الأنثروبولوجيا الدينيةpdf

"ظاهرة التّـصــوّف الإسـلامــي "

نـشـأتـه ومـصـادره

د/ ربيع أمحمد

جامعة قاصدي مرباح بورقلة (الجزائر)

الملخص :

لقد توهم المستشرقون أن التصوف الإسلامي نشأ من عوامل خارجية وحاولوا في شيء من التعسف أن يقدموه على هذه الصورة ،مع أن التصوف الإسلامي نشأ كغيره من العلوم الإسلامية من القرآن و السنة و ظهرت فيه مدارس انفردت كل مدرسة بلونها الخاص من حيث تعاليمها العملية و النظرية.

الكلمات المفتاحية: المستشرقون / التصوف الإسلامي / عوامل خارجية / العلوم الإسلامية / مدارس خاصة

Résume:

les orientalistes prétendent que les soufismes islamique est né de facteur exogènes. leur tentative abusive de la présenter dans cette marge est erronée puisqu’ il tire ses origines coran est de la sunna son cas est similaire a celui des autre science islamique qui sont passées par des cycle différant est chacun reflète sa distinction  est sa spécificité sont apparues en sein des écoles chacune un avec sans propre nuances traductionnelle théorique et scientifique du point de vue terminologique.

المقدمة:

إنّ النّاظر في تاريخ التصوّف الإسلامي يجده قد تحقّق عملا قبل إطلاق اسم التصوّف عليه، وإنّ تاريخه يرجع  إلى حياة رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم وحياة أصحابه، وما كان في أنفسهم من صفاء وضياء وخير جُبِلوا عليه فصقله الإسلام بتعاليمه ومبادئه وقيمه الرّوحيّة.عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت سماء مكّة المكرّمة حيث تعكس رمال الصحراء صفاء الشّمس المشرقة على النّفوس، فتنفض عنها غبار كثير من الأوبئة الماديّة، فكما عاش رسول الله صلى الله عليه وسلّم تحت هذه السماء، عاش النّاس من حوله، مع اختلاف بينهم في الأخلاق والصّفاء.

لو ألقينا نظرة على من آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلّم عند بدء دعوته، لوجدناهم من طراز عال في كلّ ما ينبغي أن يتحلّى به الإنسان من كمال وحبّ للخير. ولمّا بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان ما جاء به من الهدى مناسبا لنفوسهم السّامية وأرواحهم العالية، فآمنوا به وصدّقوه واتّخذوه المثل الأعلى، فحسبوا حركاته وسكناته في نومه ويقظته وعبادته ومراقبته لله عزّ وجلّ، ورأوا خُلقه ومعاملته وزهده في الدنيا، عاشوا معه كلّ ذلك وتأسّوا به، لأن الإيمان غمر قلوبهم وهو مصدر القيم الروحية جميعها وأساسها وملاك أمرها.إنّ هذا الإيمان متى ملك القلب، واستقرّ في النّفس يكون أصل الخير والفلاح، وَمَعِينَ الرحمة والقوة والعطف، والوفاء والإحسان، والإيثار والتّعاون، والصّدق، فالإيمان الحق يتبعه صالح العمل، والعمل والعقيدة متلازمان، ولا يذكر الإيمان إلاّ ويذكر صالح العمل معه، قال تعالى: "وَالعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصّبْرِ"[سورة العصر، الآيات: 1، 2، 3].

لقد كان الإيمان بالله عماد هذا الدين العظيم وحجر الأساس في المنهج الإسلامي، حيث لم يحدّد نبيّ الإسلام صلى الله عليه وسلّم الإيمان ومظاهره ودلالاته إلا بتأثيره الخلقي في حياة الناس وعلاقات بعضهم ببعض.

إنّ المرْء إذا اقترب من الله بإيمان صاف يصل إلى مرتبة الحب الصوفي لذات الله ساعتها  يحبّ الله ويحب المحبوب الأعظم في خلقه، فيجعله ذلك الحبّ يحتضن الخلق جميعا. فالإيمان الممتزج بحبّ الله والخلق جميعا سيجعل من قلب المؤمن مصدر إشعاع فيّاض بالحبّ الأسمى حبّا يشمل الخالق والخلق جميعا.فالصوفي هو السّالك طريق مرضاة الله في جميع أحواله، وأخلاقه يجب أن تكون أزكى الأخلاق، بل إن حركاته وسكناته ينبغي أن تقتبس من نور مِشكاة النبوّة، فلا يحصل تعارض بين قوله وفعله بل يحبّ أن يتّحد القول والفعل، والعلم والعمل، ويتعانق فيه العقل والوجدان، وبهذا السّلوك يحفظ كيان المجتمع ولا ينزلق إلى الماديّة القاتلة.لقد وهَم كثير من النّاس أن التصوّف قد اندثر وغاب من حياة النّاس، ولكنّه ما زال موجودا حيّا لم ينطفأ نوره ولم تخْبو جِذوته، بل لا يزال يحمل دعوة الإسلام إلى الشّعوب التي أنهكتها الحياة الماديّة ويبعث فيها الحياة من جديد، حياة السموّ الرّوحي والأخلاق الفاضلة، واقتفاء أثر الصّالحين.

وقد رأينا أناسا من أوربا وأمريكا، ليسوا متسوّلين ولا بسطاء ولا دراويش، قد عرفوا التصوّف بمعناه الحقيقي، وعاشوه سلوكا ورياضة روحية لا علاقة لها بما يحدث في الأضرحة ولا صلة لها بالتّدجيل والشّعوذة.

إنّ التصوّف الصّحيح إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأداء الفرائض، وتوفية الأعمال، وتصفية الأحوال، قال أبو الحسن الشّاذِلي: "من دعا الله بغير ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلّم فهو بِدْعي".وهذه الضلالات المنتشرة باسم التصوّف ما هي إلاّ بدع تبرّأ منها أهل التصوف  في عصورهم، قال الجُنَيد: "مذهبنا هذا مقيّد بأصول الكتاب والسنة، الطّرق كلّها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرّسول صلى الله عليه وسلّم"، وقال الشّعراني في كتابه "اليواقيت والجواهر": "كلّ من رمى ميزان الشّريعة من يده لحظة هلك".

فعندما ننظر في السّلوك الخارجي لأصحاب التصوّف أو للمسلمين  عموما، فهل هذا يعبّر عن الصّورة الحقيقية للتصوّف؟ وهل يعطينا الدّليل القاطع بأنّ ما نشاهده هو المنهج  الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ وهل يمكن أن يكون السّلوك الظّاهري هو عين المنهج؟.

عندما نقول هذا هو التصوّف وهؤلاء هم المتصوفة نستطيع أن نقول بعبارة أخرى: القاعدة والتّطبيق، فالتصوّف هو القاعدة، والتطبيق هم المتصوفة. وقد يكون التطبيق قريبا من القاعدة أو بعيدا عنها. ونستطيع أن نقول: المتصوفة مثال على القاعدة وليس لهم ما يجعلهم يحتلّون محلّ القاعدة. ولهذا علينا أن نفرّق بين هذين الأمرين في مجال تصدّينا لبحث  التصوّف ومشكلة ادّعاء المتصوفة  بالتصوف الحقيقي. علينا أن نفصل بين التصوّف أخلاقا وقيما جاء بها الإسلام وبين تاريخ المتصوفة.فلا نظنّ أن تاريخ أعمال المتصوفة هو التصوّف الإسلامي الذي له المناعة الذاتية الموهوبة من الله تعالى. فإنّ منهج الله ثابت، والبشر يبتعدون أو يقتربون من هذا المنهج، ويخطئون ويصيبون في قواعد التّطبيق والسّلوك، ولكنّ أخطاءهم لا تحسب على المنهج ولا تغيّر قيمه الثّابتة. وحين يخطئ البشر  في التّطبيق والسّلوك فإنّ هذا المنهج يصفهم بالخطأ، وحين ينحرفون عنه فإنه يصفهم بالانحراف.

