البعد الاجتماعي لنظرية الكاوس1pdf

 

 

أ: سعيدي عبد الفتاح

أستاذ مساعد "أ" قسم العلوم الاجتماعية

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

جامعة الوادي (الجزائر)

ملخـص:

لا يمكن الحديث عن نهاية القرن العشرين دون الحديث عن نظرية الكاوس بصفتها كنظرية ركزت اهتمامها البالغ على دراسة المنظومات الديناميكية اللاخطية. ما يهمنا في هذا الموضوع على وجه الخصوص، هو تلك الجدارة التي تميزت بها هذه النظرية منظوراً إليها كمقاربة ابستمولوجية سرعان ما بسطت نفوذها وفرضت تأثيرها القوي على مختلف التخصصات العلمية، ولاسيما في مجال الأبحاث والدراسات السوسيولوجية، هذه الدراسات التي كانت تعاني من الكثير من العوائق والإشكاليات على المستوى الابستمولوجي والمنهجي على حد سواء. وما يمكن طرحه من أسئلة يتمثل فيما يلي: ما هي أهم المبادئ التي قامت عليها نظرية الكاوس وعملت على مساعدة العلماء كثيراً من أجل توصيف تعقيد الواقع الاجتماعي الحالي؟ وما هي أهم الخصائص التي ميّزت طبيعة المجتمع المعاصر؟ وكيف كان لهذه التصورات التي استندت إليها نظرية الكاوس من القدرة على تفسير مثل هذه الخصائص؟ 

Résumé:

On ne peut pas parler de la fin du XXème sans parler de la théorie du chaos comme théorie a pour objet l’étude des systèmes dynamiques non linéaires. Ce qui est important, c’est sa fiabilité comme approche  épistémologique imposant son influence rapide sur toutes les spécialités scientifiques, et notamment sur les recherches et les études sociologiques qui soufrent de tant de difficultés sur le plan épistémologiques et méthodologiques. Les questions qui se posent : quelles sont les principes de la théorie du chaos ayant aidé beaucoup les scientifiques à décrire la complexité de la réalité sociale actuelle ? Quelles sont les caractéristiques qui ont marqué la nature de la société contemporaine ? et comment les concepts de la théorie du chaos ont pu interpréter ces caractéristiques ?    

تمهيد:

من أهم ما يميز ظاهرة العلم الحديث كظاهرة ثقافية بسطت هيمنتها على مختلف ميادين الحياة الأوروبية ابتداء من القرن السابع عشر قيامه على مقاربات ابستمولوجية كان لها دوراً حاسماً في بلوغ هذا العلم درجة عالية من الدقة واليقين والقدرة على التنبؤ والتحكم على مستوى التصورات النظرية وكذلك على مستوى التطبيقات العملية الميدانية، الأمر الذي جعل الاهتمام بمثل هذه المقاربات الابستمولوجية يتجاوز حدود البحث العلمي المنصب على دراسة الظواهر الفيزيائية إلى محاولة تطبيقها كذلك على الظواهر الإنسانية وعلى رأسها الظواهر الاجتماعية، وكان من ثمرتها قيام علم الاجتماع كعلم مستقل له مناهجه وفروعه، وكميدان بحث يحاول أن يثبت موضوعيته بمقدار تشبثه بنفس المقاربات الابستمولوجية التي أثبتت لدراسة ظواهر الطبيعة دقتها ويقينها وموضوعيتها. ولكن ظهور نظرية الكاوس في النصف الثاني من القرن العشرين كنظرية فرضت وجودها من خلال تطبيقها على الكثير من الظواهر الفيزيائية والكيمائية والبيولوجية، كما أحدثت انقلاباً ثورياً على مستوى التصورات والمبادئ والمسلمات التي ألِف العلماء والباحثون الاعتماد عليها في أثناء دراسة أي ميدان من ميادين العلم وفروعه. والسؤال الذي يفرض وجوده هنا: ما هي هذه التصورات الأساسية التي جاءت بها نظرية الكاوس كتحول ابستمولوجي وكانقلاب فكري على تلك التصورات التي كان يعتقد أنه لا يمكن الحديث عن علمية بحث بدونها؟ ومن جانب آخر: إلى أي مدى يمكن للمقاربة الابستمولوجية لنظرية الكاوس أن تنطبق على ظواهر المجتمع المعاصر؟ وهل يوجد على مستوى الظواهر الاجتماعية الراهنة – وعلى غرار الظواهر الفيزيائية – ظواهر تتجاوز حدود تطبيق تلك التصورات الابستمولوجية التقليدية؟

للإجابة على هذه الأسئلة نتطرق أولاً إلى أهم المبادئ التي قامت عليها نظرية الكاوس والتي تعتبر بديلاً لتلك التصورات التي كانت سائدة في العلم الكلاسيكي التقليدي:

1- مبادئ ومسلمات نظرية الكاوس

1-1-الحساسية للشروط الابتدائية

بالرغم من الأبحاث الجادة التي قام بها هنري بوانكاري وهنري بينار إلا إن أول من بحث في مشكلة الكاوس بشكل جدي هو عالم الأرصاد الجوية إدوارد لورنتز، ففي العام 1960، كان لورنتز يعمل على حلِّ مشكلة التنبؤ بحالة الطقس، وكان لديه برنامج إلكتروني محمل في حاسوبه، وقد تم تحميله باثنتي عشرة معادلة، وكل واحدة منها تصف حالة من حالات الطقس، إلا أن هذه المعادلات لم تكن لتصف حالة الطقس بالشكل الصحيح والدقيق تمامًا. وكان هذا البرنامج يتنبأ - بشكل نظري - بالحالة التي يمكن أن يكون عليها الطقس تقريبًا. وفي أحد الأيام من العام 1961، كان لورنتز يريد أن يراجع نسقًا معينًا من سلسلة الموجات في أحد القياسات التي كان قد حصل عليها. ولاختصار الوقت، قرر المراقبة بدءًا من منتصف النسق الموجي بدلاً من مراقبته من النقطة التي حصل عليها في وقت سابق. فأدخل لورنتز الرقم الذي كان قد حصل عليه من قياسات ليلة البارحة من ورقة النتائج الإلكترونية المطبوعة وترك البرنامج يتابع عمله. عاد لورنتز بعد مضي ساعة واحدة من عمل البرنامج الإلكتروني، وعند مراجعة النتائج لاحظ شيئًا فاجأه، كان النسق الموجي قد تغير بشكل كامل بدلاً من أن يأخذ مجراه الذي كان قد اتخذه ليلة البارحة. كان قد تشعَّب عن مسار النسق السابق، وانتهى بمسار مختلف ومتباعد بشكل كبير عن مسار النسق الأصلي. ثم اكتشف لورنتز بعد ذلك ما الذي حدث حقًا، كان الحاسوب قد خزَّن الأرقام ضمن ست خانات كسرية في ذاكرته. ولتوفير الورق، كان الحاسوب قد أخرج النتائج مؤلفة من ثلاث خانات كسرية، حيث أن الرقم كان في النسق الأصلي يساوي 0.506127 ، ولكن الحاسب كان قد أخرج في النتيجة الأرقام الثلاثة الأولى فقط 0.506 . ([1])

