تطور البنية الإجتماعية للمجتمع الجزائريpdf

خلال القرن التاسع عشر

 

 

د. ليلى تيتة

كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية

والعلوم الإسلامية

جامعة الحاج لخضر باتنة (الجزائر)

Abstract

Algeria experienced during the nineteenth century Ottoman presence and the French occupation. In both situation , Algerian society known shifts which  have occurred in the social structure. In this article , we will try to address it by showing the extent to which the Algerian society change, on the other hand the extent of readiness to maintain or repudiation of the values ​​and fundamentals

Resume

Au cours du XIXe siècle, l’Algérie a connu une présence ottomane jusqu’à 1830 et une occupation française jusqu'à la fin du siècle et au-delà. Dans les deux situations, la société algérienne a connu des changements qui ont eu lieu surtout dans la structure sociale.

A travers cet article, nous allons tenter d’examiner les transformations qui ont eu lieu dans la société et ces mesures de préparation de maintenir ou de rejeter les valeurs et les principes fondamentaux.

الملخص

شهدت الجزائر خلال القرن التاسع عشر وجودا عثمانيا استمر إلى 1830 واحتلالا فرنسيا استمر إلى نهاية القرن وبعده. وفي كلتا الوضعيتين، عرف المجتمع الجزائري تحولات طرأت على بنيته الإجتماعية وهو ما سنحاول التطرق له في هذا المقال من خلال تبيان مدى قابلية المجتمع الجزائري التغيير، ومن جهة أخرى مدى جاهزيته للحفاظ أو التنصل من القيم والمقومات الأساسية حيث يمثل موضوع التحولات الحاصلة في المجتمع الجزائري رافدا معرفيا جديدا على صعيد الأطر الفكرية والمنهجية بالرغم من حداثة المصطلح على المستويين الوطني والمحلي.

مقدمة:

مرت الجزائر على مدار تاريخها الطويل بعدة تحولات مست بالأخص تركيب مجتمعها وبنيته، ولعل نهاية فترة التواجد العثماني وبداية التواجد الفرنسي إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر لا تمثل استثناءا عن ذلك، وهو الأمر الذي سنحاول التركيز عليه. فكيف كان ذلك؟

1- البنية الإجتماعية للمجتمع الجزائري قبل 1830

لقد أدى الواقع الاجتماعي الذي فرضه الوجود العثماني – أو تراكم إبان ذلك نتيجة لما آلت إليه دول المغرب الأوسط في مرحلة ما قبل الوجود العثماني– بالمجتمع الجزائري إلى أن يكون مجتمعا ريفيا في معظم الجهات، يزدوج فيه نمط الحياة الحضري في الجبال والبدوي في السهول. كانت الحياة الحضرية ريفية بشكل كبير إلا أنها توفرت على بعض التجمعات السكنية المدينية أكبر من التي كانت في الريف. هكذا إذا كـان واقع الجزائر العثمانيـة قبل وصول الفرنسيين. لقـد توزع العدد الأكبـر من سكـانها (حوالي 95 بالمائة)بالريف فيمـا توزعت الـ 05 بالمائة الباقية على المدن[1].

عرفت المدن توزيعا جغرافيا غير متكافئ للسكان إذ تركز العدد الأكبر من السكان بالجهات الغربية على عكس الناحية الشرقية، كما ضمت - من بين ما ضمت - عائلات حضرية عرفت بالعائلات البلدية، وهي العائلات التي تعود في أصولها إلى الفترة الإسلامية وما انظم إليهم من أندلسيين وأشراف. يؤلف هؤلاء فئة ميسورة أطلق عليها اسم الأعيان، ظهر فيها ملاك الأرض، الصناع المهرة وكبار التجار والبحارة المغامرون ...[2]، إقتصر نشاط هذه الفئة على المحافظة على إمتيازاتهم مثل عائلات إبن الفقون، إبن باديس بقسنطينة وابن عبد الجليل،... ولم يطمحوا إلى مناصب سياسية وبذلك فإنهم لم يأثروا في نظام الحكم غير أن هناك منهم من تقلد مناصب القضاء والإفتاء والتعليم والكتابة ونحوها من المقاليد الثانوية الهامة مكنتهم من اكتساب مكانة مرموقة وصوت مسموع بين السكان [3]

أما بالريف، فقد توزع هؤلاء السكان (95 بالمائة) إلى مجموعات عشائرية عرفت بالقبائل تخضع لشيوخها(رئيس القبيلة أو الشيخ)وأهل الرأي فيها(مجلس الشيوخ). تفرعت كل قبيلة على عدد من الدواوير(القرى)، وضم كل دوار عددا من العائلات وصل تعدادها في المتوسط إلى إثنى عشر خيمة أو منزل [4]، تقوم كل منها على رابطة العصبية أي رابطة الدم. وعلى هذا الأساس، كانت هناك عائلات كثيرة إعتمدت على العصبية فتمكنت من القيادة والسؤدد وتوجيه السكان في حدود معينة حيث تمكنت من احتواء عائلات أخرى وكونت منها صفا. وتوسعت هذه العائلات إلى أن صارت تضم قرى عديدة لها هيكلها الإداري مشخصا في مجلس القرية الممثل من جميع القرى[5].

