مقدمة القصيدة في شعر ابن الأبار القضاعي

 بين النمطية والتنوعpdf

    شاكر لقمان         

جامعة أم البواقي (الجزائر)

  Abstract:

 Introduction to the poetry of Ibn El Abar Alqdai Between stereotypesand Diversity.Intervention provided in Arabic poetry in the context of talking about the Arab parts of the poem in general, which was prepared by Ibn Qutaiba  Aldeanori who is considered as the first to point to its grammar, describing the grammar that ought to be through this approach. The researcher will try to give a picture, almost acomprehensive introduction in the poetry of the Andalusian  Ibn AlAbar Alqdai ( 595h ـ658 h) And its overlap between the typical usual shape of old poets. And between diversity and mitigate some of them, the position of artistic expression is attributed to the poet. or a so required occasion in line with the conditions or environment of the Andalusian era. Stating all kind of length and the palace, and thereference to the predominance of each other.

 إن المقصود بالقصيدة المركّبة في النقد العربي، هي تلك التي تشتمل على غرضين والتي تتكون من أقسام ، عبّر عنها النقاد بـ: المطلع ، المقدمة ، الرحلة ، التخلص ، الخاتمة .

 يقول حازم القرطاجني : ((  والقصائد منها بسيطة الأغراض ، ومنها مركبة . والبسيطة  مثل القصائد التي تكون مدحا صرفا أو رثاءً صرفا. والمركبة هي التي يشتمل الكلام على غرضين ، مثل أن تكون مشتملة على نسيب ومديح ، وهذا أشد موافقة للنفوس الصحيحة الأذواق)).[1]

   وبالرجوع إلى ابن قتيبة ، في كتابه " الشعر والشعراء " نجده يشير إلى هذا النوع دون أن يسميها بالتسمية المتفق عليها الآن (القصيدة المركبة ) في صدد حديثه عن بناء القصيدة العربية القديمة .[2]

 و الناظر في مدونة الشاعر ابن الأبار يستنبط أنه سار في قصائده على منهجين:

 1.  منهج اتبع فيه مسار القصيدة العربية القديمة، كما رسمها ابن قتيبة ((وسمعت  بعض أهل الأدب...ولم يقطع وبالنفوس ظمأٌ)).[3] مع التخفف في تناول  بعض أقسام هذه القصيدة وقد يطول نفس الشاعر ههنا ، وقد يقصر، كما يرى ذلك الباحث عدنان محمد غزال.[4]

 2.  ومنهج ، تملّص فيه من هذا العُقال ، أين دعا إلى التخفيف من النسيب ، لا سيما في بعض المواقف التي تستدعي ذلك ، ولا تحتمل التأخير ؛كالتهنئة والرثاء والزهد ، والاستنجاد والوصف ، فيقول: [المديد]:[5]

 دَعْ أساليبَ النَّسيبِ وَ خُذْ        في أساطيرِ الأساطيلِ

 كما وجدناه يطرح فكرة الوقوف على الأطلال :[الطويل]:[6]

                  أَشِدْ بالقوافي ذِكْرَ عَلْوَةَ أو عَلْيَا   ودَعْ لِلسَّوَافِي دَارَ مَيَّةَ بالعَلْيَا

 ومهما يكن من أمر، فإن القصيدة المركبة، التي  يتضمنها ديوان ابن الأبار، قد تكونتـ كأي قصيدة مركبة أخرى ـ من أقسام،هي: المقدمة، والتي تستهل بالمطلع والرحلة وكانت الرحلة البحرية من أنواعها، والتخلص إلى الغرض الرئيس، الذي كان في أغلبه مدحا، انتهاءً بالخاتمة.

 ـ المقدمة :

 كانت المقدمة ـ كمصطلح لدى المحدثينـ يقابلها عند القدامى من مثل ابن رشيق القيرواني البسطُ ، وعند ابن قتيبة  الدينوري البدءُ. ولم يكن ابن الأبار يَشَذُّ عن قاعدة الشعراء القدامى،الذين كانوا يهتمون بمقدمات قصائدهم، على غرار أقسام القصيدة الأخرى إلا أن البيئة الأندلسية، التي تختلف تمام الاختلاف عن البيئة الجاهلية فرضت على الشاعر الأندلسي أن يُحوّر من عناصر هذه المقدمة التقليدية البدوية انسجاما مع بيئته وتعبيرا عن اندماجه مع عصره.

 كما أُهمل وصف الظعن، وكذا التفاصيل الخاصة بالرحلة إلى الممدوح، باستثناء رحلة المحبوبة، التي أخذت حظّا غيرَ قليل من قصائده بشكل عام، ومن مقدماته بشكل خاصّ.

 ولم يكن وقوفهم على الأطلال طويلاـ كما عُرف عند الجاهليين ـ (( بل وصفوها وصفا عاما بالتبدل والتغير، واكتفوا بتحديد مواقع باصطناع المرور على الأماكن والوديان العربية القديمة، مشاكلة لعروبة الممدوح، كما لم يعرضوا لآثار تبدّل هذه الديار بعد مغادرتها لأنهم عنَوْا بوصف ما تثيره تلك الرسوم في نفوسهم من ذكريات ماضٍ سعيد تمتزج فيها اللذة بالألم والمتعة بالحزن.)).[7]

 ولم تظفر مقدمات القصائد بالعناية والاهتمام اللازمين، على غرار المطالع التي حظيت بهذه الرعاية الكاملة؛ بعد أن درسوا الشعر فاستحسنوا منه مطالع،وأشادوا بها واستقبحوا أخرى واستهجنوها. ولعل السبب في إغفال المقدمة، هو ما يراه حسين عطوان راجعا إلى اشتغال النحويين والبلاغيين واللغويين على هذا الشعر من زاوية واحدة  ـ تقريبا ـ عندما صاروا يفتشون فيه على البيت الواحد لوضعه محل الشاهد في قصائدهم. وهي الظاهرة التي لفتت انتباه الجاحظ، إذ يقول:((لم أرَ غايةَ النحويين إلا كلّ شعر فيه إعراب ، ولم أرَ غاية رُواةِ الأشعار إلا كل شعر فيه غريب ، أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج)).[8]

 كما يؤكد الدارسون أن مقدمة القصيدة في العصر الجاهلي لم تكن واحدة، بل غلب عليها نوعان؛ هما المقدمة الطللية والمقدمة الغزلية. ويرجع حسين بكار الاقتصار عليها ودون غيرها إلى تفسيرين ؛ فالأول نقص استقراء القدماء، والثاني ـ وهو عنده الأرجح ـ كثرة هذه المقدمات الغزلية والطللية، مما جعل اهتمام النقاد ينصب عليهما على الرغم من وجود مقدمات أخرى في هذه القصيدة الجاهلية.

 أما حسين عطوان فقد أشار إلى هذا الموضوع محددا أن المقدمات على نوعين؛ مقدمات أساسية، ويذكر لذلك المقدمة الطللية والمقدمة الغزلية، وأخرى ثانوية كبكاء الشيب ووصف الطبيعة.[9]

 وبالرجوع إلى النقاد القدامى، نجدهم يتحدثون عن المقدمتين؛ الطللية والغزلية  واللتان تناسبان ـ حسب ما جاءوا به ـ قصيدة المدح فقط ، ملزمين الشعراء اللاحقين بالسير على هذا المنهج، ودون الخروج عنه، وإلا وقعوا تحت طائلة الممنوعات. ولهذا الكلام ما يبرره عندما نعود إلى مقولة ابن قتيبة: ((وسمعتُ بعض أهل الأدب يذكر أن مقصّد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين عنها... ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجْد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه وليستدعيَ به أصغاءَ الأسماع إليه لأن التشبيب قريب من النفوس  لائط بالقلوب لِما قد جعل الله في تركيب العباد من محبَّة الغزل وإِلف النساء ...فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقَّب بإيجاب الحقوق ، فرحلّ في شعره وشكا النصب والسهرَ  وسُرى الليل وحرَّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير ،فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حقَّ الرجاء وذمامة التأمل،وقرَّر عنده ما ناله من المكاره في المسير بدأ في المديح ،فبعثه على المكافأة وهزَّه ُ للسماح وفضّله على الأشباه وصغّره في قدره الجزيل...)).[10]

 وبالمقابل نجد الناقد ذاته يعيب على الشعراء الذين يهجمون على الأغراض دون مقدمات. ولا يمكن أن يُنكَر أن في الشعر الجاهلي قصائدَ كثيرةً، لم يفتتحها أصحابهاـ على غير المألوف ـ بنغماتهم التقليدية، إذ يقول ابن رشيق:     (( من الشعراء مَن لا يجعل لكلامه بسطا من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحة، ويتناوله مصافحة  وذلك عندهم هو الوثب والبتر والقطع، والكسع، والاقتضاب، كل ذلك يقال والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء )).[11]

 أما حازم القرطاجني عندما عرض للموضوع، لم يذهب مذهب الأول، بل نظر إليه بنظرة أخرى، دون إلزام ولا اشتراط يذكر، فيقول:(( ويجب أن تكون المبادئ جزلة حسنة المسموع والمفهوم، دالة على غرض الكلام، وجيزة، تامة...)).[12]

 ليأتي ابن الأثير، تاركا الحرية للشعراء ،متحللا من القيود، التي وُجدت عند الآخرين ولكن في حدود أن لا يؤدي ذاك التحلل إلى ضعف القريحة والقصور عند الشاعر فيقول:

 (( فإذا كانت مديحا صرفا، لا يختص بحادثة من الحوادث، فهو مخير بين أن يفتتحها بغزل أو لا يفتتحها بغزل...وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث كفتح معقل أو هزيمة جيش أو غير ذلك، فإنه لا ينبغي أن يبدأ فيها بغزل، وإنْ فعَل ذلك، دَلَّ على ضعف قريحة الشاعر وقصوره عن الغاية، أو على جهله بوضع الكلام في مواضعه )).[13]

 وبتطور القصيدة العربية، ومع مرور الزمن، ظهر تيار يدعو إلى التخفف من هذه المقدمات، مخالفين في ذلك بعض آراء النقاد القدامى كما فعل بشار بن برد، وأبو نواس وغيرهما.

 هذا التصرف، أعقبه إقدام شعراء على الثورة على هذه المقدمات كلية؛ مثلما فعل المتنبي مع المقدمة الغزلية، إذ يقول:[ الطويل  ]:[14]

 إذا كان مدحٌ فالنَّسيبَ المقّدَّمُ     أَكَلُّ فصيحٍ قالَ شعراً مُتَيَّمُ ؟

 أوما فعله أبو نواس في ذات الموضوع، حيث يقول [البسيط  ]:[15]

 لا تبْكِ ليلى ولاَ تطْرِبْ إلى هِنْدِ     واشْرَبْ على الورْدِ مِنْ حمَراءَ كالورْدِ

 أو كما يقول الشاعر نفسُه، وهو عند الحاتمي فيما روى عن بعض أشياخه أفضلُ ابتداء صنعه شاعر من القدماء والمحدثين [الكامل]:[16]

 صِفةُ الطُّلُولِ بلاغةُ الفَدْمِ[17]         فاجْعلْ صِفاتِكَ لاِبنةِ الكَرْم

    هذا فيما يتعلق ببعض آراء القدامى في مقدمة القصيدة .