وبناء على نتائج هذه الملاحظات توصل لورنتز إلى أول مبدأ من المبادئ التي تحكم نظرية الكاوس وهو ما عٌرف بمبدأ أثر الفراشة ومضمون هذا المبدأ أن أي تغير مهما كان طفيفاً في الشروط الابتدائية يمكن أن ينتج عنه تغير كبير وبعيد المدى في سلوك المنظومة المرصودة. ومثل هذا التغير الطفيف والصغير في القياس يمكن أن يٌعدَّ ضجيجاً يشوش التجربة. وقد أطلق عليه لورنتز اسم مبدأ "أثر الفراشة" بعد تصريحه أن ضربة جناح واحد للفراشة اليوم، ينتج تغيراً طفيفاً في حالة الجو. وبعد فترة من الزمن يبتعد ما يفعله الجو فعلاً عما كان سيفعله، وهكذا خلال شهر من الزمن لن يحدث الإعصار الذي كان سيضرب شاطئ أندونيسيا، وربما يحدث إعصار ما كان له أن يحدث لولا حركة جناح الفراشة. ([2])

لقد بدأ الاهتمام بِجِدّية في النصف الثاني من القرن العشرين في دراسة الفوضى وسلوك المنظومات البعيدة عن التوازن وكان من رواد علماء الفوضى لورنتز الذي اكتشف رياضياً كيف أن الاختلاف الطفيف للشروط الابتدائية يؤدي في الأخير إلى نتائج جد متباينة حتى أطلق على هذا السلوك الغريب للظواهر التي تتسم بالفوضى اسم"تأثير الفراشة" ([3])

لقد كان للاعتراف بمبدأ "أثر الفراشة" دوراً خطيراً على التصورات الأساسية التي يقوم عليها العلم الحديث، وعلى رأس هذه التصورات مبدأ السببية بصفته المبدأ الذي يشكل حجر الزاوية في تفسير الظواهر وصياغة القوانين العلمية، فإذا كان مبدأ السببية ينطلق من مسلمة أن هناك تناسباً بين الأسباب والنتائج، فإذا كان التناسب طردياً كانت كل زيادة في الأسباب ترافقها نفس النسبة من الزيادة على مستوى النتائج. ([4]) وإذا كان من أهداف العلم هو التنبؤ فإن هذه العملية إنما تقوم على دقة التناسب بين الأسباب والنتائج، ومن جهة أخرى فإن قابلية الصياغة الرياضية للقوانين العلمية تنطلق من طبيعة العلاقة التناسبية بين الأسباب والنتائج. لكن ما جاء به مبدأ أثر الفراشة يحتم على العلماء عدم إهمال أي سبب مهما كان هذا السبب تافهاً، لأنه يمكن أن تكون له نتائج رهيبة. ولذلك فأول صعوبة أو إشكالية تنجر عن هذا المبدأ عدم إمكانية التنبؤ مع توفر مبدأ الحتمية. وهكذا يحدث ولأول مرة نوع من انعدام التلازم بين مبدأ الحتمية وبين إمكانية التنبؤ، فإذا كان في نظرية العلم الكلاسيكي تعتبر الحتمية الشرط الضروري والكافي لأن تكتسب قوانين العلم سلطة تنبؤية، لكنه ومع مبدأ "أثر الفراشة" صحيح أن مبدأ الحتمية قد حافظ على وجوده لكنه فقد كل إمكانية لأن يصبح مؤشراً لعملية التنبؤ.  

1-2-علاقة الكل بالأجزاء

إن النزعة الاختزالية للعلم قد جعلته ينظر إلى الظواهر الطبيعية كبنى مركبة، وأن تفسير حقيقة هذه البنى قائم على تحليلها وتفكيكها إلى أجزائها، وذلك لأن المفهوم التقليدي لمصطلح البنية يقوم أساساً على فكرة أن الكل يساوي تماماً مجموع الأجزاء. وبالتالي فإذا أردنا فهم الكل يجب فهم حقيقة وخصوصيات الأجزاء، كل على حدى. لكن عيوب هذا المنهج تكمن في إهمال تلك الروابط التي تحكم الأجزاء، وما تعكسه هذه الروابط من حقائق على الكل، لأن النظر إلى الكل على أنه مجموع أجزاء فيه نظرة تجميعية للبنية، ولكن النظرة الوظيفية تفرض أخذ تلك الروابط بعين الاعتبار، حيث لا تستقل وظيفة أحد أجزاء البنية عن الآخر، وهذا ما سوف نراه مع نظرية التعقيد، حيث تصبح علاقة الكل بالأجزاء وفق المنظور التالي:

- الكل أكثر من مجموع الأجزاء: وتعني هذه العبارة أن الكل أكبر من أن يكون وحدة كلية، فالكل هو دينامية تنظيمية لها مفعول رجعي على الأجزاء أو الأفراد. يكون لهذا المفعول الراجع دور تحويلي للأجزاء، حيث تعمل هذه الأجزاء على تحويل الكل، وهكذا. ومثال ذلك ما نراه من علاقة بين الجٌزيء والخلية، بين الخلية والجسم العضوي، وبين الفرد والمجتمع، فإذا كان المجتمع يثقف الفرد، فإن كل فرد من أفراده يعمل من جهته على تنمية الثقافة الاجتماعية من جهة أخرى. ([5])

- الكل أقل من مجموع الأجزاء: وهذا كذلك صحيح، لأن هناك الكثير من الصفات الموجودة في الأجزاء- في حالة الانعزال- تُكف وتكبح في إطار المنظومة ككل. فعلى مستوى الخلية يتخلى الجزئي على الكثير من خصائصه ليتكيف وخصائص الكل (الخلية)، وعلى مستوى الجسم العضوي تكبح الخلية جزء كبير من معلوماتها، وتتخصص في وظيفة معينة. ومنه فكل منظومة تفرض بعض الإكراهات على الأجزاء أو العناصر التي تكونها. فعلى المستوى الاجتماعي تظهر هذه الإكراهات على شكل رقابة، وقمع أو على شكل طابوهات، محرمات تفرضها الجماعة البشرية على أفرادها. وقد تصل هذه الإكراهات إلى درجة منع كل حرية مثلما نراه في أنظمة الحكم المطلقة والديكتاتورية.([6])

