النثر في الشعر:

صور من التفاعل في تجربة محمود درويشpdf

محمد عبيد الله              

كلية الآداب والفنون/جامعة فيلادلفيا

المملكة الأردنية الهاشمية           

Abstract:

This paper tackles the importing of prose features into verse. For illustration, the paper refers to the late Palestinian poet Mahmoud Darwish, with applications on some of his poetry. Darwish has demonstrated his awareness of prose's positive elements, and he actually benefited from that resource by helping himself to those elements. One may notice this aspect in several of Darwish's verse collections, especially those issued after the mid-eighties of the twentieth century. The present research focuses on the narrative prose style as it figures in Darwish's elegies – he well tapped there the resources and features of prose narrative, as for instance the prose narrative's openness to actual reality and day-to-day events. Another feature of prose narrative that Darwish borrows is in having the active units of his poems as paragraphs rather than independent lines. One may refer for this to his collection Wardun Aqall: Less Flowers. The research takes up a particular feature: Darwish's endeavor to come close to prose rhythm, when he makes do with just one foot pattern 'fa'oolon' all through whole collections of poetry. As a conclusion, the paper finds that Darwish has sought to apply an aphorism put forth by al-Tawhidi in the twelfth century: "The best of styles is that which is prose most akin to verse and verse most akin to prose." However, the researcher will contend that this rule of al-Tawhidi's has remained an unconsummated aspiration with Darwish: his overruling poetic talent and spontaneous rhythm are the salient feature of his last poetry.

تميز محمود درويش (1942-2008) في مسيرته بذلك "القلق الرؤيوي والشعري" الذي لا يسمح له بالاطمئنان أو الاستقرار: "قلقي يلازمني، وهذه سمة حياتي، وقد سببت لي أمراض قلب دائمة"[1]. وهذه السمة ملازمة للشاعر الحقيقي الذي يظل في جدل وحوار مع رؤيته ومع تشكيله الشعري، ولا يستسلم للمعتاد والمألوف ليتمكن من الوفاء بمقاصد الشعر سواء في التعبير المتقدم عن التجربة التي يتمحور حولها القول الشعري، أو تلك المقاصد الجمالية التي تتصل بتجديد اللغة وتطويرها من داخلها، وكما يقول درويش "الفضل الأساسي للشعر على اللغة لدى كل الشعوب، هو أن الشعر يجدد حياة اللغة دائما...اللغة دائما بحاجة إلى إبداع يجدد حياتها ويحميها من إفراط الدلالات التي تتحول إلى نمط....هذه أول متطلبات الشعر وهو أن تعيد للغة حياة لم تكن موجودة سابقا، وأن تحميها من الشيخوخة والترهل"[2].

وقد تعددت الأساليب التجريبية التي لجأ إليها الشاعر في محاولته "تجديد اللغة" و"تجديد التجربة" ولكننا سنركز هنا على سمة واحدة تتمثل في كيفية الإفادة من طاقات "النثر" في تجديد "الشعر" وكيفية تحاورهما وتداخلهما في قصيدة محمود درويش. ودرويش –إلى جانب شهرته شاعرا- له تجربة نثرية مميزة في عدد من الكتب المعروفة[3]، وتشير تلك التجربة إلى اختبار درويش لإمكانات النثر، حتى لو كان متأثرا بالأسلوب والمنظور الشعري. كما أنها ممارسة مهمة من ناحية دلالتها على معرفة الشاعر لأدوات "النثر" وشدة تمييزه بين منطقتي "الشعر" و "النثر" حتى لو لم يأخذ هذا التمييز صيغة نظرية معلنة أو واضحة.

ودرويش شاعر إيقاعي متدفق متمكن، له خبرة عالية في "القصيدة الإنشادية" التي تستجيب للموسيقى ولرنين اللغة، وهو يعتقد دوما أن: ""لا شعر، لا شعر أبدا، بلا إيقاع".[4] كما يعترف بميوله الإيقاعية وبثروته الإيقاعية: "أعترف بثروتي الإيقاعية، ولكنني أكبحها لأنها تغنّي في موقف لا يتحمل الغناء"[5] . كما أنه يؤمن بتنظيم القصيدة بنائيا وانضباطها وإدارة العلاقات بين عناصرها إلى درجة المحافظة من هذا الجانب: "من حيث النظام أنا من المحافظين في هذا الموضوع، ولا تتشكل القصيدة خارج النظام، وإلا فإنها تصبح نصا مفتوحا عشوائيا لا ضوابط له، والنظام هو إدارة العلاقات بين عناصر النص الشعري، مثل: الاستعارة، الإيقاع، الصورة، الاقتباس، المرجعية...هذه العلاقات تحتاج لإدارة، وهذه الإدارة هي نظام"[6].

فأين يمكن أن نضع التجريب بالنثر ضمن تلك "المحافظة" وذلك "النظام"؟؟ الإشارات السابقة تضع حدا للتجريب وفق مفهوم درويش، وهو أن يظل ضمن نظام القصيدة وأن لا يخرج عن محددات الإيقاع، إنه تجريب لإغناء النظام، وتنويع الإيقاع، وليس للخروج عليهما، أو إهمالهما، إنه نوع من الزيارة المؤقتة لا الدائمة: "كما أن الشعر ولد من النثر فهو في حنين إلى زيارة أمه بين الحين والآخر، والنثر كذلك يطمح إلى أن يكون شعرا، حتى عند المتنبي، نعثر على أبيات، تركيبة جملته فيها ذات نزعة نثرية"[7]. فالأمر محكوم بأن يكون النثر محسوبا ضمن نظام القصيدة وضمن ما يسمح به حنين الشعر إلى أصله النثري، ولكنه لا يتحول إلى نثر ولا يستسلم للنثر، ولذلك نفهم محافظة درويش على "الوزن" ذلك العنصر الراسخ في الشعر العربي ورفضه أن يعترف بشعر خارج الوزن. وكأنه يقدم للشعراء تمرينات في كيفية الإفادة من النثر ومن طاقاته ضمن "الشعر" وبمعايير الشعر نفسه وليس بالاستسلام للنثر، ففي ذلك مخاطر يعرفها الشاعر وينبّه لها: "النثر أكثر اقترابا من نمط الحياة العصرية، ولكن الاستسلام لإيقاعه الإخباري السريع قد يدمر الشعرية"[8]. والحل الذي يقترحه هو الحل الشعري الذي قدمه في تجارب متعددة تقوم على الإفادة من طاقات النثر ولكن على أن يظل الشعر هو المتسيد المتحكّم: "لماذا لا تكون هناك مصالحة بين الخيارين؟ بين خيار الوزن والخيار الآخر هناك منطقة وسطى عمل عليها ت.س.إليوت"[9].