إنّ تاريخ التصوّف هو كل فعل فعله أهل التصوف موافقا للمنهج، أو القاعدة، أو السنّة. إنّ التصوّف هو تاريخ التطبيق الحقيقي للإسلام في السلوك والحياة. الإسلام أو التصوف محور ثابت تدور حوله حياة النّاس، وبقدر تمسّكهم بهذا المحور وبقدر تطبيق منهجه بقدر ما نستطيع أن نصفهم به.

إنّ ما يحدث أنّنا لا نفرّق بين المنهج والتّطبيق وبين المنهج والرّجال. الرّجل ليس منهجا، وإنّما يخضع للمنهج ويسعى لكسبه وتطبيقه. ومهما كان الرّجل، فلا يتجاوز حدّ الرّجال، وليس ممّا يقلّل من قيمة الرّجل أن يخطئ، وليس من شأنه أن لا يخطئ فكلّ ابن آدم  خطّاء. ولا يقلّل من قيمته العلميّة كون الرّجل لم يحط بكلّ شيء، ولكن حسبه أن يعطي شيئا مهما كان يسيرا.إنّ تذوّق المنهج وحده وتطبيقه هو الذي يستطيع أن يعوّدنا الاحترام للرّجال، وأن يبق الحقّ حقّا والرّجل رجلا، لأنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع والرّجل يمكن أن يكون محقّا  كما يمكن أن يكون مفسدا، ولا يعرف الحقّ بالرّجال.وبعبارة أوضح: يعرف الرّجال بالتصوّف ولا يعرف التصوّف بالرّجال، يعرف التّطبيق بالمنهج ولا يعرف المنهج بالتّطبيق، ومن الصّواب ربط الرّجال بالحقّ، ومن الخطأ ربط الحقّ بالرّجال.وقد أثبت التّاريخ أنّه عندما أصبح النّاس يربطون الحقّ بالرّجال ظهرت  الصّورة المقلوبة المشوّهة للتصوّف. أي ظهر جانب سلبي وأهملت جوانب  حتّى صار بعضهم يعلن قائلا: إذا رأيت شيخك متلبّسا بالمعصيّة فعليك، أيّها المريد، أن تعتقدها طاعة. وإذا رأيت شيخك واقعا في الخطأ فاتّهم نفسك بالخطأ، واعلم أنّ شيخك مرآة نفسك ترى فيها ذاتك. وبعضهم يقول: الشّيخ منزّه عن الوقوع في المعصيّة لكونه متّصفا بالحفظ والعصمة، والمريد لا يتخلّى عن الرّذائل ولا يتحلّى بالفضائل... إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تتّفق وشريعة الله. هؤلاء هم الذين ربطوا الحقّ بأجسادهم الفانيّة، لا يقبلون بما يحكم الشّرع لهم أو عليهم.

إنّ من يدّعي الحفظ والعصمة لنفسه لا يمكن أن يكون من أهل الحق، قال أرسطو: "أنا أحبّ أفلاطون ولكنّي أحبّ الحقّ أكثر"، وهذا بعنيه الذي قاله ابن القيّم لأستاذه الكبير شيخ الإسلام ابن تيمية، وسأل رجل الإمام علي كرّم الله وجهه: "أكان طلحة والزّبير على حقّ أو على باطل؟ فأجابه كرّم الله وجهه: ويلك يا هذا، لا يعرف الحقّ بالرّجال، اعْرف الحقّ تعرف أهله". ما أعظم الرّجال حينما يقيسون أنفسهم بالحق ولا يقيسون الحقّ بأنفسهم.

فالتّصوّف الحقّ، عند من عرفه منهجا: انتصار عن النّفس، وغلبة على نزواتها الآثمة وشهواتها العارمة وأهوائها الضالّة، وهي مجاهَدة لعدوّ الدّين وخصم العقيدة.

فالإنسان عندما ينتصر على نفسه ويتغلّب على عدوّه، يرفع راية الحق، ويقيم صرح العقيدة، ويزلزل قوة الخصم، ويعبر الطريق فينطلق على سجيّته يغزو العقول بأفكاره، وينشر في آفاق الدّنيا نور العدل والحقّ والإيمان.إنّ الإسلام مثل ماء نزل من السّماء نقيّا صافيا ليس فيه رواسب، يشقّ طريقه في الأرض فيختلط بالأتربة، فلا يصلح للشرب إلا إذا صفّيته وأزلت الشّوائب التي علقت به وأرجعته إلى أصله. كذلك التصوّف، لا بدّ من غربلته حتّى لا يبقى فيه إلاّ ما شهد له كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلّم.

إذا كان الصّوفي متّبعا للكتاب والسنة لا يحيد عنهما، فقيها بالقرآن خبيرا بالسنة، يستنير قلبه، وينشرح صدره، وتصبح حياته معطّرة بالرّوحانيّة السّمحاء، يحارب نفسه بين تحكّم الشّهوات وسيطرة الأهواء، ويعلنها توبة تهذّب سلوكه وتقيّم شواذّ النّفس، فتصبح نفسه برّة نقيّة تقيّة كي ينال من الله الرّضا والرّضوان.الصّوفي ينشد صفاء النّفس ونقاءها، ومضاء إرادته، وتهذيب غرائزه، فالصّوفي عندما يلتزم بتقوى خالقه تشرق روحه، وتشفّ نفسه، ويتفتّح قلبه، ويقوى اتّصاله بالملأ الأعلى، ويشتدّ قربه من الله إذا شعر بضعفه أمام قوّة خالقه وبعجزه أمام سلطانه، فيخلص الإخلاص كلّه، ويسلّم الأمر كلّه.

إن الغاية من التصوّف، أن يكون رياضة روحية يتدرّب فيها المتصوّفة بصورة عملية على مجاهدة نفوسهم، ومغالبة شهواتهم وأهوائهم، والصّبر على هذا ما استطاعوا إليه سبيلا حيث يتحلّون بالكمالات والفضائل ويتخلّون عن الرّذائل. أمّا اللّيل فصافّوا أقدامهم في الصّلاة يقرؤون كتاب الله وأمّا النهار فحكماء علماء، أبرار أتقياء لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير، قلوبهم من الله وجلة، ونفوسهم من خشية الله مشفقة، وأنّهم لَوفد الآخرة في لباس أهل الدّنيا.

إنّ التّصوف الحقّ أشبه بملك طهور رحيم يمشي على الأرض، لسانه بذكر الله رطب وفي الدّعوة للخير مجدّ، يده عاملة بكسب المعيشة ونفع الخليقة. له قوة في دين، وإيمان في يقين، وصدق في قول، وإخلاص في عمل، وورع في سلوك، وخشوع في عبادة، وصبر في شدّة، وطلب في حلال، ونشاط في هدى. ميّتة شهوته، مكضوم غيضه، الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يعفو عمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه.

التّصوف الصادق يثير في الشّخص كوامن عواطفه في إنسانية نبيلة، يربّي فيه الإحساس بآلام الغير فتبرز فيه جوانب الخير وتقوى دواعيه، وتتضاءل نوازع الشّر وتختفي عواديه، وتتلاشى من نفسه عوامل البخل وتزول الأثرة والأنانية، فتصبح نفسه مليئة بالخير، فتمتدّ يده إلى أخيه تمسح عليه وتواسيه، تكفكف دموع المنكوب، تتفجّر من قلبه ينابيع الرّحمة والحنان، تجري بالعطف والبرّ والإحسان، تحي الأموات وتنبت النبات وتروي نفوسا  متعطّشات.إذا تمكّن هذا المعنى الكبير في قلب الإنسان، بسط يديه بعطاء من لا يخشى من ذي العرش إقلالا، عندئذ يكسوه الله بثوب الرّضى.