1-3-التنظيم الذاتي

المقصود بالتنظيم الذاتي ذلك الانبثاق التلقائي والديناميكي لبنية مكانية، لإيقاع، أو لبنية زمنية مكانية تكون تحت تأثير مزدوج متكون من مستجلب خارجي من الطاقة ومن التفاعلات الوظيفية بين عناصر منظومة ما. ([7]) ومن خلال هذا التعريف يمكن أن نستشف أن عملية التنظيم الذاتي تظهر بشكل تلقائي فجائي لا يمكن التنبؤ به، كذلك أن هذه العملية تتوقف على عاملين أحدهما خارجي والآخر داخلي: ويتعلق العامل الخارجي بالطاقة المجلوبة من الخارج، حيث تشكل هذه الأخيرة الضامن الوحيد لبقاء البنية ثابتة، فإذا نظرنا مثلاً إلى بنية الإعصار الاسطوانية نراها ساكنة ولكن هذا السكون يتوقف على الكم الهائل من الطاقة التي يقوم الإعصار باستنشاقها من جهة ثم تبديدها من جهة أخرى، ونفس الشيء يمكن رؤيته مع المجتمعات المعاصرة، إذ يستطيع المجتمع اليوم المحافظة على ثباته بمقدار الكم المعرفي والعلمي الذي يستجلبه من جهة ويستنفده من جهة أخرى. وهذه الوجهة من النظر مغايرة تماماً للتصورات العلمية التقليدية لمفهوم البنية، حيث أن هذه الأخيرة تشكلها عناصر ثابتة تجمعها روابط ثابتة، وأي تفكك أو تجدد لهذه الروابط تحتاج من أجل ذلك إلى قوى خارجية تربطها وفق مقدار محدد ومضبوط من الطاقة. ولهذا السبب فالمجتمع – وفق التصور التقليدي- هو عبارة عن مجموعة أفراد تجمعهم روابط وعلاقات ثقافية ثابتة، كاللغة والدين والتاريخ والقوانين والعادات والتقاليد..الخ. ويمكن النظر إلى هذه الروابط على أنها مؤسسات ثقافية ستاتيكية، أي أنها تحمل مضموناً ثابتاً. بينما ظاهرة الانتظام الذاتي فهي قائمة على قوى باطنية تتولد من الفوضى. وبالتالي فهي ظاهرة تؤدي إلى تزايد النظام على حساب الفوضى، وهذا يعني أنها ظاهرة ضد اتجاه الأنتروبيا، أي تزايد الفوضى على حساب النظام: فإذا كانت الانتروبيا عبارة عن ظاهرة تؤدي إلى تبديد الطاقة فإن ظاهرة الانتظام الذاتي تستغل هذه الطاقة من أجل المحافظة على بقاء بنية المنظومة. ([8]) ولعل من أشهر الأمثلة على نسبية علاقة الفوضى بالنظام ظاهرة الإجرام والانحراف بصفتها ظواهر فوضوية تقدم الطاقة الكافية للتشريع القانوني. وهذه النظرة المعاصرة التي تقوم على علاقة الاتصال-انفصال بين النظام والفوضى هي علاقة مفارقة تماماً لوجهة النظر العلمية التقليدية التي تقوم على مبدأ الانفصال المطلق بين النظام والفوضى. ولعل النزعة العلمية الاختزالية تقوم على اختزال الفوضى إلى النظام، حيث أن كل ما هو غامض هو مركب يجب تبسيطه وتحليله حتى نرى ما يحتويه من نظام. وهكذا تجلى النموذج العلمي في تفكيك وتبسيط المفاهيم الحركة والقوى والظواهر إلى ما هو أبسط. لكن هذا التفكيك هو على حد تعبير إدغار موران عبارة عن عملية بتر وتقطيع لروابط بإمكانها أن تؤدي إلى بروز حقائق على المستوى الكلي عن طريق عملية الانبثاق. ([9])    

1-4-الانبثاق:

المقصود بظاهرة الانبثاق  L’émergence مجموع الخصائص والصفات والوظائف التي تظهر فجأة وبشكل تلقائي عن عملية التنظيم الذاتي، وبالتالي فظاهرة الانبثاق هي ظاهرة لصيقة بظاهرة التنظيم الذاتي. ومن أهم ما تتميز به ظاهرة الانبثاق أنها تحدث بشكل ذاتي تلقائي لا يمكن التنبؤ به. والأمر المميز لظاهرة الانبثاق أنها تحدد علاقة اتصال- انفصال بين الأجزاء والكل: فإذا كانت علاقة الكل بالأجزاء وفق التصور العلمي الكلاسيكي هي علاقة أسباب بنتائج، حيث يمكن التنبؤ بالنتائج بالاعتماد على العلاقة الخطية التناسبية البسيطة بين الأسباب والنتائج أو ما يمكن التعبير عنه بمدخلات المنظومة ومخرجاتها؛ فبمعرفة مقدار القوى التي نؤثر بها على منظومة ميكانيكية يمكن استنباط تغيرات الحركة التي تحدث لها. لكن ظاهرة الانبثاق تمثل اتصالاً وانفصالاً يحدثان في نفس الوقت: هي اتصال من حيث أن الخصائص والوظائف المنبثقة ما كانت لتكون لولا وجود الأجزاء، وهي انفصال من حيث أن هذه الخصائص والوظائف تختلف جذرياً عن خصائص الأجزاء، وأبسط مثال على ذلك أننا لا يمكن أن نستنبط خصائص الماء من خصائص الهيدروجين والأكسوجين، بالرغم من أن جزئي الماء هو نتيجة حتمية لترابط ذرتين هيدروجين مع ذرة أكسوجين. وعلى المستوى الاجتماعي لا يمكن التنبؤ بخصائص الجمعيات والأحزاب والمنظمات من خلال معرفة طبيعة الأعضاء المكونين لها. 

1-5-التشعب

يرتبط التشعب La bifurcation من جهة أخرى بظاهرتي التنظيم الذاتي والانبثاق، حيث يحدث الجميع في نفس اللحظة. والتشعب يعني لغة الانفصال إلى فرعين أو أكثر(bi-furcation) ([10]). أما في نظرية الكاوس فهو يعني: عندما تصبح المنظومة ديناميكية شواشية معقدة، غير مستقرة في بيئتها بسبب الاضطراب أو التشوش أو الضغط فإن حالة جاذبة تقود مسارات هذا الضغط . وهذا يعني أن المنظومة اللاخطية تمتلك حرية الاختيار بين المسارات الممكنة، وهي هنا تشبه إلى حد كبير لحظة اتخاذ القرار، وهي ما يطلق عليه "نقطة التحول الطوري"، وعند هذه النقطة تتشعب المنظومة وتٌدفَع إما إلى حالة من نظام جديد عبر التنظيم الذاتي أو إلى الانحلال والفوضى. ومرحلة التحول الطوري هي الموضع الذي تحصل فيه الأحداث التحولية. وهذا المصطلح يعني نظرياً، أن هناك مؤثراً على المنظومة بكاملها ينتج عن داخلها وله آثار تحولية. أما من الناحية العملية فإنه يعني إشارة إلى تذبذب أو اندفاع مفاجئ. وقد وصف كامبل الكاوس وسريانه في الموجودات بأنه يحدث التعقيد في المنظومات الفيزيائية وفي المنظومات البشرية الصنع، وكذلك في البنيات الاجتماعية والشؤون البشرية. ([11]) وهو ما يفسر القرارات الإرادية والخيارات البشرية واللحظات الثورية التي تشكل نقاط انعطاف تاريخية. كل هذه الظواهر التي كانت وفق مقاربة العلم التقليدي تشكل عائقاً ابستمولوجياً يفصلها فصلاً جذرياً عن الظواهر الفيزيائية. لكن المقاربة الابستمولوجية لنظرية الكاوس تبرع في تفسير وتبرير مثل هذه اللحظات الاستثنائية في سيرورة المنظومات الاجتماعية. ولهذا السبب فلقد عبّر إرون لاشلو من أكادمية فيينا العالمية بخصوص وصف نظرية الكاوس بقوله أن من بين جميع المصطلحات التي تحتويها نظرية الكاوس ونظرية المنظومات العامة، يبدو أن مصطلح التشعب هو الأهم: أولاً لأنه يصف وصفاً مناسباً النوع الأهم من الخبرات التي يشترك فيها أغلب الناس في عالم اليوم، وثانياً لأنه يصف بدقة الحدث الفاصل الذي يشكِّل مستقبل مجتمعاتنا المعاصرة. ([12])

