تسويق محتوى الصحف و الإقناع في الرسالة الإعلاميةpdf

 

 

 

د/ بغداد باي عبد القادر

مدير معهد العلوم الاجتماعية والانسانية

المــركز الجامعي غليـزان (الجزائر)

الملخص:

في محاولة موضوعية لتأصيل الخبرة العملية وتوظيف التحصيل الأكاديمي في ضوء ما توصلت إليه نتائج البحوث في ميدان علوم الإعلام والاتصال، وما تخرجه الجامعة كذلك سنويا من إطارات في مجالات الصحافة والإعلام، وحتى اقتحام خريجي التخصصات الأخرى لهذه المهنة التي أصبحت تلقب بمهنة المتاعب. ومن جهة أخرى تأثر الأداء المهني أو الكتابة الصحافية بالإعلام كمجال، بالعديد من العوامل الموضوعية، سواء كانت هذه العوامل داخل المؤسسة التي يعمل بها أو خارجها، نابعة من موقع المؤسسة، وعوامل أخرى مرتبطة بشخصية القائم بالاتصال تتخذ أشكالا عديدة: ضغوط ذاتية، مهنية، إدارية، سلطوية، تشريعات، الجماعات والنفوذ والمصالح المختلفة، وقد صنفت هذه الدراسات إلى محورين: جوانب اجتماعية وأخرى مهنية.

الكلمات المفتاحية: الأداء المهني -المهنية -الممارسة -التحرير الإعلامي.

Abstract:

In an attemp to achieve practical experience and recruitment of academic achievement in the light of the research results finding in the field of information sciences and communication, the graduating university also anually from tires in the field of journalism and the media and even breaking into graduates other disciplines of the professions wiich has become nichnamed profession trouble . on the other hand , prpfessions wich are inflenenced in their performance on their writing , press releases media as an area with a number of different factores which can be objective ones. Some of them are within the organisation wich works out on outside, stemming from the fondation’s website. The other wind of factors are associated with the character –based contact, the later take many forms : salf pressure, professional, administrative, authoritarian, legislation,and the influence of groups of different interests . so, this may classify this study into two axes : social aspects and professional ones .   

KeyWords :Performance Professional- Professionalisation- Practice - Redaction.

مقـدمة:

دفع احتدام المنافسة بين المنابر الصحفية في الساحة الإعلامية، هيئات التحرير في الصحف إلى التفكير في آليات وتقنيات جديدة في صياغة المضامين الإعلامية، وتسويقها لجمهور القراء، من خلال انتهاج أساليب معينة في معالجة المواد الإعلامية، والتركيز على تلك التي تتماشى مع ميولات ورغبات الملتقى وتشكيل اهتماماته.

ويشكل المحتوى الإعلامي، محور اهتمام القائمين على الصحف، حتى أنه يتسبب في كل مرة في تغيير السياسة الإخبارية المنتهجة من طرف رؤساء التحرير، الذين يعمدون إلى التنويع في طرائق معالجة المواد الإعلامية، وإخراجها على الصفحات، من أجل ملامسة الجوانب النفسية للقراء باستثارة عواطفهم، وخلق الرغبة لديهم في مطالعة محتوى هذه الجرائد. وتهتم أقسام التحرير في الصحف، بالأخبار الخفيفة الساخنة و المتنوعة، التي تحمل الإثارة و الخروج عن المألوف و كذا طابع التراجيديا، على غرار جرائم القتل و السرقة و الفضائح الأخلاقية، و كل ما يتعلق بمشاهير الفن و الرياضة و الساسة و رجال المال و الأعمال...فمثل هذه الأخبار أثبتت التجارب أنها أكثر مقروؤية لدى شرائح كبيرة لدى المجتمع، من المواضيع الجادة، التي تعالج قضايا سياسية أو اقتصادية أو دينية... إلا أن مضامين الصحف في الألفية الثالثة لم تعد تقتصر على نوعية الأخبار السالفة الذكر، بل تعداها إلى معالجة مواضيع تأخذ طابعا تسويقيا لصورة المؤسسة الإعلامية نفسها، من خلال نشر مواضيع تتناول نجاحاتها، كإيراد تفاصيل الحصول على سبق صحفي في جال معين، و كيف استطاع طاقم التحرير الوصول إلى معلومات خطيرة، و الصعوبات التي واجهها، و ردود الفعل التي خلفها نشر مثل هذه المواضيع، و هو ما يؤدي إلى خلق نوع من الإثارة بهدف جلب جمهور القراء، و هناك طرائق أخرى يعتمدها القائمون على الصحف، من أجل تعزيز مكانتها في الساحة الإعلامية، كذكر أرقام السحب و التوزيع التي وصلت إليها، و الجوائز التي حصدتها و التكريمات التي حظيت بها، من طرف هيئات و منظمات رسمية وغير رسمية، و أحيانا تلجأ بعض الصحف إلى تغطية تظاهرات و نشاطات رياضية فكرية و اقتصادية و حتى خيرية شاركت فيها، أو نشر إشهارات تحمل رسالة تسويقية عنها، بهدف غرس صورة إيجابية عنها لدى أفراد المجتمع. فإلى أي مدى تؤثر أساليب تسويق المحتوى الإعلامي على قراء الصحف؟ وهل بإمكانها إقناع المتلقي بالرسالة التي يحملها المضمون الصحفي؟