يرتبط الصّوفي بخاتم الأنبياء ارتباط حبّ وإيمان وولاء، يمليه العقل المستنير والعاطفة الصّدوق، ثمّ يتابع الصّوفي مراحل التلقّي والترقّي وهو بمنجاة من قطّاع الطّرق.إن مغاليق القلوب ومستعصي الأفئدة تنفتح وتنشرح في سهولة ويسر كلّما لمست أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلّم. إنّ هذه الأخلاق هي التي يخاطب به الصّوفي من لم يعرف الله بعد، فهو لا يدخل إليه من باب المنطق والحِجاج لأنه يجد أحكاما  تتعقّد، وكثيرا ما ينتهي  اللّقاء بدون نتيجة. أمّا إذا اتّصف بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وانعكست عليه تلك الأخلاق معاملة في النّاس، فإنّ القلوب تلين بذكر الله.

هذا منهج أدخل الكثيرين في الإيمان. إنّ الدّخول على القلوب من هذا الطّريق، له أثره أكثر من المنهج العقلي، فتنظر النّاس إليهم بعين الحبّ والتّقدير والاحترام.إن التصوّف الإسلامي الحقيقي هو حيويّة زاخرة  في روحانيّة باهرة، وإنسانيّة في واقعيّة عاملة لا تعرف الجمود ولا الجحود، تؤمن بالمحراب ولا تهمل المصنع والمدْجر، حياته الدّنيويّة كأنّك تعيش  أبدا والأخرويّة كأنّك تموت غدا. ليس في شريعة الإسلام انقطاع  عن الحياة وحرمان من طيّباتها البريئة، قال تعالى: "قُلْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ من الرِّزْقِ".[سورة الأعراف، الآية 32].

إنّ الصّوفي يتقرّب إلى ربّه بما افترضه عليه، ثم يزيد قربا بنوافله، ويواجه صعاب الحياة بقربه من الله لا ببعده عنه، بالإقبال عليه بما أوجب عليه لا بالفرار من واجباته. يرتقي بنفسه إلى الخير العام وينتشلها من السّفاسف والأوهام، ويحمل إلى العالم بأسره لواء الفضيلة، وينشر قواعد العلم والعرفان، يقبل ولا يدبر، لا يدركه ملل، ولا يعتريه يأس.إن شخصية الصوفي لا تتأكّد ولا تتوطّد دون أخلاق. إن مكارم الأخلاق هي صمَّام الحياة الفاضلة، وشعار حياة الشّرفاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق".

والتصوف ليس خمولا ولا تواكل. إن الإسلام يلحّ على أتباعه أن يجعلوا العمل  قاعدة حياتهم الاجتماعية، وأن يعتزّوا به ولا يفرّطوا فيه. لقد اعتبر الإسلام تارك  العمل المتعطّل أقلّ شأنا ممن يعوله وينفق عليه، وجعل أطيب الكسب ما كان من عمل الرّجل بيديه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم اليد العليا المعطية خيرا من اليد السفلى الآخذة، وبذلك قضى على المتعطّلين والمتسوّلين باسم الدّين.إن الصوفي إذا تنازعت فيه النّوازع الأرضية والنّداءات السّماوية، فعليه أن يؤثر الجانب الأسمى والأبقى. إن التصوّف انقطاع عن الباطل وانتماء للحق، إنه ابتعاد عن المنكرات وفعل للخيرات، إنه ترك للمعاصي وانهماك في الطاعات، وأخذ بالأسباب من غير اعتماد عليها، إنه فرار  إلى الله، به يعبّر الصوفي عن حبّه  لله وشوقه إليه، فهو أحبّ إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين. كلّ ذلك حبّا في الله وطمعا  في قربه، كل ذلك يحقّق له سعادة روحية يستغني بها عن جميع الشّروط الماديّة التي يتوهّم النّاس أنها سبب سعادتهم.سعادة المرء تنبع من داخله لا مما يحيط به نفسه، لأن الدنيا كلّها لا يمكنها أن تسعده بعيدا عن الله، فينطلق لسانه بشكل عفويّ: ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقدك.إن الصّوفي يشعر بمشاعر مقدّسة: إنه يشعر أنّه يطوف حول محبوبه، لأنه نحر شهوته التي حجبته عن ربّه، إنّه يعادي الشّيطان معادّة أبديّة.

1 ـ اسم الصوفية: اشتقاقه ومعناه.

1ـ2ـ اشتقاقه: لم تكن كلمة "تصوّف" شائعة  في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم، وكان أهل هذا الطّريق يطلق عليهم أسماء دلّت عليها أحوالهم  مثل: عبّاد، وزهّاد، وفقراء، ومتوكّلين، وسيّاحين، وورعين.والذي يتأمّل في معنى التصوّف يلاحظ أن اللفظ استخدم أوّل الأمر للعبارة عن الكمال الديني بالتمسّك بالشرع والزّهد في الدّنيا حينما أخذ النّاس في مخالطة زخارف الدّنيا وكاد يطغى حبّ المال على ما غرسه الدين في النّفوس من ورع. فكأن الصوفي مخالف لعامة الناس بورعه وزهده وفقره، لا يرضى ما يرضى به الفقيه من تطبيق أحكام الشّرع، بل يزيد على ذلك صفاء وحسن الخُلق.فأصبح الكمال الديني الذي يعبر عنه المتصوّف شيئا وراء ما يدعو إليه الفقيه، ويصرف إليه جهده صفاء القلب وتأثره بالعبادة. ولمّا ظهر البحث في العقائد والتماس الإيمان من طريق النّظر العقلي، توجّهت همم المسلمين إلى طلب المعرفة بأساليب المتكلّمين. أصبح الكمال الديني عند الصوفي التماس الإيمان والمعرفة على طريق التّصفية  والمكاشفة، وشاعت بعد ذلك أقوال الفلاسفة والمتكلّمين في الصّانع وصدور الموجودات عنه، فتكلّم الصوفية في كلّ ذلك على طريقتهم ومنهجهم الذي لا يعتمد على نظر ولا على نصّ إلاّ من ذاق ما ذاقوا وعرف ما عرفوا.ولمّا أراد النّاس أن يضعوا لهذه الطّائفة اسما يدلّ عليهم اختاروا كلمة "تصوّف" لأنّ هذه الكلمة أليق بحالهم ولكون الصّوف لباس الأنبياء.وقد ذكر الله طائفة من خواصّ أصحاب  عيسى عليه السّلام، فنسبهم إلى ظاهر اللّبسة، فقال عزّ وجلّ: "إِذْ قَالَ الحوَارِيُونَ" وكانوا قوما يلبسون البياض، فنسبهم الله تعالى إلى ذلك، وروي انّ عيسى عليه السَّلام  كان يلبس الصُّوف والشّعر.وقال الحسن البصري رضي الله عنه: "لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصّوف".وهذا أحد الاشتقاقات في كلمة "تصوّف"، أمّا اشتقاقه من حيث اللغة فمن أحد أمور أربعة:

أ- من الصّوفانة: بالضمّ وهي بَقلة قصيرة من الفطر  تنبت على ساق  الشّجر.

ب- من صوف القفا: وهي الشّعرات النّابتة في مؤخّره.

ج- من صوفة: وهي قبيلة كانت تجير الحاجّ  وتخدم الكعبة.

د- يرى فريق أنّ تسميتهم "صوفيّة" جاءت من الصّف الأوّل.

