النمو الديموغرافي و خصائص سوق العمل في الجزائرpdf

 

 

 

 

 أ. محمد صالـي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة(الجزائر)

(طالب دكتوراه بجامعة وهران)

أ.د. فضيل عبد الكريم

 جامعة وهران(الجزائر)

الملخص:

تعد مسألة النمو الديموغرافي أمرا مهما للغاية لما لها من علاقة بالقوى العاملة، حيث أن النمو السكاني المرتفع يؤدي في الغالب إلى ارتفاع معدلات البطالة من خلال زيادة عدد الوافدين الجدد إلى سوق العمل، كما قد يضر بعملية التنمية الاقتصادية و الاجتماعية إذا لم يواكب هذا الارتفاع نمـوا اقتصاديا مناسبا يعمل على ايجاد توازن بين العرض و الطلب في سوق العمل، و قد مرت الجزائر بمراحل مختلفة في نموها الديموغرافي منذ الاستقلال، عرف خلالها سوق الشغل و مختلف القوى العاملة تغيرات و تطورات مختلفة تغيرت خلالها معدلات البطالة و بنية هذه القوى.

الكلمات المفتاحية: النمو الديمغرافي، سوق العمل، البطالة، الشغل.

Résumé :

La croissance démographique est crucial en raison de sa relation avec le marché du travail, où la forte de la croissance de la population entraîne souvent une hausse du chômage en augmentant le nombre de nouveaux entrants sur le marché du travail, car il peut nuire au processus de développement économique et social si cette hausse n'a pas suivi le rythme de la croissance économique adapté, fonctionne à atteindre un équilibre entre l'offre et la demande sur le marché du travail, et l'Algérie a traversé différentes étapes de la croissance démographique depuis l'indépendance, qui a su le marché du travail et les divers changements de personnel et divers développements, au cours de qui les taux de chômage ont changé avec la structure de ces forces.

Mots clés : croissance démographique, marché du travail, chômage, emploi.

Abstract:

The demographic growth is crucial because of its relationship to the workforce, where high population growth often leads to rising unemployment by increasing the number of new entrants to the labor market, as it may harm the process of economic and social development if this rise has not kept pace with economic growth, suitable works to achieve a balance between supply and demand in the labor market, and Algeria has gone through different stages in the demographic growth since independence, which knew the job market and the various workforce changes and various developments, during which unemployment rates have changed with the structure of these forces.

Keywords:demographic growth, labor market, unemployment, workforce.

مقدمـة:

تختلف وجهات النظر لكل من الباحثين الاقتصاديين و الاجتماعيين حول مسألة النمو الديموغرافي و تأثيره في مختلف الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية، فهناك من يرى أن النمو الديموغرافي يعد عاملا مساعدا و مصدرا مهما لتزويد سوق العمل باليد العاملة الضرورية لقيامه و لتشجيع حركية الاقتصاد، كما أن الزيادة السكانية تساهم في زيادة مكونات الطلب المتعلقة بالإنفاق الاستهلاكي الذي يزيد من الأسواق و بالتالي يسهل تسويق مختلف المنتجات و بيعـهاو يحد من انتشار البطالة في أوساط المجتمع، في حين أن هناك من يرى أن النمو الديموغرافي يعمل على التقليل من القدرة الانتاجية من خلال زيادة الاستهلاك و الاستغلال المفرط للثروات الطبيعية المحدودة، مما يؤدي إلى تقلص هذه الموارد و تناقص الغلة نظرا لتقسيم نفس حجم الانتاج على عدد عمال يتزايد من سنة إلى أخرى.

 فعلى الرغم من وجود نماذج عديدة تفسر أثر العوامل الديموغرافية على النمو، إلا أنه برز في النصف الثاني من التسعينات اتجاهات عالمية تعطي للعوامل الديمغرافية دورا أكبر في تحديد النمو و التشغيل من خلال تأثيرها على سوق العمل، و كذا الادخار و الاستثمار و الدخل، فلقد كان التوازن الديمغرافي في الماضي مرتكزا على معدلات مرتفعة للخصوبة و الوفاة، غير أنه حدثت تغيرات في هذا النمط في المراحل اللاحقة إثر الانخفاض السريع لمعدلات وفيات الرضع، و زيادة توقعات أمل الحياة اللذان أحدثا تحولات في البنية العمرية للسكان، مما أدى بدوره إلى زيادة أعداد السكان في أعمار النشاط الاقتصادي (15-64)، كما أدى استمرار ارتفاع مستوى الخصوبة لعقود متتالية إلى زيادة أعداد صغار السن (0-14) بشكل ملفت، حيث أن بنية السكان حسب الفئات العمرية العريضة تعكس التأثير المتبادل لارتفاع الخصوبة و انخفاض الوفاة، لأن أفواج الولادات الكبيرة العدد تنتج من أعداد النساء في أعمار الانجابمن الأجيال السابقة، و تؤدي زيادتها المستمرة إلى تراكم في الفئة العمرية الكبرى التي تضم فئة الناشطين اقتصاديا.

إن الاختلاف في وجهات النظر المتعلقة بالعلاقة بين النمو الديموغرافي و النمو الاقتصادي لا يعد مشكلا كبيرا، لا سيما و أن العلاقة بينهما تختلف من بلد إلى آخر و من نمط اقتصادي إلى آخر، إلا أن القوى العاملة البشرية في أي بلد تساهم بشكل كبير في تحقيق النمو الاقتصادي، فهي تعتبر عنصرا مهما من عناصر الانتاج، و قد يؤثر مستواها في زياد أو انخفاض الطاقة الانتاجية للاقتصاد التي تعتبر المحرك الأساسي للنمو، كما تعتبر العلاقة بين النمو الديموغرافي و القوى العاملة على درجة كبيرة من الأهمية، فهي تؤثر في التنميـة و في مختلف الجوانب الاقتصادية المتعلقة بها، إضافة إلى تأثيرها في حياة المجتمعات عامة، حيث أنه كلما كان معدل النمو الديموغرافي و حجم السكان و نمط توزيعهم عوامل تؤثر في الموارد الاقتصادية و تتحكم في سرعة التنمية و تكوينها، فإن متطلبات سوق العمل تكون مرتبطة بالتنمية و ارتفاع العائدات، و بعدد أفراد القوى العاملة و من سيدخلون هذه السوق، خاصة من فئة الشباب.

 لقد أسهم النمو الديموغرافي السريع في تدني الاستثمار الأفضل للموارد الطبيعية و البشرية، و شكل ضغوطا على المخططين و القائمين، و من ثم زاد في عبء الإعالة فارتفع معدلها، الأمر الذي أدى إلى نقص متوسط دخل الفرد و انخفاض مستوى المعيشة، كما أثار حجم القـوى العاملـة اهتمام الكثيرين بالنظر إلى نوعها و مستوى تأهيلها وتدريبها، و مما زاد في هذا الاهتمام تسارع التقدم التكنولوجي و تطور وسائل الإنتاج من مهارات و خبرات عالية، لذلك عملت الكثير من المجتمعات على دراسة واقعها الاقتصادي و الاجتماعي و وضعت الخطط اللازمة للتعليم وتدريب العاملين و تأهيلهم، فأقامت المؤسسات و المراكز المختصة بذلك تلبية لحاجيات التنمية الشاملة و المستدامة.

 لقد أصبح للنمو الديموغرافي تأثيرا في معدلات البطالة و العمالة على مستوى حركتها الراهنة أو حتى المستقبلية، من خلال ارتفاع عدد الداخلين الجدد إلى أسواق العمل كل سنة، حيث يؤدي النمو السريع للسكان إلى زيادة في أعداد القوى البشرية العاملة ويؤثر في العرض والطلب على اليد العاملة، مما يسبب في ارتفاع نسبة البطالة و إعاقة عملية التنمية، الشيء الذي يؤدي إلى زيادة في الطلب على المواد الغذائية و السكن و التعليم و الخدمات الصحية...الخ، و لمواجهة هذه الصعوبات و المشكلات لابد من إعطاء أولوية لهذه القضية و الاهتمام بها لتحقيق التوازن بين ما هو معروض من قوى عاملة و متطلبات سوق العمل، و لن يتأتى هذا إلا بالتنسيق و الموازنة بين النمو الديموغرافي المنظم و التنمية الاقتصادية الشاملة و المستدامة المدروسة.