 أما فيما يتعلق بآراء المحدثين، فنذكرـ على سبيل المثال لا الحصرـ رأيَ المستشرق فالتر براونة (WalterBraouna) الذي نظر إلى رأي ابن قتيبة السابق، مستغربا مما ذهب إليه، فردَّ عليه مُخَطِّئاً، ومبررا كلامه فيقول: ((الشاعرعضو في المجتمع البدوي مشترك في حياة عرب الجزيرة وبيئتهم، ومن المفهوم أن كل ما يسوقه وصفا للناقة والصحراء، ومن فخر بالقبيلة، وهجاء للعدو، جدير بجذب مجتمعه. فما الذي يلزمه بطلب الإصغاء وما الذي يوجب عليه الأبيات الغريبة؟ أَلِزامٌ عليه أن يميل أهله بمقدمة لوصفه، مع أنه متأكد أن وصف البداوة يعجب أصحاب الحيّ ؟)).[18]

 أما الناقد العربي عز الدين إسماعيل، فيذهب مذهب المستشرق، ويرى ـ هو الآخر ـ رأي ابن قتيبة غيرَ صحيح، أو غيرَ كافٍ ـ على الأقل ـ معللا ذلك بأن فهمه كان متجها نحو المتلقين وأسماعهم فحسب.

 فالاختلاف ـ إذا ـ بين النقاد القدامى والمحدثين، كان أساسه أن الفريق الأول يراعي حال المتلقي ( الممدوح؛ لأن المعايير وُضعت تحديدا وفق قصيدة المدح) .

 وأما الفريق الثاني (المحدثون) فيرى أن القصيدة ترجمان ما في نفسية الشاعر؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت يشع بأدنى اطمئنان إزاء الحياة (( وعلى الرغم من اختلاف القدماء في بعض الجزئيات، فإنهم متفقون على أن المقدمة يجب أن تراعي حال المتلقي أو الممدوح في كل الحالات.ولكن بعض المتأخرين أو المعاصرين يرفضون هذا التفسير  بدعوى أن مقدمة القصيدة هي التي تمثل العنصر الذاتي للشاعر...)).[19]

 وأيًّا ما كان الكلام في مقدمات القصيدة العربية، فإن اتجاهاتِها تطورت بحسب الموضوعات، وتعددت على مَرِّ الأزمان، فإلى جانب المقدمتين؛ الطللية والغزلية، اللتين دار حولهما الحديث السابق، نجد في هذه القصيدة العربية  مقدمةَ الظعن، الشيب والشباب المقدمة الخمرية، الفروسية، وصف الطيف، ومقدمة وصف الطبيعة. صنفها الدارسون إلى مقدمات أساسية وأخرى ثانوية.

 وبالنظر إلى مقدمات ابن الأبار نجدها طويلة ـ وهي الغالبة ـ ومتوسطة الطول في حالتها الوسطى، وقصيرته في القليل النادر. كما تنوعت بين المقدمات الغزلية، التي تربعت على باقي الأنواع بخمسٍ وعشرين مقدمة، استُهِلَّت بها قصائد المدح . ولم يكن هذا الأمر خاصا بِشاعرنا فحسب بل كانت ظاهرة شائعة في أشعار الأندلسيين بصفة عامة.

 إلا أن اللافت للانتباه أن هذه المقدمة الغزلية في شعر ابن الأبار، كانت في حالات غير قلية ممزوجة بأدوات الحرب وذكر الدماء والقتلى .

    كما نعثر في شعر ابن الأبار على مقدماتٍ أخرى، ولكنها وردت قليلة؛ من مثل مقدمة في الشكوى من الدهر والأيام، والمقدمة الطللية، والمقدمة الخمرية، والمقدمة البحرية والمقدمة الحماسية .

    وفيما يلي عرض لهذه المقدمات المذكورة :

 أ ـ المقدمة  الغزلية :

 سارت المقدمة الغزلية ـ وهي من المقدمات الأساسية في الشعر العربي ـ عند ابن الأبار  وفق ما رسمه ابن قتيبة ، وألزم به الشعراء ، حين يقول في مناسبة النسب للمدح:

 (( ...ثُمَّ وصل ذلك بالنسيب  فشكا شدة الوجد وأَلَم الفراق وفرط الصبابة والشوق لِيُمِيلَ نحوه القلوب ويصرف إليه الوجوه ولِيستدعي به أصغاءَ الأسماع إليه لأن التشبيب قريب من النفوس ، لائط بالقلوب لِمَا قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل وإلف النساء فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب وضاربا فيه بسهم حلال أو حرام،...)).[20]

 والمقدمة التي بين أيدينا تمثل نموذجا في الطول والتنوع؛ فمن حيث الميزة الأولى فقد تضمنت ثلاثة وأربعين بيتا من مجموع أربعة وسبعين بيتا للقصيدة كلها. أما من جانب التنوع، فقد كانت ثريَّة، متعددة الموضوعات، وهذا الذي ساهم في طولها على حساب غرض المدح الرئيس، الذي لم يكن نصيبه سوى واحدٍ وثلاثين بيتا  .

 وأما هذه الموضوعات التي أطالت من هذه المقدمة المتميزة فيتصدرها الغزل بامرأة رمت بسهمها فلم تُخطِئْ قلبَ الشاعر، الذي هام من أجلها بِوَادٍ ينبت السدر والغضى، سُلُوًّا لِروضٍ ينبت الرند والسَّرْوَ، بيانا لشوق إلى موطنه، وحنينٍ إلى ملاعب الصبا،الذي افتقدها مذْ هاجر مُرغَما من قبل العدو، الذي سلبه بلده ،وسرق منه أيام شبابه ولحظات أنسه، فيقول الشاعر: [الطويل]:[21]

 أبِقْتُ لِصَحْوي مِن علاقتِها نشْوى     رَمَتْنِي بِسهْمِ اللَّحْظِ عَمْداً فَما أشْوَى

 وهِمْتُ بِوادٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ والغَضَـــى     سُــلُــوًّا لِروضٍ يُنْبِتُ الرَّنْدَا والسَّـــرْوَا

 إذَا لاعَـبَــتْ فـيـهِ الـمَــاءُ ظِــلالَــــــهُ     تَــبَـدَّتْ لآلــي الـــدَّوِّ فـيــهِـنَّ والــــــروا

 لَجَاجَــةُ مَنْ خَاضَ الصَّبَابةَ لُجَّـــةً      فَـخَـلَّــتْــهُ إلاّ مِــن تـبـاريـحِـه خِــلْـــــــوا

 وقد شبّب بأعرابية، تسكن الصحراء، كما يعود نسبُها إلى" مُضَر" وقبائل عربية أخرى؛ التي تَصِيفُ بها في" نَجْدٍ "، وتَشْتُو بها في "حُزْوَى ". هذه المرأة التي تسبي النفوس بلحاظها، وتقتل العُشّاق بغير سلاح، بما أوتيتْ من جمال فتّان يفوق الشمس في طلعتها والقمر في نوره، فتأسرُ القلوب وتسيطر على الجوارح .

 ثم ينتقل إلى ذكر الأطلال التي تذكّره بحب سُرقَ منه بعدما ظعنت المحبوبة، وإلى بعض المواطن العربية المعروفة (الخلصاء) التي أقفرتْ، والحادي الذي يمثل الرحلة، يزيده شجنا وأحزانا، ويثير في نفسه آلاما وأوجاعا:[الطويل]:[22]

 وعُــلِّــــقْــتُ أعـرابــيـةً دَارُهَـــا الــفَــــــــلاَ       تَـصـيـفُ على نَجْدٍ وتَشْتُو على حُزْوَى[23]

 مُــعَـــوَّدَةً سَـــبْـيَ الـنـفـوسِ وقَــتْـلَــهَــــا       وما عَـرَضَـتْ جـيـشًـا ولا عـرَفَـتْ غَــــزْواً

 خَــلاَ أنَّــها  مِــن أســرةٍ مُـــضّــريَّـــــــــةٍ       تَهَابُ الدَّيـاجِي صُبْحَ غـارتِها الشَّـعْـوَى

 إذا طَــلَـعَـتْ مِـن خِـدْرِهـا أو تَـلَـفَّــتَــــتْ       فَمَا القَمَرُ الأبْهَى ؟ وما الرَّشَأُ الأحْوى؟

 تُـطـيــعُ (شِـغَـافـا)تُ الـقـلـوبِ جُفونَها       كــأنَّ لَـهـا مُـلْــكًـا عــلـى مِــلْـكِـها يَـقْــــــوَى

 ظــلالاً لِــحَــاديــهــا ظَــعــائـنُ أسْـلَمَــتْ       بِـإرْشـادِهِ الـخَـلْـصَـاءَ واسْـتَـقْـبَـلَـتْ قــــوَّا[24]

 مـــرَرْتُ بِــأطـــلالِ الأحـــبَّــةِ بـــاكــيًـــــا       فَـدَهْــدَهَ مَـطْـلُـولُ الـدُّمـوعِ بـهـا الـمَــــرْوا[25]

 وقدْ كانَ أخْوَى النَّجْمُ واحْتَبَسَ الحَيَا       فَـشَـكْـواً لِـسَـيْـلٍ مـنـهُ يُـرْعِـبُ مَـنْ أخْــوَى[26]

 ومن المعاني ، التي احتوتها هذه المقدمة المطوّلة ذكر مطابقة الصبا مع الشيب، الذي يحن من خلالها إلى الأيام السعيدة التي كان يتمتع بها في بلنسية ، وذكر الحمامة النائحة على للحظات الخوالي ، فيتبادل معه الشدوَ بالشجوِ، فيزيده ذلك المنظر همّا  وكمَدا .

 كما لا ينسى وهو في لحظات بث النجوى، والشكوى من ألم فراق الأهل والوطن أن يفيق من صبوته، ويثوب إلى رشده، فيُبِين عن إقدامه في الحرب إذا سعرت، وجزعه من الفراق إذا حلَّ وأريدَ، فيجد الهجران أعذبَ، وهو أخطر من الموت، كما يجد السلوان أفظعَ، وهو ألذُّ من العسل. كما ذكر الأقوامَ في الحرب، وحمد الكرم والجود والسماح  للأيادي التي امتدت إليه وانتشلته من براثن الفقر والحاجة، وذلك تمهيدٌ للتخلص إلى مدح الأمير أبي زكريا الحفصي و وليِّ عهده أبي يحي في طالع سنة جديدة، وبرجح محقق الديوان أنها كانت سنة640هـ أو641هـ فيقول في هذه الموضوعات كلها: [الطويل]:[27]

قدَرْتُ الصِّبَافيهامع الشيبِ قدْرَهُ
 

  ويَا رُبَّ عَمْدٍ في السُّجودِ تَلاَ السَّهْوا
  

ومِـمَّا شّجَانِي ساجِعٌ فوقَ سَرْحِهِ
 

  أَطَلَّتْ إلى ألْحانِهِ في الدُّجَى صَـغْوا
  

يُراجِعُني تحتَ الظَّـلامِ مُــراجِعًا
 

 فَـيُسْمِعُنِي شَدْوًا وأُسْمِعُهُ شَجْـوا
  

وإنِّي لَمِــقْدَامٌ إذا الحربُ سَعَّرتْ
 

 لَظَاهَا ومِجْـزَاعٌ مِنَ البَيْنِ إذْ يُنْوَى
  

فأسْتَعْذِبُ الهِجْرانَ أدْهَى مِن الرَّدَى
 

 وأَسْتَفْظِعُ السُّلْوانَ أَشْهَى مِن السَّلْوى
  

حبيبٌ إلى اللَّومِ فيمَــنْ أُحبُّـه
 

لِيمْتازَ صِدقُ العشقِ فيه مِنَ الدَّعْـوى
  

و حَتْمٌ عليَّ الحمدُ لِلجُودِ والنَّـدى
 

 فما زالَ يَغْذُونِي الرِّضى  بهِما  غَـذْوا
  

أيَـادٍ كَفَتْ  ما أتَّـقِي واكِـفاتُها
 

 فَلاَ أرْتَضِي حَــدَّ الثناءِ لـها كُفْوا
  

وكـم بدْرةٍ بَادَرَتْ بِالغِنَى يَـدِي
 

 إلى إمَّةٍ   قَدْ يَمَّمَتْ كَنَـفِي  مَـثْوى
  

رغائبُ يُسْـديها السَّماحُ غوائبٌ
 

أَكلَّتْ جيَّادَ الشِّعرِ إذْ رَحُبَتْ شَّـأْوا
  

وَقَـتْنِي مِن شَكْوى الزَّمانِ وذَمِّهِ
 

 فمَا لِي غير العَجْزِ عن شُكرِها شكْوى
  

   ومن المقدمات الغزلية الممزوجة بأدوات الحرب، نقف على مقدمتين؛ فالأولى بلغ عدد أبياتها خمسة وثلاثين بيتا من مجموع سبعة وأربعين بيتا ،شكلت القصيدة، التي بُتِرَ منها جزءٌ  كان عبد السلام الهراس ـ محقق الديوان ـ قد أشار إلى ذلك .[28]

 وقد كان للشاعر قصائد في المدح، يستهلها بمقدمات ممزوجة بأدوات الحرب  يوظف فيها لغة المعركة وألفاظالقتال من مثل : ( السيوف، البيض، أقتل، صرعاها، يصرع الدعس  الهبر ) .

