تفاعل البنى في نونية أبي البقاء الرّندي

مقاربة أسلوبيةpdf

  عبد السميع موفق

جامعة بجاية (الجزائر)

    Cette étude vise à mettre comme objet de recherche la synonymie et l’antonymie dans le lexique de la tristesse au sein du poème rimé en « noun », la vingt-cinquième lettre de l’alphabet  arabe (d’où le qualificatif de « nounia »), du poète andalou musulman Abou Al-Baqaa Al-Randi qui en a fait une élégie de la chute de l’Andalousie musulmane.                               

La pertinence de l’étude de la structure lexicale d’un tel texte poétique se justifie par la quête d’être très proche du terreau linguistique de la créativité de l’auteur au moment de la genèse de l’œuvre, et accéder aux idées terrées dans la conscience du poète et les sentiments qui l’hantaient, partant du fait que tout mot doté d’une charge sémantique et connotative, est capable d’être un véhicule qui transmet fidèlement les sentiments et les émotions au-delà des limites spatio-temporelles.

Autre utilité de l’étude des structures linguistiques réside dans l’espoir de s’éloigner des jugements arbitraires et des interprétations métaphysiques qui écarteraient le texte littéraire des intentions derrière sa création originelle. Finalement, étudier de telles structures nous permettra de se distancier de l’hégémonie des convergences et des divergences d’opinion des recherches consacrées à ce texte qui en ont fait un microcosme dictant sa philosophie et ses lois absolues à l’existence de l’être humain.

تسعى هذه الدراسة للبحث في الترادف والتّضاد في المعجم اللغوي لقصيدة أبي البقاء الرندي التي رثى فيها سقوط الأندلس، ودراسة البنية المعجمية في النص الشعري تعني التقرب من المعين اللغوي للمبدع لحظة الإبداع والتوصل إلى الأفكار التي اختزنت في وعيه، والأحاسيس التي انتابته؛ لأنّ اللفظ عبارة عن شحنة دلالية وإيحائية قادرة على نقل الأحاسيس والمشاعر والأفكار نقلا أمينا، يتخطّى حدود الزمان والمكان، ودراسة البنى اللغوية يعني الابتعاد عن الأحكام الاعتباطية والتأويلات الميتافيزيقية التي قد تنأى بالنص الأدبي عمّا وضع له أصلا، فهذا النص هيمنت عليه الموافقات والمفارقات حتى كادت تجعله صورة مصغّرة للكون الذي يتصرف بفلسفته المطلقة في حياة الإنسان.

كل نص أدبي يشكل بنية لغوية يتحد فيها الصوت والمعنى بالخيال والفكر، في أشكال تعبيرية متنوعة تكوّن بنية النص وتحدّد طبيعة موضوعه؛ لأنّ "الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لنعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد"(1). هذا التفاعل يقوى ويضعف حسب حالات التدفق الشعوري التي تنتاب المبدع لحظة الإبداع ووفق الرصيد اللغوي الذي يشتمل عليه والأساليب التعبيرية التي اختزنت في وعيه الفني والثقافي، لذلك تختلف طرق الكتابة في النصوص الشعرية والنثرية من مبدع لآخر.

إنّ تركيب الكلمات داخل النص الأدبي يشكّل بنية مهيمنة فيه، بها يتوصّل الناقد إلى الوحدات الكبرى المتحكّمة في النص؛ "لأنّ الألفاظ بأعيانها دالة على المعاني بأعيانها، ويبقى ما تقتضيه الأحوال، ويسمى <<بساط الحال>> محتاجا إلى ما يدل عليه، وكل معنى لابد أن تكتنفه أحوال تخصه"(2)، وبالتالي يصبح التشكيل اللغوي من أهمّ مجالات الاتصال ومساحات الالتقاء بين المبدع والقارئ.

"البنية المعجمية أكثر بنى النص اختلافا في التركيب وأوضحها ائتلافا في المعنى"(3). في النصوص الأدبية التي تقوم على وسائل متنوعة كالأسماء والأفعال والحروف، تربطها داخل نظام النص الكلي علاقات نحوية، بلاغية، وظيفية، ودلالية...الخ والدلالة أهم بنية يبحث عنها المتلقي، إذ هي التي تقرّب المعنى وتوضّح الفكرة، والترادف والتضاد مكونان هامّان في البنية المعجمية خاصة إذا استدعى النص التكثيف والإيحاء حول المعاني المركزية التي يتمحور حولها موضوعه وتنغلق عندها دلالته.

حيث تعمل المترادفات على إقناع المتلقي بسلسلة من الأدلة اللغوية المتقاربة المعنى والمتشاركة الإيحاء، في حين تسعى المتضادّات إلى توضح المعاني وتقريبها من دائرة ذهنه وخواطر فكره، "وبهذا تختلف المفارقة عن الصور البسيطة التي حدّدتها البلاغة في الطباق والمقابلة؛ لأن المفارقة تتجاوز الجملة إلى النص ككل، ما دامت ترتبط بالمجال الفكري الذي يثير موقفا عاما داخل القصيدة"(4).

ووفق المنوال السابق يمكن القول: إن المترادفات والمتضادّات تلتقيان في مصب الإقناع والتوضيح والإثراء، وتحقق الاستمالة والترغيب والإفادة عند القارئ. ونص أبي البقاء الرندي الذي رثى به الأندلس (الفردوس المفقود) تظهر فيه بوضوح بنية الترادف والتضاد اللغوية التي تجسد بدقة ذلك المشهد الحزين والمروّع، الذي انتقل فيه الشاعر "من رثاء فرد إلى بكاء قبيلة أو أمة أو دولة أو الدنيا جميعا"(5).

