معان متعددة.

 -     دور التنغيم، ونبر المقاطع، والأصوات المختلفة في تحديد الدلالات المراد توصيلها إلى المتلقين على اختلاف مستوياتهم.

 -  المساحة الكبيرة التي غطاها التركيب (يا ليت) في الاستعمال، في المستويات الكلامية المتعددة، فضلا عن الاستعمال المتداول بين الناس، مما يدلل –كما يرجح الدارس الحالي- بدلالة واضحة حقيقة تلاقي المقاصد في كل منها.

  المصادر والمراجع

 بعد القرآن الكريم اعتمدت على ما يأتي:

 الأساليب الإنشائية في النحو العربي، هارون، عبد السلام، لا.ن، ط3، 1985

 الأشباه والنظائر،السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري)،849- 911هـ/1445-1505م)، تحقيق فايز ترحيني، ط1، مطبعة دار الكتاب العربي، بيروت، 1984م.

 إعراب القرآن، الزجاج، (أبو اسحق إبراهيم، 241-311 أو 316)، تحقيق إبراهيم الأبياري، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1963م.

 الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين ،الأنباري (أبو البركات عبد الرحمن بن محمد كمال الدين 513- 577هـ). تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد، ط4، مطبعة السعادة، القاهرة ، 1961م.

 بنية الجملة العربية بين التحليل والنظرية، المنصف عاشور، منشورات كلية الآداب بمنوبة، 1991م.

 حاشية الصبان على شرح الأشموني، ومعه شرح الشواهد للعيني، الصبان (الشيخ محمد علي، أبو العرفان ت1206هـ/1792م)، لا.ط، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة، لا.ت

 الخصائص،،ابن جني (أبو الفتح عثمان الموصلي 392هـ – 1002م)، تحقيق محمد علي النجار، ط2، دار الهدى للطباعة والنشر، بيروت – لبنان لا.ت.

 شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ابن عقيل (بهاء الدين عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عقيل العقيلي الهمذاني المصري، 694- 769هـ/1294-1367م)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط3، مطبعة السعادة، القاهرة، 1962م.

 شرح التصريح على التوضيح، الأزهري، (خالد بن عبد الله الجرجاوي، 905هـ)، دار إحياء الكتب العربية، د.ت

 شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، ابن هشام (أبو محمد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف جمال الدين)  708- 761هـ /1309 – 1360م، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، لا.ط دار الفكر - القاهرة، لا.ت .

 شرح قطر الندى وبل الصدى،ابن هشام،تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد،ط11،المكتبة التجارية،ومطبعة السعادة-مصر، 1963م.

 شرح المفصل للزمخشري،  ابن يعيش (أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش بن محمد بن أبي السرايا موفق الدين، ت 556 – 643هـ/1161-1245م)، لا.ط، عالم الكتب –بيروت، ومكتبة المتنبي– القاهرة، لا.ت.

 ضياء السالك إلى أوضح المسالك، محمد عبد العزيز النجار، مؤسسة الرسالة، لبنان، بيروت، ط1، 1420هـ-1999م.

 عروس الأفراح، شروح التلخيص، السبكي، (أبو حامد، أحمد بن علي بن عبد الكافي بهاء الدين، 719/763 - 1319/1362)، مطبعة عيسى البابي الحلبي،لا.ط، مصر، لا.ت.

 علم اللغة -مقدمة للقارئ العربي، السعران، محمود، دار الفكر العربي، ط2، 1417هـ-1997م.

 القواعد التحويلية في ديوان حاتم الطائي، حسام البهنساوي، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، 1413هـ-1921م.

 قواعد تحويلية للغة العربية، الخولي، محمد علي، دار المريخ، الرياض -السعودية، 1401هـ-1981م.

 الكافية في النحو، ابن الحاجب (الإمام جما الدين أبى عمرو عثمان بن عمر النحوي المالكي 570-686 هـ)، شرح الشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الأسترابادي النحوي، 686 هـ، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، د.ت.

 الكامل في النحو والصرف والإعراب، أحمد قبش، دار الجيل، لبنان-بيروت، ط2، 1974.

 الكتاب، سيبويه، (أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبرالحارثي بالولاء)، 148-180هـ/765-796)، تحقيق عبد السلام هارون، المطبعة الأميرية، مصر، 1966، 1977م.

 كتاب الأفعال، ابن القطاع (أبو القاسم علي بن جعفر السعدي 433 –515هـ /1041-1121م)، بيروت،ط1، 1983م.

 لسان العرب، ابن منظور (جمال الدين محمد بن مكرم بن علي الأنصاري630-711هـ/1232-1311م)، دار أحياء التراث العربي و مؤسسة التاريخ الإسلامي، ط2، بيروت، 1418هـ –1997م.

 اللغة العربية – معناها و مبناها، حسان، تمام، عالم الكتب، القاهرة، ط3، 1418-1998.