التسويق...من بيع المنتوجات إلى "ترويج " البضاعة الإعلامية...

لم يعد التسويق حكرا على المجال الاقتصادي، بل امتد ليشمل حقولا أخرى كالسياسة والإعلام،وتغلغل في الحياة الاجتماعية، حتى غدا نشاطا لا يمكن الاستغناء عنه، للتأثير غي أفراد المجتمع وتغيير أفكارهم وسلوكياته.

ومن الناحية اللغوية فإن التسويق: " هو ترجمة لكلمة Marketing الانجليزية، المشتقة من الكلمة اللاتينية Mercatus التي تعني السوق، التي تقابلها كلمة Market في الانجليزية، وتعني أيضا المكان الذي يلتقي فيه البائع بالمشتري. وإذا أضيف لهذه الكلمة مقطع ing تصبح Marketing التي تعني الاستمرارية في وجود السوق"،(1) أما اصطلاحا: هناك عديد التعريفات لمفهوم التسويق الذي تطور على مر التاريخ وطرأ عليه عديد التغيرات، حيث ارتبط في البداية بالنشاط الاقتصادي، وفي هذا الصدد نجد تعريف دروكر(Drucker)، الذي يرى أن التسويق هو النشاط الذي "يهدف إلى زيادة حجم المبيعات بالارتكاز على الزبون وانطلاقا من معرفته وفهمه في نقطة يمكن للمنتج أن يرضيها".(2)

في حين يعرف كوتلر(Kotler) التسويق بأنه "الميكانيزم الاقتصادي والاجتماعي الذي يسمح للأفراد والجماعات بإرضاء رغباتهم من خلال خلق منتجات ذات قيمة وتبادلها".(3) اللجنة الأمريكية للتسويق تحدد بدورها مفهوم التسويق وترى بأنه " يستوجب التخطيط ووضع قيد التنفيذ والدراسة مجموعة من العوامل: خلق المنتوج، التسعيرة، الترويج، التوزيع لفكرة، منتوج أو خدمة تسعى غلى إرضاء رغبات الجماعات وكذا الأفراد.(4)

والتسويق ليس مجرد دعية وبيع. بل هو عملية معقدة تتأقلم مع كل منتج أو فكرة أو خدمة جدية، بهدف إشباع رغبات الزبائن، وفي هذا السياق يظهر تعريف آخر للتسويق على أنه: "نظام متكامل ومستمر يبدأ بدراسة حاجات ورغبات الزبائن وينتهي بدراسة ردود فعلهم تجاه السلع والخدمات التي قدمت لهم".(5)

و تعرف الجمعية الأمريكية للتسويق A.M.A التسويق بأنه" مجموعة الممارسات التجارية اللازمة لتوجيه، و إرشاد السلع و الخدمات، عند تدفقها من المنتج إلى المستهلك أو المستخدم".(6)  و يرى يورام ويند أن نشاط التسويق كفكر و ممارسة ما هو "إلا سلسلة من الأنشطة و الفعاليات و الرؤى و الاستراتيجيات و التكتيكات الهجومية و الدفاعية التي تختص بآلية انسياب السلع و الخدمات من موقع إنتاجها أو توافدها إلى أماكن استهلاكها أو استخدامها و الاستفادة منها، و كذلك جميع الأنشطة السابقة للإنتاج و اللاحقة للاستهلاك و الاستخدام، و التي تتعلق بالبحث عن الحاجات و تشخيصها في محاولة لإشباعها".(7)

ولم يقتصر التسويق على الميدان الاقتصادي، بل تعداه إلى الجانب الاجتماعي، حيث ظهر المفهوم الاجتماعي للتسويق، الذي " يبنى على فرض أساسي مفاده أن على المؤسسة أن تحدد حاجات ورغبات الأسواق التي تتعامل فيها، وان تعمل على التكيف معها بما يمكنها من إشباع تلك الحاجات والرغبات بشكل أكبر فعالية وبتأثير أكبر من المنافسين، وذلك باعتبار المستهلك جزء من المجتمع".(8)

ويتضح من خلال هذا التعريف، أن التسويق يركز على مصلحة الفرد والمجتمع التي ينبغي أن تكون فوق كل اعتبار وعلى المؤسسة التي تمارس النشاط التسويقي أن تولي أهمية لهذا الجانب، أثناء الاستجابة لحجات ورغبات المستهلكين التي تتصادم في مرات عدة نع المصلحة العامة.

