المرأة و العنف في المجتمع الجزائريpdf

تحليل سوسيولوجي لأشكاله ، أسبابه ، تمثلاته الاجتماعية في الجزائر

دراسة سوسيوأنثروبولوجية لظاهرة العنف في إقليم جيجل

                                                       

     براهمة نصيرة

السنة الرابعة دكتوراه العلوم في علم اجتماع الإوالجريمة

كلية الآداب و العلوم الإنسانية و الاجتماعية

جامعة باجي مختار عنابة (الجزائر)

ملخص :

تحاول هذه الدراسة الكشف عن علاقات الهيمنة و الخضوع القائمة بين الرجل و المرأة و المبنية على أساس التقسيم الجنسي للأدوار الاجتماعية من خلال إظهار ما هو مخفي من تلك الممارسات العنفية الواقعة على المرأة الجزائرية في كل وضعياتها الاجتماعية و في كل فضاءات تواجدها ، خاصة و أنها تعلن عن نفسها و كأنها معطى طبيعي تعمل كل التشكيلات الاجتماعية على تأبيده و إعادة إنتاجه من خلال تلقينه منذ البدايات الأولى لعملية التنشئة الاجتماعية التي ترسم أدوارا محددة لكل جنس لا يجب تجاوزها ، فنجدها  تموضع الرجل في فضاء عمومي و تنعته بالقوة و الشدة و السيطرة و الهيمنة ، في حين تموضع المرأة في فضاء خاص و تنعتها بالخضوع و المسالمة و التبعية لرجل يختزلها في حدود جسد خاص و سرّي و محرم  .  

Résumé :

Cette étude dévoile la relation de domination / soumission établie entre l’homme et la femme et fondée sur la division sexuelle des rôles sociaux par la mise à nu des pratiques violentes auxquelles se trouve soumise la femme algérienne dans la pluralité de ses états et espaces sociaux. Et ce d’autant qu’elle se présente comme donnée naturelle que perpétue et reproduit toute formation sociale à travers le procès de socialisation qui objective l’homme dans un espace social public où il se manifeste par la force, la rigueur, la domination et l’hégémonie quand, au même moment, la femme se trouve objectivée dans un espace social privé dans lequel se manifeste sa soumission, son pacifisme et sa dépendance vis-à-vis de l’homme qui la réduit aux limites d’un corps privé, secret et pudique.

مدخل عام :

إن التحليل السوسيولوجي للممارسة العنفية الموجهة نحو المرأة في المجتمع الجزائري يحتم علينا العودة إلى السياقات التاريخية و الاجتماعية التي خلقتها في الوجود الاجتماعي المعترف قانونيا بكل حقوقها و حرياتها إلا أن إدراك هذه الحقوق و الحريات لم ينتقل إلى مستوى الممارسة الواقعية التي تصطدم مع سيطرة الموروث التاريخي و الثقافي القائم على موضعة المرأة في درجة أقل من درجة الرجل في تشكيلة اجتماعية حدّدت مكانة و موقع كل منهما مسبقا ثم قسمت بينهما الأدوار و لقّنت لهما هذه الأدوار منذ البدايات الأولى للتنشئة الاجتماعية مع التأكيد على عدم تجاوز الحدود المرسومة لكل جنس ، حيث خُصّص للرجل الفضاء الخارجي أو العمومي و نُعت بالقوة و الشدة و تأكيد الذات ما جعله ينتزع الاعتراف بالرجولة التي تُحتم عليه قيادة و حماية أسرته و التكفل ماديا بها ، أما المرأة فخصص لها الفضاء الداخلي أو المنزلي و نُعتت بالضعف و الخنوع و عدم تأكيد الذات و التبعية للرجل وتم اختزالها إلى جسد مقدس و محرم و سري و خاص برجلها و بالتالي وُكّلت لها مهام تتناسب مع طبيعتها فاعتنت بالأطفال استمرارا لدورها الإنجابي وتحملت أعباء العمل المنزلي الغير مأجور بمفردها بل و ساعدت الرجل في فضاءه العمومي في الحقل قديما و في الوظيفة حديثا و سخرت نفسها لخدمته ماديا ونفسيا و جنسيا دون أن يكون لها حق الاعتراض على أي ممارسة سلبية موجهة ضدها و التي لم تدركها في كثير من الأحيان و إلا نُعتت بالإسترجال و خرجت من دائرة الممتثلات لمعايير و قواعد المجتمع ، لذا لا يمكن فهم وضعية المرأة الدونية التي جعلتها محلا للعنف دون استقراء الواقع الاجتماعي الذي تعبر عنه مجموعة من العلاقات القائمة على أساس التقسيم الجنسي للأدوار .