وإشارة درويش إلى المتنبي وت.س.إليوت تهمنا لأنها تكشف عن بعض المصادر النقدية والثقافية للشاعر، ومع إشارات أخرى من حواراته بمقدورنا الإطلالة على جوانب من ثقافته وطريقة تأمله في قضايا الشعر خارج القصيدة. وإذا ما دققنا في بعض ما ذهب إليه درويش فسنجد فيه أصداء لآراء إليوت، وعلى سبيل المثال فإن فكرة تجديد الشعر للغة ومحافظته على حياتها عبر عنها إليوت من قبل تعبيرا مشابها في قوله: "إن الشعر يستطيع إلى حد ما أن يحافظ على جمال لغة ما، بل يستطيع ..أن يساعدها على التطور، لتبلغ (حداً) من التهذيب والدقة في الظروف الأكثر تعقيدا، من أجل الأغراض المتغيرة في الحياة الحديثة"[10].

أما المنطقة الوسطى التي نسبها درويش لإليوت في سياق الإفادة من النثر في الشعر فيمكن تبينها في حديث إليوت عن تنوع المستويات وتباين الفقرات في القصيدة الواحدة، وأنها لا تسير على وتيرة واحدة: "إن تنافر الأصوات، بل تنافر الألحان لهما مكانهما، كما يجب أن يوجد تماما في القصيدة مهما يكن طولها مواقف انتقال بين الفقرات الأعظم والأدنى حدة، لإعطاء إيقاع يمثل الانفعال المتموج الذي هو أمر جوهري للبنية الموسيقية لمجمل القصيدة. وستكون الفقرات الأقل حدة نثرية بالقياس إلى المستوى الذي تحدث عليه القصيدة بمجملها أثرها. بحيث يمكن أن يقال بالمعنى المتضمن في ذلك السياق إنه ما من شاعر يستطيع أن يكتب قصيدة تأخذ مداها ما لم يكن أستاذا في النثر"[11].

وهذا بعض ما يفرق تجريب درويش عما ذهبت إليه قصيدة النثر العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، تلك القصيدة التي عاصر محمود درويش تجربة صعودها، وظل موقفه منها متشككا وأقرب إلى الغموض من الوضوح[12]، ولكنه وجد خيارا مختلفا للتفاعل معها، دون أن يخرج على نظامه وتحديداته الإيقاعية.

وقد يكون أول موقع لظهور القلق من الشعر والذهاب به نحو النثر ما ظهر في ديوانه: أحبك أو لا أحبك/1972، في القصائد المعنونة بـ "مزامير" وقد يكون هذا المذهب لونا من التجريب تحت تأثير صعود قصيدة النثر آنذاك، ومحاولة من الشاعر لاختبار قدرات النثر دون وزن، أو كتابة الشعر دون وزن، ولكن ذلك صعب مع شاعر متدفق بالموسيقى والإيقاع كدرويش، ولذلك يبدو تقييمه لتجربة المزامير أقرب إلى عدم الرضى، عندما سأله عنها حسين البرغوثي في حوار مجلة الشعراء (1999): "حاولت أن أستحضر فيها أبعاد التراث المزموري، وأقدم حنينا فلسطينيا في حواره مع حنين توراتي، وهذا يقتضي أن تتحاور مع نصوص موجودة هي المزامير، إذن، هناك مرجعية جاهزة، مهما تكن مصداقيتها التاريخية...وهذا اقتضى التشكيل بين القصيدة الغنائية والنثر، ليست كل التجربة نثرا، بل هي تشكيل، وبعد أن مرت سنوات على هذه التجربة لم أجد أنها نجحت، فكانت عبارة عن خواطر سجلت نثرا، وسط عمل شعري بالمعنى الإيقاعي....ولا أعتبرها محطة أساسية بل مرحلة تجريبية.....البحث عن شاعرية النثر هو شكل من أشكال البحث عن إيقاع الواقع، وضخ الأوزان الشعرية بمياه جديدة، ولا يمكن لأي شاعر مهما كان انحيازه لخياره الجمالي، النجاة من الحوار معه، أنا أتحاور مع النثر بطريقتي الخاصة"[13]. 

  وعندما نقرأ تلك القصائد/الخواطر نجدها أقرب إلى بعض نماذج قصيدة النثر في الستينيات وبداية السبعينيات، وربما أكثر قربا مما سماه جبرا إبراهيم جبرا بالشعر الحر، المتأثر بنماذج من الشعر الحر الإنجليزي وليس قصيدة النثر الفرنسية التي أشاعت تأثراتها مجلة شعر وكتابات يوسف الخال وأدونيس. ومع ذلك فهي ليست من صميم تجربة درويش بل أقرب إلى "نزوة" تجريبية لم تلبث أن عادت إلى النظام الإيقاعي، فما يفتش عنه درويش مختلف عن مذاهب قصيدة النثر وخياراتها، وهو واضح في المقتبس السابق من كلامه إذ يريد: "ضخ الأوزان الشعرية بمياه جديدة" الوزن عنده شيء مركزي وهو لا يتخلى عنه، لكنه يسعى للتنويع والتجديد في الإيقاع، الذي يعتمد على الوزن ولا يتوقف عنده أو يكتفي به، ولكنه يمتد به إلى خيارات أخرى من الموسيقى. وإذا عددنا الوزن جذرا فإن الإيقاع بقية الشجرة: غصونها وأوراقها التي تتغذى من الجذر، ولا تستغني عنه، ولكنها مع ذلك شيء إضافي مختلف عنه، والجذر وحده لا يكفي لنمتلك شجرة وارفة. ففي الأغصان تداخل وفي الأوراق تنوع وظلال، وكذلك العلاقة بين الوزن والإيقاع عند درويش وعند شعراء القصيدة "المنتظمة" إنها تتنوع وتمتد هنا وهناك، ولكنها في النهاية تعتمد على النظام وعلى التشذيب ولا تسمح بالتشوش المطلق أو الانقطاع عن الجذور، إذ الأوراق لا تنسى جذرها مهما حلقت في الفضاء.