يمكن أن نصف الصّوفي بهذه المعاني كلّها فنقول: الصّوفي  مكتف بوجوده  بالله لأنه يشبه النّبتة التي تعتمد  في وجودها  على خالقها، وهو قد ترك الدّنيا وراء ظهره كالشّعرات التي تنبت خلف  القفا واتّجه بكليّته إلى ربّه. فلا تتعلّق نفسه بمتاع الدنيا  وتعلقت بخالقها، ولا ينتظر من الآخرين مساعدة بل إنه يقبل على خدمتهم وقضاء حوائجهم من غير أن ينتظر منهم جزاء ولا شُكورا، لأنه يطمع أن يكون في الصف الأول قريبا من ربه لا يبعده عنه شيء.فكلّ هذه المعاني غايتها القرب من الله، والحظوة برضاه.هذه الصفات: التشبّه بالنّبتة التي تعتمد على خالقها  ليست لها إرادة في الاعتماد على نفسها، التوكّل على الله في كلّ شيء، ترك الدنيا وراء  الظّهر، خدمة النّاس من غير مقابل، المسارعة إلى الصف الأول، هذه الصفات يختلف  فيها الناس، فهناك من يتصف بصفة دون صفة، فهل هذه الأوصاف تكون تعريفا جامعا مانعا للتصوّف؟ وهل إذا اتصف الصوفي بصفة دون صفة يمكن القول بأنه صوفي؟ من هنا تعذّر إيجاد تسمية تجمع هذه الأوصاف وغيرها، لأن الصوفي  قد يتّصف بحال دون حال وقد يجمع الأوصاف المذكورة. لهذا رأى قوم أن التصوّف مأخوذ من الصفاء، قال بشر بن الحارث: "الصوفي من صفا قلبه لله" أي خلص من كدر الأغيار وجاهد نفسه فانتصر عليها وتغلّب على أهوائها بطريق التّدريب فيصير ودوعا مسالما، متّصفا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلّم وآدابه وأفعاله وأقواله وأحواله وحقائقه، إذ كلّ طريق سوى طريق رسول الله مسدود وكلّ عمل سوى ما أذن به مردود.

ورأى "جوزيف فون هامر" أن كلمة "تصوّف" ترجع إلى أصل يوناني، فهي مشتقّة  من كلمة "سوفوس" "Sophos". وقد ردّ نيكلسون  هذا الرّأي بقوله: "وقد قرّر المسألة ووضعها  في نصابها نهائيّا "نولبكه" Nolbeke في سنة 1894 في الوقت الذي كان فيه أستاذا للغة العربية  بجامعة ستراتبورخ، فقد قال: "إن كلمة "سوفوس" غير معروفة في اللغة الآرميّة، فمن  غير المحتمل أن توجد في اللغة العربية. أمّا الذي يوجد في اللغتين الآرمية والعربيّة فكلمتا "سوفسطيس، وفيلوسوفوس" وقد كان الحرف"0"اليوناني يمثّل في العصور المتأخّرة دائما بحرف "س" العربي في جميع الكلمات اليونانية التي عرّبت، لا بحرف "ص". فلو كانت كلمة صوفي مشتقّة من أصل يوناني لكان بقاء الصّاد في أوَلها خروجا على القياس على أقلّ تقدير، زد على ذلك أنّه لا يوجد دليل إيجابي  يرجّح افتراض أنّ الكلمة  مشتقّة من الأصل اليوناني "سوفوس"، في حين انّ نسبتها  إلى الصّوف يؤيّدها نصوص من أقوال الكتّاب المسلمين أنفسهم.

ثمّ يمضي "نولدكه" فيسرد طائفة من العبارات التي تدلّ على أنّ المسلمين أنفسهم في القرنين الأوّلين للإسلام كانوا يلبسون الصّوف، وبخاصّة من سلك منهم في حياته  طريق الزّهد، وأنّهم كانوا يقولون: لبس فلان الصّوف. بمعنى: تزهّد ورغب عن الدّنيا. فلمّا انتقل الزّهد إلى التصوّف قالوا: لبس  فلان الصوف. بمعنى: أصبح صوفيّا. وكذلك الحال  في اللغة الفارسيّة، فإنّ قولهم "بشمينا بوش" معناه يلبس لباس الصّوف"( في التصوّف  الإسلامي وتاريخه، ص 67).وإذا كان "نيكولسون" قد رأى أنّ كلمة "التصوّف" ليست يونانية فإن "هانري  كوربان" يقرّر أن كلمة "Sophos" اليونانية تبدو اكثر قبولا  للوهلة الأولى، ويذكر أن هذه الكلمة منسوخة عن كلمة "Sophos"، وأنّ اكثر المستشرقين لا يطمئنّون لهذا التّفسير مع أنّ البيروني  وهو من المسلمين يثبتها عنده برغم تغاير حرفي "ص" و "س".ثم يخلص "هنري كوربان" إلى القول بأن النّحويين العرب قادرين  على إيجاد اشتقاق سامي لكلمة مستوردة. من ثمّة فقد رأى أن كلمة صوفي  عربيّة مشتقّة بحسب الاشتقاق المتعارف عليه عموما من الصّوف وهذا الاشتقاق  يلمح إلى عادة الصّوفيين في لبس الخرق وتميّزهم بها(تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 282).إذن فالكلمة عربيّة وكانت مستعملة قبل شيوعها في أواخر القرن الثّاني الهجري لتكون علما على طائفة من النّاس، يقول صاحب "اللّمع": "وأما قول القائل إنه اسم محدث أحدثه البغداديون فمحال، لأنّ في وقت الحسن البصري رحمه الله، كان يعرف هذا الاسم، وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام فقد روي أنّه قال: رأيت صوفيّا في الطّواف فأعطيته شيئا، فلم يأخذ وقال: معي أربع دوانيق يكفيني ما معي". وروي عن سفيان  أنّه قال: لولا أبو هاشم الصّوفي ما عرفت دقيق الرّياء(اللّمع).

1-2- معنى التصوّف عند الصّوفية:

قال الجنيد: "الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كلّ مليح". وقال أيضا: "هو كالأرض يطؤها البرّ والفاجر، وكالسّحاب يظلّ كلّ شيء، وكالقطر يسقي كلّ شيء.ويعرّف الجنيد التصوّف فيقول: "التصّوف حفظ الأوقات. ومعناه ان لا يطالع العبد غير حدّه ولا يوافق غير ربّه، ولا يقارن غير وقته.ويقول معروف الكرخي: التصوّف هو الأخذ بالحقائق، واليأس مما في يد الخلائق.وقال محمد بن علي القصّاب: التصوف أخلاق كريمة ظهرت في زمن كريم، من رجل كريم، مع قوم كرام.وعرّفه أبو محمد الجريري بأنه: الدّخول في كلّ خلق سنّي، والخروج من كلّ خلق دني.وقال أبو حفص: التصوّف كلّه آداب. لكلّ وقت أدب، ولكلّ حالة أدب، ولكلّ مقام أدب. فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرّجال، ومن ضيّع الآداب فهو بعيد من حيث يظنّ القرب، ومردود من حيث يرجو القبول.

وقال أيضا: حسن أدب الظّاهر عنوان حسن أدب الباطن، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه".قال ذو النّون الصّوفي: الصّوفي من لا يتعبه طلب، ولا يزعجه سلب. وقال أيضا: الصّوفية آثروا الله تعالى على كلّ شيء فآثرهم الله على كل شيء، فكان من إيثارهم أن آثروا علم الله على نفوسهم، وإرادة الله على إرادة نفوسهم.وقال بعضهم: الصوفي من إذا استقبله حالان حسنان او خلقان حسنان، يكون مع الأحسن.وقال رويم: التصوّف استرسال النفس مع الله تعالى على ما يريد.قال بعضهم: التصوّف أوّله علم، وأوسطه عمل، وآخره موهبة من الله تعالى.

وقال عمر بن عثمان المكّي: التصوّف ان يكون  العبد في كل وقت مشغولا بما هو اولى في الوقت.ورأى قوم أنّ: التصوف ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع اتّباع.وقال سهل بن عبد الله: الصوفي من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، وانقطع إلى الله من البشر واستوى  عنده الذّهب والمدر.وسئل  بعضهم عن التصوف فقال: تصفية القلب عن موافقة البريّة، ومفارقة  الأخلاق الطبيعية، وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدّواعي النّفسانية، ومنازلة الصّفات الرّوحانية، والتعلّق بعلوم الحقيقة واتّباع الرّسول في الشّريعة.وأقوال الصّوفية في معنى التصوّف كثيرة يصعب حصرها.