و يعتبر العنف الموجه ضد المرأة أحد أشكال العنف المجتمعي الذي يمارسه كل من الرجل( سواء أكان أبا، زوجا ، أخا ،ابنا ، أو شخص غريب) أو المرأة ( سواء أكانت أما أو أختا أو حماة أو أختا للزوج ....) على أساس التمييز الجنسي ( أي كون المستهدف بالعنف امرأة شرط لوقوع الفعل العنفي ) و الوقع على المرأة في حياتها الخاصة أو العامة ، و هو عنف جسدي ، نفسي ، جنسي ، اقتصادي ، سوسيوثقافي ، تتسبب فيه جملة من العوامل سواء أكانت متعلقة بالمرأة أو بالطرف الذي استهدفها بالممارسة العنفية أو بالظروف الاجتماعية المحيطة بالفعل العنفي ، و هو ظاهرة عالمية لا ترتبط بدرجة تقدم المجتمع أو تخلفه ، كما لا ترتبط بالمستوى الاقتصادي أو الاجتماعي لأفراده ، إذ أن المرأة حسب ما بينته الدراسات تقع ضحية للعنف في كل المجتمعات والثقافات ، متخلفة أو متقدمة ، غنية أو فقيرة، وهذا في مختلف أماكن تواجدها ، الأسرة العمل ، الفضاءات العامة مما جعل مختلف المنظمات والجمعيات والهيئات العالمية والحقوقية تدعو للقضاء أو للحد  من هذه الظاهرة  التي تعرف تزايدا مخيفا في الجزائر حسب الإحصائيات التي تواجه مشكلة عدم الدقة كون المرأة تحرص على إخفاء بعض الممارسات التي تتعرض لها تجنبا لتهديد هويتها وكرامتها  إضافة إلى وجود ممارسات عنفية كثيرة تعودها المجتمع وأصبحت جزءا من ثقافته إلى درجة عدم إدراك المرأة أنها ممارسة عنفية في حقها ، لذا فالبحوث الاجتماعية في معظمها تستمد معطياتها وإحصائياتها من الأرقام التي تقدمها الهيئات الرسمية  في ما يخص الممارسات العنيفة التي تم اكتشافها أو التصريح بها فقط ، وليس ما هو كائن و موجود حقيقة في المجتمع ، و رغم عدم دقة الأرقام المقدمة حول ظاهرة العنف ضد المرأة إلا أنها تعبر عن تفاقمها فحسب الإحصائيات المقدمة في اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة و المعروضة في اليوم التحسيسي الذي نظم من طرف المجلس الشعبي ألولائي لولاية العاصمة و أكاديمية المجتمع المدني و المرصد الوطني للمرأة فإنه قد تم تسجيل6985 حالة عنف ضد المرأة عبر الوطن في التسعة أشهر الأولى لسنة 2014 ظهرت في عدة أشكال تصدرها العنف الجسدي بـ 5163 حالة (73%) ثم 1508 حالة عنف نفسي و  205 حالة عنف جنسي كما و تعرضت 27 إمرة  للقتل ألعمدي ، و فيما يخص فئات النساء المعنفات فقد بينت نفس الإحصائيات أن العنف ضد المرأة لا يستثني فئة بعينها حيث استهدفت النساء المتزوجات بتعداد 3847 سيدة متبوعة بفئة العازبات ب 1875 حالة و 791 حالة بالنسبة للمطلقات و 440 للأرامل ، و الأمر سيان بالنسبة للأطراف المسببة للعنف حيث تعددت فئاته أيضا معظمهم الأزواج بتعداد 3533 و 2272 بالنسبة للعزاب ، و أوضح ذات التقرير أن تعرض المرأة للعنف في المجتمع بمختلف أشكاله لم يعد مقتصرا على فئة عمرية محددة بل امتد لكل الشرائح العمرية كما أنه مس المرأة بمختلف مستوياتها التعليمية و دون تفريق أيضا بين العاملات و الماكثات في البيوت ، و عن الفضاءات التي يمارس فيها العنف ضد المرأة اتضح أن البيت العائلي أول الأماكن الذي تتعرض فيه المرأة للتعنيف ب 33321 حالة بنسبة تزيد عن 47% من الحالات المسجلة و أكد التقرير في الأخير أن هذه الأرقام غير نهائية و لا تعبر عن الواقع الذي تعيشه المرأة الجزائرية بالنظر إلى عدم تقدم الكثير من المعنفات للتبليغ عن العنف الذي تتعرضن له خاصة إذا كان من الوسط العائلي خوفا من العقاب أو نبذ المجتمع لهن و الذي تحكمه عادات و تقاليد تبيح العديد من الممارسات المصنفة في دائرة العنف ضد المرأة و الذي تراجع في هذه السنة مقارنة بالسنتين الفارطتين أين سجلت 12000 حالة عنف ضد المرأة سنة 2012 و 11000 حالة خلال 2013 [1].

أولا– الخلفية السوسيولوجية للعنف الموجه نحو المرأة في المجتمع الجزائري :

العنف الموجه ضد المرأة في المجتمع الجزائري من المواضيع المتجدرة في عمق التاريخ و الثقافة و المجتمع و قد ارتبط  بالمكانة التي احتلتها المرأة الجزائرية في المجتمع منذ البدايات الأولى لمأسسته ، و التي عرفت تغيرات صاحبت كل التحولات التي أنتجت مجتمعا جزائريا لا يمكن وصفه بالتقليدي مطلقا و لا بالحديث مطلقا ، فهو مجتمع في طور التحول لم يحتفظ كليا بهيمنة النظام الأبوي و لم يلبس كليا ثوب الحداثة الذي فرضه الانفتاح على العالم طبعا مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات هذا الأخير المرتبطة بتناقضات المرحلة الاستعمارية والتي انعكست على ضبط التوازنات الاجتماعية في مرحلة ما بعد الاستقلال فنتج لنا في الأخير مجتمع جزائري متنوع ثقافيا في بناءه و دلالاته القيمية و المعيارية ليس بالنظر إلى المحددات الزمانية فقط و إنما بالنظر إلى المحددات المكانية أيضا .