و يعرف معهد الزمالة التسويقي التسويق بأنه:" عملية الإدارة المسؤولة عن تحديد و معرفة و توقع و إشباع حاجات الزبائن بربحية".(9)و هناك تعريف واقعي للتسويق على أنه:"مجموعة من الوسائل التي تتوفر عليها المؤسسات من أجل بيع منتجاتها لزبائنها"، و يركز هذا التعريف على ثلاث مصطلحات و هي البيع، المنتوجات، الزبائن.(10)فالتسويق يهدف إلى تحسين المنتوج و تطويره من أجل الاستجابة إلى حاجات و رغبات المستهلكين، كما يقدم المسوقون معلومات عن السوق، التي تنشط فيها مؤسستهم من اجل التعرف على الزبائن الحاليين و المستهدفين لاحقا، و يساهمون في خلق الفرص، التي تمكن من مضاعفة المبيعات، و في حال كساد المنتوجات و نفور الزبائن منها، يجد رجال التسويق أنفسهم مجبرين، على مواجهة هذه الصعوبات و إيجاد الحلول لها. ويسعى أيضا التسويق إلى نمو المؤسسة عبر اكتساح السوق ومضاعفة المبيعات، وخلق وحدات إنتاجية لواجهة الطلب على السلع، والأخذ بعين الاعتبار المنافسة مع باقي المؤسسات، مما يؤدي إلى إطلاق استثمارات جديدة للحفاظ على مكانتها في السوق، وضمان بقائها واستمراريتها.

و قد تغلغل التسويق في الحياة السياسية في القرن العشرين، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تبنى الساسة في هذا البلد الأساليب نفسها التي اعتمدها مسوقو المنتجات الاقتصادية، فدرسوا احتياجات و رغبات الناخبين، الذين ينظر غليهم أنهم مستهلكين لمنتوج سياسي، يعرض عليهم في الحملات الانتخابية، و خلق التسويق السياسي منفعة متبادلة بين التشكيلات السياسية و الناخبين، الذين يمنحون أصواتهم للأحزاب أو المرشحين مقابل حصولهم على المنافع التي وعدهم بها أولئك الذين حصلوا على أصواتهم، أثناء الحملات الانتخابية، و بهذا الطرح فقد غدا الناخبون أو الجمهور زبائن لبضاعة سياسية يقدمها مرشحون و رؤساء أحزاب، الذين يعملون على إشباع حاجات و رغبات زبائن بضاعتهم السياسية.

يعرف التسويق السياسي على أنه :"تحليل و تخطيط و تنفيذ و التحكم في البرامج السياسية ة الانتخابية، التي تضمن بناء العلاقات ذات المنفعة المتبادلة بين كيان سياسي ما أو مرشح ما و بين الناخبين، و الحفاظ على هذه العلاقة من أجل تحقيق أهداف المسوق السياسي" و هناك تعريف آخر للتسويق السياسي بأنه" تطبيق مبادئ التسويق و أساليبه في الحملات السياسية التي تقوم بها الكيانات السياسية أو الأحزاب أو الأفراد، و تتضمن هذه الأساليب تحليل السوق السياسي و تخطيط و تنفيذ الحملات السياسية"،(11)و هو مجموعة الأنشطة التي تستهدف تنظيم عدد المؤيدين لمرشح سياسي أو حزب أو فكرة أو برنامج معين، بما في ذلك الدعم المادي و الجماهيري باستخدام كافة وسائل الاتصال الجماهيري أو أي وسائل أخرى ضرورية."(12)

ويعد مفهوم التسويق الإعلامي، من الفروع الحديثة للتسويق، حيث يمكن تعريفه بأنه عملية التحليل والتخطيط والتنفيذ لترويج منتجات بالاستعانة بوسائل الإعلام، لتلبية احتياجات ورغبات الزبائن. وهو عبارة أيضا عن مجموعة من العمليات والأنشطة، التي تمكن من إيصال الرسالة الإعلامية للمتلقي بهدف الـتأثير عليه وتغيير آرائه وسلوكياته. وحتى وسائل الإعلام التي كانت تروج لسلع وخدمات وأفكار مؤسسات ومنظمات أخرى، أضحت تروج هي الأخرى لبضاعتها الصحفية عبر المنابر الإعلامية، ونجد صحف في الجزائر عمدت في السنوات الأخيرة، إلى الترويج لنفسها من خلال تلك المواضيع المنشورة على صفحاتها، التي تتحدث فيها على إنجازاتها والنجاحات التي حققتها في الساحة الإعلامية.

