الجسد والعناية الصحية به في رحاب حضارات الماء:pdf

قراءة أنثروبولوجية لعادات الاغتسال في التراث المتوسطي

 

أ: بن عبد الله زهية

المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ، علم الانسان والتاريخ

CNRPAH/ الجزائر

 

Abstract

Beyond its vital importance, water plays a major role in the rituals of body maintenance. From an anthropological point of view, as well as religious and moral, water means fertility, beauty, cleanliness and purification. Although a collective “water-phobia” existed during the medieval times, it did not prevent the Hammam or steam bathing tradition from surviving in the Mediterranean basin. The practice was known since antiquity when the Greek and Roman civilizations idealized the human body. Under the Ottoman Empire, the Hammam remained a temple of spirituality and aesthetics thanks to the moors who gave it a style and an architecture which is appreciated in North Africa up until today. 

Résumé

Au-delà de son importance vitale, l’eau occupe une place majeure dans les rituels de l’entretien du corps. D’un point de vue anthropologique, religieux et moral, l’eau est fertilité, beauté, propreté et purification. Bien que l’époque médiévale ait connu une «phobie collective » de l’usage de l’eau, cela n’a pas entièrement entravé la tradition du bain dans le bassin méditerranéen, incarnée dans la pratique du « hammam ». Connu depuis  l'antiquité par les civilisations qui ont idéalisé le corps telles que la civilisation grecque et la civilisation romaine, l’espace du hammam n’a cessé d’être un monument de spiritualité et d’esthétique sous la gouvernance ottomane grâce au savoir-faire des maures qui lui ont donné un style et une valeur architecturale connu au Maghreb jusqu’au jour d’aujourd’hui.

ملخص:

علىغراركونهاكسيرالحياة، يشغل استعمال الماء في ممارساتالعنايةالصحية بالجسد دورا أنثروبولوجيا مهما في مزاولة طقوس الطهارة و النظافة الموحى بها ديني اواجتماعي اانطلاقا من نظرة أخلاقية إلى الجسد. وبالرغم من أن العصر الوسيط عرف "رهاب جماعي" من استعمال الماء، إلا أن هذا الاستثناء، لم يكن ليؤثر على حضارة الماء المعروفة منذ القدم في المحيط المتوسطي والمتجسدة من خلال فضاء الحمام. فمما لا شك فيه، أن فكرة الحمام قديمة، قدم الحضارات التي مرت من هناك والتي قدست الحياة، الجمال والجسد، كالحضارة الاغريقية والرومانية، إلا أن الحضارة الاسلامية أضافة لها بعدا روحيا وجمالا معماريا ألبسها حلة عربية اسلامية، حيث زادتها اليد العاملة الأندلسية العارفة بثقافة الماء تحت الحكم العثماني، بهاءا ورونقا، أعطاها شكلها المغاربي الحالي.

مقدمة: 

يعد الماء عنصرا حيويا من أجل توازن النظام الكوني. وإلى جانب دوره البيولوجي والجيولوجي في الحياة، يلعب الماء أيضا دورا اجتماعيا وأنثروبولوجيا كبيرا، فهو عصب الحياة ومصدر نشأة المجتمعاتوالهام معتقداتها. ولذلك، فأغلبية التجمعات البشرية تستقر أمام أول نقطة للمياه، حول الآبار والينابيع[i]، لأجل شرابها وغذاءها ولتدبير شؤونها اليومية. ولذلك، فهو على الدوام رهان ومصدر صراع اقتصادي وسياسي وثقافي.

من جهة أخرى، وفي المخيال الشعبي، يرتبط الماء كذلك بتمثلات الألوهة وبقصص وأساطير الخلق والبداية وبتمثلات الجسد، الخصوبة والجمال، ولذلك فإن له رمزية كبيرة وقوية في صناعة الذات الاجتماعية والمعتقدات الدينية. في هذا الشأن، يعد الماء مادة ضرورية لأجل التخلص من كل نجس ودرن، إما لأجل إقامة شعائر العبادة أو لأجل الزينة. وبالتالي، فإن للماء ارتباطا وثيقا بطقوس التطهير وممارسات الاغتسال والاستحمام.

I.     مفهوم العناية الصحية بالجسد وارتباطاته بحقول الطهارة والاغتسال:

1.   مفهوم العناية بالجسد موضوع المقال

بما أن الجسد في تجدد مستمر، فالعناية به، هي الحرص على صيانته بما يحفظه ويجنبه التلف والهلاك، ويكون ذلك من خلال سلسلة من الممارسات الصحية أولا ثم الجمالية ثانيا التي تعزز مكانته الانسانية والحضارية. في هذا الإطار، تقول « Christine Detrez »  أن العناية بالجسد في مفهومها العام، "تجمع الممارسات اليومية، من غذاء ورياضة وزينة، وممارسات صحية وأخرى جمالية...، وكل ما يرتبط بالسلوكات المتعلقة بالحياة اليومية  التي تحدد نمط  معيشة الفرد«l'hygiène de vie »"[ii]. من خلال هذا التعريف، يصبح مفهوم العناية بالجسد يشمل مفهوم المظاهر الجسدية التي تخص ما هو " طبيعي، بيولوجي، خَلْقِي، بشري (من بشرة)"، وتخص ما هو "ثقافي، مخْتَلَقٌ،  غِلافيٌ، لباسيٌ للجسد". 

مما تقدم، تعتبر العناية الصحية بالجسد، ممارسات ثقافية مختلَقة تسمح بصيانة الجسد البشري البيولوجي عن طريق سلسلة من الممارسات التي تسعى إلى تنظيفه وتطهيره وتنزيهه من كل القاذورات والافرازات والفضلات التي ينتجها خلال دورته الحياتية. وعلى عادة الشعوب والأمم، تكون هذه الصيانة باستعمال الماء.

 1.   الطهارة والنظافة والاغتسال: مفاهيم واحالات اجتماعية

من خلال تحديد مفهوم العناية الصحية بالجسد، ظهر لنا جليا، عدم كون كل من مفهوم "الاغتسال"، "الاستحمام"، "النظافة" و"الطهارة"، من المفاهيم المتطابقة المعنى وإن كانت تبدو كذلك. ذلك أن جسد الانسان مراتب تحددها مجموعة من الأعضاء، تجتمع تحت مساحة جلدية، تعتبر بمثابة الغلاف للجسد، حيث من خلالها يتحدد مفهوم "الجسد- البشرة" أي « le corps – peau ».  وبالرغم من أن مفهوم الاغتسال ، قد يفيد تعميم الماء على كامل هذا الجسد، إلا أنه قد يفيد تخصيص عضو دون آخر، بعكس مفهوم "الاستحمام" الذي يفيد تعميم كافة الأعضاء. وفي اللغة العربية، غسل الرجل المرأة، يغسلها غسلا، يعني جامعها، وبالتالي الغسل هو النكاح. "وغسّل الرجل امرأته لأنه إذا جامعها أحْوجها إلى الغُسل" [iii]. ولذلك نجد في العالم العربي اليوم أن كلمات "اغتسل وذهب إلى الحمام وتحمم واستحم، تعني ممارسة الجنس[iv]، أو نية ممارسته.