ضم سكــان الريف إذا - من بين ما ضموا–  فئات من العائلات انقسمت هذه العائلات وفق تعاملها مع السلطة التركية القائمة إلى قبائل جندتها السلطة التركية لفرض سلطتها على الأرياف بالمشاركة في استخلاص الضرائب وإيقاع العقاب بالممتنعين والمعادين للبايلك... مقابل تمتعهم ببعض الإمتيازات. مثلت هذه القبائل ما عرف بقبائل المخزن ومن أشهرها الحراكتة في الشرق، لعمامرة في القبائل، عبيد في التيطري، ... قبائل خاضعة لسلطة البايلك تخضع لرقابة قبائل المخزن والحاميات التركية عرفت بقبائل الرعية من أشهرها بني عامر، مجاهر،... وقبائل أخرى متحالفة تعاملت مع البايلك عن طريق زعمائها المحليين الذين توارثوا الحكم معتمدين في ذلك على كفاءتهم الحربية أو الدينية أو أصالة نسبهم منهم من عرف بالأجاود أو النبلاء، وقد اضطرت السلطة للتعاون معهم مقابل إخضاع عائلاتهم مثل الدواودة والأحرار في الشرق، الحنانشة وأولاد بن عاشور في فرجيوة، أولاد عز الدين في الزواغة. وقد كان هؤلاء الأجواد سادة في مناطق نفوذهم. كما نجد المرابطين[6] الذين تقربت منهم السلطة التركية مانحة إياهم بعض الإمتيازات مقابل التوسط بينهم وبين السكان. أما النوع الأخير من القبائل فهي تلك التي عرفت بالقبائل الممتنعة التي تألفت في معظمها من القبائل التي تعيش في المناطق الجبلية كالبابور، جرجرة، الونشريس، الشمال القسنطيني، هضاب وهران، ... وقد حاولت السلطة التركية نظرا لبعدهم عن مركز السلطة أن تنصب حاميات عليهم وتقر عشائر المخزن فوقهم لجمع الضرائب، وتنصب قياد من الأتراك عليها، ....

شكل القايد بالريف مندوب القبيلة في مسائلها مع غيرها ورئيسها السلطوي، كما احتل رجال المعرفة مكانة معتبرة رغم قلة فئتهم نتيجة إشرافهم على المؤسسات الدينية والتعليمية بفضل مؤسسـة الحبوس[7].

2- البنية الإجتماعية من 1830 إلى 1880-1990

عشية الغزو الفرنسي للعاصمة الجزائر في 14 جوان 1830، وبعد عملية استطلاع واسعة دامت سنوات لواقع الجزائريين وآرائهم تجاه قضاياهم الداخلية، وزع الفرنسيون بياناعلى السكان موقعا باسم قائد الحملة العسكرية الجنرال دي بورمون De – Burmontفي محاولة للتأثير عليهم يظهر من خلال محاولة تصفح مضمونه[8] مدى تمكن الفرنسيين من المعلومات الوافية عن السكان وطريقة تفكيرهم. صيغ بشكل محكم يسمح بعزل السكان عن السلطة العثمانية القائمة، زعموا بأنهم جاؤوا إلى الجزائر لتأديب الداي حسين وليس لإحتلال البلاد وطلبوا منهم الإنضمام إليهم والتعاون معهم ضد الأتراك ووعدوهم باحترام مقدســـاتهم و ممتلكاتهم مستعملين في ذلك الخطاب الديني الذي يرغبه هؤلاء.

أمام هذه القضية، ظهر تأثير هذا البيان جليا على معظم قادة الرأي بمدينة الجزائر الذين سموا أنفسهم بالمعتدلين حيث إقتنعوا بأن الفرنسيين جاؤوا  حقا(محررين للجزائر من سلطة الأتراك) وكان لسان حال بعضهم (أن أمة شريفة كفرنسا لا يمكن أن تعد ولا تفي).وبذلك تمكنت فرنسا، بتمكنها من معظم قادة الرأي بالعاصمة وبالتالي من سكان المنطقة، من شل الطاقة المحاربة بمدينة الجزائر أولا[9].

بالتوقيع على بنود معاهدة الإستسلام بين دي بورمون والــداي حسين في 05 جويلية 1830، تعهد الأول بإسم شرف فرنسا للسكان بالممارسة الحرة للديانة الإسلامية وبعدم المساس بحرياتهم واملاكهم وتجارتهم وصناعتهم واحترام نسائهم [10]. ولعزل معظم قادة الرأي العام الجزائري بالمدينة عن الأتراك، شكل في 06 جويلية 1830 لجنة حكومية إنبثقت منها ما سميت بالهيئة المركزية التي ألفت من ألمع العناصر المدنية لمدينة الجزائر، عين على رأسها أحمد بوضربة[11].

لم يكن لهذه الهيئة إختصاصات محددة، ولم تنشأ وتعمل وفقا لنص قانوني أو تنظيمي، المهم أن مهمتها كانت تولي السلطة مؤقتا قصد تسيير الأملاك والمصالح والمرافق المدنية بالعاصمة تحت الرئاسة المباشرة للقائد العام، ودراسة وإقتراح تنظيم إداري لمدينة وإقليم الجزائر[12]، وهو ما أسال لعاب الكثير من الحضريين الذين مالوا في بادئ الأمر إلى الفرنسيين ظنا منهم أنه بعد القضاء على النظام القائم تتحسن أوضاعهم وتزداد حرياتهم[13].