شهدت الجزائر خلال السنوات التي أعقبت الاستقلال مباشرة نموا مرتفعا في عدد السكان، و ذلك بفعل التغيرات الاقتصادية و الاجتماعية التي كان لها الفضل في تحسين مستوى معيشة السكان، و كان انتشار المراكز الصحية و تقدم الرعاية الطبية قد أدى إلى انخفاض في نسبة الوفيات خاصة لدى الأطفال، مما أدى إلى ارتفاع سريع في الزيادة السكانية خلال فترة وجيزة، حيث قدر معدل النمو السكاني خلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 1985 بحوالي 2.9%، ليتراجع فيما بعد و يصل سنة 2006 إلى حوالي 1.78%، كما أدت التحولات في المجال الاقتصادي و الانتقال نحو اقتصاد السوق مع مطلع التسعينات إلى ظهور مشكلات أهمها صعوبة التوفيق بين المكاسب الاقتصادية و الجوانب الاجتماعية، خاصة ما تعلق منها بالاختلالات الكبيرة التي مست سوق العمل، و ذلك بالتراجع الحاد في عروض العمل مقابل التزايد المستمر في الطلب على التشغيل، مما جعل موضوع التشغيل يقفز إلى المراتب الأولى ضمن أولويات برامج التنمية الاجتماعية و الاقتصادية، و مما زاد من خطورة هذه الاختلالات في معادلة العرض و الطلب في سوق العمل في الجزائر تلك النسب المرتفعة للبطالة التي سجلت، حيث تشير العديد من التقارير الرسمية إلى أن مستوى البطالة بدأ في الارتفاع من 17% سنة 1987 إلى 28% سنة 1995، ليصل إلى حدود 30% مع مطلع سنة 2000.

و من أجل الاحاطة بالموضوع، سنعمل من خلال هذه الورقة على دراسة تطور حجم السكان و نموهم و تركيبتهم العمرية و النوعية، و التطرق إلى تحليل عناصر القوة البشرية في سوق العمل، و مدى حاجة سوق العمل لها من خلال إظهار تأثُر نمو القوى العاملة بمتطلبات سوق العمل، و التحولات التي شهدتها معدلات البطالة و التشغيل، و مدى إمكانية إيجاد توازن بين النمو الديموغرافي و زيادة اليد العاملة المؤهلة للحد من انتشار ظاهرة البطالة.

أولا- تطور النمو الطبيعي لسكان الجزائر و أهم المؤشرات الديمغرافية الحالية:

ينشأ التغير الطبيعي للسكان بسبب الولادات و الوفيات، و بتأثير تغير السكان الطبيعي يتزايد حجم السكان الكلي إذا كان مجموع الولادات في السنة يزيد عن مجموع الوفيات، و بالعكس ينقص عدد السكان إذا زادت الوفيات عن الولادات.

الشكل رقم(01): تطور عدد سكان الجزائر من 1962 إلى 2013(عدد السكان بالملايين منتصف السنة).

S170901

من خلال الشكل رقم(01) الذي يبين تطور سكان الجزائر و نموهم منذ الاستقلال، و الذي صاحب سياسات تنموية و سكانية مختلفة، و من خلال المخططات التنموية التي عاشها الاقتصاد الجزائري إضافة إلى التغيرات الاجتماعية و السياسة التي شدتها الدول، و استنادا إلى هذه المعطيات يمكننا تقسيم فترات النمو الديموغرافي في الجزائر إلى ثلاثة فترات وفق ما يلي:

×   الفترة الأولى من (1962-1979):

كانت الجزائر تعاني بعد استقلالها من مخلفات الاستعمار تمثلت في بنية مدمرة و مجتمع كان يعاني من التخلف على كل الأصعدة، مما اضطرها لانتهاج عدة سبل للنهوض بمقوماتها، و خلال الفترة المذكورة أعلاه اعتمدت سياسات تنموية عمودها الجانب الصناعي، حيث تم تنفيذ ذلك بفضل استثمارات كبيرة اعتمدت على المخططات التنموية        و المتمثلة في المخطط الثلاثي (1967–1969)، الذي تم من خلاله تحديد الاختيارات الأساسية للبلاد بهدف بناء المجتمع و تمكين المواطنين من الاستفادة من ثمار التنمية الاجتماعية، ثم المخطط الرباعي الأول (1970–1973)، ثم المخطط الرباعي الثاني (1974–1977)، و بذلك وضعت الأسس القانونية و الفنية لتطبيق استراتيجيات طويلة الأجل من أجل تحسين الاقتصاد الوطني و تهيئة الظروف لذلك، و بخصوص السياسة السكانية في هذه الفترة فلم تكن واضحة اتجاه النمو الديموغرافي، حيث لم يتم الاشارة إليها في المخططات التنموية السالفة الذكر.

لقد كان الاعتقاد السائد في هذه الفترة هو أن التطور الاقتصادي و الاجتماعي و التنمية المحققة ستؤدي إلى خفض الخصوبة، حيث لم يتم الاهتمام بالتزايد السكاني و المسألة الديمغرافية، و تم التركيز على التنمية كعامل يمكنها التأثير على متغير النمو الديموغرافي، و مما جاء في الميثاق الوطني بهذا الخصوص نذكر "...إن هذه الطريقة الموضوعية التي ستؤدي في النهاية إلى تخفيض نسبة تزايد السكان إلى الحد الذي يتناسب فيه مع المحافظة على معدل سريع في التقدم بفضل المجهودات التي تبذل لرفع مستوى معيشة الجماهير...."[1].

و نتيجة لذلك عرفت الجزائر خلال هذه الفترة نموا ديموغرافيا سريعا، حيث ارتفع عدد السكان سنة 1970 إلى 13.309 مليون نسمة بعدما كان 10.458 سنة 1962، أي بزيادة قاربت 03 ملايين نسمة في ظرف 08 سنوات فقط، لينتقل هذا العدد إلى 18.120 مليون نسمة سنة 1979، أي بنسبة زيادة مقارنة بما كان عليه عدد السكان سنة 1962 تقدر بـ 73.26%، و هي نسبة مرتفعة جدا، كانت نتيجة النمو الديموغرافي السريع.

×   الفترة الثانية (1980 – 1989):

شهدت هذه الفترة الثانية مخططين خماسيين، المخطط الخماسي الأول (1980– 1984) و المخطط الخماسي الثاني (1985– 1989) الذين كانا مهمين في مسيرة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد، و كان هدفهما بلوغ غايتين تمثلتا في تنظيم مختلف الأنشطة التنمويـة و مواصلة النمو الاقتصادي، و المحافظة على الاستقلال الاقتصادي و تلبية حاجيات السكان.

بدأت السياسة السكانية في الجزائر تتضح خلال هذه الفترة، حيث ضمت المخططات الانمائية الاشارة بوضوح إلى ضرورة التحكم في النمو الديمغرافي الذي اعتبر عاملا مساعدا على تحقيق البرامج التنموية للمخططات، حيث ورد في المخطط الخماسي الثاني في هذا الخصوص "....إن هذا النمو الديمغرافي القوي يشكل عقبة في وجه التنمية، بتقليل حجم الاستثمارات التي تستثمرها الدولة، كما يعيق الجهود المبذولة في سبيل رفـع مستوى المعيشـة و تحسين حياة المواطنين، و بما أن الاحتياجات الاقتصادية و الاجتماعية تتزايد بوتيرة أسرع مـن الموارد الاقتصادية، فإن النزوح الريفي قد يزداد حـدة، و الفوارق الاجتماعية و الجهود قد تزداد خطورة، و أهداف تحسين ظروف الحياة و فعالية البرامج قد تتأخر، لكون عدد السكان الهائل يلتهم كل ما من شأنه زيادة الفعالية، و لهذا فعلى المخطط الخماسي الثاني أن يولي أهمية خاصة للقضية الديمغرافية...."[2].

تم ايلاء اهتمام كبير للمسألة السكانية التي كانت تهدد التنمية و تعتبر عائقا في طريقها، لذا عرفت هذه الفترة انخفاضا في وتيرة تزايد النمو الديموغرافي راجعة إلى تطبيق برامج التنظيم أو التخطيط العائلي، و انتشار استعمال وسائل منع الحمل، حيث ارتفع عدد السكان سنة 1990 إلى 25.022 مليون نسمة بعدما كان في بداية فترة الثمانينات 18.666 مليون نسمة، أي بنسبة زيادة قدرها 25.40%، و هي نسبة أقل بكثير مما كانت عليه خلال فترة السبعينات.