البعد السردي: مراثي محمود درويش مثالا:

كتب درويش مراث معروفة في عدد من أصدقائه من المثقفين الشهداء وأبرزهم: ماجد أبو شرار، وعز الدين قلق، وراشد حسين[14]، ويمكن إضافة قصيدته عن إدوار سعيد "طباق" ضمن هذه المراثي الجديدة. الرثاء هنا يتجاوز تقاليد الرثاء القديم، الذي يصفف للميت جملة مثاليات وأوصاف ثابتة تشبه أن تكون مديحا له لو كان حيا.  يذهب درويش نحو رثاء لا يعترف بالموت بل يقيم حوارا مع المرثي/الراحل، ويصوغ مقاطع سردية تفيد من نثرية السرد، وتخفف من الإيقاع الشعري، معتمدا في مادته الشعرية على أحداث ووقائع وتفاصيل وذكريات مرتبطة بالمرثي، إنه يعيده حيا ويحاوره ويقص حكايته وذكرياته معه، ومثل هذه المادة المستعادة ذات الطابع الواقعي-اليومي هي ما يعلي طبقة النثر لتظهر في الشعر وتخفف نبرة البكاء (الوجه الآخر للغناء) هنا يخفف السرد من نبرة الشعر الباكي ليغدو سردا يمرر أحزانه بهدوء من خلال الأحداث والوقائع والذكريات لا من خلال الندب أو النشيج العاطفي.

وأولى فقرات قصيدة "كان ما سوف يكون" المكتوبة في استشهاد راشد حسين يوضح البعد السردي-النثري:

"في الشارع الخامس حياني.بكى.مال على السورالزجاجي، ولا صفصاف في نيويورك.

أبكاني.أعاد الماء للنهر.شربنا قهوة.ثم افترقنا في الثواني".

فهي فقرة سردية-نثرية في شكل كتابتها وتدويرها، وفي تتابع أفعالها بوضوح: حياني/بكى/مال/أبكاني/أعاد/شربنا/ ثم افترقنا..كما أنه بدأها بالمكان: الشارع الخامس وختمها بالزمان: في الثواني. وهي مع سرديتها الواضحة فقرة شعرية تلزم تفعيلة واحدة هي تفعيلة الرمل الشهيرة: فاعلاتن – ب - -وشقيقتها فعلاتن: ب ب- -، مع البدء بمقطع طويل زائد (– ) هذه الزيادة التي تحول فاعلن إلى مستفعلن (تفعيلة الرجز التي تقترب من النثر) تمنح الإيقاع مزيدا من النثرية، أو البدء بالنثر لا الشعر، ومع أن فاعلاتن ذات قيمة موسيقية متدفقة، وكثيرا ما ترتبط بالشعر المغنى، فقد حد من تدفقها ما تضافر معها من نثرية قصدية، دون الخروج على الوزن، بل التنويع في الإيقاع داخل وزن واحد، ومن بين طرائق النثرية ومظاهرها: أسلوب التدوير الذي يطيل السطر الشعري ويقربه من شكل الفقرة، "وفي هذا نوع رهيف من التطوير الإيقاعي يشكل ظاهرة من ظواهر الحداثة في الشعر العربي، يزيد من مغزاه أن الشاعر يسعى إلى الحداثة حتى في أوضاع الشتات"[15]. كذلك يظهر أسلوب السرد باعتماده على الإخبار وتتابع الوقائع والأحداث، وترك التقفية وتباعدها في بعض أجزاء القصيدة، كل ذلك وغيره من عناصر نثرية أسهم في خفض الصخب الإيقاعي لـ فاعلاتن، وخصوصا في موقف الرثاء الذي يعد وجها من وجوه "الغنائية" بمعناها الفني، ليغدو الإيقاع إيقاعا هادئا خافتا –في بعض المقاطع- سريعا متدفقا في مقاطع أخرى، وكأن النثر هنا يستعمل لإبطاء تدفق الشعر تركيبا وإيقاعا، وفي كل ذلك كان درويش يؤسس تقاليد جديدة للرثاء الحديث.

وفي قصيدته عن "عز الدين قلق" صور أخرى من العناصر السردية-النثرية التي تندمج في القصيدة: صياغة القصيدة أو مقاطع وأجزاء بارزة منها اعتمادا على أخبار وأحداث ووقائع مشتركة بين الراوي-الشاعر والصديق الشهيد-القتيل، إنه لا يتحدث عنه بل يتحدث معه ويتذكر وقائع مشتركة:

"على باب غرفته قال لي: إنهم يقتلون بلا سبب

هل تحب النبيذ الفرنسي؟

والمرأة الشاردة

تطلع خلف الجهات وحاول أن يفتح الباب

لكنه خاف أن يخرجوا من خزانته

فرجعنا إلى المصعد..

الساعة الواحدة

وباريس نائمة. من هنا يبدأ الليل".

فالسرد هنا واضح من خلال عناصر كبرى: الشخصيات: الراوي-الشاعر والشخصية المروي عنها-الراحل، والمكان: الغرفة، والمصعد، وباريس. والزمان: الليل/الساعة الواحدة، وحضور الوقائع والأحداث وصياغتها على نحو سردي يشير إلى التسلسل والتعاقب، ويظهر تركيبيا من خلال حضور صيغ الأفعال: قال/تطلع/حاول/خاف/رجعنا..

ولقد استخدم درويش العناصر الواقعية مادة للشعر في هذه المراثي وفي قصائد أخرى ذات صلة واضحة بالمرجع الواقعي، وفي تقييمه للتجربة ومراجعته لها يقول: " كانت القصيدة تسعى لأن تكون واقعية، وكانت تقترح طريقة تعامل شعري مع الواقع بشرط تخفيف الشعرية عن هذا التعامل، لأنه إذا كانت الشعرية سائدة كثيرا، تصبح لا شعرية، وتزهق بجماليات جاهزة سلفا، وهنا يأتي الدور الفذ للنثر، أو ما يبدو أنه نثر، لأن الجملة النثرية في القصيدة قد تحميها من الجهامة ومن الرومانسية ومن الإفراط في الغنائية، أولا: تخفيف سيولة الغناء، وثانيا: تقريب النص الشعري للتعامل مع الواقع بشكل أكثر سماحة، وفي هذا المشروع، كان هاجسي هو كيف يعبر النص الحديث بوسائل حديثة عن هذا الواقع؟ بحيث لا يكون وصفا خارج الواقع، بل يدخل فيه، فيستطيع الواقع أن يعبر عن طبيعته غير الشعرية في القصيدة الشعرية"[16].

ومما يتبع العنصر السردي ذا المنزع الواقعي حضور عنصر الحوار الذي يكسر التدفق الشعري لأنه يكسر وحدة الصوت الغنائي، الصوت الأول في أصوات الشعر الثلاثة وفق تنظيم إليوت وصياغته لها، ويغدو الصوت ثنائيا متعددا عبر الحوار الثنائي بحده الأدنى، أما المناجاة فليست حوارا وإنما هي صوت مفرد يأخذ شكلا تأمليا أحيانا، ومن أمثلة الحوار في قصيدة درويش عن عز الدين قلق:

-أين ننام أخيرا؟

-على مقعد في الحديقة

قلت: ألا يقتلون هنا؟

قال لي: ربما يقتلون ولكنه تعب لا يخاف

وقلت: أيوجعك الليل؟

قال: وتوجعني الروح والنجمة الباردة"

ويبرز السرد في صياغة وقائع مقتل راشد حسين وتتبعها بأسلوب أقرب للنثر من الشعر في القسم الأخير من القصيدة، حيث روى بأسلوب شعري وقائع مقتله على يد طالب عربي كان عرفه من قبل ولم يتوقع أن يكون اغتياله على يده.