أما الطهارة، فهي نوع خاص من النظافة. يقول "فؤاد إسحاق الخوري" أن "الطهارة"  نظافة سماوية إلهية مقدسة تفرضها الشرائع وترعاها الأديان. والنجاسة، على العكس من ذلك، نوع خاص من القذارة التي تحرمها الأديان وتدعو إلى تجنب ممارستها "[v]. وهذا يعني أن الطهارة والنجاسة طرفا نقيض لمدلولات جسدية موحى بها دينيا، كما تشير إلى ذلك النصوص الإلهية المقدسة. وتقابل الطهارة والنجاسة في عالم الإنسان فكرتا النظافة والقذارة. الأولتان مرتبطتان بالحياة الميتافيزيقية أي "بالروح"، والثانيتان مرتبطتان بالحياة الفيزيقية، أي بالجسد المادة. "فالاغتسال قبل الصلاة طهارة وبعد المجهود العضلي نظافة، ويبقى الاغتسال اغتسالا. وبغض النظر عن مدى الأوضاع الذاتية التي تعكسها كلتا الكلمتان، لا يمكن إدراك مفهوم النظافة والنجاسة، إلا بالحس المباشر والإدراك بالعيان ورؤية ما توحي به المظاهر الجسدية"[vi]. وعلى كل ليست الطهارة مجرد تقنية في النظافة الجسدية، بل هي بحث دائم عن الروحانية. فالطهارة تعتبر وتعبر عن انتباه دائم للجسد ولوظيفته الفزيولوجية، فهي تعكس نمط حياة وحضارة تفرض نفسها انطلاقا من نظرة أخلاقية إلى الجسد"[vii].

في تعريف«  Roger Caillois»  للطهارة والنجاسة، يقول:لقد شكلت لفظتا "طاهر ونجس" غطاء لشتى أنواع المتعارضات. لكنهما، مع ذلك، لا تزالان تثيران أصداء ممنعة في التمييز ترجعها مجالات استخدامهما بنسب متفاوتة، ... فالطاهر (...) هو ما لا تختلط ماهيته بشيء يفسده

ا أو يشينها"[viii]. كما تعني الطهارة في الوقت نفسه ، الصحة و البأس و البسالة و الحظ و العمر المديد و المهارة و الغنى ، و السعادة و القداسة. في حين تجمع النجاسة ، بين الضعف و الجبن و البلاهة و العجز و تعسالحظ و الفقر والتعاسة والهلاك[ix]. والنجاسة لا توجد في حد ذاتها ولكن الإنسان من يخلقها.

نتيجة لهذا التميز نجد أن البشرية عرفت نوعين من الاغتسال: الاغتسال الذي يقصد به العناية بالجسد، والاغتسال الذي يقصد به التعبد وطقوس العبور الديني. وكلاهما مختلف من حيث الشكل والوظيفة وتقنيات الاغتسال. فمثلا معابد الحضارات القديمة، غالبها يحتوي على فضاء للاغتسال الطقوسي، الذي يكون بغطس الجسد كاملا في الماء. ذلك الغطس المقترن والمستوحى من خروج الإنسان إلى الحياة كيوم ولدته أمه، بعدما كان مغمورا بماء رحمها.

يرتبط مفهوم الطهارة والاغتسال مسلكيا وايتيمولوجيا بالمفهوم الديني، حيث نجد في المفهوم اللاتيني عبارة "القيام بالاغتسال "faire sa toilette لها أصول دينية. حيث أن  كلمة "تواليت"toilette المتداولة اليوم، قد عرفت هي الأخرى منذ مطلع القرن الرابع عشر، عدة تطورات، حيث كانت تعني في البداية  قطعة القماش التي يستعملها  القساوسة من أجل مسح أيديهم فيها، وكانت تسمى« toaille »أو«  toaillette ». وبتطور المعنى، أصبحت تعني قطعة القماش التي توضع على المائدة، ثم بعدها امتد المفهوم ليعني فعل اللباس والتزين. وخلال القرن التاسع عشر، أصبح هذا المفهوم يعني مجموعة من النشاطات التي تخص الجسد، ومنها: فعل التمشيط، الاغتسال، .. وعندما تكون في عبارة "الذهاب إلى التواليت"« aller au toillette » ، فذلك يعني، فعل التبول، والتغوط.وبالتالي فمن الملاحظ أن مجموع هذه النشاطات المتعلقة بالعناية بالجسد، لها أصل ديني"[x].

تاريخيا، يرتبط مفهوم الطهارة والنجاسة والاغتسال، بمفهوم الايمان والاعتقاد والطقوس. لذلك نجد جل المعابد القديمة وحتى الجديدة منها تحتوي على فضاءات مائية للاغتسال الطقوسي الذي يقصد منه التعبد والتقرب، ومثال على ذلك: المعابد الرومانية القديمة، المعابد الهندوسية... وبينما نجد عند المسلمين الاغتسال التطهري يجمع في مكان واحد بين حالة التدنيس وحالة التقديس، حالة التدنيس التي يرجى منها حالة التقديس، نجد عند اليهود، تميز ما بين  حمام المتعة المدنسة الذي عادة ما يجرى يوم الجمعة تهيؤا ليوم السبت، وبين الحمام التعبدي المقدس  "المكّفاه" «  Miqveh »  .

 

S180701

 II.  أهم المحطات التاريخية للحمام في التراث المتوسطي[xi]:

بعد أن زاول الانسان ممارساته الاغتسالية تحت الشلالات وفي الانهار والوديان والبحار، وجميع مجاري المياه الصافية، فكر في وسيلة أكثر عملية وحضارية تمكّنه من ذلك كلما أراد أن يستحم، ومهما اختلفت ظروفه المكانية أو الزمانية (تعاقب الليل والنهار)، أو المناخية. من هنا خلقت فكرة تشييد عمارة للاستحمام والاغتسال، تسمح بتخزين المياه وبالتحكم في درجة حرارتها.

 1.   "الحمام العام": فضاء واحد، مصطلحات متعددة

من خلال الوثائق والمراجع، وحتى من خلال الممارسات اللغوية الجارية، نجد أنه يطلق على "الحمام العام" تسمية "الحمام التركي" (Le bain turc) أو الحمام المورسكي (Le bain maure) وذلك نسبة إلى الحمامات التي شيدها الاتراك أو المورسكيون، في العهد العثماني. فكثيرا ما إستعان الأتراك بالمورسكيين الذين نبغوا في فن العمارة وأساليب توزيع وصرف المياه، وتهيأت السدود والجسور، وخصوصا بناء الحمامات.