×   الفترة الثالثة (1990 – 2013):

شهدت هذه الفترة تراجعا في وتيرة النمو الديموغرافي مقارنة بما كانت عليه من قبل، و ذلك نتيجة تراجع الظروف الاجتماعية و الاقتصادية التي كانت صعبة، و كذا تدهور القدرة الشرائية و انخفاض المستوى المعيشي، حيث عانت الجزائر من الديون الخانقة بعد انخفاض الايرادات اللازمة لتغطيتها، و لجأت إلى الاستدانـة و تدويل الديون لاستعادة توازنها و استقرارها الاقتصادي، كما تراجع الاهتمام بالسياسة السكانية خلال هذه الفترة، خاصة فترة التسعينات التي شهدت عدم استقرار أمني و سياسي كذلك أثرا على نواحي الحياة عامة.

بعد العرض المجمل لمراحل تطور النمو الديموغرافي في الجزائر، سنتطرق الآن لأهم المؤشرات الديموغرافية الحالية، فقد قدر مجموع السكان المقيمين في الجزائر في 01 جانفي 2014 ما تقديره 38.7 مليون نسمة حسب معطيات الديوان الوطني للإحصائيات، بعدما كان يقدر حسب التعداد العام الأخير للسكان الذي جرى بتاريخ 16 أفريل 2008 بـ 34.1 مليون نسمة، كما تميز الوضع الديمغرافي سنة 2013 بانخفاض في عدد الولادات الحية و كذلك الوفيات، إضافة إلى انخفاض طفيف في مستوى وفيات الأطفال الرضع، و ارتفاع معتبر لعدد الزيجات.

سنعرض أهم الخصائص الديموغرافية التي ميزت سكان الجزائر سنة 2013 كما يلي[3]:

§   كثافة سكانية غير متوازنة مع تركز قوي للسكان على الشريط الساحلي وكذا التحضر السريع، حيث توجد المناطق الحضرية وشبه حضرية بالشمال، و التي لا تحتل سوى 4% فقط من التراب الوطني، حيث أصبحت تعد الأكثر كثافة سكانية بنسبة 80% من مجموع السكان.

§   زيادة طبيعية لعدد السكان المقيمين تقدر بـ 795 ألف نسمة سنة 2013، و هو ما يعادل فرق بـ 14 ألف نسمة مقارنة بسنة 2012، و بذلك انتقل معدل النمو الطبيعي من 2.16 إلى 2.07.

§   تواصل ارتفاع نسبة فئة الأعمار التي تقل عن 05 سنوات، حيث انتقلت من 11.2% إلى 11.4% ما بين سنتي 2012 و 2013، كما عرفت فئة السكان الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة ارتفاعا، حيث انتقلت من 27.9% إلى 28.1% خلال نفس الفترة السابقة.

§      واصلت نسبة الفئة العمرية في سن النشاط الاقتصادي (15-59) سنة انخفاضها، حيث انتقلت من 64.0% إلى 63.6% بين 2012 و 2013.

§   ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 60 سنة فما فوق سنة 2013، حيث انتقلت من 8.1% إلى 8.3% بين 2012 و 2013، أي ما يعادل 000 188 3 نسمة.

§      عرفت الفئة النسوية في سن الانجاب ارتفاعا بـ 100 ألف امرأة مقارنة بسنة 2012، ليبلغ تعدادها 10.6 مليون امرأة.

§   عرف المعدل الخام للولادات انخفاضا بين سنتي 2012 و 2013، حيث انخفض مـن 26.08 إلى 25.14، و بالمثل عرف المعدل الخام للخصوبة انخفاضا كذلك، حيث تراجع من 3.02 إلى 2.93 طفل لكل امرأة خلال نفس الفترة، كما واصل متوسط السن عند الانجاب انخفاضه بنفس الوتيرة المسجلة في السنوات السابقة، ما يمثل تراجعا بـ 0.1 نقطة في السنة، ليصل إلى 31.4 سنة في سنة 2013.

§   تراجع المعدل الخام للوفيات بين 2012 و 2013 من 4.53 إلى 4.39، أي بانخفاض نسبي قدره 1.1%، كما شهد معدل وفيات الرضع في نفس الفترة تراجعا بـ0.2 نقطة ليصل إلى 22.4.

§   ارتفاع احتمال البقاء على قيد الحياة للجنسين معا من 76.4 إلى 77.0 سنة بين 2012 و 2013، أي ما يعادل زيادة بـ07 أشهر مقارنة بسنة 2012 (0.6نقطة)، مع وجود تباين طفيف بين الجنسين، حيث بلغت الزيادة لدى الذكور (0.7 نقطة) و 06 أشهر لدى الاناث (0.5 نقطة).

§   عرفت سنة 2013 زيادة معتبرة في حجم الزواجات، حيث سجلت الحالة المدنية 974 387 حالة زواج، أي ما يعادل ارتفاعا بنسبة 4.6% مقارنة بسنة 2012، ليبلغ بذلك المعدل الخام للزواجات 10.13.

ثانيا- العمالة و الاستخدام:        

يعتبر الحديث عن قوة العمل و الاستخدام من أهم الموضوعات التي تهتم بها المجتمعات، نظرا لارتباط قوة العمل بعملية الإنتاج، و من أجل التنمية و تحقيق مردود أعلى في الإنتاج، تلجأ خطط التنمية و استراتيجياتها إلى إعطاء الأولوية في هذا المجال إلى التدريب و التأهيل، لذلك فإن حجم قوة العمل و تكوينها هما غاية في الحساسية، و يستحقان الاهتمام في خطط التنمية، و يتبع حجم القوة العاملة ثلاث مجموعات من العوامل تتمثل في الخصائص الديموغرافية للسكان، و مدى مشاركة الفئات المختلفة من السكان في نشاطات القوة العاملة، و ما يمكن تسميته بالالتباسات الإحصائية التي ترتبط بقياس القوة البشرية على أنها بمثل الأهمية التي تجعل إجمالية القوة العاملة المسجلة غير قابلة للاعتماد عليها.

يتفق معظم المراقبين على أن الحجم و البنية العمرية للسكان هما العاملان الأكثر أهمية في تحديد قوة العمل،   و لكن لا يجب إبعاد التأثيرات الأخرى، و استنادا إلى الباحثين "كلاين و كوسويد" فإن معدل المشاركة الإجمالية لليد العاملة، أو نسب العاملين إلى مجموع السكان، تشكل رقما ثابتا من الناحية العملية، و هي من ثم واحدة من النسب الاقتصادية الكبرى[4].

إن الاهتمام بالقوى العاملة يتطلب إعداد خطط تنموية و استراتيجيات ملائمة تتوافق و حركية هذه القوى، و ذلك بالنظر إلى الوافدين الجدد إلى سوق العمل و نسبة هذه القوى إلى مجموع عدد السكان، من خلال توزيع بنيتهم على قطاعات النشاط الاقتصادي، والقوى العاطلة على العمل، و نسبة مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، و التي ستؤثر لا محالة في معدلات الخصوبة، و بالتالي في معدلات النمو الديموغرافي، لذا فإن دراسة القوى العاملة و الاستخدام تتضمن مجموعة أسس مترابطة تنتهي جميعها نحو تحسين أدائها.

ثالثا- سوق العمل و العوامل المؤثرة فيه في الجزائر:

من الضروري التطرق إلى مفهوم سوق العمل الذي يعرف بأنه الوسط الذي يبحث فيه العاملون بهدف بيع خدماتهم لأصحاب العمل الذين يقومون باستئجارها مقابل شروط و ظروف يتفق عليها، كما يعرف على أنه "المؤسسة التنظيمية الاقتصادية التي يتفاعل فيها عرض العمل و الطلب عليه، أي المجال الذي يتم فيه بيع الخدمات و شراؤها    و بالتالي تسعير خدمات العمل"[5]. و تأسيسا على ما تم ذكره، فإن القوى البشرية تمثل العرض المتاح من أولئك الذين يملكون القدرة و الرغبة و الاستعداد للعمل، سواء كانوا يعملون فعلا و يتطلعون لفرص أفضل، أو متعطلين يبحثون عن عمل أو طارقين لسوق العمل و كانوا أصلا خارجين عن دائرتي المشتغلين و المتعطلين.