2-الخصائص العامة لبنية المجتمع المعاصر:

يعرف أندري لالاند البنية بقوله: إن البنية هي كل متكوّن من ظواهر متضامنة، بحيث إن كل منها يتوقف على الأخرى، ولا يمكنه أن يكون ما هو عليه إلا في علاقته معها، وبهذه العلاقة.([13]) وهذا يعني أن كل بنية إنما تتألف من أجزاء أو عناصر تربطها علاقات بشكل تصبح وظيفة كل واحد من هذه العناصر تتوقف على وظيفة الأخرى. وإذا كان مؤسسي علم الاجتماع قد تعاملوا مع المجتمعات البشرية والظواهر السوسيولوجية على أساس أنها بنى يمكن إخضاعها للدراسة العلمية الموضوعية. والسؤال المطروح: ما هي أهم الخصائص التي تميّزت بها بنية المجتمع العالمي المعاصر؟ وهل يوجد على مستوى البنية الراهنة لمجتمع القرن الحادي والعشرين – وعلى غرار الظواهر الفيزيائية – ظواهر تتجاوز حدود تطبيق تلك التصورات الابستمولوجية التقليدية؟  ووفق هذه الخصائص كيف يمكن تبرير مقاربة نظرية الكاوس كمقاربة قادرة على تجاوز المقاربات الابستمولوجية التقليدية؟

2-1-التواصل:

إن أهم ما تتميز به بنية المجتمع الراهن هي تلك الروابط القوية والكثيفة التي تربط بين أفراد ومجتمعات الكرة الأرضية إلى درجة قضت على تلك الفواصل المكانية التي تميز بين هذه المجتمعات إلى درجة أصبح معها كل مجتمع محلي تتوقف طبيعة بنيته على بنية مجتمع آخر. لقد عملت تكنولوجيا الاتصال المعلوماتي اليوم على القضاء على عائق المسافة، وجعلت من الإنسان يجري كل اتصالاته وفق حدود "الآن" وهذا قد أدى بدوره إلى إلغاء الحدود بين المجتمعات البشرية، ولم يعد هناك عوائق اجتماعية تمنع أو تراقب الاتصال بين أفراد المجتمعات المختلفة التي كانت في السابق تفصل فيما بينها مسافات الشهور. إذ أصبح اليوم يعيش الناس كلهم في عالم افتراضي(خصوصاً الانترنت) تتساوى فيه المسافات بينهم. يقول إدغار موران: إن من البديهي أن تطور العولمة الثقافية شيء لا ينفصل عن التطور العالمي لشبكات وسائل الاتصال ونشر صيغ الإنتاج على الصعيد العالمي(البكرات والأقراص المدمجة والفيديوهات)، وأن الانترنت ووسائل الاتصال ستٌسرِّع وتوسع من نطاق العمليات المتنوعة والمتنافسة والمتعارضة(أعني المعقدة).([14]) فهل يجوز للباحث الاجتماعي المتمرس أن يتجاهل مثل هذه الروابط التي تحدد العلاقات الوظيفية والبنائية بين المجتمعات؟ الظاهرة الاجتماعية في منهج العلم الحديث

لقد ولد علم الاجتماع يوم أن وٌلد بذهنية النزعة الاختزالية الديكارتية التي تربط الفهم بآلية التحليل المٌغدق، فكانت البداية بالنظر إلى المجتمع على أنه مجموع أفراد وأطلق دوركايم المؤسس اسم "وحدة اجتماعية" على الفرد، ونٌظِر إلى السلوكات الاجتماعية على أنها ميكانيزمات، وهي نظرة آلية قائمة على ذهنية: تحليل/تركيب، وأبسط مثال على ذلك أنك إذا أخذت سيارتك إلى الميكانيكي، تشكوه عطباً في محركها فإن عمله الأساسي إزاء المحرك قائم على عملية (تفكيك/ تركيب)، وبنفس النظرة يتناول عالم الاجتماع الظاهرة – سواء أراد أن يفهمها أو أن يعالجها- بالتحليل ثم التركيب؛ يفككها إلى عناصرها البسيطة فيفهمها، وبناء على ذلك يقوم بتركيبها، بتغيير أو استبدال عناصر الزيف فيها. وهكذا راح ينظر للثقافة كمؤسسات ثابتة وقارّة في المجتمع، تتمثل في اللغة والدين والعادات والتقاليد والأخلاق والقوانين والأعراف..الخ غير آبه للطابع التطوري الذي يحكم هذه الظواهر، وإلى النسيج الضّام الذي تربط وشائجه بشكل وظيفي مثل هذه الظواهر. ولذلك فإن النظرة التحليلية لظواهر المجتمع تقوم على تشويه صورته الحقيقية من خلال بتر مختلف الروابط التي تحكم عناصر البنية الاجتماعية بشكل ديناميكي، والنظر إليها على أنها مجرد بنى ثابتة. لقد كان هربرت سبنسر جد متأثر بالنزعة التطورية التي تحكم الكائنات الحية من وجهة نظر داروين ولامارك، وكان يرى بضرورة التعامل مع الظاهرة الاجتماعية وفق المقاربة البيولوجية التطورية لأنه كان مدركاً لدور الروابط الوظيفية بين عناصر المجتمع ودورها الديناميكي في جعل دراسة البنية الاجتماعية يكشف عن بعد تاريخي تهمله أو لا تستطيع أن تكتشفه مختلف المناهج التحليلية التي ترى أن عملية العزل (الفصل) من الشروط الموضوعية لإنجاح التجربة العلمية. ولكن إذا كان التواصل الشديد الذي تشهده المجتمعات المعاصرة يفرض علينا تجنب تطبيق المناهج التحليلية فعلى أي أساس إذن يمكننا فهم مثل هذه الظواهر الراهنة؟ 

2-2-التعقيد:

إن أول ما يمكن للباحث فعله عند محاولة توصيف ظواهر المجتمعات المعاصرة هو التعامل معها بشكل يمنع تماماً المماس بتلك الروابط والصِّلاة التي تشد عناصر البنى الاجتماعية بشكل تراتبي Hiérarchique وهذا ما يفرض وجود سمة أساسية تتوفر في مجتمعاتنا الحالية والتي تتمثل في التعقيد La complexité ففيما يتمثل؟ للإجابة على هذا السؤال يحاول  إدغار موران أن يستشف معناه من الجانب الاشتقاقي حيث يرى أن التعقيد هو نسيج(com-plexus: ما نٌسج ككل) من المكونات المتنافرة المجمعة بشكل يتعذر معه التفريق بينها..إن التعقيد-يضيف-هو نسيج من الأحداث والأفعال والتفاعلات والارتدادات والتحديدات والمصادفات التي تشكل عالمنا الظاهراتي.([15]) وأول ما نفهمه من هذا التعريف أن الواقع الاجتماعي الذي نعيشه ونلاحظه هو نسيج، تتوقف حقيقة وجوده على تلك الروابط التي تحبك عناصره وبالتالي فكل تفكيك (تحليل) هو قضاء مبرم على عناصره. كذلك أن هذا الواقع لا ينبغي أن يٌحلل حتى نكتشف ما فيه من نظام بعد أن نضبط له صورة منطقية تٌقصي كل ما فيه من تناقض، بل يجب أن يٌقبل هذا الواقع المٌعقّد بتناقضاته لأنها لا تمثل فيه وجهاً مزيفاً بل تدخل فيه كخاصية حقيقية لا يجب اختزالها. ومن المؤكد أن هذا التناقض يكشف عن الطابع الجدلي الذي يتميز به الواقع الاجتماعي، فعندما نتكلم اليوم عن صدام الحضارت كما عبّر عن ذلك الفيلسوف الامريكي هانتينغتون أو عن حوار الحضارات كما يصورها آخرين غيره فنحن هنا لا نتكلم عن ظواهر صحية وأخرى مَرَضية، بل كلها ظواهر متكافئة تدخل في صميم الواقع الاجتماعي العالمي. وينبه إدغار موران إلى أن جدلية التعقيد لا يجب أن تٌفهم بمعنى هيجلي ماركسي، حيث أن كل تناقض يؤدي إلى مركب جديد فيه تجاوز ديناميكي يقضي على هذا التناقض، بل يضل هذا التناقض كامناً في الواقع بنفس الصورة التي عبّر عنها هيراقليطس قديماً بقوله: تولد الحياة من الموت كما تولد الموت من الحياة، فكل شيء إنما يتولد من نقيضه. ولقد عبّر نبيل علي عن هذا التعقيد المتناقض بقوله: لقد أصبح التعقيد سمة غالبة من سمات الوجود الإنساني. والمنظومات الاجتماعية-شأنها في ذلك شأن كل المنظومات المفتوحة- تتحرك دوماً صوب مزيد من التعقد. وقد جاءت تكنولوجيا المعلومات لتزيد الأمر صعوبة، فقد جعلت من جل أمور حياتنا إشكاليات تستوجب إعادة النظر إليها: من الترفيه إلى الإعلام، ومن اللغة إلى الهوية، ومن سلطة الحكم إلى مفهوم الديمقراطية. وهناك من يرى أن منظومات الكمبيوتر والمعلومات لم تجعل حياتنا أكثر تجانساً، كما توقع البعض، بل كانت هذه المنظومات مصدراً لتوليد الاختلاف، وزيادة الخيارات والبدائل، مما أضاف إلى الإشكالية المجتمعية مزيداً من التعقيد.([16])

3-3-الحوارية:

الحوار عموماً هو حديث يجري بين شخصين أو أكثر في العمل القصصي، أو بين ممثلين أو أكثر على المسرح.([17]) وكلمة الحوار التي تقابل : dia-logos وهو مصطلح مركّب من كلمتين: Dia وتعني اثنين، Logos وتعني الكلام. والمعنى هو التحاور بين اثنين. ويتطلب هذا التخاطب قبول كل متحاور بالآخر على أنه مساو له في فهم الحقائق وإدراكها وتقبلها. وفي حقبة تالية، تقدم الحوار ليصبح الجدل أو الديالكتيك dia-lectique، وهو التفاعل الفكري بين متحاورين متساويين في الملكات والقدرات العقلية.([18]) والحواريةDialogique – على حد تعبير إدغار موران- هي وحدة معقدة بين منطقين، وكيانين أو سلطتين تكميليتين، ومتنافسين ومتعارضين يتغذى أحدهما على الآخر، ويكملان بعضهما، لكنهما يتعارضان ويتحاربان أيضاً. وينبغي تمييز هذه الحوارية عن الدياليكتية الهيغلية. فلدى هيغل، تجد المتناقضات حلولاً لها، ويتجاوز بعضها البعض ويلغي بعضها بعضاً داخل وحدة عليا. في الحوارية، تكون المتناقضات دائمة وتشكل كيانات أو ظواهر معقدة. ([19]) وهكذا نرى أنه وبالرغم من صياغة هيجل للمنطق الجدلي إلا أنه لم يتخلص كلية من سلطان المنطق الأرسطي الذي يقوم على أحادية التصور. وإذا كان العلم الحديث قد استطاع أن يتخلص من التصورات العلمية والابستمولوجية الأرسطية إلا أنه لم يستطع أن يتخلص من جبروت المنطق صوري الذي يرتكز على مبدأ الهوية وعدم التناقض، ولهذا فقبول التناقض في المقاربات التحليلية كان يٌعتبر من طابوهات الدراسات الموضوعية للظاهرة الاجتماعية. وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم مبدأ الحوارية على أنه مبدأ ابستمولوجي يمكنه أن يقبل أكثر من منطق ضمن نفس البناء التصوري. 

وخاصية الحوارية تتجلى في مجتمع القرن الواحد والعشرين بصفته منظومة معقدة من خلال عملية "التلقيم الرجعي" أو "التغذية العكسية" The feedback. والمقصود بها تلك العمليات الخاصة بتوجيه ومتابعة وتقويم المٌدخلات inputs ومعالجتها أولاً بأول، إضافة إلى العمليات الخاصة بتنفيذ المخرجات Outputs. فالنظم المفتوحة تستلم باستمرار معلومات من بيئتها الخارجية والداخلية. هذه المعلومات تساعد النظام على التكيف وأخذ الفعل التصحيحي المناسب، أي الفعل الذي يقلل من حالات الانحراف عن مساره الطبيعي أو مساره المرسوم مسبقاً، وبالتالي تحقيق أهدافه بشكل جيد. ([20])

يمكن النظر إلى أفراد المجتمع كأجزاء ووحدات فاعلة أو منظومات تحتية sous-systèmes ضمن المجتمع كمنظومة كلية شاملة système وتفاعل هذه الوحدات فيما بينها هو الذي ينبثق عنه المجتمع كحقيقة متميزة عن حقيقة أفراده، ومن خلال مقدار ودرجة هذه التفاعلات المتمثلة في اللغة والدين والعادات والتقاليد والأعراف والقوانين والقيم الأخلاقية تتحدد ثقافة المجتمع الذي يحدد ثقافة أفراده الذين يحددون بدورهم طبيعة ودرجة ثقافة هذا المجتمع الذي يوجد فيهم مثلما يوجدون فيه. ولهذا فلا معنى لأن نعتبر المؤسسات الثقافية ( كاللغة والدين والعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية والجمالية، والقوانين..) كمؤسسات مشكِّلة ومهيكلة لبنية المجتمع بشكل مستقل تماماً عن الأفراد، ولا معنى لأن نحدد مكان تواجد العناصر الثقافية: أهي داخل المجتمع أم داخل كل فرد من أفراده؟ والجواب الذي تقدمه المنظومات التي يميّزها التعقيد- كمجتمع القرن الحادي والعشرين- أن عناصر الثقافة موجودة داخل المجتمع، لأنها موجودة داخل الأفراد، لأنهم موجودون داخل المجتمع، هذا الأخير الذي يوجد بدوره بداخلهم. ومن هنا يبرز الطابع الحواري الجدلي الذي تتحدد من خلاله عناصر ثقافة مجتمع من المجتمعات بشكل ديناميكي مفتوح. فمفهوم الثقافة الذي يتصوره الفرد يتجلى بعد صراعه مع تصورات الأفراد الآخرين في تصور اجتماعي كلي شمولي، ثم يأخذ هذا التصور طريق العودة ليتجلى في تصور كل فرد من الأفراد. ومن هنا فالنزعة التحليلية التقليدية تعتمد عملية الفهم على تفكيك الأجزاء، ففهم الأجزاء أو العناصر المكونة يؤدي إلى فهم الكل، ولكن مقاربة التعقيد تجعل عملية فهم الكل والأجزاء وفق منطقين؛ منطق اتصالي ومنطق انفصالي، حيث يجب فهم الكل من خلال فهم الأجزاء وفهم الأجزاء من خلال فهم الكل، ومنطق انفصالي قائم على فكرة أن فهم الكل يجب أن يتم بشكل منفصل عن الأجزاء، والعكس صحيح. لكن الصعوبة الابستمولوجية هنا تكمن في هدم البناء الانطولوجي للحقيقة الواحدة التي – ووفق هذا المنطق الجديد- يمكن النظر إليها على أنها مجموع حقائق مختلفة.  