إن العودة إلى وضعية المرأة الجزائرية في ظل النظام التقليدي الأبوي يفسر الكثير من الممارسات التي تم الاحتفاظ و التمسك بها و الحرص على إعادة إنتاجها من طرف كل التشكيلات الاجتماعية  بناءا على الخصوصية الثقافية التي يدخل فيها طبيعة التكوين النفسي و الاجتماعي للسكان الأصليين – البربر – و كذا مختلف الحضارات الاستعمارية التي تعاقبت على المنطقة ، و لعل وضعية المرأة في المجتمع التقليدي الجزائري تتحدد بتلك المكانة التي احتلتها في الأسرة الجزائرية التقليدية التي تعتبر " أسرة ممتدة تضم جيلين أو أكثر حيث تجمع بين الآباء و الأبناء و الأجداد و الأحفاد ... يشتركون في مسكن واحد و يجتمعون على مائدة واحدة لكن مع التفريق الواضح بين النساء و الرجال و الأطفال حيث يمنع الاحتكاك و الاختلاط بعالم الرجال " [2] أي أن رجال العائلة يأكلون مع بعضهم و نسائها مع بعضهم و قد لا تلتقي الزوجة مع زوجها على مائدة الطعام بل و يعتبر من غير اللائق أن تجلس البنت مع أبيها أو أخيها للأكل أو لتبادل أطراف الكلام و في الغالب تكون المرأة الكبيرة هي الوسيط بين العالمين أي عالم الرجال و عالم النساء  و بالتالي فالأسرة في النهاية ما هي إلا مؤسسة اجتماعية تلقن فيها الدروس الأولى حول نظام تقسيم العمل القائم على الاختلافات الجنسية فتنشأ البنت تنشئة تتماشى مع الدور المنوط بها مستقبلا خاصة  في علاقة خضوعها و طاعتها للرجل ، إذا تظهر العلاقات الاجتماعية في ظل النظام الأبوي التقليدي مهما كانت طبيعتها قائمة على " علاقة الخضوع ، خضوع الصغير للكبير و المرأة للرجل و الغريب عن الجماعة لصاحب النسب الصريح فيها و الفلاح بدون أرض لمالكها " [3]، و هي لا تظهر إلا بين الرجال أما المرأة فدورها محدد يتلاءم مع شخصيتها و تكوينها البيولوجي و يكاد ينحصر في الحفاظ على عفتها ممثلة بذلك شرف عائلتها ، و كذا دورها كخادم يضمن الاعتناء بالمنزل و رجاله في كافة المجالات المادية و النفسية و الجنسية بما في ذلك تسيير المدخرات الغذائية و المحافظة عليها ، و هذا دون مراعاة لرغباتها و احتياجاتها المادية و النفسية و الجنسية التي لا يجب أن تعلن عنها خاصة إذا تعلق الأمر بالجانب الجنسي التي تعتبر مسئولة فيه على إشباع الرجل لدرجة أنها قد تتظاهر بالاستمتاع إرضاء له " عنف فاضح هو هذا المخيال الأبوي الذي يميز الرابطة الاجتماعية بصورة قوية منتجا للمعايير أو صائغا للقواعد أو موجها للسلوكات الفردية و الجماعية ، إنه يضع الفرد في خط نسب أبوي صاعدا إلى أزمنة غابرة و موجهة إلى إعادة إنتاج نفسه في نهاية الأعمار ، إنه يبنى على المسلمة التي مفادها أن المجتمع عبارة عن مجموعة من الرجال يتبادلون النساء لإعادة إنتاج أنفسهم و نقل أسمائهم و جيهانهم إلى الخلف الذين بهم يضمنون استمرار ذاكرتهم "[4] ، و التي لا يمكن لها أن تُحفظ – الذاكرة - إلا بصورة ذلك الذكر المتمركز في الوسط و المسخر لكل شيء حوله لخدمته بما في ذلك المرأة المتقبلة لوضعيتها ،و رغم أن المرأة في المجتمع التقليدي لم تكتفي بالأعمال الغير مأجورة و الغير معترف بها و التي لها علاقة بداخل البيت بل امتد عملها إلى خارج البيت في الحقل فتقاسمت مع الرجل دوره في العمل الإنتاجي إلا أن هذا لم يشفع لها و يمنع عنها الإقصاء الاجتماعي لأن " ما تقوم به من أشغال خارج البيت يعتبر امتدادا لدورها الأساسي و سيتبع هو الآخر عدم الاعتراف مما لا يدع مجالا للشك في أن المرأة لا تستمد مكانتها الخاصة من مسؤولياتها و مشاركتها في العمل الإنتاجي بل من كونها أما أو ابنة أو أختا أي كونها امرأة أو أنثى فهي " مثل الأرض رمز للخصب ... تعطي أكثر بكثير مما تأخذ "[5] ، و حتى يضمن هذا النظام عدم الثورة عليه و الانحراف على معاييره فإنه يسخر الفهم السطحي للقيم الدينية لتعزيز ثقافته التي تنتج باستمرار حتى من قبل النساء أنفسهن فيرسخ في ذهن الفتاة و الفتى منذ الصغر الفهم السطحي لمعنى القوامة الممنوحة للرجل و التي يبرر من خلالها كل الممارسات العنفية المعلنة و الخفية رغم أن الدين الإسلامي يؤكد في كل نصوصه على أهمية المرأة و تمثيلها لنصف المجتمع فالمجتمع على حد قول البشير الإبراهيمي " كالطائر لا يطير إلا بجناحين و جناحاه هما الرجل و المرأة ، والأمة التي تخص الذكر بالتعليم تريد أن تطير بجناح واحد فهي واقعة لا محالة "[6] ، أي أن المتمعن بموضوعية في الميكانيزمات التي تحكم العلاقات القائمة بين الذكر و الأنثى بما في ذالك العلاقات العنفية في غالبية المجتمع الجزائري  يتمظهر العنف لديه و كأنه أداة تعبر عن الترابط أكثر من المرض و الخلل  ذلك أن الرجل الذي يضرب زوجته  يحبها و يغار عليها و يريد منها أن تكون أفضل النساء و الأب الذي يقيد حرية ابنته يعتقد أن الحرية تفضي إلى انحرافها و إضرارها بشرف العائلة لذا فهو بتقيده هذا يصونها و يحميها  و ما يؤكد هذا هو تقبل المرأة لوضعيتها و مساهمتها في إعادة إنتاج هذا النمط من العلاقات العنفية الموجهة ضدها ، فالمرأة التي تعاني من عنف زوجها أو أخوها أو والدها أو والد زوجها نجدها عندما تصبح أما لامرأة أخرى تدعوها لتحمل العنف و عدم الثوران عليه وتساند تسلط ابنها على ابنتها و تطالبه بحمايتها بل ونجدها تفضل إنجاب الذكر على الأنثى وتمارس العنف على زوجة ابنها التي تضع شروطا كثيرة قبل استجلابها على أساس أنها المخول لأن يختارها ، أي أن المرأة إذا تجاوزت مرحلة عمرية معينة ( مرحلة الخصوبة ) تنتقل من تقبل العنف و الخضوع للمعنف إلى ممارسة العنف و إعادة إنتاجه مادامت ستستفيد من مزايا هذا النظام لاحقا و بالتالي فالمجتمع الأنثوي لا وجود له في ظل النظام الأبوي و المرأة الجزائرية هنا ما هي إلا شيء يخص رجلها مسخر لخدمته جنسيا و ماديا و نفسيا لا يجوز لرجل آخر خارج المحيط العائلي أن يحدثه أو يتعامل معه و لا حتى أن يعرف ملامح وجهه ، إنها باختصار الهيمنة الذكورية التي حددها بورديو تحديدا دقيقا عند دراسته للمجتمع القبايلي في الجزائر بقوله " الهيمنة الذكورية خاصية كونية متجدرة في لاوعي الأفراد سواء أكانوا ذكورا أو إناثا و رغم أنها تعلن عن نفسها كمعطى طبيعي فهي تبقى في الأصل بناء اجتماعي تاريخي ثقافي تنتجها و تعيد إنتاجها مجموعة من المؤسسات الاجتماعية "[7] .