كما قد يتشابه مفهوم سوق العمل مع سوق السلع و الخدمات، فيمثل جانب العرض للقوى البشرية القادرة  و الراغبة و المستعدة للعمل، بينما يمثل جانب الطلب طلبات المنظمات التي تحدد الأماكن الشاغرة فيها، و حينما يتقابل العرض مع الطلب يجري تحديد للثمن (الأجر المحدد للوظيفة)[6].

يتأثر سوق العمل بعدة عوامل، وذلك في عرض العمل والطلب عليه، ولأهمية هذه التأثيرات سنتطرق إلى بعضها باختصار، حيث نذكر منها العامل الجغرافي، العامل الديموغرافي، العامل السياسي و العامل الاقتصادي.

üالعامل الجغرافي:بما أن الأيدي العاملة غير متواجدة في منطقة واحدة بل تتوزع على كل مناطق البلاد، وأن المؤسسات تأخذ من سوق العمل هذه القوى البشرية، فإننا بذلك نشير إلى أن سوق العمل هو مكان جغرافي تتوفر فيه القوى العاملة المتاحة، بحيث يعطي المكان الجغرافي لسوق العمل حدودا إقليمية مما قد يؤدي إلى صعوبة في توظيف الأيدي العاملة من خارج هذه الحدود، وهذا ما يسبب بعد المسافة بين مركز العمل وبين المكان الذي يقطن فيه العمال، وإما نتيجة لانعدام شبكات الاتصال والمواصلات، أو ارتفاع تكاليف النقل والذي بقى دائما عائقا أمام التشغيل، وكذلك هناك عدة مشاكل تتمثل في عدم وجود العمران والمرافق الاجتماعية القريبة من مراكز الشغل مما يعيق الباحثين عن العمل على مغادرة أماكن إقامتهم، و بالتالي كان لزاما على المؤسسات إيجاد حلول لهذه المشاكل من خلال توفير سكنات ومباني ومراكز صحية ومدارس قرب هذه المؤسسات ... لتوزيع أحسن لليد العاملة.

üالعامل الديموغرافي:في الواقع يشكل السكان مخزونا أساسيا تلجأ إليه المؤسسات عند الحاجة إليه، وبما أن الزيادة السكانية التي تعرفها البلاد خلال كل سنة والحجم الهائل من الفئة الشبابية القادرة على العمل، فإن هذا النظام له دور فعال في تحديد حجم العمل، وسنتطرق إليه بمزيد من التفصيل فيما بعد وذلك لما له من تأثيرات كبيرة على سوق العمل.

ü  العامل الاقتصادي:إن هدف هذا العامل الذي هو مرتبط ارتباطا مباشرا بسوق العمل هو تحديد حجم العمالة، وذلك بالمقارنة ما بين العرض والطلب على العمل، فإذا كان الطلب أقل من العرض تكون هناك البطالة، أما إذا كان الطلب أكبر من العرض نكون في وضعية التشغيل التام، وأبسط تعريف للعمالة الكاملة هو أن وضع السوق يتميز بعدم وجود البطالة، إلا أنه في الواقع قد لا نستطيع ذلك، بحيث إذا رمزنا لمجموع السكان النشيطين بالحرف (س.ن) وللسكان المشتغلين بالحروف (س.م) فإن العمالة الكاملة تتحقق في المجتمع عندما يكون (س.ن)-(س.م) يؤول إلى الصفر، أي عندما يكون إجمالي السكان النشيطين ناقص إجمالي السكان المشتغلين فعلا مقتربا من الصفر ولا يساوي الصفر والسبب في ذلك أن التشغيل الكامل المطلق الذي يتحقق لو كان (س.ن)-(س.م) =0 نادر الوجود في الواقع، هذا إن وجد أصلا.

إن هذا الهدف يجعل دائما الدولة في حالة طوارئ، خاصة إذا كان كل اقتصادها غير متوازن، وبالتالي تلجأ إلى تطبيق عدة سياسات اقتصادية وذلك من أجل التقليل من حدة البطالة وتفاقمها.

 üالعامل السياسي:إن القوانين والتشريعات هي التي تجعل كل من العمال وأرباب العمل في صف واحد، بحيث تحمي العمال من المنازعات ضد أرباب العمل وذلك لضمان حقوق العمل، وكذلك فهي تعطي امتيازات وتسهيلات لأرباب العمل من أجل الزيادة في خلق مناصب الشغل وذلك بالاستثمارات المتجددة، ولما لهذه القوانين والتشريعات من تأثيرات مباشرة في سوق العمل، وذلك إما بتغيير العرض أو الطلب على العمل، فإنها تكون من اختصاص الدولة، هذه الأخيرة هي فقط من تقوم بعدة إجراءات تحمي من خلالها الشغل، نذكر منها:

1.   تصدر الدولة تشريعات تمنع المؤسسات من توظيف أشخاص غير مسجلين بمكاتب اليد العاملة وتوظيف الأجانب بصورة غير قانونية.

2.  تخصيص منحة من طرف الدولة للأشخاص العاطلين عن العمل مما قد يشجعهم ويجعلهم أكثر تيقظا في البحث عن الوظيفة المناسبة –إذ أن الطلب على العمل أصبح يملي شروط عدة للعمل.

3.   توسيع وإحداث مشاريع جديدة لامتصاص القوى العاملة العاطلة عن العمل.

4.   تشجيع الخواص بالتسهيلات الممكنة من أجل خلق مناصب للشغل.

رابعا- تطور القوى العاملة و مكوناتها تحت تأثير العوامل الديموغرافية والاجتماعية:

تلعب الديموغرافيا دورا هاما في سوق العمل على المدى الطويل والمتوسط​​، وهذا على مستويين:

الأول- الحركة الطبيعية:حيث يمكن تقسيمها إلى مرحلتين، الأولى من الولادة وحتى الدخول في سوق الشغل، ثم تليها المرحلة الأخرى من بداية العمل إلى التقاعد، حيث تكون هناك حركة عكسية غير خطية، حتى يمكن التنبؤ بالقادمين إلى سوق العمل، فمثلا نجد أن عدد الولادات في عام 2014 يحدد بدقة احتمال عدد الداخلين في سوق العمل بين 2032 و 2042 ويسمح بتنبؤات موثوقة نسبيا حول عدد أو نسبة التقاعد للسنوات 2064 و 2074.

كانت القوى العاملة دائما محل اهتمام كبير للمجتمع بدرجات متفاوتة و حسب المراحل التاريخية، و تمحورت  و لا زالت تتمحور حول رهانات حاسمة خاصة فيما يتعلق بالاستقرار و التماسك الاجتماعي، حيث عملت الجزائر المستقلة للقضاء على شبح البطالة الذي كان يهدد نسيجها الاجتماعي و الاقتصادي، من خلال بعث عدة برامج تنموية، و اتخاذ عدة اجراءات للتمكن من معالجة مشكلة البطالة.

تعتبر دراسة معدلات مشاركة السكان النشيطين اقتصاديا أو ما يسمى بمعدل النشاط من الأمور الهامة، باعتباره يعكس مستوى التطور الاقتصادي و الاجتماعي للبلد، كما سنرى من خلال معطيات الجدولرقم (01).

S170902

بالنظر إلى المعطيات الموجود في الجدول رقم(01)، نلاحظ أن عدد السكان النشيطين قد ارتفع من 3.05 مليون في عام 1977 إلى 5.34 مليون في عام 1987، ليصل إلى 11.7 مليون سنة 2014، كما أن معدلات النشاط بقيت منخفضة مقارنة بالبلدان الصناعية المتقدمة، حيث أنها لم تصل إلى نسبة 50%، و يمكن إرجاع ذلك إلى عوامل مختلفة يمكن ذكر أهمها، و المتمثلة في فتوة التركيب العمري لسكان الجزائر، أي النسبة العالية لفئة الأفراد الأقل من 15 سنة، ولاسيما في السنوات 1977 إلى 1992، حيث ارتفع معدل النشاط من 36.5% إلى 44.3%، لينخفض بعدها و تتراوح قيمته بين 40 إلى 45%، وترجع هذه الزيادة إلى تغيرات مست الفئات العمرية الأكثر من 15 سنة، هذه التغيرات المتوقعة في البنية السكانية حسب السن في السنوات المقبلة يمكن أن يكون لها تأثيرا أكبر، أما بخصوص فئة السكان غير النشيطين، ينبغي لنا أن نتوقع على سبيل المثال أن نسبة كبار السن (المتقاعدين) سترتفع،زيادة على ما تم ذكره نظيف أيضا ارتفاع معدلات الالتحاق بالتعليم و مواصلته للجنسين معا، و تقلص عرض مناصب عمل جديدة لامتصاص الطلب المتزايد عليها، حيث أن السياسة الصناعية التي طبقتها الجزائر في ظل اقتصاد التخطيط المركزي خلال فترة النظام الاشتراكي سنوات السبعينات و الثمانينات قد ساهمت بشكر كبير في توفير فرص واسعة للحصول على مناصب عمل جديدة، و قد عرفت الفترة الممتدة بين 1966 و 1985 ايجاد صافي لمناصب العمل خارج قطاع الفلاحة قدر بحوالي 02 مليون منصب عمل، و التي ساعدت بدورها على خفض معدلات البطالة.