وتعدّ الموافقات والمفارقات السمة الأسلوبية المهيمنة على القصيدة التي أعطت للنص بعدا دلاليا وإيحائيا عميقا عمق التجربة الشعرية، يتعالق وشائجيا في السلسلة الدلالية العامة للنص التي تتحد فيها مقومات التعبير بخواطر الفكر، "والنزوع الأسلوبي نحو المفارقة هو في الغالب وليد إحساس خارجي ينطوي عليه العالم من مظاهر الصراع التي تكشف في المعنى الواحد وجهين متضادين"(6).

ومرثية الفردوس المفقود حافلة بالمفارقات والموافقات التي تدور حول معاني النكسة والانكسار، يقول الشاعر:

لكـلِّ شيءٍ إذا مـا تـمَّ نـقـصـــانُ                فـلا يغرُّ بطيـب العيش إنـســـــــــانُ

هي الأمـورُ كـما شهدتـــها دولٌ            من سـرَّهُ زمـنٌ  ساءتهُ أزمــــــــانُ([1])

وهذه الـدارُ لا تبـقي على أحـــدٍ           ولا يدوم على حـال لـها شـــــــــــانُ

يمزّق الدّهـرُ حتمـاً  كلَّ سـابغةٍ               إذا نَبَتْ مشرفيـّاتٌ  وخرصـــــــــــانُ([2])

وينتضي كـل سيـف للفنـاء ولـــو                   كان ابن ذي يزن والغمدُ غمـدانُ

***

أين الملوك ذووا التيجان  من يمنٍ     وأيــن مـنـهـم أكــالـيــل وتـيـجـــــــــــانُ؟

وأيــن مــا شـــاده شــــدَّادُ فــــــــي إرم     وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ؟

وأيــن مــا حــــازه قـــارون مـن ذهــبٍوأيــن عــادٌ وشــدّادٌ وقـحـطــــــــــــــانُ؟

أتـى عـلـى الـكــلّ أمــــرٌ لا مــردّ لــــه      حـتـى قـضـوا فـكـأنَّ القـوم  ما كانـوا

وصـار مـا كــان مـن مُـلْـكٍ ومن مَلِكٍ   كما حكى عن خيال الطّيف وسـنـانُ

دار الـزمــان عـلـى  دَارًا وقــاتِـلِــــــــــهِ   وأَمَّ كــــســـرى فـــمــا آواه إيــــــــــــوانُ

كـأنـمـا الـصعـب لم يسهـل  له سـبـبٌ  يــومــاً ولا مـلـك الـدنــيــا سـلـيـمـــــانُ

***

فـجــائــع الـدهـــر أنـــواعٌ  مــنـوّعــــــةٌ         وللـــزمـــان مَـسَـــرَّاتٌ وأحـــــــــــــــــــزانُ

وللــحـــوادث سُــلْــــوان يـــســـهّــــلـهــــاومـــا لـمــا حــــلّ بـالإسـلام سُـلـــــوانُ

***

دهــى الـجـزيــرة  أمــرٌ لا عــزاء لــــههـــوى لـــه أحــــد وانـهــدّ  ثـهــــــــلانُ([3])

أصـابـها الـعـيـن فـي الإسلام فارتزأت    حــتـى خـلــت مـنـه أقــطـــارٌ وبـلـــــدانُ

فـاســأل بـلـنـسـيـة مـا شــأن  مـرسيـةٍ   وأيـــن شــاطـــبــة أم أيــــن  جـيّـــــــــانُ

وأيــن قـرطـبـة دار الـعـلــوم، فــكـــــــــممــن عــالـم قـد سـمــا فـيـها لـه شـانُ

وأيــن حـمـص ومـا  تـحـويـه مـن نُـزَهٍ       ونـهـــرهــا الـعـذب  فــيّــاض ومـــــــلآنُ([4])

قــواعـد كــــنّ أركـــان الـبــلاد فــمـــــــا       عـسـى الـبـقــاء إذا لـم تـبـق أركــــــانُ

تـبـكي الـحـنـيـفية البيضـاء من أسفٍ    كـمــا بـكـى لـفــراق الإلــف هَـيْـمَـــــــانُ([5])

عـلـى ديّــارٍ مــن الإســلام  خــالــيـــةٍقـد أقـفـرت ولـهــا بـالـكـفـر عـــمـــــرانُ

حـيـث المساجد قد صارت كنائس ما  فــيــهــنّ إلاّ نــواقــيـــسٌ وصــلــبـــــــــانُ

حـتى المحاريـب  تـبكي وهـي جامدةٌ        حــتــى الـمـنــابـر تـرثـي وهـي عـيـدانُ

***

يـا غــافـلا ولـه فـي الـدّهــر مـوعـظةٌ      إن كـنـت فـي سـنـةٍ فـالدهـر يـقـظــانُ

ومــاشـيــا مـرحــا يـلهـيـه مـوطـنــــــــــه      أَبَـعْـدَ حـمـصٍ تـغـرُّ الـمـرءُ أوطـــــــــانُ!؟

تــلك الـمـصـيـبـة أنـسـت مـا تـقـدّمهـا    ومـا لـهـا مـع طــول الـدهــر نــسيــانُ