  لكن السلطات الفرنسية لم تف لهؤلاء بما تعهدت به في معاهدة الإستسلام السالفة الذكر من احترام لهم ولممتلكاتهم. بل راحت هذه الأخيرة تتصرف على أنها هي السيدة (سيدة البلاد)، وزعمت أن هناك واجبا دينيا عليهـا تأديته[14] وهو نشر المسيحية، فحولت بعض المساجد إلى كنائس وساقت حجة لتبرير موقفها فقالت أن لا فرق بين أن تكون الكنيسة مكان المسجد ما دام الإله واحد، كما صــادرت أملاك السكان وأراضيهم وفرضت الضرائب عليهم. وقد جاء في تقرير اللجنة الإفريقية الذي قدم سنة 1834 إلى الحكومة الفرنسية بهذا الشأن:" لقد اغتصبنا ممتلكات الأحباس، وحجزنا ممتلكات سكان كنا أخذنا العهد على أنفسنا بأننا نحترمها، اغتصبنا ممتلكات شخصية بدون تعويض، بل سولت لنا أنفسنــا أكثر من ذلك فأرغمنا أربــاب الأملاك التي انتزعنـاها نزعا بأن يؤدوا بأنفسهم مصاريف هدم منازلهم وحتى مصاريف هدم مسجد من مساجدهم وهذا بجانب النشاط التبشيري المكثف كله"[15]. ولقد اتجهت بعد ذلك أيضا نحو عزل وطرد ونفي أولئك الأشخاص الذين قبلوا التعاون معها[16] بعد انتهاء مهمتهم في إخضاع سكان بعض المدن وذلك بدعوى عدم القيام بالواجب والتآمر لاستعادة الحكم الإسلامي أو الإنضمام إلى الثائرين ضدها، كما أتت بعدها بأكثر من مائة ألف جندي وخرجت لإخضاع الريف[17].

  أمام كل هذا، تفطن قادة الرأي بالمدن وبالأرياف بأن فرنسا قد جاءت لتبقى. وأمام هذا الأمر، تطلع الأعيان والمثقفون والموظفون الباقون في المدن والذين لم يتعرضوا للطرد أو النفي أو لم يلتحقوا بصفوف المقاومة إلى النصر الآتي من السيف والبندقية في الأرياف بعدما عجزت العرائض والإحتجاجات والمشاركة في المجالس واللجان التي كانوا طرفا فيها عن تحقيق النصر خاصة أمام ما تميز به الإستعمار بعد ذلك من أنه قد كان"إستعمار إسكان أكثر منه إستعمار إستغلال"[18] نظرا للأعداد الكبيـرة من الفرنسيين، الإسبان، الإيطاليين، المالطيين، الألمان والسويسريين الذين هاجروا إلى هذا البلد.

   أمــام كل هذا إذا، تولدت ردود فعل قويــة من جانب السكان بالريف بمساندة سكان المدن وقادوا مقاومة عنيفة ومستمرة في وجه الفرنسيين بدافع من وازع الجهاد ضد المسيحي الكافر[19] أي الحرب في سبيل الله وحده وطلب الشهادة أملا في دخول الجنة وتحرير الوطن من الغزاة أملا في العيش الكريم وابتغاءا للحرية[20]. اتخذت هذه المقاومة في بدايتها مظهرا عسكريا خلال الفـترة من 1830 إلى 1848 إذ إلتحمت جل التشكيلات الإجتماعية في المراحل المتقدمة لهذه المقاومة بالغرب في مبايعة عبد القادر إبن محي الدين أميرا عليها، كما التفت بالوسط بالشيخ بن زعمون وابن المبارك وأنصارهما، ووقفت بالشرق صفا واحدا تقريبا بقيادة الحاج أحمد بـــاي قسنطينــة. وبذلك استطاع الأمير عبد القادر أن يجمع إليه شيوخا لقبائل وعشائر عديدة وكذا الشأن بالنسبة لأحمد باي وغيرهما[21].