بعد أزمة انخفاض أسعار النفط سنة 1986 و تبعاتها على الاقتصاد الوطني، تقلصت فرص إيجاد مناصب عمل جديدة، مما أدى إلى خلل في العرض و الطلب في سوق العمل الجزائري، و بالنظر إلى التزايد الكبير في معدل النمو الديموغرافي الذي شهدته البلاد نهاية الستينات و سنوات السبعينات، و كذا الدخول المتأخر في الحياة العملية، و دخول المرأة إلى عالم الشغل و التقاعد المبكر، كل هذا أدى إلى ضرورة التفكير في توفير مناصب عمل جديدة تمتص الوافدين الجدد إلى سوق العمل.

لقد عرف المؤشر التركيبي للخصوبة (ISF) انخفاضا محسوسا منذ الثمانينات، وبالأخص خلال عشرية التسعينات، حيث قدر سنة 1970 بـ 8.4 طفل لكل امرأة، بينما انخفض إلى 6.9 طفل لكل امرأة سنة 1980، ثم إلى 4.5 طفل لكل امرأة سنة 1995، ليصل إلى 2.4 طفل لكل امرأة سنة 2002.

عرفت الفترة الممتدة بين 1970 – 1985 انخفاضا طفيفا في المؤشر التركيبي للخصوبة من 7.8 إلى 6.2 طفل لكل امرأة، و هذا راجع إلى عدم تطبيق سياسة البرنامج الوطني للتحكم في النمو السكاني بوضوح، و إلى انتشار الأمية و عدم الوعي لمخاطر النمو الديمغرافي السريع في ذلك الوقت.

أما الفترة الممتدة بين 1985 – 2002 فقد عرفت هي الأخرى انخفاضا معتبرا في المؤشر التركيبي من 6.2 إلى 2.4 طفل لكل امرأة، و يرجع ذلك إلى الاهتمام الذي حظيت به المسألة السكانية من خلال تطبيق البرنامج الوطني للتحكم في النمو الديمغرافي سنة 1983، و انتشار استعمال موانع الحمل التي وصلت نسبة استعمالها سنة 2000 إلى 64% مقابل 08% فقط سنة 1970، إضافة إلى عوامل أخرى أثرت على الخصوبة منها البطالة و أزمة السكن.....الخ.

بعد سنة 2002 إلى غاية سنة 2012، بدأ المؤشر التركيبي للخصوبة في العودة نسبيا إلى الارتفاع نتيجة ارتفاع عدد المواليد و ارتفاع المعدل الخام للزيجات، حيث ارتفع المؤشر من 2.48 طفل لكل امرأة سنة 2002 إلى 3.02 طفل لكل امرأة سنة 2012.

بالإضافة إلى انخفاض الخصوبة، فقد شهد معدل الوفيات تراجعا هو الآخر، حيث كان مرتفعا غداة الاستقلال نظرا للظروف الصحية و المعيشية و الأوضاع المتدهورة التي كانت عليها البلاد خاصة حالة الحرب، حيث كان يقدر بـ 17.1‰ سنة 1960 ليصل إلى 10.9‰ بداية سنوات الثمانينات بسبب تحسن الخدمات الصحية و الظروف الاقتصادية على ما كانت عليه سابقا، و إلى اهتمام السياسات الحكومية المتعاقبة بذلك، ليتواصل انخفاضه إلى غاية بداية التسعينات و بوتيرة أقل من الأولى، ليقدر سنة 1990 بـ 6.03‰، ثم كان متذبذبا في اتجاه الارتفاع بنسبـة قليلة بسبب الظروف الأمنية و الاقتصادية الصعبة التي مرت بها البلاد، لينخفض سنة 1998 إلى 4.87‰ مع بداية عودة الاستقرار و تحسن الوضع الاقتصادي، لتأخذ بعدها وضعا نوعا ما مستقرا عند مستوى معين يتراوح بين 4.30‰    و 4.59‰ بين سنوات 2000 – 2011.

لقد أدت أدى النمو الديموغرافي السريع الذي شهدته الجزائر سنوات السبعينات و الثمانينات فيما بعد إلى زيادة الطلب على مناصب العمل التي عجزت الدولة على تغطية العجز المسجل فيها، كما أدت هذه الزيادة في الموارد البشرية إلى انتشار ظاهرة البطالة كما سنوضحه لاحقا عند الحديث عن هذه الظاهرة.

الثاني- السلوكات الاجتماعية:و التي تمثل الجانب الاجتماعي من خلال تناول معدل المشاركة في النشاط الاقتصادي و معدل الاعالة.

ü   معدل المشاركة في النشاط الاقتصادي في الجزائر:

يتأثر هذا المعدلبالعوامل الاجتماعية والثقافية التي تحدد دخول السكان في سن العمل إلى سوق الشغل، ويتطلب المعدل أيضا مستوى البطالة، حيث أن ارتفاع معدل البطالة قد يدفع الأفراد إلى السعي للبحث عن نشاط للعمل، فقد انتقلت نسبة المشاركة العامة من 42 % إلى ما يقارب 49 % بين التعداد السكاني العام لسنتي 1977 و 1998، لتحقق الاستقرار على نحو 40 % في الفترات الأخيرة.(أنظر الجدول رقم(02)).

S170903

نسبة المشاركة (معدل النشاط) : عدد السكان الناشطين إلى عدد السكان في سن العمل (وفقا لتعريف منظمة العمل الدولية).

يرجع هذا الاتجاه التصاعدي لتطور معدل المشاركة الذي استمر حتى عام 1998 إلى زيادة معدلات مشاركة الإناث في سوق العمل على مدى العقدين الأخيرين من القرن الماضي، حيث انتقلت هذا المعدل من 5.43% سنة 1977 إلى ما يقرب من 17% في عام 1998، كما شهدت هذه الفئة السكانية نزوحا من القطاع الزراعي إلى الخدماتي، و على العكس من ذلك استقرت نسبة مشاركة الذكور في حوالي 80% بعدما كانت 85% في التعداد السكاني لعام 1987، لتشهد انخفاضا حسب تقديرات سنة 2005 و تستقر في معدل 69.2%.

ويمكن تفسير هذا التطور المختلف في هذه المعدلات بتأثير المستوى التعليمي و ارتفاع نسبة المتمدرسين على المشاركة في سوق العمل، حيث ارتفع متوسط ​​سنوات الدراسة من 1.5 سنة إلى 5.4 سنوات بين عامي 1970        و 1999 وذلك بفضل تأثير استمرار دعم الدولة لسياسة مجانية التعليم منذ الإصلاحات التي حصلت في القطاع التعليمي في سنة 1971، ولاسيما على مستوى المدارس الثانوية حيث كان يسمح للطلبة متابعة دراستهم وعدم التركيز على سوق العمل مما أدى إلى انخفاض في معـدل المشاركة لدى فئة الأعمار 15-25 سنة.