تسوق المضمون الصحفي وخصائص المتلقي:

تعمل كل جريدة على جمع معلومات، تحمل بيانات عن قرائها، أعمارهم ميولاتهم ومراكزهم الاجتماعية، والمواضيع التي يقبلون على مطالعتها، ويظهر ذلك من خلال سبر الآراء التي تقوم بها، ورصد التعليقات والقراءات التي حضيت بها مواضيع معينة على موقعها الالكتروني، ما يؤدي إلى الخروج بتصور عن طبيعة المواضيع التي تثير اهتمام القراء.

و يحمل المحتوى الإعلامي في الصحف، المتمثل في الأخبار و التقارير و الربورتجات و التحقيقات و الأعمدة الصحفية و المساحات الإشهارية... رسالة اتصالية تستهدف القارئ باعتباره المتلقي لهذه الرسالة، ما يستوجب على المحررين الصحفيين صياغة المضمون بطريقة جيدة، واضحة تراعي المستوى المعرفي و الثقافي للمتلقي، الذي يفسر الرسالة الإعلامية بناءا على قدراته الفكرية، كما أن الاستجابة لها تتم وفقا للعوامل النفسية و الاجتماعية التي تميز الأفراد، فهي تدفعهم إلى انتقاء مضامين إعلامية، و تصرف انتباههم عن أخرى.

و لقد تناولت أبحاث كل من ملفين ديفلير وساندرابول روكيتش، عملية الاستجابة لدى الملتقى، من خلال نظريات الاختيار الانتقائي المرتكزة على أربعة مبادئ: مبدأ الاهتمام الانتقائي، مبدأ الإدراك الانتقائي، مبدأ التذكر الانتقائي، مبدأ التصرف الانتقائي، ويشير مبدأ الاهتمام الانتقائي، إلى الفروقات المعرفية، و مستويات التفكير لدى المتلقين، ما ينجر عنه تباين في درجة الاهتمام بالمضامين الصحفية، حيث لا يستجيب المتلقي إلى المواد الصحفية التي تكون درجة اهتمامه بها بسيطة أو منعدمة، في المقابل تشد انتباهه المواضيع التي يهتم بها، فالقراء المتابعون لأخبار الأندية الرياضية التي يناصرونها، تجدهم يقبلون على قراءة المواضيع، التي تتحدث عنها، من أخبار ترصد جديدها، و حوارات مع لاعبيها و مسؤوليها، أما أولئك المهتمون بالأخبار الخفيفة و المتنوعة، يطالعون تلك الأخبار التي تتحدث عن القتل و الاغتصاب و الفضائح الأخلاقية.

ويتعلق الإدراك الانتقائي بالجوانب النفسية لدى المتلقي التي تتحكم في تفسير الرسالة التي تصله، " فقاعدة الإدراك الانتقائي: هي أن لديهم صفات نفسية متميزة وتوجهات سلوكية خاصة بفئات محددة وانتماءات إلى شبكة اجتماعية، سيفسرون نفس المضمون الإعلامي بأساليب مختلفة".(13)

أما بالنسبة للتذكر الانتقائي، فلا يمكن للمتلقي أن يتذكر جميع المضامين الصحفية التي طالعها، و إنما يسترجع فقط تلك التي لها علاقة باهتماماته و رغباته، و ترتبط هذه العملية " بالتخيل و التذكر بمعنى قدرة العقل على استرجاع الصور التي حدثت في الماضي و تخيل صور لواقع لم يحدث"،(14)و في ما يخص مبدأ التصرف الانتقائي فهو يشكل آخر مرحلة في التأثير على المتلقي، التي تقيم من خلالها الرسالة الإعلامية إن حققت الغاية المرجوة منها أولا؟ أي بإمكان الرسالة الإعلامية أن تغير أفكار المتلقي أو تدفعه للقيام بسلوكيات معينة.