أما قصيدته عن ماجد أبو شرار فتسيطر فيها الغنائية أكثر بسبب غلبة العنصر العاطفي ووضوح الغضب، ومع ذلك تجده يلجأ للنثر لضبط ما أمكن من ذلك التدفق، إنه لا يريد أن يوقفه فهو في موقف عاطفي غاضب ولكنه يريد أن يسيطر على بناء القصيدة دون أن تنفلت، ومن يقارن بين القصيدة في شكلها الأول المنشور في مجلة الكرمل[17]، وصورتها الثانية في الديوان، سيلاحظ عددا من التعديلات التي اقتضتها المراجعة والمعاودة، ومن بينها حذف بعض المقاطع والعبارات شديدة المباشرة، وكذلك تعديلات بإطالة المقاطع التي ترد مفقّرة على شكل "فقرة نثرية" ولكنها ملتزمة بالوزن، مع تباعد القافية، ويظهر ذلك في صياغة الأجزاء الأخيرة من القصيدة على شكل "فقرة" وليس سطورا متفاوتة الطول كما هو مألوف في شعر التفعيلة. وإذا كان الإنشاد يمكن أن يكشف التدفق في هذه المقاطع فإن كتابتها على صورة فقرات نثرية تحد من ذلك الإيقاع العالي المتأتي من تدفق تفعيلة: متفاعلن/أو: مفاعلتن، بما فيها من وضوح الإيقاع وحدته. ووسع من الإيقاع عنصر التكرار، تكرار مفردات بعينها وتكرار تراكيب أو أساليب منها النداء ذي الصيغة الشفوية العالية اللافتة للسمع والانتباه.

وفي كل ذلك يبدو السرد-النثر عنصرا شعريا يعوّل عليه درويش لتهدئة الإيقاع في مواقف تتطلب الهدوء والتنويع الإيقاعي، وهو يظل في خدمة القصيدة لا يتغول عليها ولا يبعد عن نظامها الدقيق المسيطر عليه من الشاعر الباني-المهندس الذي يستخدم كل العناصر المتاحة لتأثيث معماره الشعري، ولكنه لا يتحول -مهما تكن العناصر الداخلة في البناء- إلى شيء آخر غير الشعر أو البناء الشعري. قواعد الشعر هي التي تحكم هذه اللعبة الفنية، فالنثر هنا عنصر جزئي في بناء شعري مهيمن متدفق لا يضيره بعض الهدوء والاستراحات، بل إن هذه النثرية القصدية تبرز بوضوح أكثر تدفق الإيقاع وعلوّه عندما يجيء أوانه وتشعر القارئ بالانتقال وبشيء من البناء الهارموني المتنوع الذي لا يمكن لإيقاع الغناء وحده تأسيسه أو الوفاء به، وكما يقول درويش فإن: "الصعوبة تكمن في البناء الدرامي، وخاصة في السرد ذي الطابع النثري، من حيث إن العلاقة الضرورية أو الحوار بين النثر والشعر في أي نص، لا يستطيع أن يستمر بإيقاع شعري قوي ومتصاعد بشكل مستمر، فلا بد من استراحات في القصيدة أو سكون"[18]. ونستطيع أن نستنتج أن درويش يعد الشعر نوعا من التصاعد في مقابل نهوض النثر بالاستراحة أو تخفيف التصاعد.

إن الإيقاع العربي الذي يلتزم به درويش هو إيقاع غنائي لا درامي أو هارموني، ولذلك تغدو الحاجة ملحة لتطويره من خلال إمكانات الإيقاع والسرد والنثر، مع بقاء الوزن جذرا للقصيدة، وفي كل ذلك مشاغل جمالية لا يدركها إلا أولئك الذين يسمعون صوت الشعر من داخله ولا يذهلهم الرنين عن سمتها الجمالي الداخلي.

نظام التفقير:

ظهر هذا النظام تدريجيا في قصائد درويش، ضمن الإفادة من بعض تطورات قصيدة التفعيلة وخصوصا عند البياتي وسعدي يوسف، اللذين شاع التدوير في قصائدهما مبكرا، كنوع من ميل الشعر إلى النثر في شكل "جغرافيا النص" ومكتسبات النص البصري، وإمكانات الطباعة الحديثة. وقد بدأت الفقرات عند درويش على شكل الإفادة من نظام التدوير المشار إليه، مما يطيل السطور لتأخذ تدريجيا شكل فقرات، تتباعد فيها التقفية أو يتخفف الشاعر من لزومها في شعر التفعيلة الذي ظل يستخدم القافية رغم الاعتراف بأنها في هذا النوع من باب لزم ما لا يلزم، ومع ذلك ظلت حاضرة رغم التنويع في استعمالها. وفي التجارب الأولى كانت الفقرات المتأتية من إطالة السطور المدورة ترد ضمن قصيدة طويلة نسبيا، متعددة المقاطع، تتداخل فيها الفقرات مع مقاطع سطرية تتبع نظام القصيدة التفعيلية المألوفة.

التطور الأوضح كان في دواوين لاحقة خصصت لقصائد تبنى بكاملها على نظام كتلة الفقرة، وضمن أطوال متناسبة، بحيث غدت الفقرة أساسا للبناء الشعري، حتى مع تخفيف نظام التدوير، وهذا واضح في ديوان: ورد أقل/1986، الذي يتكون من خمسين قصيدة مبنية على شكل أقرب للفقرة ذات السطور الطويلة المتتابعة أو المقطوعة بقواف متباعدة، أبعد مما هو مألوف في الشعر العمودي أو شعر التفعيلة الاعتيادي، وكأن الشاعر يجرب أنواعا وأشكالا موسيقية جديدة لا من خلال تنوع الوزن بل من خلال تنوع الإيقاع. لينشأ من ذلك تنويع إيقاعي يمزج الشعر بفقرات النثر دون التخلي عن الوزن، ودون الوقوف عنده وحده، النثر هنا تنويع إيقاعي لا وزني، يمد الوزن بقيم وطاقات جديدة إضافية ويفتح أفق القصيدة على أمداء جديدة. وقد اتسع شكل الفقرات هذا لمناخ سردي يستدعيه النثر ويسمح به، ويمكن أن نستعيد قصيدة "مطار أثينا "[19] لنرى فيها بعض ما أشرنا إليه، فهي مكتوبة على شكل فقرة لا تبين سطورها الشعرية على طريقة التفعيلة، فالشكل نثري، لكن الوزن داخلي، يشمل الفقرة بشكل كامل مع تطوير نظام التدوير أيضا. كذلك هنا مناخ حواري فيه شخصيات وأحداث يومية ووقائع يتيحها السرد ولا يتسع لها الشعر كنظام إيحائي استعاري لا يبرز الأحداث بل يحولها إلى صور، هنا تتناقص الصورة لصالح الوقائع والحوارات. وتكثر صيغ القول: قلت، قلنا، قالوا ومشتقاتها في هذه القصائد المفقرة، فكأننا في حوارية تستعيد فيها الذات ما مر بها وتجزئه إلى مواقف تُراجَع وتُحاكًم في استراحة سردية ترتاح من صخب الشعر ومن إيقاعه العالي.