غير أن الرأي المشكل خلال هذه الفتـرة بالمدن والأرياف على حد سواء لم يمنع من وجود فئة من زعماء الريف وسكانه قبلت التعاون مع السلطات الإستعماريـة الفرنسية - في وقت كان فيه هم هذه الأخيرة هو القضاء على مقاومة أحمد باي، الأمير عبد القادر والعمل على التوسع نحو المناطق الجنوبية بالعمل على إخضاع السكان بها والعمل على إبقائهم على ذلك في المناطق التي تم احتلالها- وقد كان هؤلاء على أصنــاف: فمنهم من تعاون فعلا مع المقاومة ووقع في قبضة الفرنسيين فكان أمـام أمرين، أن يعدم أو يتظاهر بالتعامل معهم، فإذا اختار الحل الثاني فإنهم كانوا يجعلون منـه عميلا مطلقا وإلا حكم عليه بالنفي أو القتل. وصنف آخر كان منذ البداية مستعد للتعاون مع القوات الفرنسية بفعل وضعياته قبل مهامه قبل دخول الفرنسيين تمثل خاصة في أولئك الذين هيكلوا بصـورة نظـامية(Les réguliers)ضمن صفوف الجيش الفرنسي فـي بداية الإحتلال من قناصة الجزائر[22]، قناصة إفريقيا[23]، الرماة[24]، الصبايحية[25]   وأولئك الذين شكلوا نواة مصلحة الشؤون الأهليــة المسمــاة المكتب العربي[26]وهيكلــوا ضمن قوات الجيش الإضافية (Les supplétifs) التي تقدم العون العسكري وقت الحاجة وتنتهي مهامها بانتهاء ما استدعت لأجله أي قبائل المخزن تحت إمرة رؤسائهم التقليديين الذين تم الحديث عنهم سابقا، القوم، قوات البوليس المحلي المكونة أساسا من فرق الصبايحية الإضافيين، الخيالة المخازنية وما يسمى بالجندرمة المغربيين Gendarmes Maures. وصنف ثالث كان في الأصل مترددا يتبع مصلحته الشخصية فكان الفرنسيون يعاملونه على قدر نيته فيمكنوه في قومه ويجعلوا منه موظفا يلقب شيخا أو قايدا أو آغا أو خليفة حسب أهميته وأهمية قومه ومنطقته، ولعل دور هذا الصنف هو الذي كان له أكبر الأثر في إخضاع السكان، فنظرا للسلطة التي تمتلكها هاته القيادات الأهلية، والخوف الذي يبثونه في صفوف الأهالي، تعاونت الإدارة الإستعمارية معهم في إخضاع الأهالي والسيطرة على البلاد وضرب المقاومة وتمزيقها[27]. أبقت على النظام القبلي الذي يميز الريف إجتماعيا وأسندت لهم وظائف كبيرة. تركتهم أحرارا في تسيير أملاك كبيرة بضم عدد من القبائل إلى سلطتهم، أضفت عليهم الألقاب والنياشين والمال والأرض والجاه وسمتهم الأرستوقراطية العربية، مكنتهم من حرس من القوم بهدف التحكم والسيطرة على القبائل، منحت لهم سلطة فرض الضرائب، ممارسة السلطة القضائية، تعيين القياد الملحقين[28] الذين يبقون تحت إمرتهم في إدارة السكان، المحافظة على طاعة السكان، مراقبة تحركاتهم وتكليفهم بالقيام بالأعمال الشاقة كحصـاد الأراضي الجيدة التي يتحصل عليها هؤلاء الأسياد[29] وذلك كله تحت إشراف الضباط العسكريين الفرنسيين والمكاتب العربية بالمقاطعات والعمالات في أطار سياستها التي عرفت بسياسة"كبـار القياد"Les Grands Caids   والحقيقة أن غرض السلطات الإستعمارية الفرنسية من ذلك خاصة في عهد الماريشال بيجو لم يكن سوى العمل على تفتيت وتشتيت القيادات والزعامات الأهلية ذات السلطة والنفوذ والتأثير[30] وهو ما سيتضح أكثر لاحقا. المهم أنه، وبسيطرتها على قادة الرأي بهذه المناطق، سيطرت سلطات الاحتلال على السكان في المناطق الخاضعة إلى حد بعيد واستعملتهم بعد ذلك في توسعاتها حتى خارج هذه المناطق[31].

على صعيد البناء المجتمعي، استطاعت الإدارة  الإستعمارية الفرنسية القضاء على أعيان المدن وأهل الحضر إلى حد بعيد، وقد حصل ذلك عن طريق الهجرة والتهجير والنفي والتفقير المقصود عن طريق هدم الأسواق والقضاء على الحرف والصنائع وإغراق الأسواق بالسلع الأوروبية، وبناء المدينة الأوروبية على أنقاض المدينة العربية في مختلف المدن. غير أن الإدارة الإستعمارية الفرنسية، وبمجرد أن تحقق لها ما أرادت، لم تستطع - خاصة في عهد نابليون الثالث صاحب سياسة  "الخطى الصغيرةLes Petits Pas " - تحطيم البناء القبلي تحطيما كاملا لأنها كانت في حاجة إلى حل أزمة وجودها الحديث في الجزائر. لهذا سنجد السياسة الإستعمارية تتطور وفق حل ومحافظة، فبعد العملية الكبرى لمصادرة الأراضي التي قامت بها الشركات العقارية الرأسمالية الكبيرة[32]، تم تحطيم القبيلة ككيان سياسي إلى دواوير بواسطة قانون السناتـيس كونسلت 22 أفريل 1863(الخاص بالملكية) وقانون وارنييWarnier  في26  جويلية  1873بعدها (في عهد الجمهورية الثالثة ) الذي كرس مبدأ الملكية الفردية في أراضي الملك وتقليص أراضي العرش[33]، وبذلك تم تهديم البنية الإجتماعية القبليــة ونمت فكرة الأحادية بدل الجماعة بفعل سياسة التجميع La politique du Cantonnement.

بوصول نابليون الثالث إلى الحكم، وصدور قانون السيناتيس كونسيلت السابق الذكر، إنعكس تشتيت التنظيم القبلي على تكوين الجماعات الإجتماعية التي كانت تشكل القبائل، لقد تأثرت العائلات سواء كانت دينية أو عسكرية وحتى أعيان على نحو مختلف حسب ما إذا كانوا قد تحالفوا مع الإدارة الإستعمارية الفرنسية أو وقفوا ضدها. فالخلافة الواحدة تم تجزئتها إلى عدة آغوات وقيادات حتى لا يستقل صاحبها بالنفوذ، والعائلة الواحدة يجب إشراك عائلات أخرى منافسة لها فيما كان لها حتى يحدث التوتر ويتدخل الفرنسيون[34]. وبشكل عام، لقد كبدت السياسة التوسعية لفرنسا في الجزائر وحروبها الخارجية الأعيان والعائلات الدينية أو العسكرية سلطتها الإقتصادية والإجتماعية وقد زادت الأوبئة والهجرات في ذلك. لقد أدى التوسع الإستعماري إذا إلى الأفول المتنامي لهؤلاء[35] بانهيار ثرواتهم وانحطاط عائلاتهم. وأمام هذا الأمر، حاول الأعيان الإحتكام إلى ما ورثوه من عادات وتقاليد في محاولة منهم للمحافظة على الشخصية الجزائرية، فاقتربوا في ذلك من بقايا المفتيين والطلبة القرآنيين وشاهدوا قيام فئة أخرى جديدة محلهم تركبت في غالبها من النازحين عن بلاد القبائل والمتخرجين من المدارس الفرنسية التي أنشـأها جيل فيري Jules Ferry  سنة 1883 واختلطت بالمستوطنين الأوروبيين. أما رؤساء العائلات الذين بقوا أحياءا من سياسة المكاتب العربية فقد تم إختزال وظائفهم من قبل الإدارة الإستعمارية الفرنسية إلى مسؤوليـات إداريـة وقضائيـة جعلت منهم أنصاف موظفين Des Demi Fonctionnaires فأفقدهم ذلك مكانتهم التقليدية المتوارثة إذ تم من 1870 إلى 1880خاصة في بدايات الحكم المدني إلغاء47 وظيفة. وقد حافظت في ذلك عدة عـائلات علـى عدة ألقــاب مثـل "عـون أهلـي"Adjoint Indigène ثم قايد  أغا، باشاغا، ... وأصبحوا مجرد موظفين عند السلطة الإستعمارية ووسطاء بينها وبين السكان يشاركهم في هذا الإسم من السكان الأصليين المتعاونين مع السلطات الإستعمارية: المجندون النظاميون السابقون في الجيش الفرنسي، رؤساء السرايا العسكرية، قدماء الخيالة، قدماء الصبايحية، الملحقون بالمكاتب العربية، ضباط الصف...[36].