يـا راكـبـيـن عـتــاقَ الـخـيــلِ ضـامـــــرةً     كـأنّـهــا فـي مـجــال الـسـبـق عـقـبـــانُ

وحـامـلـيـن سـيـوف الـهــنـد  مُـرْهَـفَــةًكـأنّـهــا فـي ظــلام الــنـقــع نـيــــــــــــرانُ

وراتـعـيــن وراء الـبـحــر فـي دعـــــــةٍ       لـهـم بـأوطـــانـهـم عــــزّ وســــلـطـــــــانُ

أعــنــدكــم نـبــأ مـن أهــل أنــدلــــــــس؟       فـقـد سـرى بـحـديـث الـقــوم ركبانُ

كـم يـسـتـغـيث بنا المستضعفون وهم      قـتـلى وأســرى فـمـا يـهـتـزُّ إنـسانُ

مــاذا الـتـقــاطـع فـي الإسـلام بـيـنـكـم   وانـــتـــم يــا عــــــبـاد الله إخـــــــوانُ

ألا نـــفــــوس أبــيّــــات لــهـــا هــــمــــــم       أم عـلـى الـخـيـر أنـصـارٌ وأعـوانُ

***

يــا مـن لـذلــة قـــوم  بـعــد عـــزّهــــــــم      أَحَــالَ حــالَـهـم كـفــرٌ وطـغـيــــــــانُ

بـالأمـس كـانـوا مـلـوكا فـي مـنـازلـهـم     واليومَ هم في بلاد الكفر عبْـدَانُ

فـلـو تـراهــم حـيــارى لا دلــيــل لــهـــــم  عـلـيـهـم مـن ثـيـاب الـذّلّ  ألـــوانُ

ولــو رأيـــت بـكــاهــم عـنـد بــيــعـهــــــم     لـهـالك الأمـر واسـتـهـوتـك أحـزانُ

يــا ربَّ أُمٍّ وطــفـــلٍ حـــيــل بـيـنـــهـمــــا        كـــمـــا تـــفــــرّق أرواحٌ وأبـــــــــدانُ

وطَفْلة مثل حسن الشمس إذ طلعت      كــأنـهــا هــي يــاقــوت ومـــرجــــانُ

يـقـودهـــا الـعـلـج للـمـكــروه مـكـرهــةً       والـعـيـن بــاكــيـة والـقـلــب حـيــرانُ

لـمـثـل هــذا يـذوب الـقـلـب مـن كـمـدٍ     إنْ كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ(7)

عندما يفرغ القارئ من إنشاد هذه القصيدة، تنتابه هالة من الأحاسيس الحزينة والمشاعر الكئيبة، حتّى يشعر وكأنّه ماثل أمام ذلك المشهد المروّع، وهو شاخص البصر شاحب النفس حيران ولهان. يقول أحمد الشايب: "الرثاء لغة الموت، وفن الحزن، ومجال اليأس، ومعرض الوفاء، والحزن في الأصل عاطفة سلبية تحمل الإنسان على العكوف على النفس، والتفكير في شأنها فهو انهزام أمام الكوارث، ومدعاة للعظة والاعتبار"(8).

وقد اشتمل النص على ستة مفاصل متكاملة المعنى محكمة البناء، وكل مفصل يشكّل وحدة لغوية دلالية تسهم في البنية العامة للنص. فالمفصل الأول [1ـ5]:

لـكــلِّ شـيءٍ إذا مـا تـمَّ نـقـصـانُ          فــلا يـغــرُّ بـطـيـب العـيـش إنـسـانُ

هي الأمـورُ كـما شـهـدتـها دولٌ       مــن ســـرَّهُ زمـــنٌ سـاءتـهُ أزمــــانُ

وهذه الـدارُ لا تبـقي على أحـــدٍ       ولا يــدوم عـلـى حــال لــهـا شــــانُ

يمزّق الدّهـرُ حتمـاً  كلَّ سـابغةٍ          إذا نَـبَـتْ مـشـرفـيـّاتٌ  وخـرصـــــانُ

ويـنـتـضي كـل سـيـف للفنـاء ولو             كان ابن ذي يزن والغمدُ غمدانُ

استهلّ الشاعر القصيدة بحكمة عامة مفادها أن النقصان سنة الخلق في كل شيء عند تمامه، وهذا ما تنهض به اللغة في العبارة (لكلّ شيء إذا ما تم نقصان) وأرسل الشاعر حكما مطلقة في باقي الأبيات استلهمها من حوادث الدّهر، وفي هذا المقطع "الألفاظ والصور يقوم بينها من التداعي الطبيعي ما نحس معه أن عجز البيت قد أتى بعد صدره على نحو يخيل إلينا أنّنا كنا نتوقعه"(9). ثم يتوصّل إلى نتيجة مفادها أن كل شيء يفنى وينتهي، وهذا ما تنهض به اللغة في العبارة (وينتضي كل سيف للفناء)، وهو استهلال عام يمهد إلى سقوط الأندلس، حتى يخفّف من هول الفاجعة على القارئ ويجعله يتابع باقي أبيات القصيدة، والفناء أمر محتوم ينزل بساحة كلّ كائن حيّ فلا حصن يحميه ولا أهل ينجيه ولا عرش يبقيه، وكل بناء فوق هذا الكون يندثر مهما برع المهندس في تصميمه وتفنّن في إحكامه ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(10) وهي الحقيقة المرّة التي أبكت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم حجة الوداع.