 المساعد على تسهيل الفوائد، ابن عقيل، تحقيق محمد كامل بركات، ط1، دار الفكر، دمشق، 1402هـ – 1982م.

 المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية، اميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 1413هـ - 1992م.

 المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، 1407هـ - 1987م.

 مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام، تحقيق مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله، ط5 ، دار الفكر – بيروت، 1979م.

 المقتضب، المبرد (أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، 210/285هـ –826 /899م)، تحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، مؤسسة دار التحرير، لا.ط، مصر، 1386هـ.

 مناهج البحث في اللغة، حسان، تمام، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990.

 النحو العربي والدرس الحديث -بحث في المنهج، الراجحي، عبده، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996م.

 النحو المصفى، محمد عيد، مكتبة الشباب، ط2، مصر-القاهرة، لا.ت

 النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، ط3، مصر،  لا.ت.

 همع الهوامع شرح جمع الجوامع في العربية ، السيوطي، تحقيق وشرح الدكتور عبد العال سالم مكرم، دار البحوث العلمية، الكويت، 1397هـ – 1977م.

 الدوريات:

 حوليات الجامعة التونسية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، العدد 40، تونس، 1996م.

 المجلة الثقافية، الجامعة الأردنية، العدد 7،الأردن، 1406 هـ –1985م.


[1]لسان العرب، مادة (ندى)، وابن القطاع، كتاب الأفعال، 3: 276

[2]النحو الوافي، 4: 1

[3]الكتاب، 2: 199، وما بعدها، وانظر: المقتضب، 4: 233-235، وهمع الهوامع، 3: 35-36 . وعروس الأفراح -شروح التلخيص، 2: 333.

[4]الكتاب، 2: 183.

[5]شرح المفصل، 1: 127، ويمكن تتبع ذلك وغيره عند كل من المبرد في المقتضب،4: 202،402. والإنصاف في مسائل الخلاف، 1: 326-327، وهمع الهوامع، 3: 32، وحاشية الصبان، 3: 141.

ويقول ابن هشام: وأقول المنادى نوع من أنواع المفعول، وله أحكام تخصه؛ فلهذا أفردته بالذكر، وبيان كونه مفعولا به قولك: "يا عبد الله"، أصله (يا أدعو عبد الله)، فيا حرف تنبيه، وأدعو فعل مضارع قصد به الإنشاء لا الإخبار، وفاعله مستتر، وعبد الله مفعول به ومضاف إليه، ولما علموا أن الضرورة داعية إلى استعمال النداء كثيرا أوجبوا فيه حذف الفعل اكتفاء بأمرين: أحدهما: دلالة قرينة الحال، والثاني: الاستغناء بما جعلوه كالنائب عنه، والقائم مقامه وهو "يا" وأخواتها. شرح شذور الذهب، 215، وانظر شرح قطر الندى، 202.

[6]شرح ابن عقيل، 2: 257-258.

[7]شرح المفصل، 2: 24.

[8]القصص، 79.

[9]الكهف، 42.

[10]الحاقة، 27.وانظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، 655.

[11]الإنصاف في مسائل الخلاف، الشاهد رقم (395)، 2 :612.

[12]شرح ابن عقيل الشاهد رقم (289)، 2 :210.

[13]همع الهوامع، الشاهد رقم 1679، 5: 292.

[14]الإنصاف في مسائل الخلاف،2: 832-834.

[15]ورد النداء بالأداة  "يا" متبوعا بالحرف "ربَّ" في عدد من الشواهد المنقولة عن العرب الأوائل، فذكر ابن هشام الشاهدين:

فيا رُبَّ يومٍ قد لَهَوْتُ وليلةٍ                بآنسةٍ كأنها خَطُّ تِمْثال.

مغني اللبيب، الشاهد رقم 221، 180.

و قالت هند أم معاوية بن أبي سفيان:

يا رُبَّ قائِلةٍ غداً                 يا لَهْفَ أمِّ مُعاوية.

[16]شرح المفصل، 2: 24.

[17]المساعد على تسهيل الفوائد، 2: 486-487.

[18]المصدر نفسه، 3: 225.

[19]إعراب القرآن، 289.

[20]شرح الكافية للرضي، 2: 381، وانظر: 1: 131 وما بعدها.

[21]المصدر نفسه، 1: 160.

[22]شرح التصريح على التوضيح، 163.

[23]شرح ابن عقيل، 2: 255.

[24]النحو الوافي، 4: 6-7.

[25]النحو المصفى، 500-501.

[26]ضياء السالك إلى أوضح المسالك، 2: 298.

[27]الكامل في النحو والصرف والإعراب، 141. وانظر: الأساليب الإنشائية في النحو العربي، 142.