يمارس ارتفاع المستوى التعليمي تأثيرا قويا على مشاركة الفئات الاجتماعية في سوق العمل و لاسيما بالنسبة للإناث، حيث شهدت هذه النسبة ارتفاعا متزايدا مع ارتفاع هذا المستوى، فإذا كانت هذه الزيادة في مشاركة المرأة هي علامة على زيادة إدماج المرأة في النشاط الاجتماعي و سوق العمل (كما سنرى لاحقا)، فإنه يشكل تحديا آخر بالنسبة للجزائر، حيث أن هذه الزيادة في قوة العمل يمكن أن تزيد من حدة الضغوط على سوق العمل، كما يمكن أن يرجع الانخفاض الكبير في نسبة المشاركة في الفترة الأخيرة إلى استمرار البطالة التي من شأنها تثبيط الناس على البحث عن عمل على الأقل في القطاع الرسمي. [7]      

يمكن أن تظهر العلاقة الوثيقة و المتعددة بين النمو الديموغرافي و سوق الشغل (اليد العاملة) من خلال التغيرات الحاصلة في المجتمع، فالمجتمع السكاني التي شهد في ماضيه القريب نموا سكانيا كبيرا جدا يمكنه أن يواجه بعد 15 أو 20 عاما توقعا لحجم كبير في عدد الداخلين لسوق العمل ببلوغهم سن العمل و دخولهم ضمن فئة الأفراد المعنيين به.

ü      معدل الاعالة في الجزائر:

"يبين هذا المعدل عدد الأفراد الذين يعيلهم شخص واحد بالمتوسط، و تظهر أهمية هذا المؤشر في كون أن توفير منصب شغل واحد هو توفير لقمة العيش لعيال هذا الشخص"[8] ، كما يمكن اعتبار أن نسبة الاعالة العمرية هي نسبة الأشخاص المعالين الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة و الذين تزيد أعمارهم عن 64 سنة فما فوق إلى السكان في سن العمل لفئات العمرية من 15 إلى 64 سنة حسب تعريف منظمة العمل الدولية.

S170904

 يتضح من خلال ملاحظة الشكل البياني رقم (03) أن نسبة الاعالة الخام في الجزائر قد بلغت حوالي 46.7% سنة 2010 و ارتفعت قليلا سنة 2013 لتصل إلى 47.9% مقابل نسب مرتفعة جدا في سنوات الستينات و السبعينات       و حتى نهاية سنوات الثمانينات، حيث قدرت سنة 1966 بـ 105.2% و سنة 1977 بـ 99.2%، ثم سنة 1990 بـ 88.8%، أي أن تراجع هذه النسبة التي كانت مرتفعة جدا إلى أكثر من نصف القيمة التي كانت عليها غداة الاستقلال يعبر عن انخفاض عبئ الاعالة الذي كان واقعا على كل شخص في سن العمل في الجزائر، مما يعني أيضا أن هؤلاء الأفراد العاملين سيتمكنون من الادخار أكثر و ينفقون أقل، كما أن ايرادات الحكومة لابد أن تذهب نحو مشاريع البنية الأساسية بدل الزيادة في الانفاق على مشاريع توفير الغذاء و التعليم و غيرهما، مما سيؤثر لاحقا بشكل ايجابي على حجم التشغيل في حد ذاته.

خامسا- الانتقال في عمل المرأة:

شهدت الجزائر التي اختارت التوجه الاشتراكي لاقتصادها تدفق أعداد هائلة من النساء في سوق العمل خلال العقد الماضي، حيث عرفت تلك الفترة تسليط الضوء على التمكين في ميدان التعليم والعمل، و برغم ذلك فإنها لم تحقق تقدما كبيرا في وصول المرأة إلى نسب مشاركة مرتفعة ضمن سوق العمل، و ظلت خلالها معدلات مشاركة الإناث في الشغل من بين أخفض المعدلات في العالم.

و على العكس مما سبق ذكره، عرف معدل التحاق الإناث بالتعليم الثانوي والعالي من إجمالي عدد الاناث ارتفعا بمعدل أسرع بكثير، حيث ارتفع هذا المعدل من 36.9% سنة 1960 إلى 59.60% في سنة 1977 ليصل في سنة 1998 إلى نسبة 80.73%.[9]

  يمكن حصر العوامل التي يمكنها أن تفسر انخفاض مشاركة الإناث في سوق العمل في العشريتين اللتين تلتا الاستقلال في ثلاثة عوامل رئيسية:

×   العامل الديموغرافي:و المتمثل في السن المبكر عند الزواج، وعدد الأطفال لكل امرأة الذي كان مرتفعا حسب ما تم التطرق إليه سابقا، الشيء الذي أدى إلى ارتفاع معدلات المواليد و معدلات الخصوبة، هذا ما يفسر انخفاض مشاركة الإناث في الدخول إلى سوق العمل في تلك الفترة.

×   المستوى التعليمي:حيث لوحظت تغييرات في معدلات الالتحاق بالتعليم من 6-14 سنة، فكان هناك فرق كبير بين معدلات الذكور والإناث المسجلة سنة 1966 و التي قدرت بـ 36.90% للإناث         و 56.80% للذكور لتعرف تغيرا سنة 1988 حيث أصبحت تقدر بـ 73.8% للإناث و 85.28% الذكور ومع ذلك و على الرغم من تقليص الفجوة، تلقت الفتيات تعليما أقل من الفتيان خلال هذه الفترة، والذي يترجم في معدلات الأمية الذي هو أعلى بين النساء بكثير منه بين الرجال.

×  عامل التقاليد:و هو التفسير الأكثر شيوعا لتدني مشاركة المرأة في سوق العمل المأجور، الذي يبرز العوامل الاجتماعية والثقافية، ولاسيما ثقل العادات و التقاليد التي كانت سائدة، والتي كان من شأنها معاداة عمل المرأة عند جزء كبير من أفراد المجتمع. [10]

كما يظهر بصورة جلية للمتتبع تزايد تواجد المرأة في سوق العمل في العشريتين الأخيرتين، حيث يمكن تفسير ذلك بما يلي:

§  تزايد الفقر وانخفاض المستوى المعيشي:حيث يفضل المجلس الاقتصادي و الاجتماعي (CNES) هذا التفسير، فتم إنشاء علاقة بين التغيرات في مستويات الفقر ومعدلات المشاركة المتزايدة.

§  ارتفاع معدلات التمدرس:حيث ارتفع متوسط ​​عدد سنوات الدراسة كما سبق ذكره، ويظهر هذا التزايد أكثر وضوحا بالنسبة للإناث، حيث سجلت على سبيل المثال مشاركة الإناث في امتحان البكالوريا بنسبة 57.87 % في 2004 مقابل 42.13 % للذكور، كما أن معدلات النجاح في هذا الامتحان بلغت 44.53 % بالنسبة للإناث و36.36 % للذكور.

هناك تأثير مزدوج للانتشار التعليم و مواصلة الدراسة، فالأول من خلال تشجيع الشباب على مواصلة الدراسة مما يؤجل التحاقهم بسوق العمل، ويعمل على خفض معدل مشاركة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15-25 سنة، والثاني أن مستوى التعليم له تأثير إيجابي على مشاركة السكان بين 15 و 30 في سوق العمل.

هناك بعض العوامل الديموغرافية التي لها تأثيرات مميزة في القوة العاملة النسائية، خصوصا تأخر سن الزواج وانخفاض عدد الأطفال لكل امرأة الذي انعكس أو كان له تأثير على سلوك المرأة اتجاه العمل، وقد انخفض معدل الخصوبة الكلي في بداية سنوات التسعينات حيث كان 4 أطفال لكل امرأة إلى 2.4 في عام 2002، علاوة على ذلكفقد ارتفع متوسط ​​سن الزواج من 27.7 إلى 33 سنة بالنسبـة للرجال بين سنتي 1987 و 2002، و انتقل من 23.7 إلى 29.6 سنة بالنسبة للنساء خلال الفترة نفسها.[11]

سادسا- اتجاهات البطالة في الجزائر:

  كانت البطالة منذ الاستقلال بطالة هيكلية واسعة النطاق، حيث كانت اليد العاملة آنذاك غير مؤهلة و مركزة  بشكل كبير في الأرياف (70%)، و مع بداية النزوح الريفي المبكر نحو المدن تفاقمت البطالة بشكل كبير جدا، و قد أثرت هذه الخصائص لمدة طويلة على سوق العمل و سياسات التوظيف[14] .

تفاقمت البطالة كظاهرة –بالإضافة إلى ما ذكرناه- جراء الركود الذي حصل سنة 1980 (انخفاض الاستثمارات، وتدمير النظام الإنتاجي)، فلم يواكَب هذا الركود في الانخفاض في مناصب العمل بتوفير فرص عمل جديدة، حيث ارتفع معدل البطالة من 9.7% عام 1985 إلى 24.36% في عام 1994 ليصل إلى 29.29% في عام 1999، بعدها شهدت سنة 2000 بداية الانخفاض، حيث سجلت نسبة 28.89%، ليعرف بعدها معدل البطالة خلال السنوات التي تلت تراجعا مستمرا. (أنظر الجدول رقم03).