و كما سلف و أوردنا أن المجتمع الجزائري لم يتحول كليا إلى مجتمع حديث و لم يحتفظ كليا بموروث النظام الأبوي أي هو مجتمع يكرس النظام الأبوي لكن بشكل لا يمكن تعميمه على كل فئات المجتمع إذ أن " السلطة الأبوية التقليدية تزداد في الأسرة التقليدية الممتدة و تنخفض في الأسرة النووية الحضرية ، كما أن الإناث أكثر عرضة لهذه السلطة من الذكور"[8]   ، لذا فالمتأمل في المجتمع الجزائري بصفة عامة و الجيجلي بصفة خاصة يستطيع أن يلاحظ ذلك الاختلاف الثقافي بين الأسر الجزائرية في تعاملها مع المرأة فنجد المرأة التي تمنح حرية كاملة من طرف رجال بيتها في السفر بمفردها و الدراسة و اللباس ( حتى و إن تنافى مع القيم و المبادئ التي تمثل القاعدة التاريخية و الدينية للمجتمع الجزائري ) ، كما نجد المرأة التي لا يسمح لها بالخروج من البيت لقضاء أبسط حاجياتها إلا مع رفيق ( الأب ، الأخ ، الزوج ، الإبن ، المرأة الكبيرة )،  فضلا عن المرأة التي أخذت الحرية في بعض المجالات و لم تأخذها في مجالات أخرى ، هذا طبعا يتماشى من جهة مع درجة تحول الأسرة من تقليدية إلى نووية و من جهة أخرى مع الامتزاج الثقافي و الحضاري الذي حصل بين شعوب العالم نتيجة للثورة المعرفية و التكنولوجية التي جعلت العالم قرية صغيرة يصعب فيه رسم الحدود الثقافية والمحافظة على العادات و التقاليد ، خاصة الشعوب الأقل قدرة على التحكم في المعرفة ، بالإضافة إلى تكدس سكان الريف في المدن و الذي يرجع الكثير من الباحثين إليه  تطور تحول الأسرة الجزائرية إلى النظام النووي  ، حيث صاحب عملية النزوح من وسط ريفي إلى وسط حضاري انتقال من نموذج اجتماعي و اقتصادي استهلاكي يقوم أساسا على علاقات القرابة و يعتمد على الإنتاج الزراعي و الحيواني إلى نمط اجتماعي فردي يقوم على الاقتصاد الصناعي و التجاري [9] ، إن هذا التحول الذي طرأ عل قيم الأسرة الجزائرية كان له التأثير البالغ في  تغيير النظرة إلى الأنثى أو الفتاة التي أجبر أهلها في بداية الأمر بحكم القانون الجزائري على تعليمها الأمر الذي جعلها تلج عالم المدرسة و من ثم الشغل و تعتبره  ضرورة تؤجل من أجله الزواج فتأخر بذلك سن الزواج و ارتبط بالحصول على الشهادة أو الاستقرار في وظيفة لا يتم الاستغناء عنها بمجرد الزواج أو الإنجاب ، كل هذا أحدث مع الوقت إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة و تداعت الأصوات المطالبة بضرورة مساهمة الرجل في تربية الأطفال ، في المقابل أصبحت المرأة العاملة مسئولة اقتصاديا على أسرتها أي أصبحت فاعل اجتماعي ينتج و يملك و بالتالي حصولها على شيء من السلطة بل و كل السلطة في بعض الحالات خاصة مع تعالي الأصوات الحقوقية و إصدار العديد من القوانين الدولية و الوطنية المطالبة بحماية المرأة من العنف و بعقاب الطرف الممارس للعنف ضدها ، فأصبح للأم مثلا مجال لإبداء رأيها في تسيير شؤون بيتها كما و منحت الفتاة مثل أخيها حق اختيار شريك الحياة و لم تبقى تلك النكرة التي يتجهم والدها عند ولادتها ، و أصبح سفرها لتحصيل العلم مقبول اجتماعيا ولا ينظر إليه بريبة بل و أصبحت هي الأخرى تملك و تعود بالمنفعة المادية لأسرتها ، كل هذا أدى إلى اختفاء أشكال عنفية كانت تتعرض لها المرأة في ظل النظام الأبوي التقليدي إلا أنه في المقابل خلق إلى الوجود الاجتماعي أشكال أخرى من الممارسة العنفية تحط من قيمة المرأة ككيان اجتماعي ، فنجد مثلا العنف الاقتصادي أين لا يمكن للمرأة أن تتصرف مطلقا بعائد جهدها ( الأجرة ) سواء أكانت في بيت والدها أو بيت زوجها بل قد ينتزع منها العائد كليا في كثير من الأحيان ، كما ظهر ما يعرف بالعنف في الشارع و في مكان العمل ضد المرأة و التحرش الجنسي و تجارة الجنس أين أصبحت المرأة كالسلعة تسوق في سوق الرجال لا تحترم إنسانيتها و لا ينظر إليها إلا كجسد يرمى بعد الفراغ من استعماله من طريقه و الأمر سيان بالنسبة للمرأة أي أن تغيير النظرة التقليدية نحو المرأة هو تغيير شكلي لم يلغي علاقات الهيمنة و الخضوع و إنما قدم صورة جديدة له تتماشى مع معطيات الواقع الجديد و مكانة المرأة فيه .

ثانيا- أشكال العنف الموجه نحو المرأة :

يتمظهرالعنف الموجه نحو المرأة بأشكال مختلفة لا يمكن على الإطلاق وضع حدود بينها ذلك أنها متداخلة خاصة من حيث الأثر الذي تتركه على المرأة (تعرض المرأة للضرب مثلا يوقع أثرا جسديا و أثرا نفسيا أيضا ) كما أن خصوصية هذا العنف تنبع من الخلفية التاريخية و السوسيولوجية القابعة وراء ظهوره في الوجود الاجتماعي ما يجعلنا في الأخير نصف كل أشكاله بمختلف التأثيرات التي تتركها على المرأة بأنه عنف رمزي مختبئ لا يظهر للعيان تتغير مظاهره بتغير محددات المكان و الزمان و كذا المكانة الاجتماعية و الاقتصادية و التعليمية التي تحتلها المرأة و بالتالي نحاول الحديث هنا عن بعض أشكال العنف الموجه ضد المرأة حسب خصوصيات المجتمع الجزائري بصفة عامة و مجتمع الدراسة بصفة .