 ولم تكن هذه المرة الوحيدة التي يتحدث فيها الشاعر عن عنصر القوة، ولاسيما أمام المرجوِّ استغلال قوته ومكانته بين العرب، وإنما تكرر هذا الصنيع؛ لأن ابن الأبار يؤمن بأن القوة هي الحل، والسبيل الذي يرضخ به الأعداء النصارى؛ وحديثه المكرور عن هذا العنصر إنما يؤكد أنه مفقود عند الأندلسيين، ولو كان عندهم ما تشرذموا بين البلاد العربية ( تونس، المغرب والجزائر) تحديدا. فالقوة عند الشاعر استحالت معادلة يستعصي حلها لذا نجده في كل مرة يطرح فكرة القوة. وكثيرا ما كان ابن الأبار يقارن أدوات الحرب الفتاكة التي يطعن بها الأسود الكواسر، وبين ألحاظ المرأة التي تقتل بال سلاح، وتسبي القلوب ولا تشفي الجراح ومازج بين دماء القتلى  وبين خضاب الأوانس  فاللون واحد والنتيجة واحدة إلا أن الأدواتِ مختلفة ، ولكن القتيل واحد أيضا .

     ويقول :[الطويل]:[29]*   

 تُهابُ السُّيوفُ البِيضُ والأُسلُ السُّمْرُ     وأَقْـــتُـــلُ مــنـهـــنَّ الـغـلائـلُ والـخـــمْـــــــرُ

 أَمـــا تـلـكَ صَـرْعَـاهــا تَــعِــــزُّ نَــجــاتُــها     وكمْ قد نَجَا مَنْ يَصْرَعُ الدَّعْسُ والهَبْرُ[30]

 بـــها فَــتَــنَ الألــبــابَ حُــسْــنُ منَـــاظِــرٍ     لـهـا طُــرَرُ سُــحْــمٌ [31]لـهـا غـرَرٌ زُهْـــــرُ

 ولـيـنُ قٌــدُودٍ يُــوجــدُ الــنَّــوْر والــجَـنــى     لـديـهـا ولـكــنْ يُـعْــدَمُ العَـطـفُ والهَـصْرُ

 بـكَــتْ لـِبُـكــائيِ الـمـــالـكــيَّــةُ فَـالْـتَـقَــــى     بِـحُـكـمِ الـنَّـوى الـيـاقُــوتُ أحمـَرَ والــــدُّرُّ

 ومــا زَوَّدَتْــنِــي غـيـرَ إيـمَـــاءَةٍ  كَــفـتْ     وحَــسْـبِــيَ عُـــرْفٌ لا يـقـابـــلـهُ نُــــكْـــــــــرُ

 ....................................     ......................................

 حـــيــاتِــي هَــجْــرٌ كــلُّـهــا وقَــطـيـعـــــــةٌ     أَمَا آنَ أنْ تَــفْــنَــى الـقــطـــيـعـةُ والهَـجْــرُ

 وبعد هذا الاستهلال الغزلي، ينتقل الشاعر إلى الفخر بقومه " قضاعة "، الذين يعودون إلى أصل اليمن، والتي تربطهم ببني عدنان رابطة الحلف والصهر، مشيدا بكرم هذا الأصل الرفيع ذي المجد الغالي، وبشجاعة أبطاله وتضحيتهم وبسخاء أيديهم سمو أخلاقهم عزّهم في الجاهلية والإسلام ... إلى أن  يخلص إلى يحي المرتضى، الذي لو أنهم أُخِّرُوا ليخدموه لكان ذلك فخرا وذكرا ،يُضاف إلى مفاخرهم :            

 فَـخَرْتُ بِقُرْبِ العِزِّ مِن حَضْرةِ العُلَى     ولولا مكانُ القُـرْبِ عَـزَّنِي الفَخْـــرُ

 فَـإنْ عُــدَّ بـيــتِـي فـي قُــضاعــةَ أوّلاً     فَمَـنْ عُـدَّ مَولاها هو الماجِدُ الحُرُّ

 عــلـى أنّـهـا جُــرثُــومـةُ اليَمَـنِ التــي     لها في بني عدنانَ الحِلفُ والصّـهرُ

 لـقــد كَـرُمَـتْ فـي حـالـتـيــها مَـغارِساً     فَطالَ وكابَ النَّجْلُ ما شَاءَ والنَّجْـــرُ

 ..................................     ....................................

 ولوْ أنَّ يحيَ المرتضَى اُنْـسِئُوا مـعاً    لِـخـدمـتِـه لـمْ يُـنْـسَ يــومـا لـهــم ذِكْـرُ

 أما القصيدة الثانية فقد وردت  فيها مقدمة غزلية أخرى في عشرين بيتا، مستمدة صورها من الاقتتال لنيل الأحبة  ذكر فيها أدوات الحرب؛ منها المضارب، الرماح البيض الصفاح، الأسنة، والظبى، وشُبهت الأحبة بالأهلة والكواكب، وإسراع الخيول  بالظباء والأسود.

 وما أبدع التقسيم والمقابلة في البيت الثالث، الذي جعل فيه الموت بين الأوانس يعادل ويساوي الموت بين الفوارس؛ فالأوليات بألحاظهن يقتلن الرجال عندما يتطلعْن بأعناقهن ويتطاولن بها، والآخرون يسيلون الدماء بالسيوف والرماح، فاستوى لون الدماء والخضاب، يقول الشاعر : [الكامل]:[32]

أهْــلاً بهِنَّ أهِلَّـةً وكواكِبً
 

زَحَفَتْ هلالٌ دونَهُنَّ مواكباً
  

تَخدِي الرَّكائبُ والسَّلاهِبُ حولها
 

تُرْدِي كأسْطارِ الكتاب كتائبا
  

فَالمــوتُ بينَ أوَانِسٍ وفـوارسٍ
 

جَارُوا علَيَّ أعـاديًّ وحبائبا
  

هُنَّ الظِّبـاءُ العـاطياتُ سـوالفا
 

وهم الأسودُ الضارياتُ مَخالِبا
  

جـعَلُوا الدِّماءَ خَلوفَهم وخِضابَهم
 

مُـسْتأْصِلِينَ مُسالِماً ومُحاربا
  

..................................

..............................

وبعد أن يسترسل الشاعر في تشبيبه بهؤلاء الظباء، اللائي ملكن عنه قلبه، وأسرْن فؤاده فصرْنَ أمنيته الوحيدة ،ليجد في الأخير مبرر الهيام بالنواعم، شأنه في ذلك شأن التعلق بالرماح، والتسويغ للخائض من أجلهن غمار المعركة مُطاعنا ومُضاربا، بعد أن جعلت منه العامرية يلقى الأسنة كيفما شاء، فتارة في ميدان الحب يلهو، وأخرى في ساح المعركة يقاتل دون استراحة :

مَنْ رَاحَ بِالبِيضِ النَّــواعمِ هائمًا
 

لمْ يَغْدُ لِلسُّـمْرِ الذَّوابلِ  عائبا
  

والصَّبُّ مِنْ خَاضَ الأسِنّةَ والظُّبِى
 

نحـو الظِّباءِ مُـطاعِنًا ومُضاربا
  

..................................
 

...................................
  

قـد صَـيَّرَتْنِي العامريَّـةُ عامراً
 

ألْقَى الأسنَّةَ كيفَ شِئتُ مُلاعبا
  

أَمَّا الهوى فَأخُو الوَغى لمْ استرح
 

مِنْ ذَا لِذاكَ (مُراوحا) ومُناوِبـا
  

وأما القصيدة الأخرى، التي نظَمها الشاعر على منوال السابقة فقد كان عدد أبياتها سبعةً وسبعين، كان للمقدمة منها ستة وعشرون بيتا؛ أي ما يعادل ثلث القصيدة . 

استهلها كعادته بالحديث عن محبوبته، التي صارت تنكر عليه كل شيء، حتى وإن كان ضحية حبها، والافتتان بها. فلم يعد الشاعر يلقى عندها إلا الصّدّ والهجران، وما علمت أنها بنأيها المتعمد تزيد في آلامه، وتنغص عليه حياته، التي لا يتصورها بعيدة عنه يقول الشاعر: [الطويل]:[33]                   

أَتَجْحَدُ قَتْلِي رَبَّةُ الشَّنْفِ والخِرْص       وذاكَ نَـجـيـعِـي فـي مُخَـضَّـبِـها الرَّخْصِ

 تَوَرَّسَ ما تَـعْــطُـو بهِ مَـن عَبـيطِـهِ       كمَا طَلَعَ السَّوسَانُ في صِبغَةِ الحُصِّ

 وتَـسْـفِـكُـهُ وهـو الـمُـحَـرَّمُ سَـفْـــكُـــهُ       حـلالاً كـأَنَّ الـظُّـلْـمَ لـيـسَ لـه مُــحْـــصِ

 أمَا عَلِمَتْ أنَّ القِـصَـاصَ أمـامَـها       فـكـيـفَ أراقَـتْـهُ علـى النَّـحْرِ والقََصِّ[34]

 .................................      ......................................