S170910

 يمكن تقسيم مراحل تطور معدلات البطالة في الجزائر اعتمادا على معطيات الجدول رقم(03) إلى أربع مراحل:

        المرحلة الأولى(1966– 1984):حيث ركزت الجزائر في أعقاب الاستقلال على استراتيجية إيجاد فرص العمل، وذلك لأن معدل البطالة المسجل خلال التعداد السكاني لعام 1966 كان معدلا عاليا للغاية بلغ 32.9% في فئة الأعمار 15-64 سنة، حيث كان تعداد السكان العاطلين عن العمل المقابل لذلك المعدل ما يقرب من 843 ألف شخص لمجموع عدد سكان قدر بنحو 12 مليون في ذلك الوقت، فواجهت الجزائر هذه المشكلة من خلال سياسة تنمية شاملة كان هدفها الأساسي إيجاد فرص شغل من خلال تعزيز فرص العمل الموجودة، والقضاء على البطالة ومواجهة طلبات العمل المتوقعة مستقبلا، وقد كان لهذه السياسات الشاملة أداء مرضيا، حيث انخفض معدل البطالة بشكل ملحوظ، والجهد المبذول كان فعالا بحيث تم تغطية العجز في خلق مناصب العمل المتعلقة بالطلبات المتزايدة بنسبة 50% في 1966 حيث أصبحت البطالة في سنوات السبعينات أقل حدة مما كانت عليه غداة الاستقلال.

      المرحلة الثانية (1985-1987):أثر انهيار أسعار النفط في منتصف الثمانينات على حجم وهيكل الاستثمار مما أدى إلى الحد من خلق فرص عمل جديدة، كما تزامنت هذه المرحلة الحرجة مع وصول أجيال عديدة إلى سوق العمل مما أدى إلى تفاقم الوضع أكثر مما كان عليه، و بدأت معدلات البطالة في الارتفاع، حيث كانت سنة 1984 تقدر بـ8.7% لترتفع سنة 1987 إلى 21.4%، و هي نسبة مرتفعة جدا بالنظر إلى المدة الوجيزة.

      المرحلة الثالثة (1989-1999):شهدت هذه المرحلة انخفاضا في معدل نمو الاقتصاد الذي كان نتاج انخفاض في الاستثمارات العامة في سنة 1986، و قد أثر هذا الوضع سلبا على سوق العمل، بالإضافة إلى ذلك ضعف أداء الجهاز الوطني للإنتاج الذي لم يفلح في خلق فرص عمل حيوية، فارتفعت معدلات البطالة التي انتقلت من 18.5% سنة 1989 إلى 29.29% سنة 1999، لتبلغ بذلك أعلى قيمة مسجلة لها.

  وعلى الرغم من الجهود المستمرة لخلق وظائف جديدة، فإن معدل البطالة بقي مصدر قلق نظرا لقوة اليد العاملة المتزايدة بسرعة، حيث سجلت وصول من 250 الف إلى 300 ألف وافد جديد إلى سوق العمل كل سنة، كما أن زيادات السكان النشيطين التي واكبت معدل نمو سنوي متوسط ​​قدره 3.5% أدت إلى تواصل الضغط على سوق العمل، و مما ساهم أيضا في تفاقم الوضع تسريح ما يقرب من 383 ألف فرد من وظيفته في أعقاب إعادة هيكلة المؤسسات العمومية و تسريح الآلاف من العمال بسبب التدابير المتخذة في إطار برامج التكييف الهيكلي (PAS) بالإضافة إلى الوضع الأمني الذي كان سائدا خلال سنوات التسعينات، كل ذلك أدى إلى تراكم عدد العاطلين عن العمل الذي ارتفع إلى الضعف ببلوغه أعلى قمة مسجلة مقارنة بما كان عليه سنة 1986.

          المرحلة الرابعة (2000-2013):سجلت هذه المرحلة اتجاه نحو الانخفاض في معدل البطالة، حيث انخفض من نسبة 28.89% إلى 11.3% بين عامي 2000 و 2008 وفقا للإحصائيات الصادرة عن الديوان الوطني للإحصائيات، ليصل إلى 9.8% سنة 2013 و ذلك بفضل إنشـاء وكالات دعم توفير مناصب العمل (ANEM،CNAC ،ANSEJ...)  التي ساعدت في ايجاد مناصب عمل، و تخفيف الضغط المسجل في سوق الشغل.

سابعا- تغير هيكل العمالة في الجزائر:

  يتميز تطور القوى العاملة في فترة التكيف الهيكلي بزيادة كبيرة في عدد الأشخاص العاملين، و انخفاض عدد العاطلين عن العمل، ما أدى إلى تغير في بنية الشغل، حيث أن تحليل تطورها يدل على أنها قد شهد تغيرات عميقة

S170906

  من معطيات الجدول رقم (04) يمكننا الخروج بأربعة اتجاهات رئيسية لتحليل تطور بنية الشغل:

الاتجاه الأول:الذي واكب الانتقال إلى اقتصاد السوق الذي أدى إلى وجود وتطور وكلاء اقتصاديين جدد، مما أدى إلى تزايد وزن فئة أرباب العمل والمستقلين، هذه الفئة التي كانت تمثل قرابة 17% فقط عام 1987 أصبحت تمثل نسبة 29% من مجموع السكان النشيطين سنة 2008، يمكن أن يفسر هذا الاتجاه جزئيا بتغير وضع المزارعين الذين ذهبوا من "التعاونيات" إلى مستقلين و أرباب عمل، ولكن وزنهم ليس مهم للغاية لأنه لا يمثل سوى 3.8% من فئة السكان العاملين سنة 1992، و خروجهم من فئة الموظفين لا يفسر سقوط وزنهم من هذه الفئة الأخيرة.[12]

من ناحية أخرى فإن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تم إنشاؤها في جميع القطاعات خلال سنوات التسعينات مهم جدا، فمن بين 160 ألف مؤسسة صغيرة ومتوسطة تم تسجيلها في نهاية سنة 2000، فإن ما بقي يشتغل منها قدر بقرابة الربع فقط، حيث عرفت هذه المؤسسات الخاصة تزايدا بنسبة 53%، وهي تمثل في معظمها قطاعات النقل والبناء والاتصالات والتجارة والخدمات وجذب مزيد من الاستثمارات الخاصة، وصناعة المواد الغذائية التي لفتت أيضا حركة الاستثمار الكبيرة.[13]

          أما الاتجاه الثاني:الذي لوحظ على مدى الفترة بين (2000-2008) يخص تغير بنية الشغل حسب نوع النشاط كما يتضح من البيانات الموجودة في الجدول رقم (05).

S170907

يمكننا ملاحظة نقاط هامة في هذه الحالة:

·  القطاعان اللذان فقدا وزنهما في بالبنية العامة للعمالة هما قطاع الفلاحة و قطاع الأشغال العمومية، حيث فقدا على التوالي 6% و 4.4% من مجموع القوى العاملة خلال الفترة من 1990 إلى 2000، هذه الخسائر ناجمة عن حل عدد كبير من الشركات العمومية، لكن خلال الفترة 2000-2008، سجل قطاع البناء في بنية العمالة وزنا قدر بزيادة قدرها 7.2% مقارنة بسنة 2000 بسبب بداية ظهور شركات المقاولات الآتية من الخارج (تركيا وايطاليا والصين) و انطلاق العديد من مشاريع، حيث عرفت هذه الفترة ايرادات خارجية ضخمة آتية من ارتفاع أسعار النفط، كما أضحت الجزائر خلالها حقلا كبيرا لتجسيد منشئات كبيرة بلغت قيمتها 150 مليار دولار بين عامي 2000 و 2007 كانت معظمها في بناء المدارس والمساكن والمستشفيات والطرق السريعة، وتجديد السكك الحديدية،... الخ.

·  على العكس من ذلك و بالرغم من الانخفاض الكبير لأعداد الموظفين في قطاع الصناعة وخلافا للاعتقاد العام السائد، سجل القطاع الصناعي ما نسبته 12.5% من القوى العاملة، ومع ذلك انخفض وزنه في بنية العمالة بنسبة 3%.