 لقد كان الفيلسوف اليوناني القديم سقراط محقاً حينما اعتبر الحوار التوليدي هو طريق العلم وآلة إنتاج التصورات التي لا توصلنا في نهاية المحاورة إلى أي تحديد نهائي لها، بل يبقى باب الحوار مفتوحاً، وكان الجميع يتساءل عن المغزى من ذلك. ولكن الطابع الديناميكي للحوار هو الذي يتميز بخاصية الانفتاح، ولكن الانفتاح على ماذا؟ الانفتاح هنا يكون على كل ما هو ممكن. ولا يمكن بأي حال التنبؤ بما سوف يكون.

3-4-الانفتاح:

بمجرد الحديث عن الانفتاح كخاصية تميز بنية المجتمعات المعاصرة يتبادر إلى أذهاننا السؤال عن الوسط الذي تنفتح عنه هذه المجتمعات، والذي نصطلح عليه باسم "البيئة". فما هي هذه البيئة؟ وما خصوصيات هذا الانفتاح؟

يٌعرِّف مؤيد سعيد سالم البيئة بأنها ذلك المجال الذي تحدث فيه الإثارة والتفاعل لكل وحدة حيّة، أو هي كل ما يحيط بالإنسان (أو بالمنظومة) من طبيعة ومجموعات بشرية ونظم بشرية وعلاقات شخصية.([21])

فمن المتعارف عليه أن للمنظومة بيئة داخلية تجري في إطارها مختلف العمليات والتفاعلات، كما ولها بيئة خارجية تتفاعل معها تفاعلاً تبادلياً حيث تتأثر بالتغيرات الحاصلة فيها. وعلى عناصر البيئة الداخلية ومكونات البيئة الخارجية وتفاعلهما معاً تعتمد فاعلية المنظومة، ولا يمكن فهم المنظومة أو تحليل سلوكها بشكل موضوعي إلا بدراسة البيئة التي تنتمي إليها وتوجد بداخلها. وما بين البيئة والمنظومة توجد حدود، وبدون حدود لا توجد منظومة. وهذه الحدود هي التي تقرر أين تقف وأين تبدأ المنظومة أو المنظومات الفرعية فيها. وهذه الحدود يمكن أن تكون مادية مثل الحدود التي تفصل دولة عن جيرانها، أو أن تكون حدود سيكولوجية (ثقافية) تتجسد في الرموز والقيم والعادات والتقاليد التي يتعلمها الإنسان، كالألقاب، والزي الموحد، والطقوس.([22]) ولقد ركز الباحثون على مبدأ الفصل بين المنظومة والبيئة المحيطة بها من أجل اعتبار المنظومة أو أي ظاهرة موضوع دراسة موضوعاً محدداً له خصائص تفصله عن غيره من الظواهر، لكن ابستمولوجيا التعقيد تقبل فكرة الانفصال بشكل لا يستبعد البتة فكرة الاتصال، ولذلك فمهما تصورنا المجتمع أو المنظومة عموماً على أنها وسط مغلق إلا أنه يجب التعامل معها على أنها وسط مفتوح من جهة أخرى. ومن الملاحظ أن المنظومات المفتوحة تسعى إلى التوفيق بين نشاطين متعارضين في أغلب الأحيان. هذان النشاطان يتمثلان فيما يلي: أنشطة متعلقة بالمحافظة على المنظومة وصيانتها، وهي مختلف الأنشطة التي تحقق لنا استقرار مختلف المنظومات الفرعية التي تدخل بحوزة المنظومة الكلية، وأن يمكن للمنظومة الكلية أن تعمل بانسجام مع البيئة التي توجد فيها. أما النوع الثاني من الأنشطة فيتمثل في عمليات التكيف، وهي أنشطة ضرورية تمكن المنظومة من التكيف والاستجابة للتغيرات الحاصلة في البيئة الداخلية والخارجية في الوقت المناسب. وعليه ففي الوقت المناسب الذي تسعى فيه أنشطة الصيانة إلى تحقيق الثبات للمنظمة وحفظ الحالة على ما هي عليه من خلال ممارسة أنشطة المشتريات والصيانة والفحص الدقيق للموارد البشرية مثلاً، تركز الأنشطة الأخرى على التغيير من خلال التخطيط، وبحوث السوق، وتطوير المنتج الجديد وما شابه ذلك. هذه الأنشطة بمجموعها يحتاجها النظام الذي يريد البقاء. فالمنظومات القادرة على تحقيق ثبات وصيانة مختلف منظوماتها الفرعية بشكل جيد سوف لن تعمر طويلاً إن كانت غير قادرة على التكيف مع المتغيرات البيئية. وبالمثل فإن المنظومات القادرة على التكيف مع المتغيرات البيئية المحيطة بها ولكنها في الوقت نفسه غير قادرة على الثبات، هي منظمات فاشلة وغير كفؤة، ومن غير المتوقع أن تستمر طويلاً في عالم الأعمال المتغير باستمرار.([23])