أوكلت لهؤلاء في عهد الحاكم المدني ألبير قريفي Albert GREVYمسؤوليات شبيهة بتلك التي كان يقوم بها القياد في عهد المكاتب العربية غير أن تعيينهم كان من القليل بما كان وكثيرا ما كانت مرتباتهم لا تدفع. عانى هؤلاء من الرفض خاصة من قبل المستشارين البلديين والمحافظ في البلديات ذات الصلاحيات التامة حتى أنه كان من الممنوع إدراج مرتباتهم ضمن الميزانية العامة لهذه البلديات[37]، عكس ما كان عليه الحال في البلديات المختلطة أين إحتفظ هؤلاء بالقليل من ماء الوجه.إستمروا في الإهتمام بإدارة السكان الخاضعين، بالأمن، بمراقبة الـدواوير، بتقديم العون لجامعي الضرائب، وقد أصبحوا هم المكلفين بسجلات الحالة المدنية عندما تم إنشائها في 23 مارس 1882 ،كل هذا كان تحت إدارة ومراقبة وأوامر الإداري الفرنسي المكلف بالبلدية المختلطة.

أما الشخصيات الدينية من مرابطين وأصحاب الزوايا، فقد بقوا يسيطرون على الوضع الإجتماعي بدرجة ما إلى الربع الأول من القرن العشرين باعتبارهم ممثلين للسلطة الدينية عبر الطرق الصوفية (الإخوانية) Les Confréries Religieuses . ولم تأت الحرب العالمية الأولى حتى تدجنت الطرق الصوفية وأصبحت ضالعة إراديا أحيانا وغير إراديا أحيانا أخرى في ركاب الإستعمار. ولعل أبرز ظاهرة شهدتها هذه الفترة هي اختفاء روح الجهاد عند هذه الطرق التي أصبحت في الواقع أدوات لتنفيذ أوامر ورغبات الإستعمار[38]. وبذلك يمكن القول أن الفترة من 1848 إلى 1880-1890 خاصة قد شهدت تحولا جذريا في مسألتين هما: تعميم حالة الفقر على الجموع العريضة والقضاء على الطبقة الارستوقراطية الأهلية[39]

برز الرأي العام تجاه هذه الأمور أيضا في استمرار المقاومة للإستعمار الفرنسي إذ إتخذت في هذه الفترة 1848 إلى 1880-1890 طابعا شعبيا تزعمها في الغالب الأجاود أي تلك العائلات ذات الكفاءة الحربية أو الدينية في مرحلة أولى ثم صاحبة الممتلكات الكبرى في مرحلة متقدمة (المقراني بالشرق 1871، بوعمامة 1879-1881 بالغرب، ميزاب وورقلة 1882بالجنوب[40]. وأمام ذلك، كانت السلطات الإستعمارية الفرنسية تعاقب العائلات الحاكمة في المنطقة بعد إخماد المقاومة أو الثورة بتجزئة منطقة نفوذها أو إبعاد رئيسها وتعيين منافس له من نفس العائلة أو عائلة أخرى كما حدث في ثورة المقراني ، أولاد سيدي الشيخ، القبائل أو الزعاطشة أو كما حدث لعائلتي بوعكاز وبن قانة في بسكرة، وهكذا فقد تم التحكم في المرابطين بداية من هذه الإنتفاضات، كما تمت مصادرة الحبوس وأصبح الإمام والمفتي يتحدثون باسم السلطة[41].

لقد كان تطور المجتمع خلال هذه الفترة إذا مرتبط بتطور نخبه، وكانت المقاومة الأهلية للفرنسيين عسكرية، بسيكولوجية و اجتماعية.

  هكذا إذا كانت ملامح المجتمع عشية بداية القرن العشرين. لقد تميز إذا مع بداية القرن بوجود نخب يمكن تصنيفها وفق ما يلي:

نخبة سياسية تتألف من الموظفين التابعين للسلطة الإستعمارية ( القايد، الآغا، الباشاغا ، ...) ومن قدماء المحاربين مع السلطة الإستعمارية.

نخبة إقتصادية تتألف من التجار ومن فئة راقية عقارية جديدة.