في هذا الصدد تقول فضيلة كريم: " وتجدر الإشارة إلى أن كلمة "حَمَاْم" تترجم إلى اللغة الفرنسية بعبارة "حمام مورسكي" أي " Bain Maures[xii]". ونحن نجد أن هذه الصفة والنعت غير كاملي الدقة، بما أنهما منسوبان إلى فترة زمنية متأخرة لها علاقة بالمرحلة التي طرد فيها المسلمون الاندلسيون من اسبانيا، وليس بصفة هذا الفضاء، كموضوع ممارسة. لكن الأمر من ناحية التمييز والتخصيص لا الأصل، صحيح.  في حين نجد أن ترجمة هذا الاسم إلى لغات أخرى، تتحدث أكثر عن وظائفه ومميزاته الوظيفية، مثل حمام البخار، حمام التعرق«  Étuve » ، باعتباره فضاء ساخن ورطب، كثيف البخار. 

من هذا، يظهر لنا أن التعريف الثاني هو الأشمل، حيث أن الناس يرغبون في الحمام الذي يسهل لهم عملية التعرق الاغتسال. أما التعريف الأول، فيغيب المراحل تاريخية التي عرفها هذا الفضاء، والتي مجدت فيها "ثقافة الجسد"، كالحضارة الاغريقية، الرومانية، البيزنطية والإسلامية. والتي على ممر العصور، أسهمت في تطور مفهومه وعمرانه وممارساته الاجتماعية.

كما نجد في الممارسات الاجتماعية، عند العامة من العالم العربي الإسلامي، تسمية "حمام السوق" بمعنى "الحمام العمومي"، ليميز بينه وبين الحمام الخاص الذي يهيأ في البيت". ولأنه من المألوف في العمارة الاسلامية أن تتوسط الحمامات الحواضر، بأن تشيد بجوار المساجد والأسواق والفضاءات الاجتماعية الحضرية الأخرى. ولذلك، كانت النسوة (ولحد اليوم) تفضلن التردد على هذا النوع من الحمامات، لأن التردد عليها يجمع بين متعة العناية بالجسد ومتعة الخروج إلى الفضاء العام لأجل التسوق.

 2.   في رحاب حضارة الماء: ممارسات الحمام وتمثلاتها عبر التاريخ

مما لا شك فيه، أن فكرة الحمام في شمال إفريقيا بالعموم، وفي الحيز المغاربي بالخصوص، تعتبر قديمة، قدم الحضارات التي مرت من هناك والتي مجدت الحياة، الجمال والجسد، كالحضارة الاغريقية والرومانية. إلا أن الحضارة الاسلامية أضافة لها بعدا روحيا وجمالا معماريا ألبسها حلة عربية اسلامية. ولقد زادتها اليد العاملة الأندلسية العارفة بثقافة الماء تحت الحكم العثماني، بهاءا ورونقا، أعطاها شكلها المغاربي الحالي.

يعود موقع " قرقوان التونسي"، إلى 200 سنة قبل الميلاد. وقد كان  مزود بشبكة لقنوات الصرف، وقد صممت به المغاسل الفردية على شكل قباقيب إفرنجية، من أجل تسهيل عملية الاغتسال للفرد البونيقي[xiii]". أما في الجزائر، وحسب مؤلف أصدرته وزارة الثقافة، فقد كانت كل من" سكيكدة" و"تيمڤاد" تملكان أربعة عشر حماما. وكانت " القيصرية"، أي "شرشال"، تتوفر على ثلاثة حمامات من الطراز الفخم، كل منها تبلغ مساحته أكثر من ثمانية الآلاف متر مربع، مدعم بركائز مصنوعة من الغرانيت[xiv]. "ولقد ذكر "هيرودوت" أن حمام البخار، أي "الحمام"، كان معروفا في القرن الخامس قبل الميلاد[xv]".

لقد كانت كل من الحضارة الاغريقية والرومانية اللتان اشتهرتا بنظرتهما المثالية للجسد، رائدتان في فنون تشييد الحمامات العامة، حيث كان من العادة وقتها، أن يأخذ هذا المعمار موقعا استراتيجيا بالنسبة للعمران، مثله مثل منزلُ الحاكم والمعبد والسوق التجاري والملاعب الرياضيّة والمسارح...،حيث كانت المدينة تُخطّط من قبل بنائِيها على أساس تقاطعي ثابت لا يتغيّر. في هذا الوقت، لقد كانت الحمامات تأخذ مكانا محوريا في الحاضرة، نظرا لاستعمالاتها المتعددة، فقد كان الرومان مثلا، يقيمون شؤون حياتهم اليومية في هذه الفضاءات، من اغتسال وترفيه ومزاولة لطقوس الحب وتدبير للسياسة، وأخذ لدروس الفلسفة والعلم والفن، ... وهذا ما زرعته كلتا الحضارتان بتوسعهما في كامل منطقة البحر الأبيض المتوسط.

1.2 الحمامات وممارسات الاغتسال في الحضارة الاغريقية:

من الخلال العديد من الشواهد التاريخية، عرفت الحضارة الاغريقية بتقديسها لشهوات الحياة وكل ما له علاقة بمتعة الجسد والعناية به.  ولقد عرف اليونانيون القدامى بحب الاستحمام في المياه الجارية الطبيعية، كالبحر، والأنهار ومجاري المياه. ولقد كان أطفال "سبرتا "يستحمون في البحيرات حتى في أيام الشتاء الباردة.

عندما ظهرت الحمامات العمومية الساخنة في "أثينا" بداية من القرن الخامس قبل الميلاد بالتقريب، لم تكن مفتوحة لعامة الناس، بل كانت حكرا على الأقلية من النخبة،  ولم يكن مسموحا لكافة أهل "سبرتا" بأخذ هذا النوع من المتع، إلى أنه مع مرور الوقت أصبحت هذه الممارسة الخاصة بالعناية الصحية بالجسد، أكثر شعبية ومفسوحة لكافة الاغريق. وقبل أن يستساغ الاغتسال بالماء الساخن، كان الناس لا يمانعون وقتها، من الاغتسال بالماء البارد، إما عن طريق الغطس، أو عن طريق أخذ "دُش" بسكب الماء على الجسد من الأعلى، حيث كان الرجال والنساء يتجردون من ملابسهم، عراة، تحت نواعير المياه المتدفق بغية الاستحمام. ولقد كانت هذه التقنية في الاغتسال وقتها، تشكل ممارسة من ممارسات الحمامات الجماعية، حيث كان الماء يتدفق من فوهة بعض التماثيل التي تجسد بعض الحيوانات المفترسة، كالأسود والنمور والخنازير. وكانت هذه "الدشات" في داخل المباني، عبارة عن أحواض كبيرة، يمكن حتى السباحة فيها"[xvi]. وقتها لم تكن فضاءات الاستحمام هذه، مهيأة لتسخين المياه، بل كان يغتسل بالماء على حاله، أو يسخن تقليديا، ويوضع في خزانات مخصصة لذلك.