·  شهدت كل من قطاع التجارة وخدمات النقل والاتصالات ارتفاعا في نسبة المشتغلين، حيث ارتفعت نسبة المشتغلين بقطاع التجارة من 9.9% سنة 2000 إلى 14.6% سنة 2008، أما بالنسبة لعقود الخدمة فارتفعت نسبتها من 10.9% إلى 15.8% خلال نفس الفترة السابقة، كما عرف وزن هذين القطاعين في سوق العمل تزايدا كبيرا بالرغم من التحول إلى اقتصاد السوق والتطبيق الصارم لبرنامج التعديل الهيكلي.

        الاتجاه الثالث:الذي يمكن ملاحظته فيما يتعلق بكتلة العاملين الموظفين أنها انتقلت من نسبة 75% تقريبا سنة 1992 إلى 68.4% في 2000 لتصل إلى 65.83% في 2008 (أنظر الجدول رقم 04)، حيث تم بالفعل تسجيل الاتجاه نحو الانخفاض خلال الفترة السابقة هذا من ناحية، و من ناحية أخرى فإن كتلة الموظفين الدائمين انخفضت من 70% في عام 1987 إلى 58% في عام 1992 لتصل إلى 48.8% في 2000 ثم 30.05% في 2008، حيث فقدت هذه الكتلة ما يقارب من  13% من وزنها ضمن بنية السكان النشيطين (أنظر الجدول رقم 06). 

S170908

وأخيرا فإن الاتجاه الرابع المهم في العشرية الماضية هو تطور الاقتصاد غير الرسمي (الاقتصاد الموازي)، حيث بلغ معدل النشاط غير الرسمي نسبة 26%، حتى أن أكثر من ربع مخزون سوق العمل يسيَّر من قبل هذا القطاع، فحركته في سوق العمل لا تمس فقط العاملين غير المصرح بهم، بل أيضا أرباب العمل ورجال الأعمال الذين يشتغلون بدون إعلان رسمي.[14]

خاتمـة:

تعرضنا في هذه الورقة البحثية إلى عاملين مهمين، الأول هو النمو السكاني أو الديموغرافي و الثاني هو قوى العمل و الاستخدام، حيث قمنا بتتبع حركة النمو الديموغرافي من خلال عرض أهم المؤشرات المتعلقة بذلك، و تطرقنا إلى تطور قوى العمل، مستعينين ببعض الإحصائيات الرسمية للديوان الوطني للإحصائيات و نتائج التعدادات السابقة   و بعض المسوح المتعلقة بالشغل، و قد حاولنا أن نقدم عرض حال للنمو الديموغرافي في الجزائر و واقع سوق الشغل و متطلباته، من خلال التعرض إلى ظاهرة البطالة التي أصبحت تقلق أكثر من أي وقت مضى.

إن ظاهرة البطالة التي أصبحت تقلق دول العالم عامة تخص و تعني الجزائر أيضا، وهذا أمام الإمكانيات المادية والاختيارات الصعبة والعراقيل العديدة التي لا تسمح بتحقيق الأهداف المرجوة أحيانا، هذه الظاهرة تزداد تفاقما وحدة مع تزايد النمو الديموغرافي والأعداد الهائلة التي تلقيها المدارس ومعاهد التكوين والجامعات إلى سوق العمل، وهناك فعلا خيارات لخلق وظائف جديدة وفق البنية الاجتماعية و الديموغرافية التي تتميز بها الجزائر، خاصة في هرمها السكاني الذي يبين غلبة فئة الشباب على الفئات العمرية الأخرى، وتعود صعوبة الاختيار كذلك قلة الاستثمارات الجديدة الكفيلة بخلق وظائف ومناصب شغل أخرى للحد من خطر البطالة، مما جعل الاقتصاد الجزائري يعتمد على الريع البترولي من دون التمكن من ايجاد اقتصاد حقيقي يعمل على ايجاد توازن في العرض و الطلب في سوق العمل،  كما أن عدم وجود دراسات ميدانية لاستثمارات أخرى خارج قطاع المحروقات، بالإضافة إلى اتباع الجزائر لسياسة الصناعة الثقيلة وعدم فسح المجال أمام الخواص، و عدم استقرار سعر الصرف وانخفاض قيمة الدينار، قد أثر في ارتفاع البطالة وقلة مناصب بالإضافة الى سوء التسيير للموارد البشرية، خاصة فيما تعلق بتسيير اليد العاملة.

لا يمكن أن نرجع الزيادة في مجموع القوى العاملة إجمالا أو حسب الجنس فقط إلى النمو الديموغرافي فقط، حيث ساهمت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي حصلت خلال فترات مختلفة -كارتفاع المستوى التعليمي للمرأة، تغيير المواقف التقليدية تجاه عمل المرأة، وحجم وتوزيع الاستثمارات- في زيادة حجم السكان النشيطين وتوزيعهم حسب العمر والجنس، كما أدى التغير في البنية السكانية إلى زيادة عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، ولاسيما من فئة النساء، الشيء الذي يعكس تأثير طبيعة السكان التي يغلب عليها الشباب، والضغط الذي يفرضه على الطلب الاجتماعي للإمدادات محتملة من القوة العاملة و الطلب على وظائف اجتماعية مستقرة وكريمة.

لكن رغم هذا فإن الجزائر تملك عدة امتيازات وخصائص و امكانيات اقتصادية تجعلها تتدارك الموقف، بالانتباه إلى مسألة النمو الديموغرافي التي لها تأثير في سوق الشغل، خاصة ما تعلق بالوافدين الجدد إلى هذه السوق، بتأثيرها في حجم القوة السكانية النشيطة، لذا كان لزاما تبني واعتماد سياسات و استراتيجيات سكانية واضحة و متوازنة تهدف إلى إيجاد توازن بين النمو الديموغرافي و سوق العمل، من خلال الاهتمام بتدريب القوى العاملة و تأهيلها  و تطويرها و تكوينها تكوينا مختصا بما يتماشى و حركة التطوير و التحديث، خاصة فئة الشباب و الكفاءات الجامعية المتخرجة للحد من مشكلة البطالة و إيجاد فرص عمل، و كذا إصلاح المؤسسات العمومية وتحديثها.

قائمة المراجع:

[1]- حزب جبهة التحرير الوطني، الميثاق الوطني، 1976، دار الصحافة للتوزيع و النشر، ص170.

[2] - Ministère de la planification et de l’Aménagement de territoire, 2ème plan quinquennal (1985 – 1989), Alger, P13.

[3]- الديوان الوطني للإحصائيات (ONS)، الموقع الالكتروني www.ons.dz .

[4]- محمد رفعت المقداد، النمو السكاني و أثره في القوى العاملة في القطر العربي السوري بين عامي 1960  و 2004م، مجلة جامعة دمشق، المجلد24، العدد الثالث + الرابع، 2008، ص 337.

[5]- مركز رياض نجد للإشراف و التدريب التربوي، التهيئة لسوق العمل، دار المؤلف للنشر و التوزيع، 2006، ص16.

[6]- منصور أحمد منصور(1975)، تخطيط القوى العاملة بين النظرية و التطبيق، وكالة المطبوعات، الكويت، ص35.

[7]- BOUKHLIA Hassane, Talahite F(2008), Marché du travail, régulation et croissance économique Algérie  revue tiers monde, PUF, n°194, PP 413- 437.

[8]- البشير عبد الكريم، دلالات معدل البطالة و العمالة و مصداقيتهما في تفسير فعالية سوق العمل، مجلة اقتصاديات شمال افريقيا، العدد السادس، ص181.

[9]- KAMEL KETAB (sans année), Ecole population et société en Algérie, PP 74 -108

[10]- TALHITE.F (2009), « Algérie emploi féminin en transition », communication au colloque international inégalité et développement dans les pays méditerranéens, GDRIDRE université de galatasaray, istanbul, turque 21-23mai.

[11]- HAMEL et HAFFAD(2001), "restructuration et emploi en Algérie" communication présenté en Algérie au Fith on Algeria Restrucuring the Algerien Economy trends, Pattrens and implication" university of Bristol.  

[12]- BOUYACOUB.A (2002), "formation l'emploi et l'employabilité" Alger le 27, 29 Avril, BIT.

[13]- Ministère de la PME/PMI (2001), rapport sur l'état des lieux. 

[14]- HAMOUDA NE,ISLIM.A., MUZETTE M.S, (2003), marché du travail  et emploi en Algérie, élément pour une politique national de l’emploi, profil de pays, OIT, Alger.