ومهما اختلفت هذه الأقوال التي ذكرناها فإن المعاني متقاربة: فإنّ الصوفي من كان دائم التّصفية، لا يزال يصفّي الأوقات من شوب الأكدار بتصفية القلب عن شواغل النفس، مستعينا في ذلك بالافتقار إلى خالقه، يعينه ذلك الافتقار في التخلّص من الأكدار، فإذا تحرّكت النفس تطلب لذّة قاتلة أدركها ببصيرته النّافذة وفرّ منها إلى خالقه، فهو قائم بربّه على قلبه وقائم بقلبه على نفسه.

2- آراء حول مصادر التصوّف:

2-1- إرجاع مصادر التصوّف إلى أصول مسيحية:

حاول بعض المستشرقين أن ينزعوا عن التصوّف زيّه الإسلامي ويخرجوه من بيئته الطّبيعية، ولهم في ذلك محاولات كثيرة تدفع إليها عصبيّة دينيّة أو جنسيّة. وأغلب دراساتهم في الإسلام تسير في هذا الاتجاه إلا قليلا منهم، فبعضهم  مغرم بالشكّ، وبعضهم مغرم بالتّجريح الخفيّ، من ثمّة فلا غرابة أن نجد بعضهم يدّعي ان التصوف  الإسلامي اثر من آثار المسيحية، وأنّ العرب  قبل الإسلام لم يعرفوا حياة الزّهد ولم يكن لهم تفكير ديني. "فلم يشغل  العربي ذهنه بشيء من القضايا، إنّما كانت حياة العربي حياة حرية  ومرح وسرور ومجون، وكانت الخمر والنّساء والحرب هي الأشياء  الثلاثة التي يحبّها العربي ويهتمّ بها". فهو إمّا ان يستغرق في الخمر، أو ينصرف إلى الفِسق، أو يستنفد قوّته وطاقته في الحروب القبليّة.وكانت حياته  حياة مرح، لا يعكّر صفوها أفكار خطيرة او تأمّلات دينية، لم يكن هنالك ميل للصّدق او رغبة في عمل الخير، "كان كلّ هدفهم  في الحياة أن يتمتّعوا بحاضرهم.."، فلم يستعدّوا لحياة اخرى غير تلك الحياة التي كانوا يحيونها، ولكن اتباع  المسيح الذين كانوا في شمال الجزيرة العربية، تعلّم منهم بعض العرب حياة الزّهد واحتقار متع الحياة. وعندما ظهرالإسلام، رأينا  أن النبي نفسه، تأثّر بالحنفاء الذين هم اثر من آثار المسيحية، فقد لبسوا  الصّوف وحرّموا على أنفسهم انواعا من الطّعام.وإذا نظرنا إلى الإسلام عند نشاته الأولى، نجد أن النبيّ وبعض أتباعه، كانوا يقومون الليل كله أو بعضه تهجّدا، ثم بدأ الزهد والتقشّف يتقلص شيئا فشيئا، وخاصة بعد ان استقرّ النبي وأصحابه في المدينة وبدأت الدنيا تقبل عليهم. فلم يكن الزهد  صفة من صفات الإسلام، إذ المأثور عن النبي، انه أخذ بنصيب من اللذّات ومتع الحياة التي كانت في متناول يده، ولم يحرّم على أتباعه زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرّزق.صحيح أن الإسلام قد فرض على أتباعه قواعد تشبه أفعال الزّهاد، لكنها لا تمّت إلى الزّهد بصلة كالصّوم، وتحريم الخمر، والصّلاة، وغيرها.

وهذه الفروض لها دلالتها، فهي تبرز روح الإسلام الاجتماعية والعملية، وهي صفات تتنافى مع حياة الزّهد والابتعاد عن الدّنيا. فالإسلام يربط بين العمل والعبادة بين الدّنيا والآخرة. فإذا قرأنا قوله تعالى: "فإِذَا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض" ترى الرّوح العملية للإسلام. وإذا نظرنا بصورة عامة إلى الآيات التي تشير إلى حقارة الدنيا، فإنّنا لا نجد إلا قليلا من الآيات التي لها صبغة خاصة في الزّهد.وكلمة "زهد" لم ترد في القرآن بمعناها الحقيقي، بل وردت في مقام اللوم والتأنيب، وهي الآية العشرون من سورة يوسف: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا  فيه من الزّاهدين". وجميع  الألفاظ التي وردت في وصف الزهاد مثل: الذّاكرين، والسّائحين، والتّائبين، والبكّائين، فهذه الألفاظ لا يقصد بها  معنى من معاني التصوف، إنما المسلمون هم الذين حمّلوها معنى التصوف.

- الرد على هذه الشبه يقوم على أساسين:

أ- إن الناظر إلى أثر المسيحية يمكن قبوله لو كانت المسيحية خارجة عن ديرها، ومنطلقة في بساطة تناسب نفسية العربي المنطلقة بلا تعقيد تبعا لبيئته التي يحي فيها حياة بسيطة هادئة، ليس له فيها إلاّ رمال صفراء وعين من ماء.هذه الحياة جعلت العربي لا يفكّر في فلسفة دينية، وأنا له أن يدرك ما عليه المسيحية من تعقيد. إنه يريد اتّصالا بالله بسيطا لا تعقيد فيه، بساطة الهواء الذي يتنفّسه، والماء الذي يشربه. "وإذا كانت المسيحية قد دخلت الجزيرة العربية، فإنّها بقيت رهينة لغتها السّريانية أو الرّومانية فلم تنتشر انتشارا ملحوظا... ولم ينتشر كتابها المقدس لأنه لم يترجم إلى اللغة العربية، كذلك شعائر صلاتها (القدّاس) لم تترجم".من ثمّة لم ينتفع بها العربي، ولم تكن له دينا رغم تعدد مراكزها، ما عدا بعض العرب اعتنقوها تزلّفا سياسيا، ولعلّ عدم اعتناقها راجع إلى الأسباب الآتية:

1 ـ التّنافس بين مذاهبها.

2 ـ عدم رضا بعض رجال الكنائس في التّوفيق بين المسيحية والتّراث الفلسفي اليوناني، لأن  ذلك التّوفيق يجعل المسيحية في نظرهم مجرّد معارف رومانية يونانية، فيفقدها صبغتها الدّينية.

3 ـ انشقاقاتها العقائدية حول طبيعة المسيح والمواضيع المتعلقة بها.

هذه العوامل كلّها أو بعضها جعلت النّاس "يرغبون عنها".

ب- أما أنّ الإسلام لا يشتمل على الزّهد، فهذا صحيح إن قصدوا بالزّهد تعذيب النّفس وحرمانها مما أحل الله مما يساعدها على القوة والحركة.إن الزهد بهذا المعنى، لا يقرّه الإسلام ولا يرضاه. "إن القرآن وسيرة النبي صلى الله عليه وسلّم أشارا إلى الزهد في الدنيا لا إلى هجرها والخروج منها والعيش فيها عيشة الأموات. لا يحرّم الإسلام التمتع بالحلال، ولكن الذي حرّمه هو الانغماس في شهواتها التي تشغل القلب عن ذكر الله "كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبا"[2، سورة البقرة، الآية 168] " قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ"[7،سورة الأعراف،الآية 32].

الإسلام دين يأخذ بفضيلة الوسط، لا إفراط ولا تفريط. يدعو الزّهد في الدّنيا، أي القصد في الشّهوات لا إلى الحرمان واعتزال الدنيا ومن فيها وما فيها. يدعو إلى التمتّع بالحلال واجتناب الحرام، لأن الإسلام، قبل كل شيء وبعد كل شيء، دين عملي اجتماعي والزّهد، بالمعنى المسيحي، مخالف لروح الحياة الاجتماعية.