يذكر "هوميروس" أو "Homère" أنه قبل أن تشتهر حمامات البخار كمرافق عمومية، ويعرف الناس مزايا الاغتسال فيها، كانوا يسخنون الماء على النار مباشرة، في ركن مخصص من المنزل، في أحواض توضع فوق ركيزة ثلاثية القوائم"[xvii]. أما أحواض الاستحمام المستطيلة الشكل والتي تشبه أحواضنا الحالية،  فقد كانت مصنوعة وقتها من الطين المشكل أو من الطوب الملبس، إلا أنها لم يكن لها فتحات لتفريغ  الماء المستعمل"vidange"، بل كانت تملئ وتفرغ باليد.

من ممارسات الاغتسال في البيت حينها، أن المرأة هي التي كانت تحمم الرجل. فلقد كانت الخادمات والعشيقات يساعدن أسيادهن وخلانهن على الاغتسال، بسكب الماء على عواتقهم. ومن طقوس حسن الضيافة، كان العبيد يغسلون أرجل المدعوين وأيديهم قبل الدخول إلى قاعة الأكل، ثم يسعون إلى تجفيفها بكرات صغيرة من لب الخبز، لا القماش"[xviii]. وبما أن الاستحمام والاغتسال كان يتم ليلا، قبل تناول وجبة العشاء، فلقد خلقت علاقة لغوية، بين ممارسة استعمال الماء، وهذه الوجبة، لتصير الواحدة كناية على الأخرى. فعبارة "أخذ حمام" prendre un bain، تعني "أذهب لأتناول العشاء"، والعكس صحيح.

2.2 الحمامات وممارسات الاغتسال في الحضارة الرومانية:

لقد اقتبس الرومان حمامات البخار من الإغريق في آخر عهد جمهوريتهم، كما أخذوا منهم فكرة أحواض الاستحمام، ومختلف تقنيات مزج الماء الساخن والبارد. وكانت هذه الحمامات في حوالي القرن الثاني والثالث بالتقريب في روما تدعى "بالنيوم" أو بالنيريا" « Balneum / Balneria ». وقد كان من مظاهر تأثير الاغريق على الرومان، ممارسة العري والتجرد من كامل الملابس حين الاغتسال، والاغتسال في الهواء الطلق ولا شيء يستر أجسادهم الرجال أمام النساء"[xix]. وقد كان في عاداتهم، من الصعب أن يتعرى الولد البالغ أمام أبيه، والصهر أمام والد زوجته، لكن سرعان ما تغيرت هذه الأوضاع. تقول« Jocelyne Bonnet »: "وبالرغم من محاولات القياصرة منع الحمامات المختلطة، إلا أن ذلك لم يؤثر على انتشارها وتكاثرها، لكونها تجارة رابحة. وقد كانت النساء تدفع أكثر من الرجال من أجل الدخول إلى هذه الفضاءات، أما الاطفال فلم يكونوا يدفعون شيئا. وكان الناس يفرطون في الاغتسال الذي كان يتعدى الستة أو الثمانية مرات في اليوم، أو مرتين عند أعقل الناس، الأمر الذي أدى إلى تفشي الزنى، والعديد من الممارسات الجنسية الاباحية والشاذة كاللواط والسحاق والغلمانية... إلخ

في دراسة جامعية له، يخبرنا الدكتور "عبد المالك عبد الرحمن السعدوي" في كتاب يدور موضوعه حول العلاقات الجنسية عبر التاريخ، أنه قد انتشرت في روما قديما أشكال عديدة من الممارسات الجنسية اللاشرعية والمنحرفة، بدرجة لم تعرفها مدن أخرى وقتها. يقول: "وكانت الحمامات مواضع لإرضاء شهوات النساء والرجال...[xx]، حيث كانت توجد فيها غرف خاصة لممارسة البغاء"[xxi].

3.2 الحمامات وممارسات الاغتسال في صدر الحضارة الإسلامية:

على منوال العمران الروماني، كانت "الحمامات العامة" في الحضارة الاسلامية، تشيد بقلب الحاضرة لتشكل نقطة عبور مركزية في الحياة الاجتماعية، حيث كانت تشيد بقرب من المساجد والأسواق والمقاهي التي كانت تتوسط المدينة[xxii]". يقول "عمر كارلييه": "ابتداء من القرن السابع، أصبحت فكرة الحمام تترسخ أكثر فأكثر في قلب الحضارة الإسلامية كفن للعيش. فقد تناولها الخلفاء في العهد الأموي من عند "البيزنطيين" وجعلوها من روعة الحياة الدمشقية، ثم بعد ذلك نقلوها إلى بغداد عن طريق العباسيين، الذين أبدعوا في فن عمارتها وطقوس ممارساتها[xxiii]".

لقد عرفت ممارسة "الحمام" في الحضارة الإسلامية[xxiv]، مراحل قوة ومراحل ضعف، مراحل متقطعة ومراحل مستمرة. إلا أنه مع مطلع القرن الثاني عشر، وبتوسع الحكم الإسلامي في مغارب الأرض ومشارقها، عرفت هذه الممارسة عودة قوية، وأصبحت من الممارسات الأكثر أهمية في حياة الرجل والمرأة على حد السواء، حتى أصبحت قيمة الحاضرة ودليل رقيها وازدهارها يعرف بعدد حماماتها. حيث تشير المراجع التاريخية، أنه ببغداد وحدها كان هنالك ما يقارب ثلاثة آلاف" 3000 "حمام.

فلقد امتازت "ممارسات الحمام" في فترة الحكم العباسي، بأنها كانت مشهدا من مشاهد الترف والبذخ، حيث امتاز هذا العهد، بالانغماس في ملذات الحياة ومصاحبة الجواري والسرايا وتنوع العلاقات الجنسية وتعددها. ولذلك هيأ أصحاب السلطان في قصورهم العديد من المرافق الفاخرة لممارسة فنون الجنس، ومن بين هذه المرافق، حمامات القصور. حيث أن هذه الحمامات كانت روعة في الجمال، من حيث الهندسة المعمارية ومن حيث الجداريات التي كانت تعرض العديد من الرسومات الخليعة لمظاهر العري والممارسات الجنسية مع الجواري والغلمان.

أما عامة الناس وقتها، فقد كانت لهم حماماتهم الجماعية الخاصة التي كانوا يترددون عليها، والتي بخلاف حمامات القصور، كانت تحافظ على الآداب العامة (من حيث احترام الضوابط الشرعية في عدم الاختلاط ما بين الجنسين). وربما تكون « Jocelyne Bonnet »تقصد هذه الحمامات حين قولها بأن الحمامات  في الحضارة الاسلامية، لم تكن تتصف بالرفاهية ومرافق المتعة التي أحيطت بها الحمامات الرومانية"[xxv].

إذا كان هذا هو موقف الحضارات القديمة من استعمال الماء في عادات اغتسالها واستحمامها، فلم يكن هذا حال كل الشعوب عبر العصور. ففي القرون الوسطى، نتيجة الحروب وتفشي الأمراض والأوبئة، وتراجع القيم الأخلاقية بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية والسياسية، أخذت ممارسات العناية الصحية بالجسد شكلا آخرا، واستثناءات مغايرة لعاداتها وتقنياتها.