إن شبكة الاتصالات العميقة التي تعيشها اليوم المجتمعات الراهنة في خضم الثورة العارمة التي تشهدها تكنولوجيا الاتصالات، تفرض على هذه المجتمعات مستوى عالي من التعقيد والانفتاح يجعل المنظومة الاجتماعية في حوار دائم بين الثقافة المحلية التي تشكل البيئة الداخلية لها والثقافة المحيطة التي تشكل بدورها البيئة الخارجية لها. وبصفة هذه المجتمعات الراهنة كمجتمعات مفتوحة يستلزم ذلك أن تقوم بنشاطين رئيسيين- كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ويتمثل هذان النشاطان في عمليتي الصيانة والتكيّف؛ وصيانة المنظومة الاجتماعية لذاتها يتمثل في مدى تمسكها بعناصر ثقافتها الأصيلة ومدى تعلٌّقها بالتاريخ والماضي، بينما يتجلى النشاط الثاني في مدى مواكبتها للتطورات المستجدة خصوصاً على المستوى العلمي والحضاري. وخلاصة القول أن انفتاح المجتمعات اليوم يفرض عليها، لكي تحافظ على وجودها داخل هذا الزخم الثقافي المتباين، أن تحسن التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. يقول إدغار موران بأنه ستكون المفارقة التي ستطبع القرن الحادي والعشرين؛ أي أنه ينبغي أن نحافظ على الثقافات ونفتحها على غيرها في وقت واحد. وليس هذا الأمر في المحصل بالجديد في شيء؛ ففي أصل الثقافات جميعاً بما فيها الثقافات التي تبدو أشد تفرداً، يوجد لقاء واشتراك وتوفيق واختلاط. وجميع الثقافات تنطوي على إمكانية لاستيعاب ما يكون في البداية غريباً عنها، أو على الأقل إلى عتبة معينة، تتفاوت حسب حيويتها، وإذا تجاوزتها فإما أن تستوعبها ثقافات أخرى أو أن تتعرض للتفتت والاضمحلال.([24])

ومن جهة أخرى فإن المنظومات المفتوحة تتميز باستمرارية أنشطتها، أو أحداثها -وبشكل متتابع-. فالمنتجات تطرح للمجتمع، وبإيراداتها يتم تزويد المنظمة بالمدخلات- مواد أولية مثلاً- التي تتحول بدورها إلى مخرجات.. وهكذا، في دورة مستمرة. وخاصية تتابع الأحداث هي التي تعطي للمنظومة شكلها البنيوي.([25]) كما توفر لها نمطاً معيناً من التوازن الحركي، القائم على تكافؤ المتناقضات، لأن توفر عنصر التوازن الحركي له أهميته في مجال تحقيق المنظومة لأهدافها الأساسية والخاصة بالتوسع والنمو والتفاعل، إلى جانب أخذ المتغيرات البيئية بعين الاعتبار، والتكيف معها بشكل متوازن.([26])

إن خاصية الاستقرار والتوازن الحركي هي حالة وصفية لمنظومات بسيطة، لكننا في النظم المعقدة، نجد أن المنظومات تتحرك باتجاه معاكس لحالة التلاشي أو الموت، تتحرك نحو النمو والتوسع. وهذه بالطبع ليست حالة متقاطعة مع حالة أو خاصية الاستقرار. فمن أجل ضمان البقاء، تلجأ المنظومات الكبيرة والمتحوِّرة إلى الحصول على شيء من الأمان لكي يصونها مستقبلاً. فهي إن كانت متوازنة اليوم، فقد لا تكون كذلك مستقبلاً، لذلك نجد الأنظمة الفرعية الموجودة في المنظومة- لكي تتجنب حالة التلاشي- فهي تميل باستمرار إلى استيراد طاقة أكثر من متطلباتها،لإنتاج وظيفتها الأساسية، وذلك من أجل الحفاظ على وجودها والابتعاد عن التلاشي. وهذه الحالة موجودة عند الإنسان والحيوان وموجودة في منشآت الأعمال أيضاً. فأجسامنا تختزن الدهون مثلاً، والمنشآت تحتفظ باحتياطي نقدي كاف لمواجهة التقلبات الاقتصادية أو فقدان سوق معينة. كما أن المنظومات التي لا ترتاح لوضعها الحالي تحاول أن تزيد من فرص بقائها عن طريق التفتيش المتواصل عن بدائل أخرى تضمن لها تحقيق النمو والتوسع.([27])

3-5-التاريخية:

يمكن أن نصف المنظومة بصفة التاريخية متى تخلصت هذه المنظومة من السلوكات التكرارية. وتلجأ المنظومة إلى تكرار الذات، من خلال اجترار الثقافة في حالة المنظومات الاجتماعية متى انغلقت المنظومة على ذاتها، فبغياب عنصري الاتصال والانفتاح يختفي لدى المنظومة طابع الحوار، وتصبح المنظومة الاجتماعية تعيش في حلقة ثقافية مٌفرغة، تتطابق فيها وتتساوى المٌدخلات مع المخرجات.

ومن جهة أخرى فإذا كان المقصود بالتاريخية L'historicitéالتعارض التام مع التكرار، فإن المقصود بها كذلك التفرد La singularité والملاحظ أن الميزة الثانية تنبع من الميزة الأولى، لأن التكرار هو صفة الشيء الذي يعيد نفسه باستمرار، أي أن تتطابق خصائصه في أي لحظة زمانية مع نفسها في أي لحظة أخرى. بينما التاريخية فهي صفة الشيء الذي تختلف خصائصه في أي لحظة عن خصائص أي لحظة أخرى، فهو يتغير باستمرار، في كل لحظة يتفرد بصفات لم تكن موجودة في أي لحظة أخرى. وهذا يعني أن كل وضعية تكون فيها المنظومة ترتبط بلحظة زمنية فريدة.

والواقع أن المنظومة المفتوحة تكون في اتصال دائم بالبيئة المحيطة بها، وهذا الاتصال يتمثل في أن للمنظومة جملة مدخلات وجملة مخرجات، وطالما أن هذا الاتصال مستمر فإن هذه المخرجات تتحول بدورها إلى جزءٍ من المدخلات، وهذا ما يٌعرف بظاهرة التلقيم العكسي The feedback. لكن إذا تحولت كل مخرجات المنظومة إلى كل مدخلاتها فإن المنظومة تشرع في التدهور والتلاشي، وهو ما يعرف بظاهرة الانتروبياEntropie، وهي خاصية طبيعية في النظم الحية. واستمرار النظام المفتوح في الحياة يعتمد بشكل أساسي على ما يستطيع الحصول عليه من طاقة في البيئة المحيطة للقضاء على الخلل أو الاضطراب الموجود فيه ويحافظ على نفسه من التدهور أو التلاشي. فحينما يجد الإنسان خللاً معيناً في نظام جسمه نتيجة لاحتراق طاقات حرارية معينة ويشعر بالجوع نجده يبحث عن مدخلات جديدة متمثلة في الطعام والشراب. وعليه فإن النظام الحي، من خلال خاصية التأثير السلبي، يستطيع إصلاح نفسه، ويصون بنائه، ويتجنب الموت، ويستطيع أن ينمو لأنه قادر على استيراد طاقة أكثر من الطاقة التي يصدرها.([28])([29]) ويمكن ترجمة هذا الكلام أثناء الحديث عن المنظومة الاجتماعية المعاصرة بقولنا أن اكتفاء مجتمع معين بعناصر ثقافته فقط فإن هذا يؤدي به فوراً إلى التلاشي والاضمحلال. 