2- إرجاع مصادر التصوّف إلى أصول فارسيّة:

ولم يقف المستشرقون عند إرجاع مصادر التصوّف الإسلامي إلى أصول مسيحيّة، بل اعتبر بعضهم أن التصوّف الإسلامي يرجع إلى أصل فارسي. وبنوا هذا الحكم على فكرة التعصّب  للشّعوب  الآرية زاعمين ان العقلية السامية  ليست  اهلا للنظر الفلسفي ولا للتصوّف او العلوم. من ثمة فقد أنكروا كل نتاج فكري للشعوب السامية، وما وجد عند هذه الشعوب  من علوم وفلسفة، إنّما هي نتاج للتفاعل السلالي والثقافي للشعوب الآرية التي غزاها الإسلام. فالتصوف  إنما يرجع إلى ردّ فعل عنصري، ولغوي وقومي من الشّعوب الآرية المقهورة، التي غلب عليها سلطان السّاميين.

وممن قال بهذه النّظرية "جوبينو"  و "فريدرش دلتش" "F. Delizsch" و "رينان""Renan".ويربط هؤلاء بين التصوّف  الإسلامي عند السّهروردي المقتول وبين الزرادشتية، ومن المتأخرين الذين ساروا في هذا الفلك "هنري كوربان" يقول: ولنفهم ما قصد إليه  السّهروردي من تسميته لكتابه بـ "الحكمة الإشراقية" وهي حكمة لدّنّية مشرقية سيتابعها السّهروردي  بتصميم واضح كإحياء لحكمة فارس القديمة. والوجوه الكبيرة التي تتحكّم في سير المذهب هي "هرمس- وأفلاطون- وزرادشت"( تاريخ التصوّف الإسلامي، بدوي، ص 3. تاريخ الفلسفة الإسلامية، كوربان، ص 304).وإذا سلمنا بهذه المقولة، على حدّ رأي د.عفيفي، فإنها تنكر على الفارسيين كل صدق وإخلاص  في مجهودهم الإسلامي. فمن ذا الذي ينكر ما قام به الطّبري وسيبويه وابن سينا والغزالي من جهود جبّارة في ميادين العلوم الإسلامية المختلفة، من تفسير ولغة وفلسفة وتصوّف. كان هؤلاء جميعا من أصل فارسي ولم نلاحظ فيهم انتصارا لعقائدهم القديمة على حساب العقائد الإسلامية، بل بذلوا جهدا في فهم الإسلام ونشر عقائده.

4- إرجاع مصادر التصوّف إلى التأثر بالأفلاطونية الحديثة:

وممن صرح بهذا القول "نيكولسن" عندما  تحدّث عن تصوّف ذي النّون المصري. فرأى انّه تأثّر بالأفلاطونية الحديثة التي كانت شائعة في عصره "ومعنى ذلك انه  تتلمذ للعلم الهلينستي.. وأكثر آرائه تتفق وما نجد في كتابات "ديونيسيوس" هذا يجعلنا نجزم بأنّ الأفلاطونية الحديثة قد صبغت على الإسلام صبغة من العنصر الصّوفي  عينه الذي صبغت به المسيحية من قبل"( الصوفية في الإسلام، نيكولسن، ترجمة د. عفيف، ص 18.

التصوف في الإسلام، بدوي، ص 45).ويقول أيضا: إننا إذا نظرنا إلى الظّروف التّاريخية التي أحاطت بنشأة التصّوف بمعناه الدقيق استحال علينا ان نردّ أصله إلى عامل هندي او فارسي، ولزم أن نعتبره وليدا لاتّحاد الفكر اليوناني والدّيانات الشّرقية، أو بمعنى ادق وليد اتّحاد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والدّيانة المسيحية والمذهب الغنوصي. نعم من المحتمل أن يكون اثنان على الأقل من هذه المصادر الثلاثة قد تأثّرا بأفكار فارسيّة او هنديّة... أمّا  الأثر  المباشر الذي وصل إلى التصوّف من ناحية الهند، فقد كان لا شكّ كبيرا، ولكّنه اتى متأخرا، وإذا قيس بما في التصوف من أثر للفكر اليوناني  والسّرياني عدّ في المنزلة الثّانية".

إنّه إذا كان "نيكلسون" قد قرّر هذا في سنة 1906 فالظّاهر أنّه تحوّل عن نظريّته "فخفّف  من حدّة هذه التّوكيدات القاطعة، وإن لم ينكرها صراحة"، حيث قال في دائرة معارف الدّين والأخلاق: "لا نفترض انهم لم يتأثروا إطلاقا بأفكار غير صوفية عندما نعرض  للبحث  في كيفية انتقالهم من دور الزّهد إلى دور التصوف الذي ظهرت فيه وحدة الوجود، فإنّ أثر المسيحية والفلسفة الأفلاطونية  الحديثة  والفلسفة البوذية عامل  لا سبيل إلى إنكاره في تكوين التصوف الإسلامي. وقد كانت هذه المذاهب والفلسفات متغلغلة في الأوساط التي عاش فيها الصوفية، فلم يكن بدّ أن تترك طابعها في مذاهبهم.ولدينا أدلة كافية توضّح أثرها في التصوّف ومكانتها منه ولو ان  المادة التي بين أيدينا لا تمكّن من تتبع أثرها بالتّفصيل. وبالجملة يمكن القول بأن التصوف  في القرن الثالث - شأنه في ذلك شأن التصوف  في أي عصر من عصوره- ظهر نتيجة لعوامل مختلفة احدثت أثرها فيه مجتمعة، أعني بهذه العوامل: البحوث النظرية في معنى التوحيد الإسلامي والزّهد والتصوف المسيحيين، ومذهب الغنوصيّة والفلسفة  اليونانية والهندية".

ثم يبدو له خطأ إرجاع نشأة التصوّف الإسلامي إلى أصل واحد فيقول: "وقد عولجت مسألة  نشأة التصوف في الإسلام إلى الآن معالجة خاطئة إلى عهد قريب جدّا. فقد ذهب كثير من اوائل الباحثين في هذا الموضوع إلى القول بأن هذه الحركة العظيمة، التي استمدّت حياتها وقوتها من جميع الطّبقات والشّعوب التي تألّفت منها الإمبراطوية الإسلاميّة، يمكن تفسر نشأتها تفسيرا علميا دقيقا بإرجاعها إلى أصل واحد كالفيدانتا الهندية او الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، أي بوضع فروض أكثر ما يقال فيها أنّها تفسّر جانبا من الحقيقة، لا الحقيقة بأكمالها وذلك كقولهم، بأنّ التصوّف كان ردّ فعل للعقل الآريّ ضدّ دين سامي فرض عليه فرضا وأنني أرى الآن أنّنا، بدلا من أن نضيّع الوقت عبثا في البحث عن مصدر واحد للتصوّف، يجدر بنا أن ندرس العوامل المختلفة التي ساعدت –مجتمعة- على تشكيل المذهب الصّوفي، وان نضع كلاّ من هذه العوامل في موضعه اللائق به وندرس الصّلة بينها، ثم نميّز – قدر المستطاع- ما كان لكلّ منها من اثر فإن هذه العوامل في جملتها تكوّن الظّروف التي نشأ فيها التصوّف وترعرع، سواء في ذلك العوامل السياسية او الاجتماعية أو العقلية، كالاضطرابات والفتن الداخلية الدامية في عصر بني أمية، وموجات الشكّ والتعصّب العقلي التي طغت على المسلمين  في العصر العباسي الأول، وكالتّطاحن المرّ بين اصحاب المقالات والفرق أو الجمود على مذهب أهل السنّة  من جانب العلماء".