3. "رهاب الماء" والاغتسال به في العصر الوسيط:

1.3 مجافات الاغتسال في أوروبا عامة:

تجمع كتب التاريخ ، الانثروبولوجيا والسيسيولوجيا، على أنه كان للأوروبيين في العصر الوسيط، موقف مميز وغير مألوف من عادات استخدام الماء للعناية بالجسد، أي من القرن الخامس عشر إلى القرن الثامن عشر. في هذا الوقت، حيث تفشى الطاعون، وسادت الأمراض والأوبئة، أفرزت الممارسات الثقافية والمعتقدات، معطيات مختلفة ومتباينة التمثلات حول مفهومها للجسد وكيفيات العناية به.

لقد سجلت هذه المرحلة من التاريخ، علاقة من نوع آخر مع الذات، ومع المجتمع. في هذا الوقت، ألغت أوروبا ثقافة الماء، بسبب تفشي الأمراض ومنها وباء الطاعون الفتاك "La pesteالذي حصد العديد من الأرواح، وأعاد تشكيل تمثلات الناس حول ممارساتهم الصحية للعناية بأجسادهم،  حيث يؤكدVigarello»    «Georges أن فترة العصر الوسيط[xxvi]، قد كانت بمثابة مرحلة "لصقل السلوكيات الاجتماعية العامة"[xxvii].

ففي هذه الفترة من الزمن، أصيب الناس "بفوبيا اجتماعية" أي "رهاب جماعي" من استعمال الماء  خصوصا الماء الساخن، وكان ذلك، بسبب تفشي وباء الطاعون. حيث كان يعتقد أن الماء الحار يسمح بتمدد مسام البشرة، الأمر الذي يجعلها قادرة على نقل مسببات المرض الموجودة في الهواء، والتي حتما تنفد إلى البدن من خلال أديم الجسد فتفتك به. ولهذا السبب، كان الناس يتحاشون ممارسات الاغتسال والاستحمام. وقتها، كان الناس يجتنبون الاستحمام بالماء، وخصوصا الماء الساخن، لأنهم كانوا يعتقدون أن ذلك فيه خطورة كبيرة على صحتهم، لأن هذه العملية بالنسبة لهم تفتح الجسد للهواء، وبالتالي يصبح عرضة لتسرب الطاعون إليه"[xxviii].

S180702

وبما أن فضاء "الحمام" هو الذي يوفر هذا الجو من الرطوبة والحرارة، فقد هجر الناس الحمامات وأصبحت خالية. وبتفاقم الوباء وانتشاره، منع حاكم منطقة باريس سنة 1450 الناس نهائيا من التردد على أماكن الاغتسال بالماء. وفي القرن السادس عشر، أصبح غلقها رسميا. وهذا ما دفع الكثير من المفكرين إلى اعتبار أنه في هذه الفترة من الزمن، كان هنالك تراجع للقيم الصحية المتعلقة بالنظافة"[xxix].

جراء تفاقم وباء الطاعون، أصبحت العناية بنظافة الجسم جد معقدة، فلقد اختفت ممارسة الاستحمام نهائيا في أوروبا ما بين القرن السادس عشر والسابع عشر، حيث أغلقت جميع فضاءات الاستحمام، وحتى عمليات غسل الأطراف التي كانت تمارس بالبيت، امتنع الناس عنها، ريثما يجدون البديل.

في ظل هذه الظروف، ولأجل التخلص من الافرازات الجسدية ولأجل التنزه منها، استعمل الناس وقتها موادا كثيرة وتقنيات متعددة بديلة عن الماء، فلجؤوا إلى التعفير بالتراب، أو الاغتسال بسوائل زيتية أو كحولية أو استعمال مواد أخرى أكثر غرابة : كالدّم، الملح، البول، الرماد، الرصاص، أو شمع العسل[xxx]... كما استبدلت تقنيات الاستحمام والاغتسال بتقنيات التعطر، وفرك البشرة على الجاف بقطعة من القماش، والحرص على ارتداء الساتر من اللباس...

فتقنيات التعطر كانت تقتضي أن تمسح الأعضاء بشدة ويوضع عليها العطر من أجل طرد الروائح الكريهة من الجسد. وكان شعر الرأس يعالج باستعمال البدرات، ثم يعطر بالعطر، من أجل القضاء على روائحه المزعجة وإفرازاته الدهنية الكريهة.  أما الوقاية من خلال لبس النظيف وستر الجسد، فقد كانت تمارس عن طريق الحرص على نظافة الثوب والتغيير المنتظم للملابس، التي يشترط فيها أن تكون طويلة وساترة، وعلى أن تكون ناعمة القماش في الصيف (كالسَتَاْن  والحرير) أو خشنة وسميكة في الشتاء (كالصوف، القطيفة، القطن والفراء)، ...

جراء الابتعاد عن استعمال الماء في عمليات الاغتسال والنظافة، وبسبب خروج الناس عن المألوف في عنايتهم بأجسادهم، تفشت العديد من الأمراض الجلدية الناجمة عن تراكم الافرازات الجسدية والأوساخ، حيث تفشى "القمل" في رؤوس الناس وفي كامل أجسادهم، في المناطق الجنسية وتحت الإبطين. حيث أصبح "فَلْيُ الشعر""L’épouillage" ممارسة اجتماعية محبوبة، يقول عنها Vigarello »    «George أنها كانت تعتبر عادة حضارية ورمز للوداعة واللين.  حيث يذكر أنه في القرن الرابع عشر في "مونيتو" كما في غيرها من الضواحي الاوروبية، كانت ممارسة "فَلْيُ الشعر"، تمارس يوميا في أماكن متعددة من البيت وبين شخصين تربطهم علاقات مودة أو سيادة: " حيث كانت الخليلات "تفلي" رؤوس عشاقهن، والخادمات "تفلي" رؤوس أسيادهن، وكانت البنات " تفلي" رؤوس أمهاتهن، والحموات "يفلين" رؤوس أصهارهن...وفي زاوية المنزل قرب النار، أو في الفراش،..." [xxxi] وعلى ما يبدو أن هذه الممارسة كانت ممارسة أنثوية، تقوم بها المرأة وليس الرجل"[xxxii].

ومع الوقت، لم يعد استعمال الماء مرخصا، إلا في حالات نادرة، كغسل اليدين والفم فقط. وإذا كان من الضروري الاستحمام (بعد شهور طويلة من الامتناع)، فقد كان يمارس تحت عناية مشددة، بإشراف من الطبيب، وبممارسات لباسية خاصة، وبشرط عدم مبارحة الفراش لمدة قد لا تقل عن الأسبوع. وبقي الوضع على ما هو عليه حتى مطلعالثلثالثانيمنالقرنالثامنعشر،حتى ظهور المجتمعالبرجوازي.