    ثم ينتقل إلى الإفصاح عن هذه المرأة، التي سلبت قلبه، وأسالت دمه، دون أن تعير أدنى اهتمام لما تفعل، وهي عربية أصيلة. ولقد تكرر عند الشاعر الاعتداد بالعربيات. ولعل ذلك يوحي بأنه يفضلهن عن غيرهن، إقرارا لعروبته، التي ستحضر حتما في مقابل النصارى الذين حرموه من كل متعة، كان يتمتع بها. وفي هذا كله حنين إلى الوطن وشوق كبير يتأجج في صدره. ولعل الحنين إلى أيام السعادة لم يكن ابن الأبار يعبّر عنها من خلال بلنسية فحسب وإنما كانت عنده " نجد " و" حمص النعامى" من المواطن التي يشتاق إليها ويدعو لها ـ على عادة العربـ بالسقيا، متمنيا أن يطير إليها ولكن هيهات ! لأن جناحه قُصَّ  وحلَّ البين مكان القرب، فصارت أيامه سودا في البادية  بعدما كانت بيضا في حمص.وفي ذلك إشارة صريحة إلى انتمائه العربي، الذي يفخر به بخاصة وهو المهجَّر عنوة من قبل النصارى الذين احتلوا بلاده. فهو لا يزال متمسكا بحبل العروبة، الذي يأمل أن يجد قوته يستعيد متانته على يد الأمير أبي زكريا حلمه وحلم الأندلسيين من ورائه في تخليصهم من ربقة هذا العدو الظالم : 

 شَــمـائـلُ أعـرابـيـةٌ فــي اعْـتياصِها          أَمْطَنَ عن الحُبِّ ( المُبَرِّحِ) والمَـَحْـــص[35]

 سَقىَ اللهُ دارَ الـمُـزْنِ داراً قَـصيَّـةً         عـلى الـشَّـدِّ والـتـقـريـبِ والـوخْــد والنَّـصِّ[36]

 يَـسَـائـِلُ عـن نـجـدٍ صَـبَـاها مُعاشـرٌ         وأَسْألُ عن حِمْصَ النَّعامَى[37]وأَسْتَقْصِي

 ولوْ كـنْـتُ مَوفـورَ الجَناحِ لَطارَ بِي         إلـيـهـا ولـكـنْ  حَـصَّــهُ الـبَـيْــــنُ بِـالـقَـــصِّ

 فَـشَــتَّـانَ ما أيَّـامـيَ الـسُّـودُ أَوْجُـهـا         بِحِسْمَى[38]وما ليْلاتيَ البِيضُ في حِمصِ

 بِحـيـثُ أَلِـفْـتُ الـوُرْقَ لِلشَّدْوِ تَـنْبِري         عـلى نـهـرِها والقُـضْـبُ تَـهــتَاجُ لِلـرَّقْــــصِ

 وفي يَـدِي تـشْـبِـيـبـي قـيادُ شَـبِـيبَـتي         وخِـلِّي وحِـلْمِي مُـسْـتَــقـيـدٌ و مُسْـتَـعْـصِـــي

 كِلانَا على أَقْصَى الهَوادة والهَـوىِ         فَــلا عَـذْلٌ يُـقْـصِـي ولا غَــزْلٌ يُــفْـصِـــــــــي[39]

 كما نظَم قصيدة أخرى طويلة في خمسة وستين بيتا، كان نصيبُ المقدمة الغزلية فيها ثُلُثَهايمدح فيها أبا زكريا ، ويصف رياضَ أبي فهر المشهورةوكانت هذه المقدمة خالصة في الغزل عبّر فيها ـ كما ألفناه ـ عن عذاب الهجر، وألم الفراق، مشبها إياها بالمهاة التي تفترس بلحاظها الأسود الكواسر، فيتعدد قتلاها، ولا دية تقدمها.

 ويظهر الشاعر في هذه الأبيات مغرما بها، معذبا بسببها، هائما في حبها، غيرَ صابر عنها  متعجبا من قساوتها في تركه يتألم ولا تلتفت إليه، ويئنّ ولا تشفيه ،ويقول:[مجزوء الوافر]:[40]

نَأَتْ ومَزارُها صّدَدُ
 

فهلْ لكَ بالمَعَادِ يَـدُ
  

مَهاةٌ مِن بني أسَـدٍ
 

فريسَةُ لَحْظِها الأسدُ
  

تَفُوتُ  العَدّ قَتْلاَها
 

ولاَ ديَّــةٌ ولا قَوَدُ
  

نَمَتْها الصّيدُ مِن مُضرَ
 

وفيها البيتُ والعَدَدُ
  

ورَبَّتْها القُصُورُ البيـ
 

ضُ لا العلْياءُ والسَّنَدُ
  

...................................
 

.......................................
  

أَتَاها أنَّـني وَصِبٌ
 

كمَا شاءَ الهوَى كَمِدُ
  

إذا ما النومُ نَعَّـمَها
 

يُعذِّبُنِي بها السُّـهُدُ
  

...................................
 

.......................................
  

أهيمُ بها ولا عَـذّلٌ
 

يُنَهْنِهُـنِي ولاَ فَـنَدُ
  

هَواهَا جَلَّ في خَلَدِي
 

فَيَا ما أُودِعَ  الخَلَـدُ
  

وصَبري بَانَ مُذْ بانَتْ
 

فَأنَّى الصَّبْرُ والجَلَــدُ
  

وكُنتُ أَصِيحُ:وَا كَبِدِي
 

وكيفَ؟وليسَ لِي كَبِدُ
  

وقالوا: قلبُهَا حَجَـرٌ
 

فقُلتُ  : وثَغْرُهـا بَردُ
  

مِنْ عَجَبٍ قَسَاوتُهـا
 

ومِلْءُ أَديـمهَا الغـَيَدُ
  

وقد عرفنا من خلال تتبع المقدمة الغزلية الأبَّاريَّة بأنها سارت وفق ما رسمها ابن قتيبة للشعراء. وهي من المقدمات الأساسية في الشعر العربي ـ عند ابن الأبار، الذي نجده يتشبّببأعرابية أصيلة، يعود نسبُها إلى " مُضَر " وقبائل عربية أخرى ، وتسكن الصحراء

كما ألفيناه في بعض قصائده يمزج هذه المقدمات بأدوات الحرب، كأن الشوق إلى المعارك بات يؤرّقه، ويطارده خياله ؛لأن هذه الحرب هي الوسيلة الوحيدة، التي تعيد إليه أيامه الحلوة في بلنسيته، وتسمح له بأن يلتقي من جديد مع أهله خلانه، الذين أبعدهم عنه العدو.

ب ـ مقدمة في الشكوى من الدهر والأيام :  

ومن المقدمات، التي اعتبرها النقاد ثانوية، نجد في ديوان الشاعر مقدمات في الشكوى من الدهر والأيام. ولم يكن هذا اللون حديثا، بل هو قديم قِدم الشعر العربي ينقل الصراع الدائم بينه وبين الإنسان، ينتهي في كل مرة بانهزام هذا المخلوق الضعيف لأن للدهر جبَروتاً لا يقاوَم ومفاجئاتٍ كثيرةً، غير منتظرة، يطل بها على البشر فيعكّر صفو حياتهم، تاركا آثارا دليل القوة والجبروت ؛من ظهور الشيب، وتقوّس الظهر ونحول الجسم وغيرها من علامات القهر والغلبة. 

وإن لم يتحوّل هذا الصراع الأزلي ( الإنسان والدهر والأيام ) إلى موقف فلسفي، كما نجده عند طرفة بن العبد ولبيد بن ربيعة، ولدى المتنبي والمعري إلا أن حضوره في الشعر الأندلسي بعمق فكرٍ وعميق تصورٍ كان له نصيبه.[41] 

وكان ابن الأبار الشاعر الموحدي قد شكا الدهر والأيام في أكثر من مناسبة، وقد تخللت هذه الشكوى أبيات الشاعر ؛منها هذه القصيدة، التي جعل الشكوى مقدمةً لها بمناسبة مدح أبي زكريا، واستعطافه أثناء غضبه عليه. تمنى من خلالها الموت على أن يبقى بعيدا على ما يقيم الأودَ والمحبة؛ لأن حاله لم يتغيّر؛ فيومه كأمسِه خيبةً، والأبواب في وجهه أبدا موصدةٌ بخاصة لمّا أغلق دونه باب الأمير، الذي كان مفتوحا على مصراعيه.  يقول الشاعر : [الرمل]:[42]

أسْرَفَ الدَّهرُ فهلاَّ قَصَدَا
 

ما عليهِ لوْ شَفَى برْحَ الصَّدَى
  

يَنْقَضِي يومِي كأمْسِي خيبةً
 

أبَدًا أَقْرَعُ بابًا مُوصَدا
  

طالَ قَدْحِي لأَمانٍ أُخْلِفَتْ
 

وعَناءٌ قدحُ زَنْدٍ صَلَدا
  

آهٍ منها نبْوةً مُذْ سَدِكَتْ
 

لم تُلَبِّثْ نافقاً أنْ كَسَدا
  

...................................
 

.....................................
  

كَمْ تمَنَّيْتُ الرَّدَى في عيشةٍ
 

ضَرَباً صارَ لها صُلْبُ الرّدى
  

لا أودُّ العُمرَ ألقاهُ إذَا
 

عَزَّ فيهِ ما يُقيمُ الأوَدا
  

.....................................

....................................

إلا أن  الشاعر يعود في آخر المقدمة، وقبل أن يشرع في مدح ممدوحه يُمنِّي نفسه بصلاح الحال، وأن الأمل يبقى دوما مرجوًّا، وثقته في الأمير وعفوه لا يمكن أن تتزعزع:

أنا جارُ البحْرِ إلا أنَّ لي
 

منه في حالِ الورودِ الثّمدا
  

وعلى ذلك يا نفسي فَلا
 

تَيْأَسِي إنَّ مع اليومِ غَدا
  

وتبقى الشكوى من الدهر والأيام عنوان أشعاره الكبيرَ؛ لأنه لم يهنأ تطلع إلى الحياة إلا بقليل حُلوها، أما باقي حياته، فقد قضاه في هم وغم كبيرين؛ من أهله تارة، الذين لم يستطع إقناعهم بتصرفاته، ومن الحكام الحفصيين، الذين يترصدون بمساعدة الوشاة والحاقدين له والحاسدين علمَه ونجاحاته خطواتِه أينما حلَّ وارتحلَ، فيبعدونه أحيانا ويهملونه أحايين حتى جعلوه يندم على التقرب إليهم، على الرغم من أنه لا ملجأ إلا إليهم، فكانت آلامه في ازدياد، وأحلامُه في ابتعاد.    

 ج ـ المقدمة الطللية :  

وفي قصيدة بلغت أبياتها سبعةً وسبعين في مدح أبي زكريا و وليّ عهده أبي يحي وأولاده الثلاثةالآخرين، وكان ذلك في بداية التحاقه بتونس، تضمنت المقدمة فيها واحدا وعشرين بيتا، استهلها بالوقوف على الأطلال على عادة الجاهليين[43]، نادبا الرسوم الدارسة والأماكن الآفلة، التي صارت مرتعا للنوق والجمال، متذكرا أيامه السعيدة التي لا يكدر صفوها شيء،  يقول الشاعر: [البسيط]:[44]

طَلَّتْ نجيعي [45] أطلاءٌ وأطلالُ      بِـحـيـثُ يُـعْـقَـدُ إحـرامٌ وإحــــــــلالُ

مَـنـازلُ كـانـتِ الأقـمـارُ تَنْـزلُها      بِالخِيفِ خَفَّتْ بهم نُوقٌ وأجمالُ

ثم يستطرد في وصف محبوبته، مشبها إياه بالثريا تارة وبالغزال تارة أخرى، ومحاسن جسمها؛ من قدها القويم وردفها ومعسول ريقها، ومعاناته من صدها، ويذكر كلام اللوّام والعذال، الذين يترصدون خطاه، ويتتبعون حركاته. وهو في كثير من مقدماته لا ينسى أن يذكر أدوات القتال الحربية بجنب أدوات الإغراء الجسدية، وما تتزين به فيقول:

والسيفُ والرُّمحُ لا أرجُو دفاعهُما     إذا تَمَرَّسَ بِي قُلْبٌ وخَلْخَالُ          

ومن خلال هذه القصيدة، ذات المقدمة الطللية الفريدة  يتبين مذهب الشاعر الفني تجاه هذا النوع من المقدمات ، الذي يقف منه موقف أبي نواس وغيره من الشعراء الذين طرحوا هذه المقدمة الطللية، فيقول ابن الأبار [الطويل]:[46]

أَشِدْ بِالقوافِي ذِكْرَ عَلْوةَ أوعلْيَا       و دَعْ لِلسَّوافِي دَارَ ميَّةَ بِالعلْيَا

وعملا بهذا المبدإ الأبّاري ـ ههنا ـ اكتفى الشاعر بهذه المقدمة الوحيدة، إلى جانب حديث عن الأطلال في مقدمة غزلية أخرى.[47] لعلّ ذلك كان من باب بيان المقدرة على التأليف والبدء بمثل هذه المقدمات لا غير .