مطار أثينا

مطار أثينا يوزعنا للمطارات. قال المقاتل: أين أقاتل؟ صاحت بـه

حامل: أين أهديك طفلك؟ قال المـوظف: أين أوظـف مالـي؟ فـقال

المثقف: مالي ومالك؟ قال رجال الجمارك: من أين جئتم؟ أجبنـا: من

البحر. قالوا: إلى أين تمضون؟ قلنا: إلى البحر. قالوا: وأين عناوينكم؟

قالت امرأة من جماعتنا: بقجتي قريتي. في مطار أثينا انتظرنا سنينا. تزوج

شاب فتاة ولم يجدا غرفـة للـزواج السريع. تساءل: أيـن أفض بكارتها؟

فضحكنا وقلنـا له: يا فتـى لا مكـان لهـذا السؤال. وقال المحلـل فيـنا:

يموتون من أجل ألا يموتوا. يموتون سهوا. وقـال الأديب:مخيمنـا ساقـط

لا محالة. ماذا يريدون منا؟ وكان مطار أثينا يغيـر سكانه كـل يوم. ونحن

بقينا مقاعد فوق المقاعد ننتظر البحر، كم سنة يا مطار أثينا!...

ويمكن القول بأن "ورد أقل" أول ديوان كامل وقفه درويش للتعبير عن تجربة التشقق والتقشف، والتقليل مما اعتادت الجماعة على تكثيره، ومما ألف الشاعر التعبير عنه بمجاز شعري عال، هنا نحن أمام تجربة مراجعة، ومعاودة للنظر في الرؤية والموضوع أي في تجربة الجماعة الفلسطينية: الفلسطيني بين إخوته العرب: "أنا يوسف يا أبي. يا أبي، إخوتي لا يحبونني، لا يريدونني بينهم يا أبي. يعتدون علي ويرمونني بالحصى والكلام" وكذلك يكمل: فماذا فعلت أنا يا أبي، ولماذا أنا؟ أن سميتني يوسفا، وهمو أوقعوني في الجب، واتهموا الذئب، والذئب أرحم من إخوتي.."[20]. هذا الإحباط الفلسطيني بعد تجربة النضال والمقاومة جزء من شروخ الشعر المنتظم وتناثر التجربة وتشظيها، ولكن التعبير عن ذلك جاء من خلال تطوير نظام الوزن لا من خلال التحول المطلق إلى قصيدة النثر، كما حدث مع شعراء آخرين عربا وفلسطينيين، بعد تجربة حصار بيروت 1982والخروج الفلسطيني منها نحو مجاهيل جديدة.

وضمن ذلك يجري التعبير عما آل إليه الحال بعد مجاز البطولة الطويل: فينكسر مجاز البطولة إلى هزائم نثرية، ويغيب البطل/المقاتل/الشهيد/الفدائي/ويغدو شخصية عادية ضائعة في غربة المطارات والمدن. لقد ثبتت تجربة الانفراد على مستوى الجماعة، وصارت فلسطين أبعد..ولقد جرى التغير في التعبير لينجر الشعر نحو النثر: من المجاز إلى الواقع، الواقعية نثر، والاعتراف بالواقع يحتاج قدرا من النثرية للاقتراب من التفاصيل وتبيين الملامح، وهذا هو مدلول "ورد أقل" عنوانا وقصائد، التقشف القصدي في الشعر لصالح النثر، والتحول من بنية السطر إلى الفقرة، ومن المجاز والتخييل إلى القصة والوقفة  السردية. بل حتى السخرية المرتبطة بالسرد يمكنها أن تجد متسعا في هذا المسار الشعري-النثري، وهكذا يفيد الشاعر من النثر للتعبير عن سردية الجماعة، من خلال اللجوء إلى التفاصيل والمواقف الجزئية، فيعبر عن انكساراتها وإحباطاتها، عن هبوطها بعد تصاعدها، وكل ذلك ربما يحتاج "وردا أقل" و"شعرا أقل" ليملأ النثر بتفاصيله ووقائعه ذلك الهامش المفرغ قصدا من المجاز والصورة لصالح نثار الواقع وكِسَره وتفاريقه.

النثر بتوحيد الوزن وتنويع الإيقاع:

الأمر الآخر اللافت في هذه التجربة-ورد أقل- اختيار الشاعر لتفعيلة واحدة: فعولن ب - - (أو صورتها البديلة: -ب- ) لتكون وزنا للديوان كله بقصائده-فقراته الخمسين التي تحمل عناوين دالة على الطبيعة النثرية-الوقائعية. وتوحيد الوزن هو خيار نثري بصورة من الصور، ولكنه في الوقت نفسه يفتح أفق الإيقاع ليغدو العمل فيه بديلا عن تنوع "الوزن". وهو أمر كرره لاحقا في دواوينه: لماذا تركت الحصان وحيدا/1995، وسرير الغريبة/1999، وحالة حصار/2002. ولا شك أن هذا اختيار وزني وإيقاعي قصدي من شاعر مولع بالإيقاع وممتلئ بالموسيقى الشعرية، هذا أيضا خيار تقشفي، إذ يختار تفعيلة أسهل من غيرها وأقرب للنثر خصوصا مع تكرارها في كل القصائد، مما يقلل التنوع ويوحي بالنثرية ويدفع الشاعر للانشغال بالإيقاع الداخلي وإيقاع النثر لخلق موسيقى جديدة بديلة عما يتركه تنوع الأوزان من إيقاعات ناجزة أو واضحة.