[28]على اعتبار أن اللغة (عمل للعقل) أو (آلة للفكر والتعبير الذاتي) فيكون للغة جانبان: جانب داخلي، وآخر خارجي. وكل جملة يجب أن تدرس من الجانبين، أما الأول فيعبر عن الفكر، وأما الثاني فيعبر عن شكلها الفيزيقي باعتبارها أصواتا ملفوظة. وهذه الأفكار هي التي ظهرت بعد ذلك عند تشومسكي تحت اسم البنية العميقة والبنية السطحية. ولما كانت البنية العميقة تعبر عن "المعنى" في كل اللغات فإنها تعكس "أشكال الفكر الإنساني"، وعلينا أن نعرف كيف تتحول هذه البنية إلى كلام على السطح وهذا هو الأصل في النحو التحويلي الذي يهتم بالقوانين التي تحدد البنية التحتية وتربطها ببنية السطح. ولما كانت اللغة لانهائية فيما تنتج من جمل رغم "انحصار" مادتها الصوتية فإن هذا النحو يهتم أيضا بدراسة النظام الأساسي الذي تتولد به قوانين البنية العميقة قبل تحويلها إلى كلام على السطح.

النحو العربي والدرس الحديث -بحث في المنهج-، 124-125. وانظر طرق التحليل، 127، وما بعدها.

وانظر قواعد تحويلية للغة العربية، 147. والقواعد التحويلية في ديوان حاتم الطائي، 200.

[29]اختلف النحاة العرب قديما حول هذه القضية، فذكر سيبويه وجمهور البصريين أن المنادى منصوب بفعل محذوف تقديره (أدعو) أو أنادي، وتم حذف الفعل لكثرة الاستعمال ولدلالة حرف النداء عليه، الكتاب، 1: 291.

ونسب للمبرد من البصريين قوله: أن الناصب نفس(يا) لنيابتها عن الفعل، المقتضب، 4: 402، ويقول ابن جني: "… وليس كذلك يا؛ لأنك إذا قلت: يا عبد الله تمَّ الكلام بها وبمنصوب بعدها، فوجب أن تكون هي كأنها الفعل المستقل بفاعله، والمنصوب هو المفعول بعدها، فهي في هذا الوجه كرويد زيداً" الخصائص،2: 278 وما بعدها. ويقول ابن يعيش: "وكان أبو علي يذهب في بعض كلامه إلى أن يا ليس بحرف وإنما هو اسم من (أسماء الفعل) شرح المفصل: 1: 127، ويؤكد هذا في موضع آخر بقوله: "وقد حمل بعضهم ما رأى من قوة جري هذه الحروف مجرى الأفعال ونصبها لما بعدها وتعلق حروف الجر بها وجواز إمالتها إلى أن قال إنها من أسماء الأفعال من نحو صه ومه" شرح المفصل: 8: 121، وانظر شرح المفصل، 1:127، و 8:121. وانظر هامش (5) ص (5) من هذا البحث.

[30]اللغة العربية - معناها ومبناها، 224-226.

[31]المصدر نفسه، 226 - 231.

[32]اللغة العربية - معناها ومبناها، 226 - 227.

[33]حوليات الجامعة التونسية، تأملات في حكم اختصاص (ألف) الاستفهام بالحذف، فيصل إبراهيم صفا، 33.

[34]بنية الجملة العربية بين التحليل والنظرية، 161.

(1) انظر بنية الجملة العربية، 276-278.

[35]انظر الكتاب، 1: 34، و بنية الجملة العربية ، 161،277.

[36]بنية الجملة العربية ، 161

[37]مغني اللبيب، 2: 273.

[38]المجلة الثقافية، نقد نظرية النحاة في النداء، 34. وانظر النحو الوافي، 4: 7.

[39]الخصائص، 1: 283. وانظر نقد نظرية النحاة، 34.

[40]الكتاب، 2.:348، وانظر نقد نظرية النحاة، 35.

[41]يقول سيبويه : "اعلم أن المندوب مدعو، ولكنه متفجع عليه، فإن ألحقت في آخر الاسم الألف، لأن الندبة كأنهم يترنمون فيها" الكتاب، 2: 220.

ويقول ابن يعيش: "اعلم أن المندوب مدعو، ولذلك ذكر مع فصول النداء، لكنه على سبيل التفجع، فأنت تدعوه و إن كنت تعلم أنه لا يستجيب، كما تدعو المستغاث به وإن كان بحيث لا يسمع كأنه تعده حاضرا. وأكثر ما يقع في كلام النساء لضعف احتمالهن وقلة صبرهن ولما كان مدعوا بحيث لا يسمع أتَوا في أوله بـ(يا) أو (وا) لمد الصوت، ولما كان يسلك في الندبة والنوح مذهب التطريب زادوا الألف آخرا للترنم". شرح المفصل، 2: 13.

[42]الخصائص، 2: 370-371.

[43]علم اللغة - مقدمة للقارئ العربي، 159.

[44]مناهج البحث في اللغة، 163 وما بعدها.

[45]سورة النساء، آية 73.

[46]الكهف، آية 42.

[47]أبو العتاهية (إسماعيل بن قاسم). انظر مغني اللبيب، رقم الشاهد 521، 282.