واللافت للانتباه أن ظاهرة وصف الطلل قد كان لها حضورها المتميز في الطورين اللّذيْن سبقا طور الموحدين؛ أي عصري الطوائف والمرابطين، عند كل مِن ابن شُهيد وابن زيدون وأبي إسحاق الإلبيري وابن عمار وغيرهم .[48] وعلى الرغم من ذلك لم يكن ابن الأبار في هذه القضية امتدادا لِمَنْ سبقوه كما ألفنا أن نجد لدى الشعراء بشكل عام.

  د ـ المقدمة البحرية :

وتعد هذه المقدمة تطويرا لمقدمة الشعراء القدامى، التي كانت على متن الإبل في البرّإلى وصف الرحلة عبر السفن، على نحو ما وُجد عند بشار، وأبي الشيص ومسلم بنوأبي تمام، وغيرهم.[49]

كما أنشأ الشاعر عند التجائه إلى الحفصيين  ببجاية  في طريقه إلى تونس، وذلك أواخر سنة 636هـ. يمدح أبا يحي  وليّ عهد أبي زكريا، وأمير بجاية، مبتدئا بمقدمة، وصف فيها رحلته في واحدٍ وعشرين بيتا، ذكر من خلالها سمو غايته، الذي جعله يخوض غمار هذه الرحلة الشاقّة إلى الممدوح، مستهينا بذلك، مادامت المقاصد مشروعة، والغايات ضرورية متسلحا بالصبر، عازما على المضي قدُما، معتزلا رغد العيش ولذات الكرى جادا في مسعاه، لا تنثني له عزيمة، ولا يرده عن غايته سببٌ، طامح الهمّة، غيرَ مُبالٍ بالصعاب لافتا نظره إلى وطنٍ غادره مُكرَها، ثوى فيه العدو، فبدا المعروف منكرا وفتح الشرك فمه ليلتهمه، بعد أن احتل مكان الإيمان في الأندلس، فخلَق فيها أزماتٍ وانثنَتْ لأهلِهِ عزماتٌ لولا بشرى يستبشر بها بنجاحِه في سيره، وبلوغه مرادَهُ؛لأنه يكفيه بعد كل هذا العناء وصولُه إلى الأمير المرتَجَى عونُه وخدمتُه .

وقد أحسنَ الشاعر ههنا في ربطه بين هذه المقدمة، التي وصف فيها خروجه بحرا  فارًّا من العدو، وقد لاقى في ذلك الصعاب والأهوال، لائذا بالأمير المأمول منه المساعدة وتخفيف الوطء.

وهي القصيدة الوحيدة في الديوان، التي ابتدأت بمقدمة بحرية، وفي ذلك خروج عن تقاليد الشعراء القدامى، وتعد ابتكارا، يضاف إلى التحوير في أقسام بُنى القصيدة التي أشرنا إلى بعضها في بداية الحديث عن المقدمة بشكل عام، ولكن ليس ابن الأبار هو صاحبه : [الرمل]:[50]

عَبَرَ البحْرَ يَؤُمُّ الأبحُرا
 

آمِنًا في وردِهِ أنْ يُصْدِرا
  

وامْتَطَى اللُّجَّةَ  خَضْراء بمَا
 

أَلِفَ العيشَ لديهِم أخْضَرا
  

خاضَ صَدْرَ الهَولِ جَهْمًا عابسا
 

يَنْتَحِيهُمْ ضاحِكًا مُسْتَبْشِرا
  

وسَمَا لِلغايَةِ القُصْوى على
 

خَطَرٍ أَحْرَزَ عنه الأخْطَرا
  

..................................
 

.................................
  

فَلَهُ البُشرى بِمَرْمَاهُ الذي
 

أَنْجَحَ السَّيْرَ عليهِ والسرى
  

و بِمَرْقَاهُ إلى مرتبَةٍ
 

هَوَتِ الأنجُُ عنها مظهرا
  

وبالمقدمة البحرية أراد ابن الأبار أن يخرج قليلا على قانون القدامى، الذين كانوا يرحلون إلى ممدوحيهم عبر الإبل، واختار أن تكون السفينة هي وسيلته إلى الحفصيين لأنهم كانوا الأقوى آنئذٍ، والأكثر مدًّا للعون والمساعدة لغيرهم من المسلمين، بفضل تأييد المدن العربية الأخرى لهم، واصفا هذه الرحلة البحرية الشاقة، التي ساقته إلى أبي زكريا ليستعطفه ويستنجد به لنصرة الإسلام في أرضه والمسلمين بعامة . وقد كانت هذه القصيدة الوحيدة ،التي قدم لها بمقدمة بحرية .

 وقبل أن يتخلص ابن الأبار إلى ممدوحه يقتطع أبياتا قليلة، لكنها في الحقيقة تلخص معاني كثيرة؛ تحمل أمارات الحاضر، الذي آلتْ إليه الأندلس بعامة، وبلنسية؛ مرتعِ صباه بخاصّة نذكر من ذلك ثلاثة أبيات كانت أصدقَ تعبير لِلآمِنِ المرحَّل والكافر المسيطر، الذي يفغَر فاهُ ليلتهم وطنًا غيرَ وطنِه، ويسلب أرضا لا حق له فيها، وليتَهُ كان كلبا كُلَّمَا عوى أُلْقِمَ حَجَراً : [الرمل]:[51]

 ضاربا في هذا الخطاب على الوتر الديني (الإيمان والشرك) ليحرك قريحة المستنجد به . وملونا صوره البديعة بالمطابقة المناسبة( راح وغدا ، مَنْ آمن ومن كفر، راحلا ويحتلها ،..)

 وما لهذه الطباقات من مفارقات دلالية، تبين بوضوح أن الأمر جلَلٌ، ولا يحتمل التأخر وأن القضية لم تعد قضية احتلل عادية لمدينة إسلامية، أو من قوي لِضعيفٍ، بل قضية صليبية، لا بد أن ينظر إليها من منظار الدين (الأمانة ) وضرورة الحفاظ عليه من طرف الجميع لاسيما إذا كان في يد أحدهم إمكانية ذلك ؟ !!.

 ولعلّ النمط الذي وجدناه لدىشعراء الموحدين؛ ونخص بالذكر هنا أبيات ابن الأبار فقد كان هذا الهيكل لقصيدة سادت حقبة من الزمن، وظلت تكرر صورتها، إلى أنْ وصل إليه (النمط).

 غير أن هذا لا يعني انغماسه الكلي فيه، فلقد سجّلنا من خلال تتبعنا لقصائد الشاعر، أنه قد مالَ بعض الشيء عن هذا التقليد، غيرَ حافلٍ بالمنحى الفني السائد والمألوف، وصار يسمح لنفسه بأن يخرج عن ذلك؛ وما القصيدة، التي قدّم لها بمقدمة بحرية ـ إلا دليل على ما ذهبنا إليه، فهو لم يغرم بوصف السفينة، كما فعل الجاهلي مع ناقته، ولم يسترسل في الكلام فيها . ولكنه قصدَ الغايةَ لا الوسيلة؛ لأنها ـ بالنسبة إليه أهمُّ ـ وتتمثل في الوصول بشتى الطرق إلى ممدوحه ،الذي يسارع إلى لقائه مسارعة اللهفان،لا لأجل كسب ودّ، يتهافت عليه غيرُه، وكان له أن يستغل الموقف ويفعل ذلك، وينال ما يريد  ويحظى وحدَه بما ينشده كل طامع ومنتهزٍ، ولكنه أبَى ألاَّ يقع في مثل هذا (الشَّرَك) المُغري؛لأنه ببساطة رَجُلُ دولةومُوفَدٌ مِن قِبلِ مسْؤولٍ عن دولة (ابن مردنيش)؛ حاكم بلنسية؛ ليحافظ عن دولة ويَحْفَظَ  لها مكانتها التي ضاعت أو كادت ـ آنَئذٍ ـ أن تضيع بين أيدي النصارى .

 فالتقليد الفني هنا (وصف الرحلة والراحلة (السفينة)، قد حدَّد له أبياتا قليلة ، صارت غير ضرورية؛ لأنها لم تكن مقصودة بذاتها؛ لأنها كانت الوسيلة، لا الغاية لا غيرَ. والثانية عنده وعند الأندلسيين المنتظرين أشرف وأغلى ،وأكثر قصداً من الأولى؛لأن المأمورية التي كُلِّفَ بها تُملي عليه حتى الإطار الفني، إلى جانب الإطار الموضوعاتي .

 ولا نبعد على المقدمة من الجانب الفني، التي  تضم في حناياها الرحلة، التي أحسسنا أننا لم نفِهَا حقَّها، بخاصة وأننا نتحدث عن أقسام القصيدة العربية؛ من المطلع إلى غاية الخاتمة.

 فالحقيقة ،التي تفرض نفسها ههنا، وهي أن" الرحلة " كعنصرٍ فني تقليدي دَأَبَ عليه الشعراء القدامى، وتناولوا أشكالها المختلفة، أردنا من خلالها أن نوضح لمّا كانت عند الجاهليين؛ فقد كانت وسيلتهم "الناقة "؛ يصفونها، ويحرصون على ذكر طائفة من النعوت كالصلابة،والامتلاء أو الضمور، والتحمل والشدة والسرعة .

   ويشيدون بها ؛ لأنها تحمل أمتعتهم وقلوبهم على هوادجها على السواء ؛ لذلك نجدهم يتتبعون خطواتها ؛خطو خطوة ،وقلوبهم تهتز لذلك دفقة دفقة ، وهي تقطع لمصيرها وعبر مسارها المسطّر صحراء شاسعة، واسعة ،يلفح وجوهَهُم حَرُّ شمسها ، وينير ظلامَ ليلِهم نُورُ قمرها .

   هذه صور لا نجدها في شعر ابن الأبار ؛لأن البيئة غير الأخرى ؛فراحلتُه سفينةُ الماء لا سفينة الصحراء، التيألِفَهَا : [الرمل]:[52]

 وامْتَطَى اللُّجَّةَ  الخضْرَاءَ بِمَا    أَلِفَ العيْشَ لدَيْهِمْ أخْضَرَا

 وإذا كان الشاعر الجاهلي يصف راحلته ( ناقتَه) باعتبارها جزءً لا يتجزّأُ  من كيانه  وصورة لا تنقطع عن حياته ،بحُكم حياته الرعوية ،التي تفرض عليه ـ دومًا ـ الانتقال من مكان إلى آخر، بحثا عن الماء والكلإ، وليس تصويرا تخييليًا، مجنحًا، وإنما رسمٌ لِصورةٍ عاشها مُذْ عرفها ( الناقة) فأَلِفَهَا وألِفَتْهُ ،ونشأتْ بينهما علاقة حميمة، لا يفرّق بينهما ظرفٌ إلا الموتُ؛ لأنها تمْثُلُ أمانَ عينيْه صباحَ مساءَ، وتحمل أوزارَه،آماله وآلامه وهودجَ حبيبته فصار حبُّه لِناقتِه من حبّه فتاته .