نخبة مثقفة تكونت خاصة من المتعلمين خريجي المدارس الفرنسية من أطباء، محامون، موظفون، معلمون، صيادلة، إداريين وحتى سياسيين غير أن الفرص السياسية لهذه الطبقة التي سميت بالمتطورة كانت رغم هذا محدودة كما أعيق تطورها السياسي أيضا. وظيفتها هي الأخرى المحافظة على نفوذ الإستعمار وسلطته باعتبارهم وسطاء بينه وبين المجتمع المحلي .

خاتمة:

من خلال ما سبق توصلت إلى التالي:

- كان المجتمع الجزائري أواخر العهد العثماني متكونا من الأتراك وهم الطبقة الحاكمة، وتضم في صفوفها الموظفين والسكان الأصليين والسود والوافدين من الأندلس رفقة أقلية يهودية. وكانالمسلمون على المذهب المالكي، كما تكونت طبقة بورجوازية تسكن المدن الساحلية وتملك أحسن المنازل ويخدمها في بيوتها الأسرى العبيد من الأوربيين، كما كان لبعض العائلات اليهودية نفوذا كبيرا في الحياة الاقتصادية وخاصة التجارة الخارجية. عاش سكان المدن  في مدن مزودة بالمرافق العامة مثل العيون، الفوارات، الحمامات، المقاهي، المطاعم، الفنادق والدكاكين.

بوصول الفرنسيين إلى الجزائر، أدى الوجود الاستعماري إلى اختلال في بنية المجتمع الجزائري بعد إدخاله تغييرات عليها قصد جعل المجتمع أكثر انسجاما مع الحداثة ومتطلبات العصر.

- أثرت التحولات السياسية في المجتمع الجزائري تأثيرا كبيرا إذ حاولت تحويله من مجتمع القبيلة والدولة التقليدية إلى مجتمع الدولة الحديثة.

- شهدت المنظومة القيمية والدينية والأخلاقية والجمالية... تحولات انعكست على المفاهيم وسلم القيم والمعايير التي حكمت العلاقات الاجتماعية.

الهوامش:



[1]- عدي الهواري، الإستعمار الفرنسي في الجزائر: سياسة التفكيك الإقتصادي والإجتماعي 1830-1962، ترجمة عبد الله جوزيف( بيروت: دار الحداثة، 1983)،ص. 15. 

[2]- ناصر الدين سعيدوني والشيخ المهدي بوعبدلي، الجزائر في التــاريخ: العهد العثماني، الجزء الرابع،(الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1984)،ص.97 .

[3]- أبو القاسم سعد الله ، محاضرات في تاريخ الجزائر: بداية الإحتلال،(الجزائر:الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ،1982 )، ص.97 .

[4]- شارل روبير أجيرون، تاريخ الجزائر المعاصرة، ترجمة عيسى عصفور،( بيروت: منشورات عويدات، 1982)، ص. 39.

[5]- أحميدة عميراوي، جوانب من السياسة الفرنسية وردود الفعل الوطنية في قطاع الشرق الجزائري: بداية الإحتلال، (قسنطينة: دار البعث، 1984)،ص.25.

[6]- تميزوا بتأثيرهم الروحي على السكان وإدارتهم للزوايا. 

[7]- شارل روبير أجيرون ،مرجع سابق،ص.38.

[8] - عبد الحميد زوزو،نصوص ووثائق في تاريخ الجزائر المعاصر 1830-1900،(الجزائر:ديوان المطبوعات الجامعية،  2007)،ص.24.

[9]- أبو القاسم سعد الله ، مرجع سابق، ص ص. 44-45.

[10]- عبد الحميد زوزو،مرجع سابق،ص ص. 69-72.

[11]- أحميدة عميراوي، دور حمدان خوجة في تطور القضية الجزائرية 1827 – 1840،(الجزائر:دار البـعث، 1987)، ص.92.

[12]-محمد العربي سعودي،المؤسسات المركزية والمحلية في الجزائر:الولاية – البلدية 1516-1962،(الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،2006)،ص.194.

[13]- أبو القاسم سعد الله ، مرجع سابق، ص.66

[14]- أحميدة عميراوي، دور حمدان خوجة في تطور القضية الجزائرية 1827 – 1840،مرجع سابق،ص.128.

[15]- طاهر عمري، "بنية الريف والمدينة في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي" ،أعمال الملتقى الدولي حول التغيرات الإجتماعية في البلدان المغاربية عبر العصور،(قسنطينة:منشورات مخبر الدراسات التاريخية والفلسفية،2002)،ص ص. 213-214.

[16]- حكم بالنفي على المفتي مصطفى بن الكبابطي وعائلته من الجزائر، وبالطرد على حمودة بن الفقون وعائلته من قسنطينة.أنظر:أبو القاسم سعد الله،الحركة الوطنية الجزائرية،الجزء الاول، (لبنان:دار الغرب الإسلامي،1990،ص .220.

[17]- أبو القاسم سعد الله، محاضرات في تاريخ الجزائر:بداية الإحتلال، مرجع سابق، ص.66

[18]- محمد السويدي،مقدمة في دراسة المجتمع الجزائري:تحليل سوسيولوجي لأهم مظاهر التغيير في المجتمع الجزائري    المعاصر،(الجزائر:ديوان المطبوعات الجامعية،1990)،ص.117.

[19]- لقد سمى عبد القادر ابن محي الدين مثلا نفسه أمير المؤمنين وحامي الإسلام. وقد أعلن الجهاد ضد الكفار. أنظر:

Hildebert ISNARD,"Annales,Economies,Sociétés,Civilisations",Année 1949,Vol 04,N°04, p.466  In: (http:www.persee.fr)

[20]- أبو القاسم سعد الله،أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر،الجزء الثالث،(بيروت:دار الغرب الإسلامي، 1990) ، ص.14.