1– العنف الجسدي : يعتبر العنف الجسدي من أكثر أشكال العنف وضوحا ، وهو عنف مباشر ، عرّف من طرف منظمة العمل الدولية العنف بأنه " استخدام القدرة الجسدية ضد شخص آخر أو مجموعة أشخاص ينتج عنها أذى جسدي أو نفسي أو جنسي. وهو يشمل الأفعال المحتوية على  الضرب ، الركل ، الصفع ، الخنق ، الضرب بأداة حادة ، الدفع ، العض والمسك .. "[10]

من التعريف يتضح أن العنف الجسدي الموجه نحو المرأة عنف ظاهر للعيان تستخدم فيه قوة بدنية أي استخدام اليدين والرجلين بحيث توجه اللكمات و الضربات للضحية على الوجه والرأس وسائر مناطق الجسم ، كما قد يتم اللجوء إلى أدوات أخرى في ممارسة العنف الجسدي مثل الكرسي ،الزجاج ، العصا أو السكين ... ، أي أن العنف الجسدي فعل أو امتناع عمدي ( أي عدم منع الأذى عن المرأة متعمدا)  يمس سلامة جسم المرأة ويؤدي إلى الإخلال الطبيعي لوظائف أعضائها أو ينقص من تكامل الجسد أو يوجد ألاما لم تكن تشعر بها قبل الاعتداء عليها بالعنف الجسدي ، ونظرا لكون العنف الجسدي عنف ظاهر وملموس يمكن تقديم الدليل عليه فإن القانون يعاقب على هذا السلوك ويردعه حسب درجة خطورته وأثاره الواقعة على الضحية و العقوبة هنا تتوقف على مدى إبلاغ المرأة القائمين على تطبيق القوانين عن العنف المتعرضة له .

 وبالنظر إلى الأطراف الممارسة للعنف الجسدي نجده يرتبط نوعا ما بـ " مستويات التطور الاجتماعي و الاقتصادي ، يمكن القول أنه في المجتمع التقليدي و المحافظ تكاد تقتصر فيه ممارسة الضرب و الإيذاء الجسدي للمرأة على الأهل و الأقارب ، ذلك أن العادات و التقاليد و الأعراف تجرم ضرب المرأة و إذائها جسديا من قبل الآخرين ، و تعتبره عيبا يوصم من يمارسه بالعار"[11] ، في حين نجد أن المجتمع وبعد تحوله عن المجتمع التقليدي الأبوي بغض النظر عن درجة هذا التحول عرف عنفا جسديا تتعرض له المرأة من قبل أطراف خارج دائرة الأهل و الأقارب سواء أكان في المدرسة أو العمل أو الشارع ...الخ .

2– العنف النفسي : العنف النفسي هو كل سلوك يقوم على الإساءة النفسية للمرأة من إضعاف ثقتها بذاتها والإخلال بإحساسها بالقدرة و الثقة ، ويبدأ بالنقد الغير مبرر والتهكم والسخرية والإهانة والبذاءة والاستخدام الدائم للتهديد ، وإثارة الشائعات ، المراقبة ، الإحراج ، توجيه اللوم ، إساءة الظن . ويعتبر العنف النفسي من أخطر أنواع العنف ذلك لأنه عنف غير محسوس أو غير ملموس وليس له أثر واضح وإنما أثاره المدمرة تقع على الصحة النفسية للضحية ، و يتمظهر العنف النفسي الواقع على المرأة في مجموعة من الصور:

1-العنف بالاستخدام الألفاظ أو الكلام : يعد العنف اللفظي من أشد أنواع العنف خطرا على الصحة النفسية للمرأة ، حيث يترك أثارا واضحة للعيان يتم فيه توجيه الفعل مباشرة إليها  باستخدام ألفاظ هجومية مباشرة ، و هو عنف  يقف عند حدود الكلام والإهانات ومن أشكاله السب  الشتم ، واستخدام الألفاظ البذيئة بحق المرأة ، الصراخ الدائم و القاسي على المرأة لانجاز العمل على أساس أنه أفضل وسيلة للتواصل معها .

2-العنف بالاستخدام التهديد : التهديد هو " التوعد باستخدام القوة المادية أو السلطة (قوة نفسية) ينتج عنه أذى جسدي ، جنسي ، نفسي ، أو أثار أخرى سلبية للأفراد أو الجماعات الموجه التهديد نحوهم"[12] ، ويتم التهديد بأشكال متعددة منها التهديد بالضرب أو التهديد بالطلاق ، أو التهديد بتقييد الحرية أو التهديد بالإرغام على مالا تحبه المرأة ، التهديد بفرض عقوبات .

3-العنف بالاستخدام الإيحاءات أو الإشارات أو الامتناع عن القيام بفعل ما : المقصود هنا هو الممارسة العنفية السلبية أي التي تحدث أثرا رغم عدم تلفظ الفاعل بأي كلمة و يبدو هذا الشكل من العنف في مجموعة من المظاهر : الامتناع عن الكلام معها ، توجيه نظرات الازدراء و الاحتقار و الاشمئزاز و التوعد نحوها ، التمييز في التعامل بينها و بين الرجل ، التكلم معها بالإشارة كأن يطلب منها الذهاب أو السكوت باليد ، عدم رد التحية عليها ، عدم الجلوس و النوم معها ( في حال الزوج)  ، عدم الأكل معها أو الامتناع عن أكل الطعام الذي تعده ، عدم الاهتمام بها و بكل و بكل ما يعنيها و عدم الاعتناء بها في حال المرض و الامتناع عن تقديم المساعدة لها ....  

3– العنف الجنسي: الحديث عن العنف الجنسي الذي تتعرض له المرأة في المجتمع الجزائري من الخصوصية بمكان ذلك أنه يضعنا أمام أحد أكبر الطابوهات التي لا يمكن الحديث عنها على الأقل بشكل علني أو خارج الإطار الأكاديمي " لأنه مع العنف الجنسي يصل القهر الذي يمارس على المرأة درجة صارخة يختزل المرأة إلى حدود جسدها و يختزل هذا الجسد إلى بعده الجنسي : المرأة مجرد جنس أو أداة للجنس ، وعاء للمتعة ، هذا الاختزال يؤدي مباشرة إلى تضخم البعد الجنسي لجسد المرأة بشكل مفرط و على حساب بقية أبعاد حياتها ...كما يفجر كل مخاوفها الوجودية حول حلول كارثة ما تعصف بوجودها ، هاجس المرأة قبل الزواج يتحول إلى قلق حول غشاء البكارة وسلامته و إلى قلق حول قدرات الجسد على حيازة إعجاب الرجل "[13] لذا نجد الواقع يطلعنا على هروب وانتحار أو محاولات انتحار فتيات  مارسن الجنس خارج الأطر المسموح بها اجتماعيا خوفا من رفض و عقاب المجتمع بكل تشكيلاته عليهن و الذي –المجتمع- يغفر و يتجاوز على رجال وقعوا في نفس الفعل، إن خصوصية العنف الجنسي مقارنة بباقي أشكال العنف تزداد تعقدا أو بالأحرى كلما اتجهنا إلى الفضاء الداخلي الخاص بالمرأة إذ أنه و بمجرد ذكر العنف الجنسي تتجه الأنظاربالتركيز على الاغتصاب أو التحرش الذي تتعرض له المرأة من قبل أشخاص خارج محيطها العائلي الذي يعتبر هو الآخر في حقيقة الأمر وسطا يمارس فيه العنف الجنسي ضد المرأة خاصة الزوج الذي نمطت المرأة منذ البدايات الأولى لتنشأتها الاجتماعية على أنها الخادمة الخجولة المسالمة و المستسلمة لكل رغباته الجنسية متى أراد هو ذلك دون مراعاة لرغبتها التي لا يجب أن تعبر عنها و إلا خرجت من دائرة الحشمة ، و إذا تحدثنا عن عدم دقة الإحصائيات المقدمة عن العنف ضد المرأة فإنها تزداد عدم دقة إذا خصصنا الحديث عن العنف الجنسي الذي كشفت بعض الدراسات عن شدة خطورته بالأرقام المعلن عنها ( وما خفي أكبر ) حيث أحصت مصالح الدرك الجزائرية خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2006 أي في مدة 6 سنوات حوالي 5 آلاف فعل مخل بالحياء وفي عام 2006 فقط أكثر من 1153 حالة اعتداء جنسي تعددت صوره و أشكاله و الأطراف المتسببة فيه[14] و  بالتالي العنف الجنسي يظهر في كافة الفضاءات داخل المحيط العائلي للمرأة و خارجه و من أشكاله : الانتهاك الجنسي للزوجة ، الاغتصاب ، التحرش أو المضايقة الجنسية و سندقق في تعريف العنف الجنسي من خلال التدقيق في مظاهره :