أساليب الإقناع في الرسالة الإعلامية:

ارتبط مفهوم الإقناع بعملية تغير السلوك الإنساني. المرتكز في الأساس على الحاجات التي يسعى الفرد إلى إشباعها، كالأكل، الشرب، الراحة النفسية، أو المسائل التي يريد تفاديها كالقلق، والخوف، والغضب...

و الإقناع لغة:" قنع بالكسر، يقنع قنوعا وقناعة إذا رضي، و قنعت لفلان يريد خضعت له، و أقنعني كذا أي أرضاني".(15) أما اصطلاحا يعرفه والاس بأنه:" تأثير المصدر في المستقبلين بطريقة مناسبة و مساعدة على تحقيق الأهداف المرغوب فيها، عن طريق عملية معينة، أين تكون الرسائل محددة لهذا التأثير"،(16) و الاتصال الذي يهدف للإقناع و التأثير في الجماهير يسمى بالاتصال الإقناعي، و هو" الاتصال الذي يحدث عندما يوجه القائم بالاتصال – عن قصد- رسائله الإعلامية لإحداث تركيز مركز محسوب على اتجاهات و سلوك مجموعات معينة مستهدفة من الجمهور".(17)

وتقوم العملية الإقناعية في وسائل الإعلام على قدر كبير من التخطيط، وقد تناولت إسهامات ملفين ديفلير وساندرا بول روكيتش استراتيجيات الإقناع، وهي: الإستراتيجية السيكودينامية، الإستراتيجية الاجتماعية الثقافية، إستراتيجية إنشاء المعاني.

تقوم الإستراتيجية السيكودينامية على التأثير في العوامل الإدراكية لدى المتلقي التي تشكلت لديه بفضل مؤسسات التنشئة الاجتماعية، كالأسرة و المدرسة و المسجد...، حيث يلجأ الإعلاميون إلى تغيير البنى الإدراكية للأفراد، و في هذا الصدد تشير شيماء ذو الفقار زغيب إلى" أهمية المعنى الذي يعطيه المتلقي للرسالة، و من ثم فإننا إذا أردنا التنبؤ بتأثير رسالة ما على اتجاه فرد معين، فلا بد أن نعرف كيف يدرك هذا الفرد هذه الرسالة".(18)و تركز الإستراتيجية السيكودينامية على الجوانب النفسية للفرد، بغية إحداث عملية الإقناع و التأثير في سلوكيات المتلقي، و يعني ذلك أن هناك " افتراضا يشير إلى أن أداة الإقناع إنما تكمن في تعديل البناء السيكولوجي الداخلي للفرد، بحيث تؤدي العلاقة الدينامية السيكولوجية بين العمليات الداخلة الكامنة، و السلوك العلني الظاهر إلى أفعال يريدها القائم بالاتصال الإقناعي".(19)و تؤثر الحجات النفسية التي يسعى الفرد إلى تحقيقها في العملية الإقناعية، كالأمن و السكينة، لذلك يستوجب فهم الخصائص السيكولوجية التي يتميز بها الأفراد.

هذا ما يبين " أن الاتجاه السيكودينامي للإقناع يؤكد على القوى الداخلية للفرد في تكوين السلوك، و ذلك باعتبار البناء الداخلي للنفس البشرية هو نتاج للتعليم، و هذا التأكيد هو الذي يجعل من الممكن استخدام وسائل الاتصال الجماهيرية لتعديل هذا البناء، بحيث يغير هذا السلوك".(20)

وليست وحدها الخصائص النفسية لدى الأفراد هي التي تتحكم في العملية الإقناعية بين المرسل والمستقبل، بل نجد أن الجوانب الثقافية والاجتماعية لديها أيضا تأثير على المتلقي، وهنا تظهر الإستراتيجية الثقافية والاجتماعية التي تركز على العوامل الخارجية، المتمثلة في الثقافة التي تعتبر عاملا مهما في التحكم في السلوكيات الإنسانية،فهناك مجموعة من التصرفات لا يمكن تفسيرها، إلا إذا رجعنا إلى البيئة الثقافية والاجتماعية التي نشأ فيها الفرد، والتي تؤثر على طرائق تفكيره وتشكيل سلوكه.

وتساهم المضامين الإعلامية التي تنشرها الصحف في تنمية المعارف لدى الأفراد وإنشاء المعاني حول مسائل معينة، تشكل الصالح العام، حيث ترسم صورة إيجابية أو سلبية فلي ذهن المتلقي، وتقدم له مجموعة من الخيارات التي تمكنه من مواجهة المواقف التي تصادفه، كما تؤدي المعلومات المكثفة التي يتلقفها الأفراد من وسائل الإعلام، في تغيير أفكارهم وسلوكياتهم، وهنا تحقق الرسالة الإعلامية الأثر المرغوب فيه من عملية الإقناع والتأثير.