لذا لا يجدر بالإنسان أن يغترّ بالحياة الدنيا الفانية، والتي لا تستقرّ على حال وإنما هي دائما تتربص به لتفاجئه بتقلباتها، لذلك استخدم الشاعر أسلوب نفي يفيد النهي (فلا يغرّ بطيب العيش إنسان)، وهو نهي حقيقي عن إتباع شهوات النفس في طلب ملذّات الدنيا المتقلبة وطيب عيشها، ليوقظ فكر القارئ بحكمة المطلع، وليزيده في البيت الثاني يقينا(هي الأمور كما شاهدتها دول من سرّه زمن ساءته أزمان)، فالأحداث تتداول على الإنسان كيفما شاءت فتسرّ وتحزن؛ ولا يقوى على ردّها لأنها خاضعة لسلطة الزمان المطلقة (زمن، أزمان) وردتا نكرتين.

وما كان الفصل بين المبتدأ والخبر بالوشيجة (كما شاهدتها) إلاّ من أجل تقوية المعرفة الحسية (الرؤية التاريخية) وجعل المتلقي يعيش ذلك المشهد الأليم ولو إحساسا بعدما أدركه بالمعرفة الذهنية (من سرّه زمن ساءته أزمان)، ليصل بالمعرفة الإنّية إلى ناموس الدهر القائم على مبدأ التحوّل والتغيّر الذي لا يبقي ولا يذر دون تمييز أو تحيّز (لا تبقي على أحد).

وأمّا تخفيف همزة القطع في (شأن) إلى همزة وصل (شان) فهو تخفيف دلالي، لا يعدّ جوازا شعريا فحسب بل يتعدّى أعراف الكتابة الشعرية وجوازاتها إلى قواعد تكثيف الدلالة وتوضيح المعنى، فيصبح تخفيفا إيحائيا يكشف عن خضوع كل المخلوقات لسلطة الدهر المطلقة، التي يجسدها التصوير الاستعاري (يمزق الدّهر كل سابغة).

وهكذا يصل المتلقي إلى إدراك فلسفة الكون القائمة على الثنائيات الضدّيّة (حياة وموت، بناء وهدم، فرح وحزن...الخ) وهي فلسفة تقوم عليها استمرارية الحياة وتجدّد الأمل فيها، ومسرح لوضع الإنسان الاختباري ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتٍ وَنَبْلُوَكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون(11).

ويمكن رصد تلك المتناقضات والمترادفات الواردة في المفصل الأوّل وتأويلها وفق المنوال السابق مع مراعاة دلالتها في أبيات القصيدة، دون الخروج عن بنية المعنى الكلي للنص، "ذلك لأن النصوص الشعرية ـ والنصوص الأدبية عامة ـ تنزع فيها علاقة الدال بالمدلول إلى أن تصبح علاقة مبرّرة لا عفوية ولا اعتباطية"(12) فيمكن تصنيف وتأويل مفردات هذا المفصل حسب الحتمية التالية:

النقصان لا كمال لا بقاء لا دوام = كل المخلوقات.

الكمال التمام البقاء الدوام = الخالق تبارك وتعالى.

ثم يتحوّل الشاعر في المفصل الثاني [6ـ12] إلى سرد عِبر التاريخ سردا استفهاميا تعجبيا ليعزّز النتيجة السابقة، ويستلهم بعض السلوان منه، فيقرأ صفحاته قراءة اعتبارية ويحوّلها إلى سلسلة من الأسئلة الواضحة الإجابة المؤكّدة الحقيقة، ألا وهي حقيقة الفناء التي كتبها الخالق سبحانه وتعالى على جميع المخلوقات، "وبيان ذلك أن الذات المنشئة تسعى إلى رد المتفرق إلى الواحد والمتعدد إلى المفرد"(13). فيقول:

أين الملوك ذووا التيجان من يمنٍ      وأيـــــن مــنــهــم أكـــالــيــل وتـيـجــــانُ؟

وأيــن مــا شــاده شــــدَّادُ فـــــي إرمٍ        وأين ما ساسه في الفرس ساسانُ؟

وأيـن مـا حـازه قــارون مـن ذهـــبٍوأيـــــن عـــادٌ وشـــدّادٌ وقــحـــطــــــانُ؟

أتـى عـلى الـكـلّ أمــرٌ لا مــردّ لــــه       حـتـى قـضـوا فكأنَّ القوم  ما كانـوا

وصار ما كـان من مُلْكٍ ومن مَلِكٍ     كما حكى عن خيال الطّيف وسنانُ

دار الـزمـان عـلى دَارًا وقــاتِــلِــــــــهِوأَمَّ كـــســـرى فـــمــــا آواه إيـــــــــوانُ

كأنما الصعب لم يسهل  له سبـبٌ      يــومــاً ولا مـلك الــدنــيــا سـلـيـمـــانُ

لقدرحل الشاعر مع طيف التاريخ باحثا عن زعمائه الهالكين ورسوما دارسة رغبة في التسلّي والمواساة؛ لأنّ "الرثاء كغيره خاضع للتنوع ولقبول معان أخرى متصلة به كوصف الكارثة، وتفخيم آثارها، وذكر فضائل الميت واتخاذ مصرعه موعظة"(14). فما وجد إلاّ رسوما توحي بالوحشة والحزن منقوشة بفسيفساء الفناء (اليمن، إرم، الإيوان) وشخصيات بليت (شدّاد، ساسان، قارون، عاد، قحطان)، ولو كان للدنيا بقاء لبقت قصور سليمان عليه السلام ومدنه التي تفنّن فيها صنّاع الجنّ والإنس، ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرينَ(15).