-[21]حميدة عميراوي، جوانب من السياسة الفرنسية وردود الفعل الوطنية في قطاع الشرق الجزائري: بداية الإحتلال، مرجع سابق، ص.59.

[22]-لقد بدأ التفكير في الاستفادة من خدمات هاته القوات المكونة من السكان المحليين في عهد الماريشال دي بورمون في نهاية أوت 1830 إذ كتب إلى وزير الحرب بسماعه بسقوط الملكية والملك شارل العاشر يقول بأنه قد تلقى الوعد بخدمات 2000 فرد من الزواوة الأتراك، 500 منهم هم الآن في الجزائر. غير أنه ترك أمر الإستفادة من خدمات هؤلاء إضافة إلى خدمات 120 شخص كانوا تحت تصرف يوسف المملوك إلى خليفته كلوزيل حسب ما تذهب إليه جل المصادر الذي نفذ الفكرة في 01 أكتوبر 1830 إذ ألف هذا الأخير من الزواوة -والذين أصبحوا يعرفون حسب التعبير الفرنسي بالزواف- قوة تميزت بارتدائها اللون الأحمر تحت إمرة قائد عسكري بسترة زرقاء. شارك الزواف المشاة في الهجوم على   محلة باي التيطري بعدما شكل منهم كلوزيل فوجين ، كما شكل منهم في 08 أكتوبر 1830 فوجا ثالثا من الزواف الخيالة هذه المرة شاركوا في المعارك التوسعية لفرنسا بالممر الجبلي لموزاية في 21 نوفمبر 1830.أطلق على المشاة والخيالة بعدها بموجب قانون 09 مارس 1831 والأمر الذي ألحق به في 21 مارس 1831 إسم قناصة الجزائرLes cahsseurs algériens وقد أعتبر هذا الفيلق أول هيكل عسكري مكون من أهالي يتم تشكيله، أوكلت مهمة تسييره إلى فرنسي برتبة عقيد. شارك هذا الهيكل في المعركة الثانية بموزاية في 03 جويلية 1831 ، والحملة على بونة في 27 مارس 1832. أنظر:

Recham BELKACEM,Les militants nord-africains pendant la seconde guerre mondiale,Colloque Pour une histoire critique et citoyenne :le cas de l’histoire franco-algérienne,20-22 juin2006,Lyon,ENSLSH,2007

(http://ens-web3.ens-lsh.fr/colloques/france algérie/communication.php? id_article=262.

[23]- تم إنشاء أول فوج منهم بأمر في 17 نوفمبر 1831، وقد تم تنظيمهم بمرسوم في 01 مارس 1832. ضم هذا الفوج 150 شخصا أتى بهم يوسف المملوك ووفوج أخر من القناصة الجزائريين. أنظر: M.Sapin LIGNIERES,Gloire de l'armée d'Afrique:Les Zouaves,vous connaissez,Historia Magazine,n221/28, 27/03/1972,p.28

[24]- كونت أول فرقة من الرماة بعد الحملة الفرنسية على بونة(عنابة) في 27 مارس 1832. كما انشأت الفرقة الثانية بوهران في 01 أفريل 1832 وشاركت في الحملة الفرنسية على قسنطينة  وقد شكلت الفرقة الثالثة منهم بعد إخضاع قسنطينة في 07 أكتوبر 1841. وقد تم إقرار تشكيل هذه ثلاث أفواج من الرماة بفوج لكل مقاطعة وبأمر رسمي وتنظيمي في 01 جانفي 1856.أنظر:Ibid,p.29     

[25]-الصبايحية مزيج من الجند الجزائريين والفرنسيين . شكل الفيلقين الاولين منهما في 16 أكتوبر 1834 . الأول برئاسة يوسف المملوك والثاني برئاسة ماريي مونج Mariy-Monge. وقد تم تشكيل الفيلق الثالث من الصبايحية سنة 1836 تحت رئاسة تورينيThorigny  . بوصول الماريشال بيجو للحكم في 22 فيفري 1841 ، شكل فيلق الصبايحية بصورة رسمية ومنظمة في 04 أكتوبر 1841، أسندت رئاسته إلى يوسف المملوك . وقد نظم في 20 فرقة تحت إمرة سبعة قادة وضم 4000 شخص. وفي 21 جويلية 1848 نظم في ثلاثة أفواج : أول بالجزائر ،ثاني بوهران وثالث بقسنطينة. شارك هؤلاء ضد مقاومة الزعاطشة في 26 نوفمبر 1846 وفي قمع ثورة البلزمة 1916.أنظر: Ibid,p.31    

[26]-كانت القاعدة القانونية والتشريعية لهذه المؤسسة هي القرار المؤرخ في 16 أوت 1841 المتضمن إنشاء مصلحة الشؤون الأهلية، بعد ذلك توالت سلسلة القرارات لتختم بقرار 08 أوت 1854 المتضمن التكوين الرسمي للمكاتب العربية للمقاطعات والعمالات. مهمتها الإستعلام حول الأهالي، تساعد القوات العسكرية على التدخل المحتمل بتزويدها بفرق من القوم، تضمن أعمال الشرطة، تنفذ الأحكام القضائية، تراقب المداخيل الضريبية، توجه الأشغال العمومية، وتقترح نزع أو تعيين الموظفين الأهالي... أنظر: محمد العربي سعودي،مرجع سابق، ص ص.187-189.