 أما الشاعر الأندلسيُّ ـ ابن الأبار ـ راحلته المائية  ـ كما أسْلفنا ـ وإنما يُعرضُ عن ذلك  ويسرد الأهوالَ ولخطوب التي لاقاها ـ باقتضاب ـ مقارنة سرد الجاهلي . ونظرا للمهمة التي خرج من أجلها فلا نجده في مقدمته البحرية بخاصة ،إلا أنه يتحدث عن أنَاهُ:(امتطى، خاضَ، سما، ياله معتزما، أظفره الصبرُ،جدَّ مجبولاً، منه، طامح الهمة، لا مقتصدا ولا مقتصرا، حالتيْه، طعِمَ الشهدَ، ذاقَ الصّبِرا، لا يبالي، ...)[53]

 وغيرها من الألفاظ الدالة على أنه كان المقصود بهذه الرحلة (الغاية) متناسيا الوسيلة، التي لولاها ما كان ليصل إلى هدفه المنشود، وغايته الأسمى ( أبي زكريا ) عكسَ ما كان يفعل الشاعر الجاهلي؛ الذي يفرد لِلناقة كلَّ الموضوع. وهذا فارق كبير بين الجاهلي وبين الأندلسي .

 هـ  ـ المقدمة الخمرية :

 لم تكن المقدمة الخمرية عند الشاعر تقليدا يدعو إليه، كما فعل بشار وأبو نواس وإنما هي عنده؛ لأجل الثورة عليها وتركها .

 وعلى الرغم من تأثر ابن الأبار بأبي نواس ـ وهذا ما سنعرض إليه لاحقا ،في الفصل الثاني ـ إلا أنهخالفه في مقدمته التجديدية، التي دعا إليه هو ومَنْ ناصَرَه . والدليل على ذلك أنها المقدمة الوحيدة التي تضمنها ديوانُه .

 وفيها يعرض إلى وصف مجلس الندامى، الذين تُدار عليهم الكؤوس، فينتشون . ولم يكن ذلك يُغري الشاعر ،ويجذبه إليه؛ لأنه مأخوذ بالعسل الأبيض، الذي يدمن عليه ويفضله.

 والمتأمل في حياة الشاعر، لا يجد في كل مراحلها حديثا عن مجالس الخمر، التي كانت تقام على ضفاف الأنهار، وفي قصور بعض الملوك. وبالمقابل كان يُعرف عنه تقواه وورعُه، الذي كان دليل قوة إيمانه، وهو الإمام الحافظ،المحدّث، والفقيه، والعالم والقاضي في بعض شؤون الناس، الذين يشتكونه مشكلاتهم، ويستفتونه أمور دينهم.

 يقول الشاعر : [البسيط]:[54]

 لا أعْصِرُ الخمرَ بلْ لا أغْرسُ العِنبَا     حَسْـبِي ثُـغُــورٌ تـُبـيحُ الظّلْمَ والشَّـنـبَا

 إذاَ تُـــدارُ عـلـى صــاحٍ  سُـلافـتُــهــــا      يـومًـا تَـهَـافَـتَ سُـكْـراً وانْتَـشَى طَـربا

 وظـلَّ يَـهْــزِجُ فـي أثــنـاءِ نـشْــوتــــــــــه      حـتَّـى كـأنَّ دَمَ العُـنْـقـودِ مـا شـــربـا

 قُـلْ لِلـنّـزيـفِ بـهـا: أَدْمــنْ عـلـى ثِقَةٍ      فلا َ جُناحَ على مَنْ أدْمَنَ الضـربا[55]

 وقبل أن يشرع في مدح الأمير أبي زكريا ـ وهو الغرض الرئيس ـ يردف المقدمة الخمرية بموضوع النسيب، يذكره في سياق وصف الرحلة إلى ممدوحه، عبر رحلة محبوبته (خولة )، التي لا نعلم إن كانت امرأة حقيقية أحبها الشاعر ،أم أنها رمز لامراة ـ أي امرأة ـ  فيصف رحلتها، وقد علّقت معها قلبه، فتأثر لذلك بدنُه، بعد أن أرادوا حجبها عنه ونسوا أن الشمس لا تُحجَب، فيقول مخاطبا أهلها، الذين حرموه منها وحجبوها عنه: 

ساروابه دون جسمي كيف صاحَبَهُم؟
 

ولا قَوامَ له إلاّ إذا اصْطُحِبَا

يا آلَ خَولةَ لا آلُو مَضاربَكم
 

حَوْما عليها رجاءَ الورد إذْ (عَذُ)بَا
  

وإنْ حَجَبْتُم عن الأنظارِ  هَودَجَها
 

فحاجِبُ الشمسِ لا يَخْفَى وإنْ حُجِبَا
  

ما ضَرَّكم لوْ قفَعْتُم من تعلُّقِها
 

بِأنْ يسُوقَ  (لها) المُهرية النُّجُبا
  

لَئِنْ بَخلْتُم بِنَزْرٍ ليسَ يَرْزَؤُكم
 

لَتَفْضَحُنَّ بِما تأتونه العَربا
  

وقد أحسن الشاعر في الربط بين هذه المقدمة، ذاتِ الموضوعيْن، وبين الموضوع الرئيس الذي جعله مدحا الأمير الحفصي حين يقول:

أَليسَ يُعْديكُم جُودُ الأميرِ على       قَاصٍ ودَانٍ بِما يسْتغرِقُ الطَّلَبَا

إن مقدمة الشاعر الخمرية، تندرج ضمن ما سبق وأن أشرنا إليه؛ وهو أن الحديث عنها ليس من باب التمسك بها، ولا الدعوة إليها، وإنما من أجل تركها وهجرها كما فعل مع المقدمة السالفة (الطللية). ومن هذا يتبين أن الشاعر،العالم ، الفقيه المحدّث والحافظ للقرآن الكريم منذ صغره يطرح فكرة المقدمة الخمرية تعففا على الرغم من تأثره بالداعي إليها (أبي نواس) .

والمتأمل في هذه المقدمة يجدها تفترق عن مقدمات غيره من الشعراء، الذين يسرفون في هذا الموضع في الحديث عن مجالس اللهو والأنس والعربدة، يصفون الخمر وعتقها  ولونها كؤوسها وساقيها أو ساقيتها وسلطانها وأثرها على شاربيها، الذين يُقْبِلون عليها لقتل الهموم ونفي الأحزان، وإحياء النشوة والسرور كما فعل ابن الرومي [56]، وأبو نواس وغيرهما.[57]

و ـ المقدمة الحماسية :

للشاعر ابن الأبار قصيدتان مشهورتان؛ هما الهمزية السينية. تدخل كلتاهما في باب الاستنفار لتخليص الأندلس .

فأما الأولى فهو لا يروي الأحداث بهدوء وحياد، وإنما يُسمِع صوته عاليا ،مُدويا ؛لأن بلاده الأندلس تئنُّ تحت وطأة العدو الغاشم ، فهو حامل مسؤولية وطن مشرّد، ومهمته تصب في قالب الفكر الحضاري العربي، والدفاع عن الحضارة العربية الإسلامية ضد الغزاة الصليبيين

فكانت النزعتان في شعره نزعتين : حكائية سردية ملحمية، يصف فيها المعارك ويرسم مأساة الوطن الأندلسي بشكل عام . ونزعة درامية حزينة، يعبّر بها عن شحنة عاطفية تتأجج في صدره، وتعتصر أنفاسه، دالة على أهمية الموضوع ،الذي لا يجوز لأي كان أن يتأخر عنه كواجبٍ عالقٍ في صدر كل مسلم يغار على دينه، ويبكي لحال أهل وطنه العربي الإسلامي الكبير. إلى أَنْ يصل إلى المستنجد به أبي زكريا فيجعله حامي الحِمى، والذائد عن الدين      ، مبشرا الأندلسيين بقرب الفرج ،الذي سيكون بمشيئة الله على يديه [الكامل]:[58]

بُشْرَى لأَندَلُسٍ تُحِبُّ لِقاءَهُ
 

ويُحبّ ُفي ذاتِ الإلَهِ لِقَاءَها
  

والشاعر في هذا الموقف يبين عن نهجه في الاستنفار، بأن يتَفَادى الغزل والنسيب في مثل هذه المواقف التي تقتضي من صاحبها أن يتوجه مباشرة إلى وصف الأساطيل والجيوش الجرّارة،التي يكون بناصيتها الفلاح والنجاح ..، وذلك عندما يقول [المديد]:[59]

دَعْ أساليبَ النّسيبِ و خُذْ
 

في أساطيرِ الأسَاطِيلِ
  

أخواتُ الخيلِ سابحةٌ
 

ذاتُ تَزْيِينٍ وتزْييلِ
  

وبنَاتُ الماءِ صائلَةٌ
 

كالأفاعِيِّ الأفاعيلِ
  

وأما في قصيدته السينية، التي كانت في الحققة التاريخية قد نظَمها الشاعر قبل الهمزية التي لم ينسبْها  " المقَّري " إلى أحد من الشعراء  ـ كما أشرنا  نقلا عنه في مناسبة سابقة  ـ فقد أنشأها بعد أن ركب السفينة وقصد أبا زكريا المنشود عونُه، والمرجوُّ مَدَدُهُ  وكان الحديث في بداية الأمر على الخيل والأسلحة والأسطول البحري، الذي سيشارك في المعركة التي يتمناها الشاعر المستنجد أن تكون الفاصلة بين الحق والباطل ،وبين المسلمين والكفار .

وكان الحديث حسب القصيدة التي بلغت أبياتها سبعة وستين بيتًا تتكون من مقدمة ممزوجة بالدعوة إلى إعداد خيول الله (الجهاد) ؛لأن ما وصل إليه أهالي الأندلس ومقدساتها والحيف الذي لحق بأهلها ، والفساد الذي استشْرى بأرضها  ، وبين إشارة واضحة أن المأمورية كانت على متن السفينة ، عندما يقول الشاعر [البسيط]:[60]  

وَافَتْكَ جاريَّةً بِالنُّجْحِ راجيّـَةً
 

مِنكَ الأميرَ الرِّضَىوالسّيّدَ النَّدِسَا
  

خَاضَتْ خُضَارَةَ يُعْلِيهاويُخْفضُها
 

عُبَابُهُ فتُعَانِي اللِّينَ والشِّرِسَا
  

ورُبَّمَا سَبَحَتْ والرِّيحُ عاتيَّةٌ
 

كمَا طَلَبْتَ بِأَقْصَى شده الفرسَا
  

كما أنشأ ابن الأبار قصيدة بمناسبة ولاية العهد لمحمد المستنصر، وكان ذلك في 12 من ذي الحجة سنة 646هـ في ثلاثة وعشرين بيتا ،كان نصيب المقدمة الحماسية فيها ثمانية أبيات قال فيها :

مِنْ كلِّ رقْراقِ الفِـ(رَنـْ)دِ كأنَّهُ
 

نِهْيُ إذاَ ماالغمْدُ عنهُ جُرِّدا
  

ومُثَقَّفِ ذَلِقِ السِّنَانِ تخالُهُ
 

في السّرْد يخرُقُ جانبيْهِ مُسّرّداَ
  

قسمَ الجبَابرةَ الذينَ تمَرَّدُوا
 

وتسَنَّمُوا صرْحَ الشقاقِ مُمَرَّدَا
  

أينَ ابنُ غانيةَ وأيْنَ غَنَاؤُهُ
 

لا مُلْحِدٌ إلاَّ وأصْبحَ مُلْحِدَا
  

وحكتْ أجادِلُ زُغْبَةَ زُغْبَ القَطَا
 

وغدَتْ رياحُ بني رياحٍ رُكَّدَا
  

زُهْرٌ مَنَاقِبُهُ أَبَتْ عَلْيَاهُ أنْ
 

تَلْقَاهُ إلاَّ وَاعِدًا أومُوعِدَا
  

لمْ أَرْضَ إلاَّ بِالنُّجُومِ منَزِلاً
 

لَمَّا حَدَا بِي لِلسَّعادَةِ مَا عَدَا
  

إِنِّي رَحَلْتُ إليهِ في طلَبِ العُلَى
 

لأَكونَ عَبْدًا في ذُرَاهُ سَيِّدَا
  

استهلها بوصف سيفٍ لا مثيلَ له، يشبه إذا ما جُرِّدَ مِن غمده بغدير، وبِمثقَّفٍ حادّ السنان قُضيَ به على كل جبَار، متعنّت ومتمرد، ضاربا المثل بابن غانية الذي كان بقومه مصدر قلق الموحدين، بفضل الخطورة التي كانوا يمثلونها ضدهم، فانبرى لهم أبو زكريا الحفصي وقضى على آخرهم سنة 631 هـ . ثم ينقل إلى مدح ممدوحه وليّ العهد ( المستنصر) رابطا بذلك مقدمته الحماسية بالغرض الرئيس المناسب لها .