وفي هذا المقطع تكاد تغيب المفردات المتضادة ما عدا ذكر سليمان عليه السلام كطرف نقيض لرموز البغي، بخلاف المترادفات التي وردت في شكل متتالية كثيفة المعاني مخصوصة الدلالة؛ فما أكثر الطغاة والفاسدين...! وما أقل المصلحين والصالحين...! ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(16) ذلك ما جعل الشاعر يكثر من ذكر رموز الطغاة ويقلّل من أسماء المصلحين:

ـ عاد، قارون، قحطان، شدّاد، دارا، ساسان، كسرى شادوا، ساسوا بناء وتشييد أكاليل، تيجان بذخ وسعة غرور = سوء خاتمة  وفناء تجربة الطغاة في الحياة = النهاية المأساوية الذميمة.

ـ سليمان عليه السلام العبد الصالح النبي المرسل الملك العظيم والعادل = حسن خاتمة وفناء تجربة الصالحين في الدنيا = النهاية السعيدة.

ـ الحياة = خيال طيف متقلّبة صعبة  شقاء امتحان = الزوال.

وفي المفصل الثالث [13ـ14] الشاعر أحسن التخلص من العموميات لينتقل إلى الموضوع الرئيسي، فلخّص تنوع المصائب في الحياة ببيتين:

فجـائع الدهـر أنـواعٌ  منوّعـةٌ        وللــزمــان مَـسَـــرَّاتٌ وأحــــــزانُ

وللحـوادث  سُلْـوان  يسهّـلهـا        ومـا لمـا حلّ بالإسلام سُلـوانُ

وإقرار الشاعر بحقيقة فجائع الدّهر المختلفة جاء بعدما مرّ بسجل التاريخ الحافل بها "ألسنا نستمد الفهم من تجاربنا السابقة حينا، ومن سياق الكلام حينا آخر؟ فأين هذا الكلام المستقل بالفهم الذي لا نستعين فيه بكلام سبقه ولا بتجارب ماضية"(17). إذ وصل إلى قاعدة إنسانية مفادها: (أحزان قوم عند قوم مسرّات) وذلك حال المسلمين في بلاد الأندلس.

لذا جاءت مفردات هذا المفصل ذات دلالة حزينة في معظمها (أحزان، الدهر، الزمان، فجائع، حوادث)، يتخللها وميض أمل طفيف (مسرّات، سلوان) حتى يبرهن الشاعر على أن قانون الدّهر عادل، فلا فجيعة إلاّ بعد هناء، ولا أحزان إلاّ بعد مسرّة ولا موت إلاّ بعد حياة وعليه يمكن رسم السلسلة الدلالية لتلك الكلمات كما يلي:

ـ الدهر = الزمان فجائع حوادث أحزان مسرّات = سلوان أو ضياع.

ـ إذا مسكّ الدهر بضرّ فالبس ثوب الرضى، أو اهلك في عباءة الأسى. إن حوادث الدهر لا تتخطّاها إلاّ عقيدة راسخة وإيمان قويّ يجعلان الإنسان صبورا على البلايا، ولمّا تكون مصيبته في دينه، فبم يتسلىّ!؟.

وبعد التقديم لهذا الخطب الجليل (فقدان الفردوس) بثلاثة مقاطع ـ لقدسيته ـ حاول الشاعر عرض مشاهده في هذا المفصل [15ـ24] وفي ذلك مدعاة لحمل القارئ على مشاركة المبدع في تلك المحنة الأليمة، وجعله أمام مشهد الأندلس رابط الجأش ثابت الجنان؛ لأنه تلقى حكما ووقائع تاريخية في المقاطع السابقة تسلّطت على مخيّلته وهيّأته لتحمّل هول الفاجعة، فله أن يقارن ويحكم. "والأدب مثله مثل سائر أنماط الإبداع ينزع بوسائله التعبيرية الخاصة إلى إدراك المعنى الكلّي؛ أداته في ذلك اللغة الواحدة، ولكن في صلب هذه الوحدة يكمن التنوع ويستقرّ الاختلاف"(18)

دهــى الـجـزيــرة أمــرٌ لا عـــزاء لـــــــه   هـوى لــه أحــد وانــهــدّ  ثــهــلانُ([6])

أصـابـهـا العـيـن في الإسلام فارتـزأت    حـتـى خـلــت مـنه أقطـارٌ وبلــدانُ

فـاســأل بـلـنـسـيـة مـا شــأن مرسـيــةٍ  وأيـن شـاطبة أم أيـن  جيّــــــــــانُ؟

وأيــن قــرطـبـة دار الـعـلـــوم، فـكـــــــم  من عـالم قد سما فيها له شانُ؟

وأيـن حـمـص ومـا تـحـويـه مـن نُــــزَهٍ    ونهرهـا العذب فيّاض وملآنُ؟([7])

قـــواعـــد كــنّ أركـــان الــبـــلاد فــمـــا         عسى البقـاء إذا لم تبق أركــانُ

تبكي الحنيفية البيضـاء من أســــفٍ        كمـا بكى لفـراق الإلف هَيْمَانُ([8])

عـلـى ديّــارٍ مـــن الإســـلام خــالــيــةٍ         قــد أقـفـرت ولهـا بالكـفـر عمـرانُ