ووفق رأي الشاعر نفسه في هذه التجربة فإن الهدف هو: "تخفيف الإيقاع وتخفيف وطأة الجماليات"[21]. ويقول أيضا في السياق نفسه: "ومن يقرأني يلاحظ أنني من "ورد أقل" وأنا أستخدم الإيقاع نفسه، أي السطر الطويل الذي يبدو كأنه يتحرك بالنثر، وليس مفرطا بالصور اللامعة التي تقصد الإبهار"[22]. وفي التعليق على ديوان "سرير الغريبة" الذي يمثل أحد مفردات هذه التجربة في وحدة الوزن وتنوع الإيقاع يقول: "سرير الغريبة كله مكتوب على وزن واحد يوحي بالاقتراب من النثر، لأن الوزن الواحد في الكتاب ينوع الإيقاعات ويشير إلى أن الوزن ليس هو مولد الإيقاع بقدر ما هو أداة قياس للوحدات الإيقاعية"[23].

وقد يكون مفيدا تتبع آراء الشاعر نفسه وتوضيحه لمنعرجات هذه التجربة، فهو يحاول أن يجدد من خلال "تخفيف الجماليات" والميل إلى "التقشف الجمالي" و"الإيقاعي" ولا شك أن هذا التخفيف وذاك التقشف يستند إلى تلك الثروة الإيقاعية التي يمتلكها، فلولاها لغدا التقشف فقرا إيقاعيا وجماليا، ولكنه في حالة درويش يستند إلى فائض إيقاعي قد تنجر إليه اللغة في تدفقها وهديرها وتمكّنها من الوزن واللغة والإيقاع. النثرية هنا انضباط ومحاولة للحدّ من الإفراط، بل حماية للشعر من الإرهاق الجمالي المحتمل الذي يمكن أن يؤدي إليه الإفراط في التدفق والإيقاع، يقول درويش: "مهمة الشعر أن يحمي الواقع من الإفراط في الواقعية، وهذا متفق عليه، أما ما ليس متفقا عليه، فهو أن نحمي الشعر من إرهاقه الجمالي، أو من الإغراق في الجمالية أو الغنائية"[24]. ولذلك فهو يستعمل النثر وسيلة من وسائل التقشف الجمالي، وكبح التدفق الزائد، وحين يعرض لمجموعته "سرير الغريبة" يقول عن هذا الجانب: "أحاول أن أنظف لغتي من جمالياتها الزائدة، أي أن هناك مشروع تقشف، أما مدى نجاحه أو فشله، فهذا سؤال آخر، هناك رغبة ومسعى واضح لأن لا أسمح للاحتفالية الجمالية بأن تأخذ مداها من دون كوابح، أي يوجد كبح لصور شعرية، أحيانا لا يكون لها دور، وأحيانا توجد إيقاعات تسرح وتمرح بلا وظيفة، بالضبط كما تراقب أي نغمة في عمل موسيقي، الموسيقي الماهر هو الذي يلجم النغمة ويعيدها في الوقت المناسب، والتقشف الجمالي يمكن أن يكون جزءا من جماليات جديدة"[25].

ولقد تساءل صبحي حديدي -مستندا إلى عبارة درويش"أحب من الشعر عفوية النثر"- "ما الذي يمكن أن تعنيه عبارة "عفوية النثر" عند شاعر مثل درويش، يؤمن بثراء البنية الإيقاعية للعروض العربي، ويحسن تلمس ذلك الثراء، ويعرف أفضل السبل لتجسيده، وكشف الغطاء عن مكنوناته؟؟" وجواب حديدي أو تفسيره وتحليله يمكن تلخيصه بأمرين، الأول له صلة باللغة الشعرية وبالتركيب، والثاني له صلة بالإيقاع. فالبعد الأول لعفوية النثر معناه "اللغة الشعرية وقد امتلكت سيولة داخلية كثيفة بقدر ما هي طلية القوام، يومية بقدر ما هي قادرة على الارتقاء باليومي إلى مصاف ليست في أبجدية اليومي المعطاة، وكيميائية التحويل لأنها تفعل في اللغة ما تعجز عن القيام به أي أشكال أخرى من الاستخدام اللغوي". وفي الجانب الإيقاعي، يشير حديدي إلى ما كشفه الشاعر نفسه عندما عمد إلى استخدام تفعيلة فعولن في أكثر من ديوان، دون تنويع أو استخدام لتفعيلات أخرى، "وتفاعيل المتقارب، اللينة الخافتة الجرس ، يمكن أن تكون فضاء وسيطا بين وزن معتدل ليس بالوزن وحده، ونثر موقع ليس بالنثر وحده، ولعلها بهذا المعنى، في منطقة مشتركة بين (التفعيلة المنثورة) و(النثر التفعيلي)"[26].

في التجربة تحديات: كيف يتولد الإيقاع من النثر؟ وهل يكفي للمحافظة على إيقاع القصيدة وتنوعها دون اللجوء إلى تنوع الأوزان وطاقاتها المخبوءة؟ وكيف يتجنب الشاعر رتابة الوزن الواحد في كتاب بل عدة كتب؟؟ ألا ينطوي هذا الخيار على مجازفة؟ ولكن لا شك أن مسألة التفكير في الشكل لا تنفصل عن تحولات الرؤية الشعرية، وتحولات التجربة الجماعية التي عبر عنها درويش قبل ذلك، فلقد ولى عهد البطولة الذي غنى فيه درويش وتدفق، وها هو يميل إلى مشاغل الكائن الفرد ويتأمل معاني النفي والغربة ويواجه تجربة مرض القلب وخياناته، ويجد نفسه أمام فكرة الموت-المصير التي خرج منها بتجربة: جدارية محمود درويش وبأعمال وقصائد في دواوينه الأخيرة.

النثر مع تنويع الوزن والإيقاع:

وضمن مسار هذه التجربة نشر الشاعر ديوانه: كزهر اللوز أو أبعد/2005، وقد وجد ما يؤكد مذهبه في التقريب بين الشعر والنثر في جملة "تراثية" لأبي حيان التوحيدي في كتابه: الإمتاع والمؤانسة، وقد وضع درويش العبارة في صورة عتبة استهلالية دالة في أول هذا الديوان، وظهرت بخط بارز في صفحة مستقلة تفتتح بها القصائد جميعها وتقول العبارة: "أحسن الكلام ما..قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم..."[27]. ويستوقفنا مصدر هذه العبارة وقائلها الأول: أبو حيان التوحيدي، فهو واحد من أبرز أعلام النثر العربي، ممن حولوا النثر إلى فن أو نص معترف به ضمن محددات الثقافة العربية التي لم تكن تعترف إلا بالقليل من النثر ومن ضمنه السرد. إن قائل العبارة ينطلق من المسكوت عنه: تفضيل الشعر على النثر وهو المذهب السائد عند العرب إلا من استثناءات متأخرة، وهو يحاول عبر العبارة العادلة من منظوره أن لا يفاضل وإنما أن يوجد نقطة مشتركة للكلام هي نقطة الالتقاء التي يتقارب فيها النثر والشعر، ويفيد كل منهما من الآخر، ولذلك قال: أفضل الكلام ولم يقل: أفضل الشعر أو أفضل النثر، بل جمعهما معا تحت صنف: الكلام.