ويندرج هذا الطرح ضمن إستراتيجية إنشاء المعاني، التي تعمل بمبدأ تعلم واعمل، فالرسالة الإعلامية المقنعة وتؤدي إلى خلق معان جديدة أو تغيير المعاني القديمة، وهذه المعاني تؤدي إلى توحيد سلوكيات الأفراد. وهذا لا يتأتى في نظر "جون نويل كابفيرر إلا بقبول معنى الرسالة من طرف المتلقي، وذلك بمراعاة وضعيات الاتصال المختلفة المرتبطة بعوامل البيئة، الزمن، حضور أو غياب الجماعة...». (21)

وتهدف المضامين الإعلامية المنشورة على صفحات الجرائد إلى إقناع القارئ وتغيير أفكاره وسلوكياته، حيث يتبع المحررون الصحفيون أساليب لغوية مثيرة في كتابة مواضيعهم، قد تؤدي إلى استثارة عواطف المتلقي كتلك الكلمات المبسطة والمنتقاة بعناية، التي يكون لها الأثر البالغ على نفسية القراء، أو تلك الحكم والأمثال الشعبية، السائدة في مجتمع من المجتمعات.

يلعب المخزون اللغوي الذي يتمتع به المحرر الصحفي، دورا بالغ الأهمية في عرض مواضيعه بطريقة جذابة و مشوقة، تخلق المتعة و الإثارة عند قراءتها، خاصة عندما يستخدم التشبيه و الكناية و الاستفهام و المحسنات البديعية كالطباق و الجناس، لقريب المعنى للمتلقي و شد انتباهه، و في مواضيع أخرى يوظف الكاتب الصحفي ألفاظا تحمل شحنة عاطفية مبنية على مشاعر الحب أو الكراهية لشخصية أو هيئة أو بلد معين...ولا يمكن للألفاظ المعبرة و المؤثرة في آن واحد أن تكون  وحدها كافية لإقناع المتلقي بالأفكار التي يحملها المضمون الصحفي، بل لابد بالاستعانة بالأدلة و الشواهد المنطقية، المتمثلة في الأرقام و الإحصائيات و الوثائق...و يتولى الصحفيون المقتدرون ذوي الخبرة مهمة تحرير المواضيع الصحفية من ذوي الخبرة مهمة تحرير المواضيع الصحفية التي تتناول انجازات المؤسسة الإعلامية التي ينتمون إليها، في خطوة لتسويق صورتها و تعزيز  مكانتها بين أفراد المجتمع، و يحرص هؤلاء المحررين أن تكون اللغة التي يكتبون بها مثل هكذا مواضيع أن تكون سهلة بسيطة و جذابة، و مفهومة بين أوساط القراء على اختلاف مستوياتهم الثقافية و التعليمية.

وترافق المواضيع الصحفية التي تتحدث عن انجازات الصحف، صورا بألوان جذابة ورسومات كاريكاتورية مثيرة، من أجل جلب انتباه القراء نحو المحتوى المنشور. كما يلعب توقيت نشر مثل هذه المواضيع دورا كبيرا في التأثير في جمهور القراء، حيث دأبت كثيرا من الجرائد في الجزائر على"الاستثمار" في تاريخ تأسيسها لتعد ملفا مِؤلفا من مواضيع صحفية متنوعة ترصد مسيرتها، وما حققته من نجاحات والصعوبات التي واجهتها والقضايا الكبرى التي عالجتها.

 من بين الصحف في الجزائر التي تركز على التسويق لصورتها عبر صفحاتها هي جريدة الشروق اليومي، التي تأسست في الفاتح نوفمبر2001، حيث تعمد في كل مرة الى إذاعة أخبار تتناول نجاحاتها، ويظهر ذلك في الخبر المنشور يوم السبت 22ماي 2011، في الصفحة 23، من توقيع الصحفي تومي عياد الأحمدي، وجاء فيه: " افتكت الجزائر والمغرب العربي ممثلة في شخص صحفي الشروق قادة بن عمار جائزة الصحافة العربية للشباب، في الدورة العاشرة لجائزة الصحافة العربية، الذي تسلم جائزته في حفل بهيج بفندق جرائد حياة بدبي من بين ي نائب رئيس مجلس إدارة الجائزة محمد بركات، وأرجع الإعلاميون الجزائريون والعرب، الذين نظموا احتفالية خاصة للشروق فوز الشروق، إلى مدى الاحترافية التي تتمتع بها، والى الاجتهاد وتقديم مادة صحفية ذات جودة للقارئ الجزائري والعربي عموما ".(22)