بعد هذا الجهد المضني، يقرّر "نيكلسون" أنّ مسألة التصوّف مسألة معقّدة، يصعب إرجاعها إلى  مذهب معيّن "أو تيار ثقافي أجنبي، أو نزعات دينية معيّنة".أمّا المستشرق الكبير "ماسنيون" فإنّه يقرّر بعد دراسة مستفيضة لما قيل من آراء  في نشأة التصوّف الإسلامي ومدى تأثّره بعوامل خارجيّة، يخلص إلى أنّ التصوّف الإسلامي  صدر من مداومة تلاوة  القرآن والتأمّل فيه، يقول: لقد قام التصوّف الإسلامي على أساس التّلاوة المستمرّة والقراءة الشاملة لهذا النّص... ومنه استمدّ خصائصه المميّزة: التّلاوة المشتركة بصوت مرتفع، إقامة مجالس الذّكر الذي فيه تتلى آيات القرآن، وموضوعات للتأمل مناسبة منظومة ومنثورة".وبعد هذا النص يقول في دائرة المعارف الإسلامية عن التصوف ما نصّه: "إن الدراسة النقدية لمصادر التصوف لم تتم بعد. والباحثون في الإسلاميات  قد أدهشهم الافتراق العقيدي العميق الذي يفصل وحدة الوجود الحالية في التصوف عن العقيدة السنية الدقيقة، ظنّوا ان في وسعهم تصور التصوف على أنه مذهب مستورد من الخارج، نشأ عن الرّهبانيّة السّريانيّة (ماركس) أو الأفلاطونية المحدثة اليونانية أو المزدكيّة الفارسية أو مذهب الفيدانتا الهندوكي (جونز). وقد بيّن "نيكلسون" أن افتراض كون التصوّف مستعارا من الخارج، هو افتراض لا يمكن قبوله في صورته المبسّطة هذه، ذلك أنّه منذ بداية الإسلام يمكن مشاهدة ان تكوين الآراء الخاصّة بالصّوفية المسلمين قد تمّ من الدّاخل، خلال التلاوة المتواصلة المتأملة للقرآن والحديث، وتحت تأثير الأزمات الاجتماعية او الفردية، في داخل المجتمع الإسلامي نفسه. لكن إذا كانت البنية الأولى للتصوف إسلامية وعربية بوجه خاص.

فإنّه ليس من غير المفيد تحديد العناصر التّزويقيّة الأجنبيّة  التي استطاعت الالتصاق به والانتشار  فيه، وهكذا أمكن العثور أخيرا على عدّة عناصر تقويّة مستمدّة من الرّهبانيّة المسيحيّة (أستين بلاثيوس، فنسنك، تور أندريه) وكثير  من المصطلحات الفلسفية الهلينيّة المترجمة عن السّريانيّة والنّظائر الإيرانيّة (التي افترضها بلوشيه Blochet) لم تفحص أبدا، أما العناصر السّنسكرتيّة (رأي هورتن) فإن قليلا من الحجج قد اضيفت إلى الافتراضات القديمة للتّناظر التي قال بها البيروني ودراشيكوه عن النّظائر بين الأوبنشاد او اليوجا سوترا وبين عقائد الصّوفيّة الأوائل، وفي مقابل ذلك فإنّه من المحتمل ان تبيّن الدّراسة النّقديّة للعمليّات الماديّة لإيقاع الذّكر عند الطّرق الصّوفيّة الحديثة – عن نفوذ بعض طرائق الزّهد الهندوكيّة"( الصوفية في الإسلام، نيكلسون، ترجمة د.عفيفي، تاريخ التصوف في الإسلام، بدوي، بحث في نشأة المصطلح الفني للتصوف الإسلامي، لويس ماسنيون، دائرة المعارف الإسلامية ، س نة 1929م).وخلاصة ما قرّره "ماسنيون" أنّ: التصوف الإسلامي نشأ من إدامة النّظر في القرآن والسنّة، وبذلك يرجع التصوّف إلى أصوله الإسلامية، ثمّ بفعل الزّمن وتلاقح  الأفكار أضيف إلى التصوّف الإسلامي أفكار أجنبيّة، وأبرزها ما كان  مستمدّا من الفلسفة اليونانيّة والرّهبنة المسيحية، أما التأثير الفارسي فلم يصل البحث فيه إلى دليل، وكذلك التأثير الهندي الذي ذكره "البيروني"، ما هو إلاّ مجرّد تشابهات عامة وليس ثمّة دلائل على وقوع تأثير وتأثّر.

5- إرجاع مصادر التصوّف إلى أصول هنديّة:

لم يقف الفكر بالمستشرقين عند هذا الحد، بل زعم بعضهم أن التصوف الإسلامي نشأ من أصل هندي، وأول من صرّح بذلك المستشرق "وليام جونز" ثم تبعه في ذلك "تولك" ثم "الفرد كريمر" ثم "جولد تسيهر"، الذي قال عن التّأثير الهندي ما نصّه: "عند إلقاء نظرة عن تاريخ التصوّف، لا يمكن أن نتجاهل هذه المؤثرات بصفتها عوامل ذات أثر نافذ، وأقصد بها المؤثّرات الهندية التي بدت بصورة محسوسة منذ العصر الذي انتشر فيه الإسلام شرقا حتى حدود الصّين، فتخطّت أفقه تدريجا تلك الآراء الهندية التي ظهر بعضها في الآثار الأدبيّة والبعض الآخر في الفكر الديني  الإسلامي.ففي القرن الثاني الهجري، عندما قام المترجمون بترجمة كتب الأعجمية، نقلت بعض المؤلّفات البودية إلى الأدب العربي...".

وبعد هذا العرض يَخلص إلى ما يلي:".... إنّ الفكرة الدّينيّة، المسمّاة بالزّهد، التي صادفت الإسلام السّنّي والتي لا تتّفق مع السّمات المألوفة التي نعرفها في التصوّف الإسلامي، تكشف عن آثار قويّة تدلّ على تسرّب المثل الأعلى للحياة عند الهنود إلى الإسلام.... وبهذا تأثّرت حركة التصوّف الإسلامي في بدايتها تأثّرا يكشف  لنا بسبب نزعتها الأصلية، عن صلتها الوثيقة بالأفكار الهنديّة...."( العقيدة والشّريعة في الإسلام، جولد تسيهر، ص 134).

ثمّ عقد مقارنة بين بوذا وإبراهيم بن أدهم، حيث تخلّى عن إمارته واصبح درويشا يتنقّل، وبذلك اشبه بوذا في سيرته. وذلك لأنّ متصوفة الإسلام، على حد رأيه، قد تأثروا بالعقائد  الهندية مما أكسب التصوف الإسلامي قوة وعمقا ونفاذا.أرنلد جولد تسيهر من كبار المستشرقين، وقد حضر إلى مصر وسمع محاضرات في الجامع الأزهر، وله  كتب في الإسلام "ما أظنّه في واحد منها تخلّى عن نزعته اليهودية، أو استطاع ان يزيل من وعيه انّ الإسلام من وضع محمد، وأن محمّد صلى الله عليه وسلّم كان تلميذا لليهود".

وهو كغيره من المستشرقين يفسّرون نصوص القرآن على غير وجهها، ويضعون المعاني  التي يريدون تمريرها من غير مراعاة لروح الإسلام وجوهره، معتمدين  على ما رسخ في أذهانهم من أنّ الإسلام خليط من الأفكار الدّينية والبشريّة، وشأن التصوف كشأن الإسلام نفسه، لم يكن وليد الإسلام، كما أن الإسلام لم يكن وحيا إلهيّا بل هو من صنع خيال محمد صلى الله عليه وسلّم. ونحن ندرك أنّهم "لا يؤمنون بما يقولون، وإنما هو كلام يجارون به هواهم أو يجارون به الأوساط التي تستريح لهذا الكلام".قال المستشرق الإنجليزي "ألفرد جيوم" وتابعه آخرون، أن محمّدا كان دارسا مبتدئا للكتاب المقدّس، فظنّ انّ مريم أمّ عيسى عليه السّلام هي مريم أخت هارون، مع ان بين عيسى وهاون زمنا طويلا. يشير هذا المستشرق إلى الآية الكريمة "يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيّة" [سورة مريم، الآية 28].إن هذا المستشرق فسّر النصّ بشكل لا يتّفق ومقتضيات اللغة العربية، فما قال محمد صلى الله عليه وسلّم أن مريم أخت هارون.