- التحرش أو المضايقة الجنسية :

 يعرف مركز مساعدة ضحايا الاعتداءات الجنسية التحرش الجنسي بأنه " كل فعل ذي طبيعة جنسية يصدر بحق الإنسان ذكرا كان أو أنثى ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، يتخذ الشكل الشفهي أو الجسدي ، يصدر عن أشخاص لا يشعرون بالأمن والاستقرار وبالتالي يتم تعويض ذلك بغرض سيطرتهم ومضايقتهم للآخرين ، إذ يختار المعتدي الضحية التي يعتقد أنها ضعيفة "[15]، من التعريف يتضح أن التحرش لا يكون دائما من ذكر نحو أنثى و إنما قد يتجه التحرش نحو ذكر و قد تمارسه أنثى و بالتالي فهو عبارة عن " سلسلة من الأفعال تبدأ من سلوك علني بالنظرة أو القول ، مؤسس و مبني على أساس الجندر و تنتهي إلى سلوك عنيف و مهيمن مؤسس أيضا على أساس الجندر "[16] و يعني استخدام مصطلح الجندر وصف الخصائص التي يحملها الرجل و المرأة كصفات مركبة اجتماعيا لا علاقة لها بالاختلافات العضوية المتمثلة في الأعضاء التناسلية ، و على هذا الأساس تختصر منظمة العمل الدولي تعريف التحرش الجنسي في كونه " كل السلوكيات ذات الطبيعة الجنسية الغير مرغوب فيها ، يكون على أشكال مختلفة تبدأ باللمس لتنتهي إلى الاتصال الجنسي "[17] و نلاحظ أن أهم إضافة يقدمها تعريف منظمة العمل الدولية هي التركيز على فكرة 'غير مرغوب فيها ' ذلك أن تصنيف السلوك بأنه عنف جنسي بصفة عامة أو تحرش جنسي بصفة خاصة أم لا يعتمد على رد فعل الطرف المقابل ، وهذه قضية نسبية تعتمد على المنظومة القيمية ممثلة بالعادات والتقاليد والقيم و الأعراف التي تحكم ثقافة المجتمع أو ثقافة الفرد في حد ذاته ، فإذا تقبل الطرف الثاني السلوك الذي يندرج ضمن عنف أو تحرش جنسي يعتبر علاقة رومانسية و ليس مضايقة جنسية ، ويظهر التحرش الجنسي في مجموعة من الممارسات أهمها الملامسة الجسدية المقصودة الغير مرغوب فيها ، والملاصقة الجسدية في غير محلها ، وكذا القرص ، والتحسس لأحد أعضاء الجسد ، التقبيل ، أو محاولة التقبيل و أيضا التعليقات الغير مرغوب فيها مثل النكث ، الإيحاءات الجنسية ، الحديث الجنسي المنفتح ، التعليقات على الأشخاص والاستهزاء بأعضائهم الجنسية و كذا استخدام حركات جنسية معينة مثل الإيماءة بالرأس أو الأصابع أو القيام بحركات مقترنة بالأيدي أو الأرجل ، أو الجلوس في وضعيات مغرية بالإضافة إلى تعمد ارتداء ملابس غير ساترة لمواضع الإغراء في الجسم ، أو النظرات الدالة إلى تلميحات جنسية ، الأسئلة أو التلميحات التي تخص الحياة الشخصية و الجنسية للمرأة ، التحرش الصريح المرفق بالتهديد أو المبادلة كأن يهدد المرأة بفضح أخطاء ارتكبتها إن لم تلبي رغبة الرجل ، أو أن يشترط تقديم تنازلات جنسية مقابل الحصول على أموال أو امتيازات أو خدمات و أخيرا إرسال رسائل أو صور خادشة للحياء عبر الهواتف والرسائل البريدية أو الالكترونية أو مواقع التواصل الاجتماعي ، طبعا هذه الممارسات لا يقتصر ظهورها في الفضاء الخارجي للمرأة لأنه و بالخوض أكثر فيما تحرمه أو تمنعه المجتمعات استنادا إلى مرجعيات دينية أو ممارسات و عادات موروثة ثقافيا تزداد عدم رغبة و رفض التحرش الجنسي كلما اتجهنا إلى الفضاء العائلي وبالأخص إلى تلك العلاقات الاجتماعية التي تصنف في دائرة المحارم و يظهر في هذا المستوى التحرش الجنسي بالمحارم الذي يعتبر من أكثر أشكال العنف الجنسي المرفوض اجتماعيا و دينيا إلى درجة عدم القدرة على الاعتراف به حال وقوعه و هو كل قول أو تصرف أو أي علاقة  ذات طبيعة جنسية من قبل أفراد الأسرة المحارم (اللذين لا تسمح الضوابط الدينية و العرفية بأن تجمعهم بالمرأة المعتدى عليها علاقة زواج ) يلحق أذى ماديا أو معنويا بالمرأة أي المفهوم الاجتماعي للتحرش الجنسي مضافا إليه شرط أن تكون هناك صلة قرابة بين الذكر و الأنثى تمنعهما من الارتباط بالزواج .