حيث المساجد قد صارت كنائس ما      فيـهــنّ إلاّ نـواقـيــسٌ وصـلـبــــــانُ

حتى المحاريب  تبكي وهي جامـدةٌ     حتى المنـابر ترثي  وهي عيدانُ

جسّد الشاعر مشهد الجزيرة بأسلوب خبري تقريري، كشف عن جراح لا تندمل ودموع ظلت طول الدّهر تنبجس، فسقوط الأندلس بتقاعس أهلها وتربص الكفار بهم، فلا ينفع العزاء وقد غدت خالية من الإسلام سلاحهم الوحيد الذي يذودون به عنها، فوظّف سلسلة من المتضادات والمترادفات يتخلّلها بعض الاستفهام غير الحقيقي باحثا عن تلك الإمارات الإسلامية التي سقطت بيد الكفر فحوّل مساجدها كنائس، أضحت خرساء لا يسمع فيها إلاّ نواقيس زادته وحشة، ولا يرى فيها إلاّ صلبان منصوبة، ومحاريب ومنابر خاوية عمّقت حزنه وأزّمت نفسه أكثر فجاشت عاطفته أسى وخيبة.

 و"يصطدم القارئ بتتابع جملة الموافقات بجملة المفارقات في نص هذا الخطاب"(19) الشعري الحزين، المصوّر للتحوّل الذي أصاب الجزيرة على المستوى الديني وخذلان المسلمين أمام مد تيّار الكفر، وحالها قبل الفتك بها وبعده، وكيف تهاوت إمارات الإسلام الواحدة تلوى الأخرى بسبب مخالفة تعاليم الحنيفية البيضاء والاستبداد بالرأي والانقسام  فأضحت تستحق الندبة والبكاء:

ـ الأندلس الألفة، العمران بلنسية، مرسية، شاطبة، جيّان، قرطبة، حمص قواعد، أركان المساجد، المحاريب، المنابر إسلام وإيمان.

ـ الفردوس المفقود قفر، خالية، حسرة كنائس، نواقيس، صلبان بكاء ورثاء.

ـ إذا تذكرت الأندلس حقّ عليك البكاء والرثاء.

فما بقي للشاعر سوى إطلاق صرخة استنجاد علّها تلقى صدى من وراء الضفاف، في المفصل الخامس[25 ـ 34] عبر شرفات النداء البعيد (يا):

يـا غــافـلا ولـه فـي الـدّهــر مـوعـظةٌ      إن كنت في سنةٍ فالدهر يقظــانُ

ومــاشـيــا مـرحــا يـلـهـيـه مــوطـــنــــــه      أَبَـعْـدَ حـمـصٍ تـغـرُّ المرءُ أوطـانُ!؟

تـلك الـمـصـيـبة أنـسـت مــا تـقـدّمـهـا    ومــا لها مع طــول الـدهر نسيانُ

يـا راكـبـيـن عــتـاقَ الـخـيـلِ ضــامــــرةً       كـأنّـهــا فـي مـجـال السـبق عـقبانُ

وحــامـلـيـن سـيــوف الـهـنـد مُـرْهَـفَـــةً       كـأنّـهــا فـي ظـــلام الـنـقـع نـيـــــرانُ

وراتــعـيــن وراء الــبــحـــر فــي دعــةٍ       لـهـم بـأوطــانـهـم عــزّ وسـلـطــــــانُ

أعــنـدكـم نـبـأ من أهــل أنـــدلـــــــس؟     فـقـد سـرى بـحـديــث الـقــوم ركـبانُ

كم يستغيث بنا المستضعفون وهـم     قـتـلى وأسـرى فـمــا يـهـتـزُّ إنـسـانُ!

مـاذا الـتقـاطع فـي الإسلام بـيـنكـم؟     وانـتـم يــا عــبــاد الله إخـــــــــــــــوانُ

ألا نـفـــوس أبــيّـــات لــهـا هــمــــــــم!؟        أم عـلى الـخــيــر أنــصـارٌ وأعـوانُ

فلا يجد إلاّ غافلين لاهية قلوبهم في ملذات الدنيا ناسين فطنة الدّهر وتربص العدو بهم راتعين في أوطانهم رغم صدمة سقوط حمص، لا تتحرّك نفوسهم هذه المرة ولا ينصرون إخوانهم في الأندلس، لأن التقاطع قد استفحل بينهم وجشع الملك قد غلبهم فأمات فيهم النخوة ورضوا بالقطيعة والانحياز، فيجد المبدع نفسه المنادي والصدى بعدما صدّت في وجهه كل أبواب النجدة والاستغاثة التي غلّقها رحم الملك العقيم (الغفلة التقاطع النسيان اللّهو السلطان).

لقد بيّنت مفردات هذا المقطعحال أهل المغرب الإسلامي والمسلمين عامة الذين تجاهلوا ما حلّ بإخوانهم الأندلسيين، دون أن يهتزّ لهم كيان، غافلين عن تقلّبات الزمان فلا هم ينصرون إخوانهم ولا هم مستعدين للذود عن ديارهم إذا نزل البلاء بساحتهم، ومن كان في غفلة اللهو والسلطان، لا يرجى منه عون ولا نصرة.