وفيما يلي جدول بياني لنوع المقدمات في شعر ابن الأبار، وعدد القصائد وعدد أبياتها مع عدد أبيات مقدمة كل نوع :

نوع المقدمة

عدد القصائد

ع.أبيات القصيدة

ع. أبيات المقدمة

 الغرض الرئيس

المقدمة الغزلية

25 قصيدة

من:16 إلى:77بيتًا

من:12 إلى:42

مدح، وصف

م. الشكوى

04 قصائد

من:19 إلى:71بيتًا

من:06 إلى:29

مدح  ،رثاء ،استعطاف

المقدمة الطللية

واحدة

77 بيتًا

21 بيتا

مدح

المقدمة البحرية

واحدة

78 بيتًا

20 بيتا

مدح

المقدمة الخمرية

واحدة

45 بيتًا

15 بيتا

مدح            

المقدمة الحماسية

03 قصائد

من:23 إلى:90بيتًا

08 أبيات

استنفار، مدح

 والمتمعن في هذا الجدول، ومن خلال  النماذج القليلة ،التي اعتمدناها في الحديث عن مقدمات ابن الأبار المتنوعة يتبين لنا أن هذه المقدمات على اختلافها قد تنوعت بين الطول والقصر، كما أنها قد جمعت في حناياها قبل التخلص إلى غرض القصيدة الأساس معاني عديدةً؛ من مثل الجمع بين الطلل والرحلة والغزل ،إضافة إلى الشكوى من الدهر والأيام  وكذا وصف الطبيعة.

 كما أن الناظر إلى هذه المقدمات ـ أيضا ـ يجد الحظ الأوفر كان من نصيب المقدمة الغزلية، عمد إليه الشاعر تقليدا منه للشعراء القدامى، الذين اختطّ طريقَهم ابنُ قتيبة الدينوري (( ليُميل نحوه القلوب ، ويصرف إليه الوجوه،وليستدعيَ به أصغاءَ الأسماعِ إليه لأن التشبيب قرب من النفوس ،لائطٌ بالقلوب...)) [61] ، وكان ذلك مناسبا للغرض الرئيس الذي يتخلص إليه، والذي كان في الأغلب الأعم مدحًا ،إلى جانب قليل من الوصف اقتضته مناسبات معينة ؛كوصف رياض أي فهر البديعة، التي كانت محل فخار السلطان، وبصمة بستانيّ الحفصيين الخاصّة، بينما جاء في المرتبة الثانية مقدمة الشكوى من الدهر والأيام التي لم تُسْعِفه في حياته كلها، نلخّصها في ثلاثة أبيات له متفرقاتٍ ،إذ يقول في الأول [الوافر]:[62]     

أَبَيْنٌ وشَوْقٌ وارتياعُ؟
 

لَقَدُ حُمِّلْتُ ما لا يُسْتَطَاعُ
  

ويقول في الثاني [الوافر]:[63]

إلَى مَن ْأَشْتَكِي صُنْعَ اللّيالِي
 

بِنَا وتَفَرّقَ الحَيِّ الجَمِيعِ
  

ويقول في الثالث[الكامل]:[64]

لَوْ أنَّ ثَهْلاَنًا تَحَمَّلَ بَعْضَ مَا
 

حُمِّلْتُهُ خَرَّتْ ذُرَى ثَهْلاَنِ
  

كما يلاحظ ورود نسبة هاتين المقدمتين (الغزلية ومقدمة الشكوى ) عالية ،مقارنة بالمقدمات الأخرى؛ أي بنسبة 54.54%  و40.48 % على التوالي، هذا بحساب أعلى عدد أبيات كلتا المقدمتين . ويمكن تعليل ذلك بأن غلبة المقدمة الغزلية مردُّه إلى أن الشاعر كان يسير وفق ما رسمه الأقدمون ـ كما أسلفنا ـ محافظا في ذلك على نهجهم  دون الحيد عن سمتهم . بينما يُعْزَى كثرة ورود مقدمة الشكوى إلى أن ابن الأبار كان قد عانى في مرحلتي حياته       ( الأندلسية والإفريقية) معاناة شديدة، وبخاصة في تونس ،التي وجد فيها  ـ وهو الغريب الوافد عليهم ـ مالم يكن يتصور ـ وهو العالم والمتفوق وصاحب البأو والكبر ـ الذي جلب عليه سخطا شديدا، وتبرّما من طباعه كبيرا حتى مِن قِبلِ الذين استقدموه، فعاش الغربتين .

أما إذا انتقلنا إلى المقدمتين التاليتين ( الطللية والبحرية)، فأول ما يمكن تسجيله تقارُبُهُما في كل شيء؛ من حيث عددُ القصائد، الذي كان في كل منهما قصيدة فريدة ومن حيثُ عددُ أبياتهما، وعددُ أبيات مقدمتيْهما، انتهاءً  إلى الغرض، الذي كان مدحا لأبي زكريا و وليّ عهده . ويمكن تبرير هذه النسبة القليلة بأن المقدمة الطللية، كان إيرادُها من أجل الثورة عليها والدعوة إلى الابتعاد عنها، على الرغم من أن الشاعر ذاتَه كان قد تتبع خطوات ابن قتيبة في رسمه الذي اختطّه لشعراء قبلَه، وقد تبيّن ذلك جليًا في المقدمة الغزلية إلا أنه مع المقدمة الطللية خالف القاعدة وخرج عن المطلوب منه وممّن قبلَه.

ويمكن عزوُ هذا الخروج عن النمط المألوف إلى بيئة الأندلس المتحضرة قد فرضت عليه أن يعيش واقعا غير واقع شعراء البداوة ،يضاف إلى ذلك أن الظروف ،التي يحياها يوميا صرفته إلى ما هو أهم، فأراد أن يسهم في تخليص وطنه من ربقة العدو الجاثم على أرضه كما يمكن أن نتصور معه وهو الشاعر المسؤول عن قضية وطنية وقومية وإسلامية لا يريد أن يبكي طللاً ؛ لأنه متشوق إلى أن يعود إلى بلنسيته قبل أن تغدوَ كذلك (طللا) على الرغم من أننا نجده في قصيدتيْه الاستنفاريتين (السينية والهمزية ) قد أشار إلى ما آلت إليه بلاده  من محو معالم إسلامية، وتدنيس مقدسات دينية، وطغيان صوت النواقيس في الآذان على الأجراس، فأملُه في الرجوع إلى موطنه لم ينقطع مادام هناك أبو زكريا الحفصي يسمع صوتَه ويمده ووطنَه بالعون والمدد.

أما فيما يتعلق "بالمقدمة البحرية "، فقد كان شاعر ابن الأبار يصف واقعا عايشه يوم أُوفِدَ إلى السلطان الحفصي لطلب العون والمساعدة ،من أجل تخليص وطنه من ربقة العدو الجاثم على صدر أمته . ولم بكن في هذا الموقف مقلداكما فعل بعض الشعراء، وإنما كان ينقل عبر أبيات صورة حقيقية، وما كان بحاجة إزاء الوضع المزري   ، الذي يعشه أهله البلنسيون بخاصة ،والأندلسيون بعامة من جرّاء تسلط الأراغونيين ،الذين استقوَوا على الأهالي العُزّل ،سلبوهم كرامتهم وتعدوا على أعراضهم، واستباحوا كلَّ حلال عندهم.

فكانت الوفادة إلى السلطان الحفصي، الذي دانت له رقاب كثير البلدان عبر السفينة المباركة  بدل الناقة ،التي لم تكن موجودة . ولقد كان لابن رشيق القيرواني رأيٌ صريح لماّ تحدث عن ارتباط الشاعر ـ أي شاعر ـ ضمن القصيدة بوجود الناقة والفلاة  في حياته اليومية، فالأمر عنده عادٍ إذا ما كانت (الناقة والصحراء) موجودتين واقعًا، أما إذا لم يكن ذلك قائما، فذِكْرُه في القصيد غير جائز(( فالواجب اجتنابه ))[65] ، كما هو الحال في زمن ابن رشيق، الذي ذكَر بأنه لا يوجد في زمنه، وقد ذُكِر هذا الرأي لمّا مثّل بأبي الطيب المتنبي وتفضيله للخيل بدل الإبل . [66]

وإذا ما تناولنا " المقدمة الخمرية "، فإننا نجد للشاعر قصيدةً،  يبلغ عدد أبياتها خمسةً وأربعين بيتا، وردت في غرض المديح لأبي زكريا الحفصي، كان نصيبُ المقدمة فيها ثلثَها تماما، وكانت ممزوجة بالحديث عن فتاته؛ فاتِنَتِهِ، التي منعوها منه، وأبعدوها عنه حتى لا يراها، ناسين أن الشمس لا تخفيها الحُجُبُ.  ويحسن الربط ههنا  بين هذه المقدمة وبين الموضوع الرئيس(مدح السلطان) ،حينما يجعل بُخْلََ أهل حبيبته تعويضا له عن كرم ممدوحه الذي لا يبخل بمدّ يده إليه ليسعفه ويخفف عنهن مسترسلا ـ كما عوّدنا ـ في ذكر فضائل السلطان والإشادة بعظيم أخلاقه و جميل صنيعه مع الناس جميعا، متسلحا بقوة التدين وسطوة منه في الحق على السلاطين . ونجد الشاعر هنا قد أحسن الربط بين موضوعيْه بقدرٍ لا تكاد تميز بينهما .

وفيما يتعلق " بالمقدمة الحماسية " فإننا يمكن أن نقول إن هذا النوع لم يكن من المقدمات الغالبة في الشعر العربي بعامة إذا ما قورنت بباقي المقدمات؛ من مثل الطللية والغزلية ومقدمة الظعن . وهو الأمر ذاته، الذي وجدناه في القصيدة الأبَّاريَّة ،التي لم تُلْقِ بالاً بهذا النوع  ذلك أن مقدمة وحيدة يمكن أن نصنفها ضمن المقدمات الحماسية،التي استهلها بالحديث عن الفرند (السيف) المشبَّه  في تجريده بالنِّهْي ( الغدير ) وبالمثقّف (الرمح) الذي تقْسَمُ به هام الأعداء المتمردين، ممثلا في ذلك بابن غانية ومصيره، وكذا مصير بني غانية، الذي كانوا يشكلون خطرا على السلطان كبيرا.

وتكمن هذه الرابطة الحماسية بالموضوع (المدح) في أنّ الشاعراستطاع أن يجعل الكلام عن أدوات الحرب والبطش ،التي لا يمتلكها إلا أمثال السلطان الحفصي أبو زكريا ،هي التي جعلته يقول: [الكامل] :[67]

لَم ْأَرْضَ إلاَّ النُّجُومَ نَوازِلا

لّمَّا حّدَا بِي لِلسَّعادَةِ مَا حَدَا

إِنِّي رَحَلْتُ إليْهِ في طلبَ العُلىَ
 

أَكونَ عبْدًا في ذَرَاهُ سَيِّدَا
  

 

وإن الحديث ـ في الحقيقة ـ عن ربط المقدمات بموضوعاتها من أهم ما تطرق إليه النقاد الذين نجد الأخير منهم نقل أو استفاد من الأول ، استفادة،جعلوا الشواهد بينهم مكرورة باستثناء تفصيل بعضهم ، أو تلخيص آخر .