-[27] من ذلك مثلا ما قامت به عائلة بن قانة من تقديم الدعم للفرنسيين للقضاء على فرحات بن سعيد(من عائلة بوعكاز المنافسة) الذي عمل خلال هذه الفترة لصالح جيش الأمير عبد القادر سنة 1839 وقد كان ذلك بواد سارسو. ومن هذا التاريخ حمل بوعزيز بن قانة لقب(شيخ العرب) وأصبح له سلطة على كل منطقة الجنوب القسنطيني.بعدها تمركز(شيخ العرب) ببسكرة وساهم في توسع القوات الفرنسية بالصحراء، وقد تميز بخدماته الجليلة للفرنسيين أثناء حصار الزعاطشة سنة 1849. مات بوعزيز بن قانة في 1861 ليواصل أبنائه السير على دربه. أنظر:

A.O.M Algérie:GGA 06H/36 ; les supplétifs

-[28] والمقصود بهم الخلفاء، الباشغوات، الأغوات ، ... والذين كانوا في الأصل تابعين للإدارة الإستعمارية.  سيشكل هؤلاء فيما بعد رفقة المجندين النظاميين وغير النظاميين في الجيش الفرنسي من الأهالي قوة تهدد كيان ونفوذ الأرستوقراطية التقليدية. أنظر :

Mahfoud SMATI,Les élites algériennes sous la colonisation , ( Alger : édition Dahlab , Maisonneuve et Larose ,1998),p.61.

-[29]كان عدد الموظفين من العائلات البارزة في الإدارة الإستعمارية الفرنسية سنة 1850: 09 خلفاء، 05 باشغوات، 59 آغا وقائد القياد، 85 قايد. أنظر: أبو القاسم سعد الله،الحركة الوطنية الجزائرية، مرجع سابق،ص.380.

[30]-شارل روبير أجيرون، مرجع سابق،ص. 12.

[31]-لقد ساهم ولدي بوعزيز بن قانة سي بولخراص ومحمد بلحاج في قمع ثورة أولاد نايل في 1864 ومعركة نقوسة قرب ورقلة في 1865 ضد الشعامبة.أنظر: Algérie:GGA 06H/36:Op.Cit

-[32] والمقصود بها على وجه الخصوص هي شركة جينفواز السويسرية والشركة العامة الجزائرية . صادرت الأولى 25 ألف هكتار في منطقة سطيف سنة 1858 وعلى 281 هكتار خلال عشر سنوات ، في حين صادرت الثانية ما مساحته 100 ألف هكتار سنة 1865 أغلبها في مقاطعة قسنطينة . أنظر : شـارل روبير أجيرون ، مرجع سابق ، ص. 17.

-[33]لقد نص قانون 1863 على نزع الملكية الجماعية لأراضي الأعراش(العشائر) وتوزيعها على الأفراد  من نفس العرش تسهيلا للإستلاء عليها من قبل الأوروبيين والإدارة .بعد تغيير نظام الحكم من إمبراطوري إلى جمهوري، أعلن زعيم المستوطنيين وارنيي قانون 1873 الذي حمل اسمه والذي أدى إلى التسريع في عملية نزع الاراضي من الجزائريين(الأهالي). للمزيد من التفاصيل حول هذه القوانين بنصوصها موادها وإجراءاتها يمكن العودة إلى:

Alain LARDILLIER,Le peuplement français en Algérie de 1830 à 1900,(Paris:Editions de l'Atlanthrope,1992),pp.26-38.

[34]-لقد استغلت عائلة بن قانة مثلا المتنافسة مع عائلة بوعكاز مسألة قيام ثورة بتوقرت التي كانت مع منطقة ورقلة تحت قيادة عائلة بوعكاز لتقدم الدعم للفرنسيين لإخمادها في 1871. وبمحاكمة بوشوشة أما مجلس الحرب بقسنطينة بين 1874 و 1875، انسحبت عائلة بوعكاز من القيادة في المنطقة الصحراوية لتوقرت وورقلة تاركة المجال لعائلة بن قانة، في حين اكتفت هي بالإحتفاظ بقبيلة أولاد زكري(مركز أولاد جلال) .أنظر:

A.O.M Algérie:GGA 06H/36:Op.Cit.

[35]- لم يشغل الأعيان سوى مائة من مناصب القياد من مجموع 720 منصب عشية الحرب العالمية الثانية. أنظر :

Mahfoud SMATI , Op.Cit , pp.84-92.

[36]-A.O.M  93/4491, La rébellion et les confréries religieuses

[37]- لم يكن  بمقاطعة قسنطينة خلال سنة 1878 سوى 27 عون إداري في البلديات الكاملة الصلاحيات 08 بمقاطعة الجزائر ، 12 بمقاطعة قسنطينة و 07 بمقاطعة وهران في الوقت الذي كان لا بد فيه من 55 بالنسبة لمقاطعة الجزائر ، 24 لمقاطعة قسنطينة  و 17 لمقاطعة وهران . أنظر :

 Mahfoud SMATI , Op.Cit , p.83.

[38] - أبو القاسم سعد الله، أبحاث وأراء في تاريخ الجزائر،مرجع سابق،ص.18.

[39]- شارل روبير أجيرون،الجزائريون المسلمون وفرنسا1871-1919،ترجمة مسعود حاج و أ.بكلي، الجزء الأول، (الجزائر:دار الرائد للكتاب،2007)،ص.686.

[40]- لقد كانت الزاوية الرحمانية وراء هذه الثورة رفقة ثورة الأوراس 1916.أنظر:

A.O.M 93/4491, Op.Cit

[41]-أبو القاسم سعد الله،الحركة الوطنية الجزائرية، مرجع سابق،ص.328.