3-6-التحضر:

تمثل ظاهرة التحضر ظاهرة نظيرة لظاهرة التاريخية، فإذا كانت سمة التكرار تعارض ما هو متفرِّد في تاريخيته فإنها تعارض كذلك ما هو متفرد في تحضره وقدرته على التجديد والإبداع، على أن هذا العنصر الأخير مرتبط بمستقبل المنظومة، التي يمكنها أن تفاجئنا في كل لحظة وتأتينا بالجديد، حيث تصبح كل لحظة زمانية مٌفارِقة في مضمونها لأي لحظة زمانية أخرى، فإذا انتقلت هذه اللحظة وصارت في الماضي فإنها تعكس بعمق تاريخية المنظومة، وبتعبير آخر يكون أكثر اختصاراً فإنه بقدر ما يكون ماضي المنظومة أكثر ثراء وتاريخية فإن مستقبلها(أي المنظومة) يكون أكثر استعداداً لأن يكون مٌفعماً بالجديد، لأن ظاهرة التلقيم العكسي تكون أكثر قوة ودوراناً. ([30])وكما هو معلوم فإن الحضارة هي ثمرة أي مجهود يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته على وجه الأرض مادياً أو معنوياً، وإذن فمقياس الحضارة هو مدى ذلك التحسن مادياً ومعنوياً.([31])

ويمكن النظر إلى الثقافة كذلك على أنها قدرة خلّاقة، هذا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحقيقة التي تقول إن الإنسان ليس مستهلكاً لتراثه الثقافي فحسب، بل إنه كذلك مستمر في الإبداع والزيادة على ما وصلنا إليه، فإننا في هذه الحالة سنرى أن الإنسان قادر دائماً على توسيع رحاب نفسه عن طريق النشاط الإبداعي الأصيل. ([32]) ولقد ذهب جون ديوي- من جهة أخرى- إلى أن الثقافة هي ثمرة التفاعل Interaction بين الإنسان وبيئته، وهذا هو المعنى الذي أعطاه أرنولد توينبي للحضارة كلها، أي أنها ثمرة تحدي البيئة للإنسان ونوع استجابته لها.([33]) ونخلص من هذا إلى أن ظاهرة التحضر والإبداع تتجلى أساساً في ظاهرة الثقافة، خصوصاً في شكلها الديناميكي.

الخاتمة:

إن أهم ما نخلص إليه في هذا المقال هو ظهور نظرية الكاوس كنظرية معاصرة تستند إلى عدد من المبادئ كانت وإلى وقت ليس ببعيد من طابوهات البحث العلمي، لكن الاعتراف بهذه المبادئ لم يكن من باب الثورة على كل ما هو تليد ولو كان ذلك مجدياً، إذ أن من المؤكد أن هذه النظرية قد حلت إشكاليات كانت من الصعوبة بمكان وفق المقاربة الابستمولوجية الكلاسيكية. ولكن والأهم من ذلك بالنسبة لموضوعنا أن تطبيق المناهج الاجتماعية الكلاسيكية قد جعل علم الاجتماع يعاني من وضعية مزرية تتمثل في الكثير من الإشكاليات التي عجزت مناهجه عن تفسيرها وفهمها وعلى رأس هذه الإشكاليات الضخمة تلك المظاهر والسمات التي ميّزت المجتمعات المعاصرة بعد النجاح الباهر الذي حققته تكنولوجيا الاتصال. ومن جهة أخرى إشكالية الشرخ الكبير الموجود بين علوم الطبيعة والعلوم الإنسانية، وقد استطاعت مقاربة نظرية الكاوس احتواء كل هذه الظواهر ابتداء من الظواهر الفيزيائية إلى غاية الظواهر النفسية والاجتماعية. ومن جانب آخر فلقد تمكنت من اختزال الكثير الاتجاهات كالبنائية والوظيفية والصراعية ..الخ. ولكن اعتمادها على وصف الواقع الخام بتعقيداته وتناقضاته قد جعل من الدراسات العلمية مطية للغموض والعجز عن التنبؤ وبالتالي التحكم في الظاهرة الاجتماعية. وفي الأخير تبقى هذه المقاربة كخيار بحث علمي سوسيولوجي قادر على كشف الجوانب التي تعجز المقاربات الأخرى عن كشفها، وعلى رأسها توصيف الواقع المعقد بشكله الخام.

المصادر والمراجع:



[1])-إبراهيم قيس جركس: نظريَّة الشَّواش، مجلة معابر، الموقع الالكتروني: (www.maaber.org)، ديسمبر 2009.

[2])- جايمس غليك: نظرية الفوضى، علم اللامتوقع، ترجمة: أحمد مغربي، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص23 وما بعدها.

[3])- نفس المصدر.

[4])- Lucien Sève : Emergence, complexité et dialectique, Odile Jacob, Paris, 2005, pp. 20-21.   

[5])- Robin Fortin: comprendre la complexité: introduction à la méthode d’Edgar Morin, édition 2, presses université Laval, 2005, p.26.

[6])- Ibid.

[7])- Dictionnaire des idées & Notions en Sciences de la vie et de la Terre, Encyclopaedia Universalis, 2014.  

[8])- Jean Francis Gréhaigne : Autour du temps ; apprentissage, espaces, projets dans les sports collectifs, PUF, 2009, p. 141.  

[9])- Cité par Robin Fortin : comprendre la complexité, Op. Cit., p.05.    

[10])- c’est a dire deux fourches 

[11])- معين الرومية: مدخل إلى نظرية التعقيد والشواش، مجلة معابر، الموقع الالكتروني: (www.maaber.org)، ديسمبر 2003.

[12])- نفس المرجع

[13])- اندري لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية،المجلد 2،ت:خليل أحمد خليل،منشورات عويدات،بيروت،باريس، ط2، 2001،ص 1341.  

[14])- إدغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟ ترجمة: عبد الرحيم حزل، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2012، ص105.

[15])- إدغار موران: الفكر والمستقبل، ترجمة: أحمد القصوار ومنير الحجوجي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة1، 2004، ص17.

[16])- نبيل علي: الثقافة العربية وعصر المعلومات، مجلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 265، يناير 2001، ص ص 128-129.

[17])- مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، الطبعة الرابعة، 2004، ص205.

[18])- ريمون غوش: الفلسفة السياسية في العهد السقراطي، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص11.

[19])- إدغار موران: النهج، إنسانية البشرية، الهوية البشرية، ترجمة: هناء صبحي، كلمة، أبو ظبي، الطبعة الأولى، 2009، ص349.

[20] )- مؤيد سعيد السالم: نظرية المنظمة، مرجع سابق، ص37.  

[21] )- نفس المرجع، ص110.

[22] )- نفس المرجع، ص36.

[23])- Michèle Pichon: Esthétique et épistémologie du naturalisme abstrait; avec Bachelard, rêver et peindre les éléments, Editions L'Harmattan, 2005,p.236.

[24])- إدغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟ مرجع سابق، ص104.

[25] )- مؤيد سعيد السالم: نظرية المنظمة، مرجع سابق، ص37.

[26] )- نفس المرجع، ص38.

[27] )- نفس المرجع، ص ص 38- 39.

[28])- ب.س.ديفيز: المفهوم الحديث للمكان والزمان، ترجمة السيد عطا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996،  ص77.

[29] )- مؤيد سعيد السالم: نظرية المنظمة، مرجع سابق، ص37.

[30])- Miguel Espinoza: Théorie du déterminisme causal, L'Harmattan,2006,p.121.

[31])- حسين مؤنس: الحضارة، مجلة عالم المعرفة، العدد: 237، سبتمبر1998، الكويت، ص48.

[32])- نفس المرجع، ص 227.

[33])- نفس المرجع، ص225.