في الحقيقة، لم يعرف الأفراد عودة ثانية لتقاليد استعمال الماء في عاداتهم الصحية تجاه أجسادهم ، حتى تراجع وباء الطاعون ، حيث أصبحت فكرة الاستحمام تعرف تقبلا شيئا فشيئا في عادات الاوروبيين الصحية ، و لم تعد تخيفهم . و كان هذا مؤشرا جديد العلاقة مختلفة مع "الجسد ".فقد كان البحث و قتها عنالجسد المتميز هو هدف غالبية أفراد هذا المجتمع ، و منه التميز في استعمال وسائل و تقنيات جديدة للعناية الصحية بالجسد ، و لذلك كانت العودة لاستعمال الماء[xxxiii]". حيث في منتصف القرن الثامن عشر ، أصبح الاستحمام ممارسة تدل على رفاهية لا تنعم بها إلا الخاصة. فبداية من سنة 1761،أصبحت أوروبا تقر مزايا الاستحمام بالماء الساخن ، و بدأت تشجع فتح الحمامات العامة ، التي كانت في الأول حكرا على النخبة و أصحاب النفوذ ، بسبب غلاء أجرة هذه الممارسة.

2.3  مجافاة الاستحمام في شبه الجزيرة الايبيرية خاصة:

لقد كان الفضل في بعث فضاء "الحمام" وتجديده في شبه الجزيرة الايبيرية، يعود إلى قدوم أحد الأمراء الأمويين، لكن بتفشي الطاعون، حذت "إسبانيا" موقف "روما وفرنسا" من الماء، وعزفت عن استعماله في عنايتها الصحية. وبسقوط غرناطة تحت يد الملك" فردناند" والملكة" ازابيلا"، زاد الأمر سوءا، حيث أصدرحاكمو البلاد مرسوما ملكيا، يمنع منعا باتا استعمال الحمامات العامة، وتوعدت الأسرة الحاكمة كل من يخالف هذا المرسوم بالإعدام.

لم يكن هذا الموقف لإسبانيا، موقفا متعلقا بممارسات الماء فحسب، لكنه كان أعمق من ذلك بكثير. فقد كان الهدف الرئيسي من وراءه، هدف سياسي الغرض منه  تحطيم رموز الثقافية والدينية للمورسكييين المسلمين، والقضاء على عاداتهم الاجتماعية الشديدة الارتباط بحضارة الماء، وبالتالي التوصل إلى قهرهم واضطهادهم وضرب معاقل هويتهم. في هذا الإطار تقول «Jocelyne Bonnet » : "ولقد كان العرب هم الذين أسهموا في إعادة إحياء عادة استعمال الحمامات الرومانية في أوروبا، حيث أنه في قرطبة وحدها، كان هنالك ثلاثة مائة حمام عام، بدون عد حمامات المنازل...  ولكن بالاسترداد الصليبي لإسبانيا، دمرت الحمامات العربية، ومنعت عادات استعمالها، لأجل استئصال العادات المورسكية، لا لموقف مخالف لعادات النظافة"[xxxiv].لهذا السبب، ظلت الحمامات في إسبانيا، طيلة عقود كاملة من الزمن، مغلقة لسبب بسيط، هو كونها ترمز "للعادات الموريسيكية"، المتمثلة في استعمال الماء، وخاصة منها عادات الاستحمام[xxxv]".

إلا أنه بعد تشريدهم ونفيهم إلى مشارف القارة الافريقية سنة 1609، ودخولهم تحت لواء الحكم العثماني، وجد المورسكيون في المدينة المغاربية الاستقرار، وتشابها ثقافيا مع عاداتهم المعيشية، خصوصا مع قيم المالكية في الطهارة والنظافة. ولذلك ساهموا مساهمة كبيرة في تطوير عادات استعمال الماء ونبغوا في ازدهار مرافقها.

4.   ممارسة الحمام في التراث المغاربي:  ظروف انبعاثها وتطورها

تجمع كتب التاريخ، على أنه في العهد العثماني وصل " فضاء الحمام" إلى قمة روعته من حيث الجماليات وفن العمارة، بفضل المهندس "سنان"، مهندس السلطان سليمان في "جروس"، ثم في اسطنبول". ففي الوقت الذي اختفى فيه الحمام في الغرب في القرون الوسطى، تأكدت وترسخت ممارسة الحمام في البلاد الإسلامية. وبينما نجد في هذه العصور، "الملك سولاي" « Le Roi Soleil »، يفزع من الماء، ولا يحب رؤيته إلا في أحواض قصوره الكبيرة، نجد في "توب كابيه" (تركيا) العكس، حيث كان "حمام البخار" جزءا هاما من العالم السياسي، الديني والثقافي. 

لقد لعب الأتراك دورا مهما فيما يخص النظافة العمومية خصوصا في مدن الكبرى، حيث بمساعدة الأندلسيين الذين كان لهم باع طويل في تقنيات تصريف المياه وإنشاء الجسور المائية، طوروا كل الجوانب الصحية للحياة. ففي الجزائر مثلا، لقد كانت نظافة المدينة من مهام هيئة خاصة يترأسها "قايد الزبل" والتي كان من واجبها جمع النفايات المنزلية، وصيانة قنوات تصريف المياه المستعملة[xxxvi]". أما فيما يخص الحمامات، فلقد كانت الجزائر الوسط وحدها تحتوي على ستون (60) حمام تركي، وكانت حمامات تلمسان وقسنطينة هي الأكثر شهرة. وتؤكد " نبيلة شريف صفاج" على هذا الازدهار قائلة: "من القرن السادس عشر، إلى القرن التاسع عشر اشتهرت مدينة الجزائر بعدد حماماتها المهم وبكفاءة نظامها في الري وتعبيد مسالك تزويد المدينة بالماء[xxxvii]" .

وهذا ما نجده أيضا من خلال الدراسة التي أجراها "محمد الطيب عقاب"، حيث يقول أن مدينة الجزائر كانت تتوفر خلال العهد العثماني على حمامات عديدة وخاصة داخل القصور، ومما يؤسف" له، أن السلطات الاستعمارية الفرنسية، قد حوّلتها إلى غرف، حيث استعملتها مكاتب لإدارتها، أو أزالتها تماما. يقول: "كما فعلت ذلك مع قصر الحمراء، حيث لم تبقي من حماماته، إلا جزءا صغيرا. ولقد ساعدنا بقاء القبة على سطح القصر، على معرفة أين كانت هذه الحمامات[xxxviii]".وعن وصف هذه الفضاءات يقول:

"إن حمامات القصور تختلف من قصر لآخر، فمنها من يتوفر على غرفة واحدة، ومنها من يحتوي على غرفة أوثلاث،... ومهما يكن، فهي بسيطة من حيث مخططاتها، مع أن هندستها على جانب كبير من الدقة. وكان لموقع التهوية أهمية خاصة، فكانت تجعل للحمام أربعة فتحات بالتناوب على أضلاع القبة المثمنة، وربما كانت تجعل له فتحة كبيرة مستديرة في وسط القبة، تغطى بقرص يرفع عند الرغبة في التهوية"[xxxix] .