واختلاف دلالتها أو خصوصية استخدامها وتبنيها عند درويش أنها ترد ضمن منظور شاعر لا ناثر، أي شاعر لا يعاني من قلق الاعتراف بالنوع شأن أبي حيان، بل من قلق "كثرة الاعتراف" أو الاعتراف الزائد بالنوع وبالشاعر، ومن الاحتفاء الزائد بالشعر وبالشاعر سواء أكان درويش المعاصر أو امرؤ القيس أو المتنبي في الذاكرة الشعرية والثقافية. هكذا نقرأ هذه العتبة الاستهلالية ضمن أصلها المرجعي (عند أبي حيان) وفي موقعها الجديد عند درويش، فالعتبات لا تحتفظ بالمعنى الأصلي نفسه وإن تكن ترشح منه، بل لا بد من الانتباه غلى صيرورتها الجديدة وسياقها الأحدث.

والجديد في مستوى الإيقاع وعلاقة الشعر بالنثر في هذا الديوان أن الشاعر تجاوز فكرة النثرية التي يحاول الإتيان بها من خلال توحيد الوزن، كما لاحظنا في دواوين سابقة أشرنا إليها: (ورد أقل، لماذا تركت الحصان وحيدا، سرير الغريبة، حالة حصار).  هنا في ديوان (كزهر اللوز أو أبعد) يعود إلى التنوع الوزني والإيقاعي لائذا بعافيته الوزنية والإيقاعية المتدفقة، ودون أن يخشى تدفقها مختبرا إمكانية أن يجمع بين التنوع الوزني والإيقاعي وخبرته في شعرنة "النثر" والإفادة من طاقاته بشكل مغاير أو مختلف عما أشبعه في تجربة النثر مع وحدة الوزن في الدواوين السابقة.  

التأثيرات والتفاعلات النثرية أشد خفاء في هذا الديوان، فالنسيج العام نسيج شعري، متنوع الأوزان من قصيدة إلى أخرى، وهناك رجوع واضح إلى القافية والتفنن في إيرادها وموضعتها داخل القصائد والمقاطع، كأن الشاعر يتلذذ بمقدرته الإيقاعية، وتكشف قصيدته: فرحا بشيء ما، عن تلذذه بالإنشاد والإيقاع فهي قصيدة تكاد تكون بلا موضوع، إن جاز التعبير، وإنما موضوعها هو "الشعر" أو الإيقاع أو الإنشاد، تجربة الشاعر مع شعره وحلمه كأنه محمول بموسيقى الشعر وحدها دون موضوعات كبرى أو صغرى[28]:

فرحا بشيء ما خفي، كنت أحتضن

الصباح بقوة الإنشاد، أمشي واثقا

بخطاي، أمشي واثقا برؤاي. وحي ما

يناديني: تعال! كأنه إيماءة سحرية،

...................................

فرحا بشيء ما خفي، كان يحملني

على آلاته الوترية الإنشاد. يصقلني

ويصقلني كماس أميرة شرقية

ما لم يغن الآن

في هذا الصباح

فلن يغنى"

يتراجع دور النثر ولا يكاد يوقف الإيقاع المتدفق في أكثر القصائد، ولا نتبين النثر إلا في بعض السمات من مثل: استعمال تفاصيل اليومي، واستعمال التدوير، واللجوء للسرد في بعض القصائد، وكذلك وضوح الحوار وتعدد الأصوات، وفي التقسيم العام للديوان على شكل فصول أو أقسام تتعنون بالضمائر: أنت، هو، أنا، هو. فهذه هي شخصيات الديوان ضمائر تجرد البشر إلى ما يشتركون فيه، دون أن يحمل أحد اسما، أما القصائد الأخرى فتحمل عنوانا واحدا هو: منفى، وتترقم من 1 إلى 4. وآخرها القصيدة المعنونة بـ طباق وهي عن إدوارد سعيد وتذكرنا بما عرضنا له في بدايات هذه الدراسة من مراثيه ذات الملامح السردية-النثرية، وهنا تظهر السمات نفسها من ناحية الجوهر، ولكنها مصقولة أكثر بفعل تراكم التجربة، واختلاف الشخصية المكتوب عنها: شخصية المفكر ومشاغلها الصعبة، ولذلك تميل إلى النثر الذي يمكن من مقاربة الفكر، مثلما يسمح للشعر أن يكتشف شعرية "المفكر" وإنسانيته[29]:

"نيويورك. إدوارد يصحو على كسل

الفجر. يعزف لحنا لموتسارت. يركض

في ملعب  التنس الجامعي. يفكر في

هجرة الطير عبر الحدود وفوق الحواجز.

يقرأ "نيويورك تايمز". يكتب تعليقه

المتوتر. يلعن مستشرقا يرشد الجنرال

إلى نقطة الضعف في قلب شرقية.

يستحم. ويختار بدلته بأناقة ديك.

ويشرب قهوته بالحليب. ويصرخ

بالفجر: هيا، ولا تتلكأ/"

فبلاغة النثر هنا مساعدة الشعر على استدعاء تفاصيل اليوم أو الصباح عند إدوار سعيد، فكأنما الشاعر قاص أو سارد يصف وقتا مختارا أو مقتطعا من أزمنة الشخصية ليقربها للقارئ ويرسم بعض ملامحها. وفي مقاطع أخرى يستدعي الشاعر صوت إدوارد نفسه، في حوار مع نفسه ومع الشاعر ومع الآخر أو الثقافة الأخرى، ومثل هذا التنوع الصوتي يخفف الغنائية لصالح ملحمية لا تخلو من غناء بصيغتها الدرويشية في مختلف معارج تجربته. فهو بلا شك شاعر مغن يحاول أن يتخفف من طاقة الغناء والإنشاد، تلك الطاقة التي تشبه سيلا غامرا مهما حاول الشاعر تخفيف مجراه فإنه لا يصد منه إلا القليل، فيظل سيالا دافقا، وريثا لطاقة الإنشاد العربي القديم.

 الإحالات


.[1]من حوار مجلة الشعراء –بيت الشعر الفلسطيني، في عدد خاص بالشاعر، ربيع وصيف 1999، رام الله-فلسطين. أعيد نشره في كتاب بعنوان: محمود درويش- المختلف الحقيقي، دار الشروق، عمان، 1999. ص 21. وسنشير إليه –اختصارا- باسم: المختلف الحقيقي، في الهوامش التالية.

[2]. المختلف الحقيقي، ص24.