وهذا ما يعني أن سلطة نهج القصيدة الجاهلية قد رمى بثقله على كل الرؤى ـ تقريبا ـ لأن هم كل واحد منهم هو الحفاظ على حسن الاستهلال ، الذي يؤدي بدروه إلى الربط اللصيق بالموضوع الرئيس، الذي يكون إما مدحا أوهجاءً  أو فخرا أو غيرها من الموضوعات ، التي من أجلها نُظِمتِ القصيدةُ .ولسنا بحاجة ـ هنا ـ  أن نستعرض هذه الآراء ؛ لأننا كنا قد أشرنا إليها في مواضعها .[68]

كل النقاد يكاد يجمِعون على أن: أحسن الشعر ما كان منتظمَ الأجزاء؛ أي يُجمع أوله بآخره كما يجب أن تكون القصيدة كلاًًّ متكاملاً؛ ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها؛  نسجًا وفصاحة، وحسنَ ديباجةٍ، وجزالةَ ألفاظٍ.

نتائج البحث:

ومن النتائج ،التي خلصنا إليها في هذا البحث أن:

·   ابن الأبار انتهج  في مقدماته منهجيْن : منهج القدامى ؛ كما رسمه ابن قتيبة للشعراء ، مع التخفف في تناول  بعض أقسام هذه القصيدة ، ومنهج تملَّص فيه من بعض التقاليد ؛ كالتخفيف من النسيب في مواقف تستدعي ذلك؛كالاستنفار.

·      مقدماتِه وردت متنوعة طولا  ، وقصراً ، والطويلة أغلب .

·   المقدمات الغزلية كانت أكثر وأوفر ،استَهل فيها ـ غالبا ـ قصائد المدح ، إلا أن هذه المقدمات الغزلية ، كثيرا ما كانت ممزوجة  بأدوات الحرب .

·      من مذاهب الشاعر الفنية الثورة على المقدمة الطللية .

·   عدد أبيات مقدمات الشاعر ، قد تراوحت بين ثمانية أبيات واثنيْن وأربعين بيتا  موزعة على أغراض ؛ أهمها : المدح ،  الاستعطاف ،الاستنفار ،الوصف والرثاء.

·   تناول الشاعر لمقدمات قصائده كان بالترتيب : المقدمة الغزلية، تليها مقدمة الشكوى من الزمان والأيام ، فالمقدمة الطللية، فالبحرية ،ثم الخمرية ،وأخيرا الحماسية.

الإحالات والهوامش :

1.  حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء ،تقديم وتحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان ،ط2 ،1981 ، ص303 .

2.   ينظر: ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم، الشعر والشعراء، قدّم له: حسن تميم، وراجعه وأعدّ فهارسه:محمد عبد المنعم العريان، دار إحياء العلوم بيروت، لبنان ، ط2،1986 ، ص31 32 .

3.   ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، ص31 ـ 32 .

4.   ينظر: عدنان محمد غزال، ابن الأبار البلنسي ـ حياته وأدبه ـ جامعة دمشق، سوريا، أطروحة دكتوراه (مخطوط) ، 1997 ـ 1998 ، ص 463 .

5.   ابن الأبار، ديوان ابن الأبار، قراءة وتعليق عبد السلام الهراس،الدار التونسية للنشر ود.م.ج الجزائر، ط2  1956، ق 107 ،ص233 .

6.   ـ ابن الأبار ، ق 203 ، ص429 .

7.  أشرف محمود نجا ، قصيدة المديح في الأندلس ، قضاياها الموضوعية والفنية عصر الطوائف، دار الوفاء لدنيا  الطباعة والنشر ، مصر ، ط1 ،  2003 ص 134  .

8.   الجاحظ ، البيان والتبيين ، تحقيق : عبد السلام هارون ، طبع  مكتبة الخانجيبمصر ، ط2 ،1960،  4،/24.

9.   ينظر: عطوان، حسين، مقدمة القصيدة العربية في الشعر، الجاهلي، دار المعارف بمصر، د.ط ، 1970، من ص 71 إلى ص 107. 

10ـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص 31 ـ 32.

11ـ ابن رشيق القيرواني، أبو علي الحسن، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، الجزء الأول، تحقيق:عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية صيدا ـ بيروت ـ  ط1 ، 2001 ، 1/231.    

12ـ حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء ، ص 305.

 13ـ ابن الأثير، أبو الفتح، ضياء الدين نصر الله بم محمد، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحيقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، الباب الحلبي  القاهرة . د.ط ، 1939 ، 3/96 ـ 97.

 14ـ المتنبي ،  ديوان المتنبي ، دار بيروت للطباعة والنشر ، بيروت دط ، 1983  ، ص 302 .

 15ـ أبو نواس ، ديوان أبي نواس ، حقّقه وشرحه وفهرسه : سليم خليل قهوجي دار الجيل ، بيروت ، دط  ، 2003 ، ص 267 .

   16ـ  أبو نواس ، ديوان أبي نواس ، ص 790 .

 17ـ الفدْم : الأحمق ، العيّ عن الكلام في رخاوة وقلة فهم  . وقُرئت  اللفظة بالقافأي : (القدم ) .

 18ـ براونة ،فالتر ،(Walter Braouna)الوجودية في الجاهلية ( مقال)، مجلةالمعرفة السورية السنة الثانية العدد الرابع حزيران، 1963 ،ص156،161 .    

       نقلا عن:عطوان،حسين،مقدمةالقصيدة  العربية في   الشعر الجاهلي،ص217.                                                      

 19 ـ الربعي ، ابن سلامة ، تطور البناء الفني في القصيدة العربية ،دارالهدى عين مليلة،  الجزائر  ،د.ط ، 2006 ،  ص14.                                                                                                     

 20 ـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء، دار إحياء العلوم، بيروت، تقديم: حسن تميم مراجعة وإعداد: عبد المنعم العريان، ط3، 1986،ص 31 .

 21 ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق201 ، ص417 .

 22 ـ نفسه ، ق201 ، ص418  .

 2  حُزوى : موضع في ديار بني تميم  .

 24 ـ الخَلصاء :موضع بالدهناء. * قواء : قفراء .

 25 ـ دَهْدهَ : دحْرجَ . *  المروا   :حجارة بيض برّاقة.

 26 ـ شكوا : ما يٌشتَكى منه . * أخوى : جاعَ . 

 27  ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق201 ، ص419 .

 28 ـ ينظر :ابن الأبار ، الديوان ، ق 97 ، ص 218 .

 29 ـ نفسه ، ق67 ، ص215 . * هذه القصيدة مبتورة ، غير كاملة . فبقية الصفحة والصفحة  التي تليها  بياضٌ  .( ينظر : الديوان ، الحاشية 24 ، ص 218.) .

 3الدعس : الطعن بالرمح .  * الهبر : الضرب القاطع .

 31 ـ سُحْم : سوداء .

 32 ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق20  ، ص67 .

 33 ـ نفسه ، ق159 ، ص329 .

 34 ـ القصّ : الصدر .

 35 ـ المحص : الخالص  من العيب .

 36  ـ الوخد : نوع من السير . * النصّ:  أن تستخرج أقصى  السير من الناقة .    

 37 ـ النعامى: ريح الجنوب أو بينه وبين الصبا .  

 3حِسْمَى : أرض بالبادية، أو قبيلة جذام

 3يفصي : ينقطع .

 40ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق63  ، ص143 .

 41 ـ ينظر : محمد مجيد السعيد ، الشعر في عهد المرابطين والموحدين بالأندلس ص237 .

 42 ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق67  ، ص159 .

 43 ـ  سدكت : لزمت .

 44 ـ الثمدا : الماء القليل ، لا مادّ له .

 45 ـ هناك قصيدة أخرى ، فيها حديث عن الأطلال في مقدمة غزلية .( ينظر : ابن الأبار ، الديوان ، ق93 ، ص205) .

 46ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق 111 ، ص 243  .

 4طلَّت نجيعي : أهدرت دمي .

 48 ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق 203 ، ص 429 .

 49 ـ ينظر : ابن الأبار ، الديوان ، ق 93 ، ص 205 .

 50ـ ينظر : هدى شوت بهنام ، مقدمة القصيدة العربية في الشعر الأندلسي ، دراسة موضوعية فنية ، دار الشؤون الثقافية العامة ، آفاق عربية ، العراق ، ط 1. 2000 . ص 119 ، وما  بعدها .        

 51ـ ينظر: حسين عطوان ، مقدمة القصيدة العربية في العصر العباسي الأول ، دار  الجيل ، بيروت ، دط ، 1981 ،  ص 39، 42 .

 52ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق 85 ، ص 185 .

 53ـ نفسه ، ق 85 ، ص 186 .

 54ـ نفسه، ق 85، ص 185  .

 55  ـ ينظر: ابن الأبار ، الديوان ، ق 85، ص 185 ـ 186 .

 56 ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق 23، ص 73  .

 57  ـ الضرب : العسل الأبيض الغليظ .

 58. ينظر: ابن الرومي، ديوان ابن الرومي ،شرح :أحمد حسن بسج،منشورات دار الكتب العلمية، بيروت لبنان،ط3 ، 2002 ،ص 126.

 دَعِ الأجمالَ مُرْتَحِلَهْ    تخب بركبها عَجِلَهْ  [مجزوء  الوافر]

 59 .أبو نواس، ديوان أبي نواس، حقّقه وشرحه وفهرسه : سليم خليل قهوجي ، دار الجيل ، بيروت ،  دط 2003  ، ص 267 .

 كم بين ناعتِ خمرٍ في دساكرها   وبينَ بــاكٍ على نُؤَى ومُنتضِد  [البسيط]

 دَعْ ذَا وعدمتُكَ واشْربْها مُعتقةً   صفراءَ تغرقُ  بين الرّوح والجسَد

 60 ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق 1 ، ص 37 .

 61ـ نفسه، ق 107 ، ص 233 .

 62ـ نفسه ، ق 185 ، ص 399 .

 63ـ ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ،  ص31 .

 64 ـ ابن الأبار ، الديوان ، ق 170 ، ص 364 .

 65ـ نفسه ، ق 171 ، ص 365 .

 66ـ نفسه ، ق 158 ، ص327 .

 67ـ ابن رشيق ، العمدة ، 1/230 .

 68ـ ينظر : ابن رشيق ، العمدة ، 1/229 .

 69ـ ابن الأبار ،الديوان ، ق 70 ، ص 168 .

 70 ـ ينظر: ابن طباطبا العلوي، أبو الحسن محمد بن أحمد، عيار الشعر تحقيق:عبد..... لبنان  ، ط3 ، 2002 ، ص 126 .

 دَعِ الأجمالَ مُرْتَحِلَهْ    تخب بركبها عَجِلَهْ [مجزوء الوافر].


 

يَا لَسَاحاتٍ ثَوَاهُنَّ العِدَى
 

فَبَدَا الانعروفُ منها مُنْكَرَا
  

راحَ مَنْ آمَنَ عنهاَ راحِلاً
 

وغَدَا يَحْتَلُّهَا مَنْ كَفَرَا
  

فَغَرَ الشِّرْكُ عليْها فَمَهُ
 

ليْتَهُ أُلْقِمَ  فيهاَ الحَجَرَا