تتميز هندسة "الحمام" في العهد التركي، بأسلوب تهيئة مميز، جعل هذا الفضاء، موطنا للحرارة والرطوبة. وهذا هو السر الذي جعله فضاء مهما في حياة الناس. إنها الحاجة إلى الدفء والتعرق، من أجل حسن عمليات الشطف والفرك. فقد اهتم المعماريون وقتها كثير الاهتمام، بتأمين درجة حرارة مناسبة لكل قاعات الحمام. فاتخذ تدابير كل ما من شأنه أن يحافظ على درجة حرارة الماء، من جهة، ومن جهة أخرى، كل ما يضمن المحافظة على جو حار، عبر تسخين الجدران الداخلية لهذه العمارة. حيث توزع هذه الحرارة، بفضل "الفَرْناقْ"، الذي يعرف كذلك "ببيت النار"، والذي يجهز تحت أرضية الحمام. ويحتوي على "الأتون" وهو موقد نار الحمّام، وكذلك على " المرجل" والمعروف بالنحاسة في تونس والحلّة في الشام. كما يحتوي أيضا، على خزانات المياه الباردة والحارة، حيث تندفع منه لتتوزع داخل الحمّام بواسطة سواقي رخامية أو فخارية أو رصاصية أو حتى خشبية " فتجري المياه حسب دورها مكشوفة أو تحت الأرض أو في الجدران[xl].

يقول محمد عقاب في مجال هذه التهيئة العمرانية: "فقد كان الماء يوضع في خزانات  كبيرة ويوزع بأقنية من الفخار أو الرصاص، لينقل إلى أحواض صغيرة من الرخام، مثبتة على الجدران. تلك الأرضية التي تحتوي على شرايين فارغة، وهي مرفوعة فوق ركائز (في حجم قطر الآجر)، والتي كانت تسمح بمرور بقايا الاحتراق وتوزيع درجات معينة من الحرارة. أما المدخنة، فكانت لتصريف البقية الباقية من هذا الدخان إلى المدخنة المركزية[xli]". وفي حمامات القصور كانت تهيئ الوحدات المعيشية، بالقرب من الحمام، لتدفئة القاعات الأخرى، كبيوت النوم والمراحيض، ...، كما هو الشأن بالنسبة لقصر خديوج وقصر حسن باشا[xlii]".

من جهة أخرى، وما عدى استغلال الحمامات في خدمة العناية الصحية للجسد، كانت هذه الأخيرة تؤدي وظائف اجتماعية أخرى. حيث كان أصحابها يستغلون فرناق الحمام موقدا لطهي الطعام. فكانت النار التي تسخن الحمام، هي ذاتها التي يستفاد منها لطهي طعام الأعراس والمناسبات الكبيرة. وحسب "كارلييه"، كان الناس يأتون إلى الحمام

أجل طهي اللحم، مقابل ما أجرته "واحد ونصف "بيسيطا إذا كان الأكل كثيرا. ومقابل قرش واحد، إذا كان "الطاجين" متوسط الحجم. وفي ذلك كان الواحد يوصي بطهي طعامه على نار متوهجة، والآخر على نار قليلة"[xliii]. وكان عمال الحمام هم الذين يحرصون على ذلك. ومن هنا سميت " الطَيَابَة " التي تفرك أجساد الزبائن، "طيابة"، لأنها من جهة كانت تقوم بشؤون مستعملات الحمام من نقل لأمتعتهم ولماء اغتسالهم، ومن فرك وتلييف لأجسادهم، ومن جهة أخرى، هي التي كانت تحرص على طهي طعام الزبائن على الفرناق.

لقد كان الحمام ولايزال ملهم جمال وصحة وعلاقات اجتماعية وموطن خصب وخيال. إنه بمثابة المعبد الذي يقدس فيه الجسد من خلال العلاقة القدسية بالماء. حول هذا الموضوع تقول " زناد تراكي بوشرارة " في شهادة لها حول أعمال الفنان " عثمان خضراوي [xliv]" : " غريب الاحساس الذي ينتابنا في الحمام : فالحرارة التي تنشط دورتنا الدموية ، تؤثر على أرواحن او مخيلاتنا . فالحمام هو معبد جسد الانسان: المدني ، المسلم ، الطاهر و النظيف ، و من جهة أخرى هو أيضا مكان للأحلام ، أين تهرب بنا ملكة الخيال بعيدا ، بعيدا جدا إلى عوالم غامضة ، أين الارادة و المجتمع يختفيان خلف ستار البخار الكثيف و يتيهان في عالم النسيان ... أين نحس ذواتنا أقرب من أنفسنا ، من أجسادنا المتعرية ، أين نحس أنفسنا لبضع ساعات ، لا ننتمي إلى أي مكان ، لنذهب بعدها مطمئنات ، خاضعات و سعيدات "[xlv].

الهوامش:



[i]MOLEY, Christian (1987), «  La place de l'eau dans l'espace domestique », In : Kaj Noschis (dir.), Architecture et Comportement,  Lausanne, Vol. 3, n°. 2, p. 103.

[ii]DETREZ, Christine, (2002), Laconstruction sociale du corps, Paris, Seuil,  p. 131.

[iii]محمد بن مكرم بن منظور الافريقي (السنةغيرواردة)، لسان العرب ، بيروت، دارصادر للنشر، ج  .15، ص. 228.

[iv]السحتيري بن حتيرة صوفية (2008)، الجسد والمجتمع: دراسة أنتروبولوجية لبعض الاعتقادات والتصورات حول الجسد، تونس،  دار محمد علي للنشر، ص. 186.

[v]الخوري، اسحاق (1997)، أيديولوجيا الجسد: رموزية الطهارة والنجاسة،  بيروت، منشورات دار الساقي، الطبعة الأولى،   ص. 13.

[vi] نفس المرجع.

[vii]السحتيري بن حتيرة، صوفية (2008)، الجسد والمجتمع، سبق ذكره، ص. 189.

[viii] كايوا روجييه (2010) ، الانسان والمقدس، ريشا سميرة(ترجمة) ، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، الطبعة الأولى، ص ص. 53، 54.

[ix] نفس المرجع.

[x] مثل كلمة "لافابو" اللاتينية- "lavabo "، التي كانت تفيد معنى التسامح عند القساوسة، ثم في القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر، ارتبطت بالنساء غاسلات الملابس في مجاري ومنابع المياه وفي الأحواض المخصصة لذلك. لتدرج في الأخير، لتصبح تعني المغسلة الموجودة في الحمام لأجل غسل الأطراف. في:

  BONNET Jocelyne (1990), « L’hygiène corporelle », In Poirier Jean (dir.), Encyclopédie de la pléiade, « Histoires des mœurs », France, Gallimard, Tome I, p. 602.

[xi]لا نقصد من خلال هذا الطرح، المرور بكامل المراحل التاريخية التي شهدتها تطورات ممارسة الحمام، لكن المراد التطرق للبعد الأنثروبولوجي لأهم المحطات التي ازدهرت فيها هذه الممارسة والتي كان لها أثر تاريخي بالغ.