- الانتهاك الزوجي للمرأة :

يندرج هذا الشكل في إطار العنف الزوجي الذي يعرف بأنه " كل أشكال الإيذاء الواقعة على الزوجة من زوجها أو مما يقره عليها المجتمع في المواقف و الظروف المختلفة كان جسديا ، نفسيا ، معنويا ، أو بالتهديد و الحرمان بطريقة تعني مصادرة حق الزوجة في المساواة مع زوجها و إلزامها مركز التبعية ضمن نسق العلاقات الزوجية "[18] ، و الانتهاك الجنسي للزوجة هو الأذى ذو الطبيعة الجنسية و يعرف بأنه لجوء الزوج إلى استخدام قوته و سلطته لممارسة الجنس مع زوجته من غير مراعاة لوضعها الصحي أو النفسي ، أو رغبتها الجنسية ، و عنف الزوج الجنسي لزوجته أشبه بالاغتصاب ذلك لأنه يدخل في نطاق إجبار المرأة على ممارسات جنسية لا ترغب فيها أو تؤذيها ، إلا أن خصوصية العلاقة بين المرأة و زوجها كطرف معنف لها مقارنة ببقية الأطراف تجعل من أشكال العنف التي يمارسها الزوج على زوجته متداخلة مع بعضها البعض من حيث الأسباب المؤدية إليها و النتائج المترتبة عليها ، فعدم امتثال المرأة مثلا لمتطلبات و مستلزمات دورها الأسري كزوجة و أم قد يؤدي بزوجها إلى عدم مراعاة رغبتها الجنسية و تحقيق الإشباع الجنسي لها أي يكتفي بتحقيق رغبته فقط و في المقابل عدم حصولها على إشباع جنسي ، أو إرغامها على وضعيات جنسية لا تناسبها يؤثر مباشرة في أدائها لأدوارها الأخرى أي أن " الحاجات الجنسية لدى المرأة هي رغبات حياتية و نفسية في وقت واحد ... تقلل من التوتر الذاتي و الاجتماعي و تتدخل عوامل الثقافة و التقاليد و الدين و التطور الاجتماعي في التحكم بهذا النشاط الجنسي و نوعيته و انحرافاته و من هنا فإن إحباط المرأة و عدم حصولها على الإشباع الجنسي في الحياة الزوجية يمكن أن يولد لديها ضغوطا نفسية تعمل على إحساسها بالعجز و الوصول بها إلى الاحتراق النفسي "[19] .

-الاغتصاب :

 يعتبر الاغتصاب حسب التعريفات السابقة آخر مرحلة من مراحل التحرش الجنسي و للتدقيق أكثر يعرف بأنه " حالة التحرش و التلاصق بأعضاء الجنس سواء اقترن ذلك بإيلاج القضيب في المهبل أم لا و ذلك دون موافقة الأنثى و رضاها وهو من أكثر أنواع العنف وحشية و أشدها تدميرا للروح و البدن و له آثار حادة على الضحية و أسرتها تمتد إلى نهاية العمر و يعتبر جريمة جنسية معناها اللغوي الفسق بالإكراه و يعني ممارسة الجنس أو الجماع دون موافقة الطرف الآخر"[20]، و الحديث عن العنف الجنسي قبل كل شيء يشترط عدم وجود رغبة أو موافقة للمرأة على ما يمارس عليها إذا لا يمكن أن نسمي اغتصابا عملية الدخول في علاقة جنسية كاملة بين ذكر و أنثى إذا كانت نابعة عن إرادة و رغبة حتى و إن خرجت عن ما هو مقبول اجتماعيا بما فيها ما يطلق عليه " الزنا " أي أنه لا يمكن اعتبار الزنا  عنفا جنسيا لأنه يحدث بموافقة الطرفين .

4– العنف السوسيوثقافي :

إن وضع تحديد دقيق للعنف الموجه ضد المرأة من الصعوبة بمكان كما أوردنا سابقا لذا نجد تباينا في اصطلاح بعض أشكال العنف الموجه ضد المرأة بين الباحثين في هذا المجال و ما أردناه هنا من خلال الحديث عن عنف سوسيوثقافي هو كل الممارسات العنفية الواقعة على المرأة في المجال الثقافي و الاجتماعي و التي تظهر أكثر في الثقافات التي تحول دون المساواة بين الرجل و المرأة طبعا على مستوى الوعي و الممارسة و هو يعني حرمانها من ممارسة حقوقها الاجتماعية و انقيادها وراء متطلبات الرجل الفكرية و العاطفية و يتجلى في مجموعة مظاهر منها الحد من انخراطها في المجتمع و ممارسة أدوارها ، الحرمان من العمل و متابعة التعليم ، الحرمان من زيارة الأهل و الأصدقاء و الأقارب ، التدخل في علاقاتها الشخصية ، التدخل في اختيار الأصدقاء و علاقتها بالجيران ، حرمانها إبداء الرأي في قرارات الأسرة و حتى قراراتها الشخصية ، التدخل في طريقة لباسها ، وكل هذا من أجل الحد من نشاطها و عملها و إبقائها ضمن محيط البيت[21] ، و هذا ما نجد وسائل الإعلام تترجمه في كثير من المحطات و البرامج التي تعمل معظمها على تكريس الصورة التقليدية للمرأة و تحصر اهتماماتها في أمور الأسرة ، الطبخ ،آخر صيحات الموضة ، التفصيل و الخياطة ، المكياج ، العطور ... أي أن مجال اهتمام المرأة ترسم له حدود مسبقة حتى في الأطر التي تدعي أنها تُخرج المرأة من فضائها الداخلي ، وعلى النقيض من ما سبق قد يظهر العنف السوسيوثقافي الموجه ضد المرأة في المبالغة في إلغاء كل الضوابط و القيم و الخصوصية الثقافية للمجتمعات التي تضمن للمرأة الحد الأدنى من إنسانياتها و كرامتها خاصة في ما يخص الجانب الجسدي لها كأنثى و هذا باستغلال التقدم التكنولوجي في مجال وسائل الإعلام و الاتصال أين أصبح الهم في كثير المجلاّت و القنوات و المواقع الإلكترونية " عرض المرأة و بالأخص جسدها كوسيلة لجذب المشاهدين للدعاية و الإعلان و كذا الإغراء الجنسي و الأبشع من ذلك كله تجارة الجنس الرخيص الذي ينتزع إنسانية المرأة و يجعل منها مجرد سلعة للمتعة الرخيصة و بهذا أصبحت المرأة الرخيصة تسعى لاستغلال جسدها و مفاتنها حسب معادلة العرض و الطلب في السوق التجاري الذي هو سوق ذكوري بالدرجة الأولى "[22] ، أي أن المرأة اختزلت إلى جسدها في تجارة تهدف إلى تحقيق ربح اقتصادي من خلاله فنجدها تعرض ملابس داخلية وحفّّاظات الدورة الشهرية و تظهر في وضعيات جنسية مثيرة تلعب دورا كبيرا في الإثارة الجنسية .