ليصلالشاعر في المفصل الأخير إلى الوقوف عند أسباب نكسة الأندلس [35ـ42] التي ذاق أهلها مرارة الذل والصغار بعد العزّ والدعة، فينادي:

يـا مــن لــذلـــة قـــوم بـــعـــد عـــزّهــــم    أَحَــالَ حـالَهــم كــفـرٌ وطــغـيــــــــــانُ

بالأمـس كانـوا  ملـوكا في منازلهــــم   واليومَ هم في بلاد الكفر عبْـــدَانُ

فـلــو تـراهـم حـيـارى لا دلــيــل لـهــــــم    عـلـيـهـم مـن ثـيــاب الــذّلّ ألـــــوانُ

ولـو رأيـــت بـكــاهــم عــنــد بــيــعـهـــــم     لـــهــالك الأمر واستهوتك أحــــزانُ

يــا ربَّ أُمٍّ وطــفـــلٍ حــيــل بــيــنــهــــمـا        كــمــا تـــفـــرّق أرواحٌ وأبـــــــــــــدانُ

وطَفْلة مثل حسن الشمس إذ طلعت      كـــأنــهـا هــي يــاقــوت ومــرجــــــانُ

يـقــودهــا الـعـلـج للـمـكــروه مـكـرهـــةً     والـعــيـن بـاكــية والـقـلـب حـيـــــرانُ

لـمـثـل هــذا يـذوب الـقـلـب مـن كـمــدٍ   إنْ كان في القلب إسلامٌ  وإيمانُ

كشفت الثنائيات الضدية في هذا المفصل عن التّحوّل الذي صيّر الملوك أذلة والأسياد عبدان، والحرائر سبيّات، والأطفال أيتاما مشرّدين، وأكرهت العذارى على البغاء في يد العلج باكيات حيارى (السادة عبدان أذلة حيارى تفرّق بسبب الطغيان. النساء، الفتيات، أطفال نأي حيرة إكراه بكاء وأسى) كلمات هذا المقطع "تدل على معان سلبية مؤلمة كالفجيعة والكارثة، والجزع، والبكاء والخراب، والصور من وادي الموت فالبيوت كالقبور والأطفال مروّعون والنهار ليل، والأزهار ذابلة واليأس قاتل والأمل مقتول"(20).

 فيزداد الشاعر حسرة ويأسا في البيت الأخير، مكتوٍ بنيران الخيبة وانتصار الكفر الذي حوّل الأندلس الفردوس إلى إسبانيا النجس، وذلك كله نتيجة تفريط أمراء الأندلس في دينهم الإسلامي الذي دخلوا به الجزيرة الأيبيرية ولولاه ما وصلوها، وعليه يمكن التسليم بالتحوّل التالي: إذا ابتعدّت عن الإسلام في الملك تذل أنت وأهلك وشعبك ووطنك.

 وأخيرا يمكن تصنيف كلمات القافية تصنيفا معجميا دلاليا لا يركز على الدلالة الصوتية للقافية وما يحمله حرف الروي النون من دلالات الحزن العميقة وخيبة النفس الجريحة فقط بل يتعدّى إلى الكشف عن الدلالة المعنوية التي تحملها كلمات القافية وتنغلق عندها معاني الأبيات، لتظهر براعة الشاعر في تقفية معنى القصيدة ككل؛ لأنه "بعد أن يتوافر للكاتب دقة الفكرة ووضوحها، تكون خطوته الثانية مطابقة الأسلوب لإدراك القارئ"(21) وبالتالي يكون النص قائما على بناء لفظي أفقي وآخر عمودي "والاختيار قائم على أساس قاعدة التماثل والمشابهة والمغايرة والترادف والطباق بينما يعتمد التأليف وبناء المتوالية على المجاورة، وتسقط الوظيفة الشعرية مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف"(22) فيلتقيان في مجرى دلالي واحد مقصود يتسلط على حساسية القارئ، الذي يجد نفسه عندما يسمع أو يقرأ القصيدة يردّد مع الشاعر الكلمات: (نقصان، أزمان، سلوان، عمران، وسنان، ولهان، حيران، أوطان، سلطان، عبدان، نسيان، إيمان ...). لتملأ نفسه حسرة وأسى على ما فقد المسلمون وما حلّ بهم، وهذا تصنيف كلمات القافية:

ـ تيجان، ملآن، أركان، صلبان، عيدان، مرجان، عقبان، نيران، سلطان، أعوان، إيمان.

ـ  إنسان، ساسان، قحطان، سليمان عليه السلام، إنسان، عبدان، ركبان، أبدان، إخوان.

ـ إيوان، ثهلان، بلدان، جيّان، عمران، أوطان، خرصان، غمدان.

ـ شان، وسنان، أحزان، سلوان، شان، نسيان، حيران، أحزان، هيمان، طغيان.

ـ ألوان، أزمان.

 ـ كانوا، يقظان.

وما يلاحظ على هذا التصنيف أن كلمات القافية جاءت كلها أسماء دالة على هيئات أو ذوات لتعكس ثبات الموقف من المشهد الأندلسي المروّع، ما عدا فعلين (كانوا) ويعود على أهل الأندلس وهو فعل ماض ناقص خالي من الحدث دال على الزمن؛ لأنّ الإنسان عاجز أمام آلة الدهر المطلقة، التي عبّر عنها الفعل (يقظان) الذي يدل على حدث وزمان؛ ويعود على الدهر الفاعل الحقيقي في هذا الكون العجيب بأسراره والمتقلب بأحواله.

 وكانت معاني هذه الكلمات ترسم بلون واحد قافية القصيدة المردفة التي يمكن اعتبارها قافية للكون شكلا ومضمونا، فمن ناحية الشكل أبيات القصيدة منتهية بروي النون وكذلك كلمة الكون؛ أمّا من ناحية المعنى فلكونها اشتملت على عناصر الكون الأسطورية، ثلاثة منها تكشف عنها كلمات مباشرة وواحد يستشف من سياقها الإيحائي:

ـ النار نيران.