 جريدة الوطن الجزائرية الناطقة بالفرنسية، أعدت هي الأخرى طبعة خاصة ومجانية، متكونة من 32 صفحة، أصدرتها في 7أكتوبر 2010، بمناسبة الذكرى العشرون من تأسيسها، ضمت مجموعة من المقالات والحوارات التي تحدثت عن انجازاتها منذ وجودها في الساحة الإعلامية في الجزائر، والصعوبات التي واجهتها، ونشرت في الصفحة الثانية مقالا لمدير النشر في الجريدة عمر بلهوشات، " في الصفحة 9 نشرت موضوعا حول السحب وتطرقت الى الأرقام التي قدمها المركز الفرنسي" أوجيدي"، حيث كشف بأن السحب وصل  في 2009 إلى 127078 نسخة يوميا"، (23) الصفحة الأخيرة حملت صورة مكبرة من المقر الجديد للجريدة، مرفقة بموضوع يحمل معلومات عن المشروع.

 وفي سياق التسويق لصورة الصحيفة ومحتواها الإعلامي لجلب عدد كبير من القراء، باتت الصحف تستعين بالإشهار من أجل التعريف بها لدى القراء وحثهم على الاطلاع على محتواها، وكي تكون الرسالة الاشهارية ناجحة لابد أن تكون لها قدرة على جذب انتباه المتلقي وجعله يركز على ما تحمله من محتوى، واثارة الاهتمام لديه، من خلال اعتماد طرق فنية جذابة في تصميم الرسالة الاشهارية، وأحيانا يتطلب الأمر الخروج عن المألوف في خطوة لتحقيق التميز والازدهار وضمان التأثير في المتلقي. لذلك " بجب اختبار مدى نجاعة الإشهار الذي سيذاع وتحديد مواطن التفاؤل المحتملة في نجاحه". (24).

خاتمة:

يتضح مما سبق، بأن نشاط التسويق في الألفية  الثالثة، امتد إلى جميع الميادين، وتغلغل في الممارسة الإعلامية، بشكل لافت بسبب المنافسة الشديدة بين المنابر الصحفية المتواجدة في السوق الإعلامية، التي تنشد هي الأخرى الربحية من خلال " البضاعة" الإعلامية التي تطرحها، مستهدفة بذلك جمهور القراء والمعلنين باعتبارهم زبائن في المقام الأول، حيث باتت الصحف تستعين بتقنيات التسويق من أجل ترويج بضاعتها الإعلامية، المتمثلة في تلك الأخبار والريبورتاجات والتحقيقات والحوارات الصحفية التي تنشرها على صفحاتها، و أضحى التركيز منكبا على دراسة ميولات، ورغبات جمهور القراء، والعمل على تلبيتها، من خلال انتقاد المواد الإعلامية بعناية ومعالجتها بطريقة معينة، عن طريق استخدام أسلوب لغوي يعتمد على الوضوح والجاذبية، وإدراج عبارات وألفاظ منمقة، ما يؤدي إلى جلب انتباه القراء ودفعهم الى مطالعة المحتوى الإعلامي، فضلا عن إخراج المواد الإعلامية بطريقة فنية غاية في الإبداع بإدراج الألوان والصور والرسومات الكاريكاتورية، من أجل دفع القراء الى مطالعة المضمون الصحفي، وكل هذه العمليات تتم وفق خطة مدروسة تعد سلفا من طرف أعضاء هيأة التحرير، الذين يجتمعون في كل مرة، بهدف رسم سياسة إخبارية تتوافق مع ميولات ورغبات القراء، فأساليب تسويق المحتوى الإعلامي التي تنتهجها بعض الصحف لها تأثير كبير على جمهور القراء، ويتضح ذلك من خلال التجاوب مع ماهو منشور من مواد اعلامية، بقراءتها والتعليق عليها عبر النسخ الالكترونية للصحف عبر الانترنت،  كما أن أساليب التسويق ذاتها، تجعل المتلقي يقتنع بالرسالة الإعلامية التي يحملها المضمون، وتدفعه إلى تغيير أفكاره وسلوكياته.