[3]. من أبرز تلك الكتب: شيء عن الوطن، وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلام، يوميات الحزن العادي، ذاكرة للنسيان، في وصف حالتنا، عابرون في كلام عابر، الرسائل (مع سميح القاسم)، في حضرة الغياب، حيرة العائد، وأما "أثر الفراشة" فصدر تحت مسمى: يوميات، وهو مقاطع شعرية ونثرية، أي يوميات مكتوبة شعرا ونثرا. وهو مثال على تحاور الشعر والنثر في بيان محمود درويش. وله نصوص نثرية ومقالات كثيرة لم تجمع مما نشره في الكرمل أو غيرها، بل إن حواراته الغنية فيها من النثر طاقات عالية تكشف عن ثقافته وعن خبرته النقدية الرفيعة، وهي حرية بالجمع والنشر بعد أن أكمل الموت تجربته الصاعدة. كما أن هذه التجربة النثرية حرية بالدراسة لتبين جمالياتها وأثر الشعر فيها، ولكن هذا محتاج إلى مقام آخر غير ما نهدف إليه في هذا البحث.

[4]. المختلف الحقيقي، ص39.

[5]. المرجع نفسه، ص38.

[6]. المرجع نفسه، ص32.

[7]. المرجع نفسه، ص38.

[8] . المرجع نفسه، ص38.

[9]. المرجع نفسه، 38.

[10]. ت.س.إليوت، في الشعر والشعراء، ترجمة محمد جديد، دار كنعان، دمشق، 1991، ص19.

[11]. المرجع نفسه، ص34.

[12]. حواره في مجلة الشعراء/المختلف الحقيقي يدل على هذا الغموض، وكذلك يؤكدها إشارات في مقال الراحل حسين البرغوثي عن درويش في المرجع نفسه: ص 230 و238، ومع ذلك فقد بذل درويش جهدا في التفاعل معها على الأقل في الميل إلى الإفادة من الطاقات الشعرية في النثر ضمن قصيدة "منتظمة" وزنا وإيقاعا. وموقفه من قصيدة النثر وميله إلى الجمع بين الحداثة والمحافظة شبيه بموقف إليوت الذي يقول: "ليس هناك شعر حر لمن يريد أن يقدم عملا جيدا، وما من أحد يملك من الأسباب أفضل مما أملك ليعلم أن قدرا كبيرا من النثر الرديء قد كتب تحت اسم الشعر الحر." في الشعر والشعراء، مرجع سابق، ص41.

[13]. المختلف الحقيقي، ص16.

[14]. قصيدته في راشد حسين بعنوان: كان ما سوف يكون في ديوان: أعراس/1977، وهي في ديوان محمود درويش، ج1، ط دار العودة، بيروت، 1997، ص595. أما قصيدته في عز الدين قلق فبعنوان: الحوار الأخير في باريس، من ديوان: حصار لمدائح البحر/1984، وجاءت في الجزء الثاني من ديوانه (دار العودة، 1997)، ص119، ورتب قصيدته في ماجد أبو شرار بعدها مباشرة في نفس الديوان السابق بعنوان: اللقاء الأخير في روما، ووردت في ص133. أما طباق المهداة إلى إدوارد سعيد بعد رحيله فجاءت قصيدة أخيرة في ديوان: كزهر اللوز أو أبعد، دار رياض الريس، بيروت، 2005، ص177.

[15]. عبد الواحد لؤلؤة، مدائن الوهم-شعر الحداثة والشتات، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 2002، ص204.

[16] . المختلف الحقيقي، ص15.

[17]. نشرت القصيدة بصيغتها غير المعدلة في مجلة الكرمل، العدد الرابع، خريف 1981، على شكل افتتاحية للعدد، وقد بدأت بفقرات نثرية، حذفها درويش في الصيغة المعدلة المنشورة في ديوان: حصار لمدائح البحر. كما أنه قدم وأخر وحذف وأضاف، مما يدل على تنقيح القصيدة وإعادة النظر فيها بعد هدأة الانفعال.

[18]. المختلف الحقيقي، ص14.

[19]. محمود درويش، ورد أقل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1986، ص23. وفي ديوان محمود درويش، ط دار العودة، المجلد الثاني، ص332.

[20]. ورد أقل، ط المؤسسة العربية، ص77. والديوان، دار العودة، 2/359.

[21]. المختلف الحقيقي، ص22.

[22]. المصدر نفسه، ص22.

[23]. المصدر نفسه، ص31.

[24]. المصدر نفسه، ص15.

[25]. المصدر نفسه ، ص17.

[26]. هذا المقتبس وما سبقه من كلام الناقد صبحي حديدي، من دراسته، في عدد مجلة الشعراء/المختلف الحقيقي، والمقتبسات: ص68-69. أما ما ذهب إليه من تأويل التنوع في القافية وتلاعب الشاعر بنظامها تأويلا نثريا، فلا نوافقه كثيرا فيه، لأن التقفية مهما تنوعت تظل من مظاهر الشعر الموزون، كما أن شعر التفعيلة طور أشكالا متحررة ومتنوعة من التقفية أسهم درويش نفسه في تطويرها والإفادة من إمكاناتها. ولكن يمكن للتقريب وللإفادة من التحليل اللافت عند حديدي القول بأن تباعد القوافي مظهر نثري، أي أن النثر يبدو في سمة التباعد ، كأن الشاعر نسي التقفية أو تجاوزها، وعندما يعود إليها فإنما يذكرنا بأن نسيجه شعري يفيد من النثر بمقدار ولا يغادر نوعه وقواعده الشعرية الأثيرة.

[27]. وردت عند أبي حيان التوحيدي في كتاب: الإمتاع والمؤانسة، الليلة الخامسة والعشرون، واقتبسها درويش مختصرة، ونصّها عند التوحيدي: "وفي الجملة أحسن الكلام ما رق لفظه، ولطف معناه، وتلألأ رونقه، وقامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم..". وقريب منها ما رواه التوحيدي عن شيخه أبي سليمان المنطقي: "ومع هذا ففي النثر ظل من النظم ولولا ذلك ما خف ولا حلا، ولا طاب ولا تحلا، وفي النظم ظل من النثر، ولولا ذلك ما تميزت أشكاله ولا عذبت موارده، ومصادره، ولا بحوره وطرائقه..". انظر: التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، مـج 2، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1942، ص 145. وانظر هذه الأقوال وما يسير في مجراها في كتاب: طراد الكبيسي، في الشعرية العربية، دار أزمنة، عمان، 1998، ص22.

[28]. محمود درويش، كزهر اللوز أو أبعد، دار رياض الريس، بيروت، 2005، ص63.

[29]. المصدر نفسه، 179.