ـ الماء نهر.

ـ التراب ثهلان جيّان.

ـ الهواء الإنسان، نزه.

وكان توظيف المترادفات أكثر من المتضادات فتقدّر نسبتها بـ: 65.75% أمّا توظيف المتضادّات فكان بنسبة 34.24% وهذا قد يرجع إلى كثافة الدلالة وسرعة الإيحاء فالمفارقات أسرع من الموافقات في هذا الجانب لذلك كانت نسبتها أقل، كما أن مقام الرثاء يناسبه الترادف حتى يتحقق الاسترسال في ذكر المناقب والمثالب، أمّا عند عقد المقارنة والتنويه بشيء ذي قيمة فيكون التضاد أنسب.

إن وحدات النص الصغرى ساهمت في تجسيد ذلك الصراع الدائر بين بني البشر وما يلاقوه من نجاح وفشل وانتصار وخيبة وشر وخير ...الخ في هذه الدنيا، وبنية النص الكبرى كشفت جدلية الثنائيات الضدية التي تقوم عليها فلسفة الكون الفاني، والموقف النفسي الحزين للشاعر الذي يغذي العقل، والشعور، ويرضي النفس الإنسانية معبرا عنها أو مؤثرا فيها، لذا تعدّ هذه القصيدة تجسيدا "لبنية صراعية كبرى هي الواقع والبديل سواء على مستوى الحنين الدّنيوي أو الدّيني، من شأنها توليد ثنائية الدّلالة بين الغرابة والمفارقات من خلال الجمع بين الضدّين، والتقابل بين النّقيضين، سواء بالاستعارة أو المقابلة العادية أو غيرها من الأساليب، وهذه الغرابة هي سرّ الجمالية الشعرية"(23).

هوامش ومراجع:

1ـ عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، شرح وتعليق: عبد المنعم خفاجي، دار الجيل، بيروت، ط1، (1424هـ/2004م) ص332.

2ـ عبد الفتاح لاشين: التراكيب النحوية من الوجهة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني، دار المريخ للنشر، الرياض، المملكة العربية السعودية، دط، دت، ص65.

3ـ محمد الهادي الطرابلسي: دراسات أدبية ونقدية، تحاليل أسلوبية، دار عالم الكتاب، تونس، ط2006م، ص 113.

4ـمحمد العياشي كنوني: شعرية القصيدة العربية المعاصرة، دراسة أسلوبية، عالم الكتب الحديث، أربد، الأردن، ط1، 2010م، ص200.

5ـ أحمد الشايب: الأسلوب، دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية، مكتبة النهضة المصرية، ط8، (1413هـ/ 1993م)، ص86.

6ـ محمد العياشي كنوني: شعرية القصيدة العربية المعاصرة، ص200.

7ـ أحمد بن محمد المقّري التلمساني: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب تحقيق: يوسف الشيخ محمّد البقاعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، سنة(1419هـ/1998م) ج5، ص (372/373/374).

8ـ أحمد الشايب: الأسلوب، ص 85.

9ـ محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب، مطبعة نهضة مصر، الفجالة، مصر، دط، ص42

10ـ قرآن كريم: برواية حفص عن عاصم، دار علوم القرآن، دمشق، سوريا، سورة الرحمن، الآية 26.

11ـ سورة الأنبياء: الآية 35.

12ـ محمد الهادي الطرابلسي: تحاليل أسلوبية، ص9.

13ـ محمد الناصر العجيمي: دراسات أدبية ونقدية في الخطاب السردي، نظرية قريماس، عالم الكتاب، تونس، ط2006م، ص72.

14ـ أحمد الشايب: الأسلوب، ص86.

15ـ سورة المرسلات: الآيتان (16/17).

16ـ سورة يوسف، الآية 103.

17ـ إبراهيم أنيس: من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، مصر، ط7، 1994م، ص277.

18ـ محمد الناصر العجيمي: دراسات أدبية ونقدية في الخطاب السردي، ص72.

19ـ عبد السلام المسدّي: الأسلوبية والأسلوب نحو بديل ألسني في نقد الأدب، الدار العربية للكتاب، (ليبيا، تونس)، ط(1391هـ/1977م)، ص81.

20ـ أحمد الشايب: الأسلوب، ص86.

21ـ المرجع نفسه: ص190.

22ـ حسن ناظم: البنى الأسلوبية، دراسة في أنشودة المطر للسيّاب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2002م، 64.

23ـ فاطمة طحطح: الغربة والحنين في الشعر الأندلسي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، المغرب، 1993م، ص(345/346). 


([1]) دولٌ: متداولة.

([2]) السابغة: الدروع. المشرفيات: السيوف. نبوها: ألا تصيب الضريبة. الخرصان: أراد بها الرماح.

([3]) أحد وثهلان: جبلان.

([4]) حمص: اسم إشبيلية، سميت بذلك لأنّ الفاتحين من أهل حمص الشام نزلوها.

([5]) الحنيفية البيضاء: الإسلام.

([6]) أحد وثهلان: جبلان.

([7]) حمص: اسم إشبيلية، سميت بذلك لأنّ الفاتحين من أهل حمص الشام نزلوها.

([8]) الحنيفية البيضاء: الإسلام.