[xii]كريم فضيلة) 2007(،"الحمامات: موجز تاريخ الحمامات"، يوسفي حضرية (ترجمة)، الجزائر، منشورات دحلب، ص. 33.

[xiii]المرجع السابق،ص. 10.

[xiv] وزارة الثقافة، (1983)، شرشال، الجزائر، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، ص. 60.

[xv] كريم فضيلة، الحمامات، مرجع سبق ذكره، ص. 10.

[xvi]BONNET Jocelyne (1990), « L’Homme et le parfum », (1990), In Poirier Jean (dir.), Encyclopédie de la pléiade, op. cit., p  . 608.

[xvii] Ibid, p. 603.

[xviii]Ibid.

[xix]Ibid. p. 609.

[xx]إن هذه الاباحية الجنسية التي سادت في المجتمعات الما قبل- اسلامية والتي اتخذت "الحمامات" فضاءات لها، هي التي جاء التحذير منها من قبل الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، خوفا من أن تتفشى مثل تلك السلوكيات المنافية لقواعد العفة والأخلاق في المجتمعات التي جددها الاسلام.

[xxi] السعدوي عبد الرحمن عبد المالك ( 1975 (، العلاقات الجنسية غير شرعية وعقوبتها في الشريعة الإسلامية، بغداد، مطبعة الارشاد، القسم الأول، ص. 50.

[xxii]في هذا الإطار، يرى "عماد صولة، أن مسألة " الوسط العمراني"، مسألة نسبية، غير ثابتة. فيقول: " يقال أن المساجد دائما تقع في قلب النسيج العمراني للمدينة الإسلامية العتيقة، وان كانت في الحقيقة، جغرافيا، لا تقع دائما في الوسط. لأن الفضاءات المقدسة تخضع لتراتبية هرمية تبدأ بمركز واحد يحتل رأس الهرم تتدرج تحته مجموعة من النوى الفضائية المقدسة الأخرى، التي تتكاثر لتبلغ أوج كثافتها عند القاعدة، حيث المزارات المقدسة الصغيرة ذات الاشعاع المحدود، والتي بدورها تعد بمثابة المركز بالنسبة للنسيج العمراني الذي تقع فيه". في :

صولة عماد (جوان 2005): " سيرورة الرمز من العتبة إلى وسط الدار: قراءة أنثروبولوجية في السكن التقليدي التونسي"، في إنسانيات، وهران، عدد  37 ، ص. 09.

[xxiii] CARLIER, Omar )novembre- décembre 2000(, « Les enjeux sociaux du corps : le hammam maghrébin  (XIX- XX siècle) », Annales HSS, Lieu pérenne, menacé ou recréé,  coll. Histoires, sciences sociales, n° 6, p. 1303.

[xxiv] بالإضافة إلى العامل الجغرافي، ومن خلال توسع الإمبراطورية الرومانية، انتشرت ثقافة تشييد "الحمامات" في العديد من بلدان البحر الأبيض المتوسط، من مشارق الأرض إلى مغاربها.

[xxv]BONNET Jocelyne (1990), « L’Homme et le parfum », (1990), In Poirier Jean (dir.), Encyclopédie de la pléiade, op. cit., p. 635.

[xxvi] من خلال كتابه "القذر والنظيف: نظافة الجسد منذ العصور الوسطى"، يقوم Vigarello »   «George بالتطرق لموضوع "الجسد" «  la thématique du corps »، من خلال بعدِ العناية الصحية به وأشكالها في ظل غياب استعمال الماء. في هذه الدراسة، يتكلم عن تمثلات القذارة والنظافة في الغرب في الفترة الممتدة ما بين القرن 16 عشر إلى القرن 18عشر. في أربعة أجزاء مقسمة إلى عناوين رئيسية وثانوية. يعود الكاتب إلى النقاط الأساسية في التاريخ التي حددت أشكال العناية الصحية للجسد ووسائلها من أجل القضاء على الأدران و النجاسات من دون استعمال الماء في:

VIGARELLO, Georges (1985), Le propre et le sale : l’hygiène du corps depuis le Moyen Age, Paris, Seuil.

[xxvii]Ibid., p. 10.

[xxviii]Ibid., pp. 23 - 35.

[xxix]Ibid., p. 17.

[xxx]Ibid.,  p. 25.

[xxxi] Ibid., p. 50.

[xxxii]DETREZ Christine (2002), La construction sociale du corps, op. cit., p.134.

[xxxiii] انظر بن عبد الله، زهية ( 2005)، الجمال والجسد الانثوي: التمثلات والممارسات، مقاربة سوسيو-أنثروبولوجية حول التزين وممارسات العناية بالجسد، مذكرة تخـرج لنيـل شهـادة المـاجـستير، يزلي بن عمر ( إشراف) ، كلية العلوم الانسانية، قسم علم الاجتماع، الهوية والتغير الاجتماعي (تخــصص)، جامعة وهران ، ص. 27.

[xxxiv] BONNET Jocelyne (1990), « L’Homme et le parfum », op. cit., p. 635.

[xxxv]كريم فضيلة) 2007(،"الحمامات: موجز تاريخ الحمامات"، سبق ذكره، ص ص. 23 - 24 .

[xxxvi]http://www.cmtlemcen.org/index.php?

[xxxvii] CHERIF SEFFADJ, Nabila )2005), Les bains d’Alger durant la période ottoman ‘(XVI –XIX siècle) Histoire, Topographie et études urbaines, Thèse de doctorat en Histoire de l’Art, Université de Paris IX .

[xxxviii] عقاب محمد الطيب (1985  / 1986 )، قصور مدينة الجزائر في أواخر العهد العثماني : دراسة أثرية معمارية مقارنة، رسالة الدكتوراه، بورويبة رشيد (إشراف)، معهد الاثار الإسلامية، جامعة الجزائر، ص. 85.

[xxxix] نفس المرجع الآنف الذكر.

[xl] وزيري يحي (السنة غير واردة)، موسوعة العمارة الإسلامية، مصر ، مكتبة مدبولي، ص. 140.

[xli] عقاب محمد الطيب، نفس المصدر السابق، ص. 87.

[xlii] نفس المصدر، ص. 90.

[xliii]  CARLIER Omar )novembre- décembre 2000(, « Les enjeux sociaux du corps : le hammam maghrébin  (XIX- XX siècle) », op. cit., p. 1312.

[xliv] عثمان خضراوي فنان تونسي، مختص في النقش على خشب النخيل، وقد أنتج مجموعة فنية من أشكال أبواب الحمامات التونسية.

[xlv]BOUCHRARA, TRAKI, Zannad)1992(, in PELINQ Lizbeth et THUAUDET Anne, Le Hammam d’Othman KHADRAOUI, Tunis, CÉRÈS, p. 50.Voir aussi: BOUCHRARA Traki,  Zannad )1994), Les lieux du corps en Islam, Paris, Publisud.