وإذا كانت جهود هيئات التحرير في الصحف، قد انكبت في السابق على الرفع من مقروئية الصحف التي ينتمون إليها، من خلال التركيز على تقديم مضامين إعلامية في المستوى، تساهم في الرفع من مستوى الذوق العام، إلا أنه في الألفية لم يعد ذلك كافيا للحفاظ على الريادة في السوق الإعلامية المتخمة بالعناوين الصحفية، ما أدى إلى تبني أساليب تسويقية تستهدف جمهور القراء، من خلال جمع بيانات ومعطيات عنهم، ومعرفة المواضيع التي تشكل اهتماماتهم وتكييف المحتوى الإعلامي معها، بيد أن مثل هذه الأساليب على الرغم من المنافع التي حملتها المؤسسات الصحفية التي استقطبت جمهورا من القراء والمعلنين، إلا أن كثيرا من الباحثين في حقل الإعلام، وكذا ممتهنوا الصحافة انتقدوا نشاط التسويق في المنابر الإعلامية في الجزائر، الذي نزل حسبهم بالمضمون الإعلامي الى الحضيض وسقط في فخ "الشعبوية" ، بسبب الإفراط في الاستجابة لرغبات جمهور القراء.

الهوامش:

1.   محمد حافظ حجازي: المقدمة في التسويق، ط1، الاسكندرية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، 2005، ص:42.

2.   نظام موسى سويدان: التسويق المعاصر، ط1، عمان، دار الحامد للنشر والتوزيع، 2010، ص:37.

3.   محمد حافظ حجازي: المقدمة في التسويق، مرجع سابق، ص:43.

4.  حميد الطائي، محمود الصميدعي، بشير العلاق، إيهاب علي القرم: الأسس العلمية للتسويق الحديث مدخل شامل، عمان، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2007، ص: 12.

5.   فريد كورتل، لحمر حكيمة: نظم المعلومات التسويقية، ط 1، عمان، دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، 2010، ص: 19.

6.   نظام موسى سويدان، عبد المجيد البرواري: إدارة التسويق في المنظمات غير الربحية، ط 1، عملن، دار الحامد للنشر والتوزيع، 2009، ص:23.

7.  خيرت معوض محمد عياد: مداخلة بعنوان استخدام الأنترنت كوسيلة اتصال في حملات التسويق السياسي، أبحاث المؤتمر الدولي الإعلام الجديد تكنولوجيا جديدة لعالم جديد، جامعة البحرين، من 7 الى 9 أفريل 2009، ص: 245.

8.    عبد السلام أبو قحف: التسويق السياسي-فن البيع، التفاوض، الأزاريطية، دار الجامعة الجديدة، 2004، ص:13.

9.    ملفين ديفلير ساندرا بول روكيتش( تر) كمال عبد الرؤوف: نظريات وسائل الاعلام، ط2، القاهرة، الدار الدولية للنشر والتوزيع، 1998، ص 279.

10.    علي عجوة: العلاقات العامة والصورة الذهنية، ط2، القاهرة، عالم الكتب،2003، ص: 43.

11.     ابن منظور الافريقي المصري: لسان العرب، المجلد الثامن، ط3، بيروت: دار صادر، 1994، ص298.

12.    عامر مصباح: الاقناع الاجتماعي خلفيته النظرية وآلياته العملية، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2005، ص 16.

13.     سمير محمد حسين: الاعلام والاتصال بالجماهير والرأي العام، ط3، القاهرة: عالم الكتب، 1996، ص 166.

14.     شيماء ذو الفقار زغيب: نظريات في تشكيل اتجاهات الرأي العام، ط1، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2004، ص 26.

15.     سهير جاد: وسائل الاعلام والاتصال الاقناعي، ط1، القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 2003، ص 35.

16.    حسن عماد مكاوي، ليلى حسين السيد: الاتصال ونظرياته المعاصرة، ط3، القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 2004، ص 202.

17.      تومي عياد الأحمدي: الشروق شرفت الصحافة المغاربية وتستحق أكثر من جائزة، جريدة الشروق اليومي، العدد:3300، السبت 22 ماي 2011، ص 23.

Références :

18. Safia barkouk : Une évolution en deux temps. Journal El Watan , nm speciale, jeudi 7 oct 2010 , p 9.

19. Françoise frisch : Etude marketing et opinion , Paris ,dunod, 2007, p266.

20. Denis lindon frederic jallat : Le Marketing etudes moyens d’action , 5eme edition, Paris,dunod, 2005, p :3.

21.P ; Drucker : la nouvelle pratique de la direction des entreprises , Paris, édition d’organisation,1975, p : 86.

22. P ; Kotler .R ; Du bois : Marketing management, Paris, Pearson edition,2003, p : 40.

23.Ibid P :40.

24.  Jean-noe kapferer : Les chemins de la persuation, le maude d’influence des medias et de la publicite sur les comportements, Paris : bordas, 1978, p :47.