والغاية التي يسعى إليها هؤلاء، إثبات أن محمدا صلى الله عليه وسلّم استقى أفكاره من أهل الكتاب ووضعها في قالب لغويّ ادهش بعض العرب ليجلبهم إلى افكاره، وقد بدأ الفكر ساذجا يتلاءم وطبيعة البدويّ، غير أن محمّدا كان يضيف من حين إلى حين بعض الأفكار التّجديدية، التي لم يكن للعرب إحاطة بها، وقد اكتسبها  محمد من شعوب  أخرى، انضمّ أفرادها إلى دعوته.يقول "فليب حتّي": "إنّ محمّدا  استقى معلوماته من مصادر كثيرة، منها من صاحبيه صهيب الرّومي وسلمان الفارسيّ، وزوجه مارية القبطيّة التي سمّاها "حتّي" حظيّة.إن الباحث لا يستطيع أن يصادم حقائق التّاريخ بكلّ هذه البساطة، إن صهيبا  الرّومي  كان عربيّا من بني النّمر بن قاسط، فأخذ من ربيعة بن النّزّار. سَبَتْه الرّوم وهو صغير وباعته، ونشأ بمكّة، "فماذا عسى أن تكون ثقافة طفل حتى يستقي منه محمّد صلى الله عليه وسلّم أفكاره".أمّا سلمان، فأصله من فارس كان يطلب دين الله، ويتّبع من كان يرجو ذلك عنده، اتّصل بالنبيّ صلى الله عليه وسلّم، وأعلن إسلامه بعد أن بلغت الدعوة الإسلامية أوجها، ولم يستفد منه النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلا من خبرته القتالية، إذ أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر خندق حول المدينة أما ماريّة، فقد كانت رقيقا ساذجا لا ثقافة لها، وليس لها علم حتّى يستفيد منه رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

هذا ما دأب عليه المستشرقون في دراستهم للإسلام، فهم لا يذكرون علما من علوم المسلمين إلا ونفثوا سمومهم فيه.وإذا ما عدنا إلى "جولد تسيهر"، لنرى هل كانت دراسته للتصوف الإسلامي دراسة موضوعية ام  هي دراسة متأثّرة بأفكاره المسبقة عن الإسلام. لا شكّ أنّنا نرجّح الرّأي الأخير، ونورد هنا بعضا من أخطائه في الإسلام عموما، من ذلك:زعمه ان الإسلام يكره التّجديد، إذ "كلّ بدعة في نظر الجماعة الإسلامية هي موضع  للشكّ والشّبهة وظهورها مَدْعاة للأسى، إذ أنّها تهدّد وحدة الجماعة وتؤدّي إلى انهيار الشّريعة"، لم يبيّن في هذا النص معنى  البدعة: أهي في الدين، أم في العلوم والأفكار؟

ثم يقول بعد هذه الفقرة بسطور: أنّ المسلمين  قد انتحلوا من البلاد التي فتحوها نظما قضائيّة وإداريّة، وأن هذه النّظم مستمدّة من نظم شتّى هي: القانون الرّوماني، والفارسي، والتّلموذ، وقانون الكنائس الشّرقيّة".ألا ترى أنه في الفقرة الأخيرة قد نقض ما صرّح به في الفقرة الأولى، إذ كيف تكون لهم نظم فارسية ورومانية وهم أهل جمود.

وكلامه في التصوّف الإسلامي يصبّ في هذا الاتّجاه. فتارة يعقد مقارنة بين إبراهيم بن أدهم وبوذا، وتارة يتكلّم عن الفناء الصوفي والنِّرفانا.

خاتمة:

وأخيرا نقول لقد توهّم "جولد تسيهر" كما توهّم غيره من المستشرقين أنّ التّصوّف الإسلامي نشأ من عوامل خارجيّة، وحاولوا في شيء من التعسّف أن يقدّموه على هذه الصورة مع أن التصوف الإسلامي نشأ، كغيره  من العلوم الإسلامية، من القرآن والسنة. وإذا ما تركنا القرآن والسنة، باعتبارهما وحيا إلهيّا، ونقّبنا في أقوال المسلمين وأفعالهم في شتى مناحي الحياة، فإننا نجد على سبيل المثال خالد بن الوليد في رسمه للخطّة الحربيّة وتنفيذها، وما أحدثه عمر بن الخطّاب في الإدارة والسياسة والتّشريع، وأنّه يتعذّر أن تجد مثلهما على مرّ العصور.وإذا ضربنا مثلا بالتّشريع، فإننا نجد تيّارين يسيران متجاورين من أهل الرّأي وأهل الحديث.

فقد كان هؤلاء وهؤلاء  يسيران جنبا إلى جنب منذ أن نشأت  الدولة الإسلامية. كان هنالك ربيعة الرّأي وابن المسيّب. والأوّل يمثّل مدرسة الرّأي، والثاني يمثّل مدرسة الحديث.وكان هنالك إبراهيم النّخَعي، وبجواره المحدّث شرحبيل الشّعبي.ثمّ كان أبو حنيفة يمثّل مدرسة الرأي، ومالك يمثل مدرسة الحديث.وإذا ما ألقينا نظرة على التيّار الفلسفي، فإننا نجد المشبّهة يسيرون جنبا إلى جنب مع المعتزلة والكندي، والفارابي.

ونجد ابن ماجه وابن الطّفيل متأخّرين في النّشأة عن الفارابي وابن سينا، لم يبلغا شأوهما.والتصوف الإسلامي شأنه شأن هذه العلوم، مرّ بأدوار مختلفة، لكلّ دور خصائصه وميزاته، وظهرت فيه مدارس، انفردت كل مدرسة بلون خاص، من حيث تعاليمها النّظرية والعمليّة ومن حيث اصطلاحاتها.فمدرسة البصرة غير مدرسة الكوفة، وهما غير مدرسة بغداد ومدرسة خراسان، وهذه كلّها غير مدرستي مصر والشّام.

 وما يقال على المتصوّف في إحدى هذه المدارس قد لا يقال على آخر في نفس المدرسة، فما يقال على إبراهيم بن أدهم غير ما يقال عن معروف الكرخي، وما يقال عن أبي يزيد البسطامي غير ما يقال عن ذي النّون المصري، وما يقال عن الجنيد والمحاسِبي غير ما يقال عن الحلاّج.

والذي نريد أن نقرّره هنا، أن تاريخ التصوّف في الإسلام جزء لا يتجزّأ من تاريخ الإسلام نفسه، ومظهر من مظاهره. وليس شيئا اجتلب من الخارج دون أن تكون له صلة بالدّين الإسلامي، وروحه، وتعاليمه.

المصادر والمراجع:

1.    تاريخ التصوّف الإسلامي، بدوي، ص 3.

2.    تاريخ الفلسفة الإسلامية، كوربان، ص 304

3.    الصوفية في الإسلام، نيكولسن، ترجمة د. عفيف، ص 18.

4.    التصوف في الإسلام، بدوي، ص 45.

5.    بحث في نشأة المصطلح الفني للتصوف الإسلامي، لويس ماسنيون، دائرة المعارف الإسلامية ، 1929م

6.    العقيدة والشّريعة في الإسلام، جولد تسيهر، ص 134