5 – العنف الاقتصادي :

و المقصود به هو الآخر ما تعلق بالمرأة ، حيث يأتي النظام الاقتصادي كغيره من الأنظمة لفرض  سيطرته و سيادته على حياة المرأة بتثبيت علاقات القوة غير المتكافئة بين المرأة و الرجل مانحا الرجل حق ملكية الأسرة و سيادتها كونه الوحيد الذي يقوم بالإسهام الاقتصادي للأسرة و بذلك يعد الدور الاقتصادي للمرأة دورا ثانويا مهملا[23]  أي أن عدم امتلاكها للرأسمال المادي مقارنة بالرجل و حصرها في فضاء منزلي تقوم فيه بالعمل المنزلي الغير مأجور ساهم في جعلها عرضة للعنف ، و رغم أنها انخرطت  في سوق العمل و أثبتت وجودها ، إلا أن هذا لم يسهم في النهاية إلا في ظهور ممارسات عنفية جديدة مقابل زوال أخرى أي أن كونها مالكة للرأسمال المادي لم يخلصها من العنف الواقع عليها و إنما أوجد عنفا يمكن إدراجه ضمن العنف الاقتصادي الذي يمكن الحديث عنه من خلال أهم مظاهره :

-   أول مظاهر العنف الاقتصادي هو حرمان المرأة من العمل أي من الحصول على أي مدخول مادي و بالتالي من المشاركة الاقتصادية للرجل التي سيقابلها مشاركة في اتخاذ القرارات سواء أكانت خاصة بها أو بغيرها مما يجعلها في النهاية تفضل تحمل كل أشكال السيطرة عليها من قبل الرجل مقابل أن يغطي هو مصاريفها ، كما أن عدم تغطية مصاريف المرأة و تلبية حاجاتها الضرورة تدلل هي الأخرى على العنف الاقتصادي .

-   في حال السماح للمرأة بالعمل يتبن مظهر آخر يتمثل في أخذ مال المرأة و الاستيلاء على راتبها الخاص أو عدم إعطاءها الحرية الكاملة في التصرف في أموالها و قد يكون هذا العنف في كثير من الأحيان بإرادة المرأة التي تحاول أن تدفع للرجل سواء أكان أبا أو أخا أو زوجا ثمن السماح لها بالخروج من فضاءها الداخلي .

-   حرمان المرأة من الميراث : إن الحديث عن المرأة و الميراث في المجتمع الجزائري يعلن ثورة على كل المرجعيات التي يبرر بها عادة الموروث الثقافي في كثير من ممارساته حتى و إن كانت عن طريق فهم خاطئ لها ، فالدين الإسلامي ( المرجعية الدينية ) يؤكد صراحة في نصوص كثيرة على أحقية المرأة في الميراث بغض النظر عن مقداره الذي يُعّد دون مقدار الرجل في كل الأحوال – الذي يقع معها في نفس درجة القرابة – يقول الله تعالى في سورة النساء " للرّجال نصيب مّمّا ترك الوالدان و الاقربون و للنّساء نصيب مّمّا ترك الوالدان و الاقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مّفروضا "[24] ، كما أن المشرع الجزائري يؤكد على هذه الأحقية ما لم يوجد مانع من الإرث ، إلا أن الكثير من العائلات الجزائرية تحرم المرأة من الميراث على اعتبار أنه – الإرث – سيؤول إلى زوجها الذي يعتبر أجنبي و غريب على العائلة ، و رغم أن هذا المظهر يتراجع وجوده كلما اتجهنا من الريف إلى المدينة و من أسرة نووية حديثة إلى أسرة ممتدة تقليدية إلا أنها ممارسة لا تزال تفرض وجودها في المجتمع الجزائري بصفة عامة و القبايلي بصفة خاصة و الذي يجد في تاريخه تبريرا لها حيث حرر أعيان منطقة القبائل سنة 1749 وثيقة تحرم المرأة من الميراث تجنبا للفتنة و المشاجرة في القرى و الأعراش و تؤكد على ضرورة احترام القرار و عدم مخالفة أعراف المنطقة و عاداتها التي لا يجب أن تخترق معتبرين أنها- الوثيقة - كحكم السلطان و إلا سيصيب الذي لا يمتثل لها الفقر و الجوع و الذل جيلا بعد جيل[25]

ثالثا- أسباب العنف الموجه نحو المرأة :

إن العنف ضد المرأة ظاهرة ديناميكية مركبة تجتمع مجموعة من العوامل لخلقها ، وبالتالي لا يمكن تفسيرها بمتغير أو عامل واحد فقط ، أي أنه يُخلق إلى الوجود الاجتماعي بفعل مجموعة من  العوامل الفردية والاجتماعية ، حيث تتمثل الأسباب الفردية في تلك المرتبطة بقابلية المرأة للتعنيف من جهة وبالأسباب المرتبطة بالاستعداد التعنيفي للطرف المعنف لها  من جهة أخرى ، أي أن خصائص المرأة الفيزيائية كضعف البنية الجسمية و الخصائص المتعلقة بشخصيتها كعدم ثقتها بنفسها ،  و تكوينها لصورة سلبية نحو ذاتها ، و كونها أقل استقلالية وأكثر لا استقرار ، تسامحها و تقبلها للممارسة العنفية عليها، دلعُها ، عدم خضوعها للرجل ، عدم امتثالها للدور الأسري المرسوم لها اجتماعيا ، تمردها على قوانين المجتمع قد يكون سببا في تعرضها للعنف  ، أما العواملالاجتماعية فتحدد انطلاقا من تحديد طبيعة المكانة التي تتموقع فيها المرأة في أسرتها و مجتمعها و التي تفسر لنا الكثير من الممارسات التي توجه نحوها ، و إذا تحدثنا عن نظام أبوي عمق جذوره  عبر زمن طويل امتد حتى بعد زواله بشأن الوضعية الدونية للمرأة فإننا سنرجع إليه أولا أي تدريب اجتماعي خاطئ أو ناقص خلق للوجود الاجتماعي تنظيمات اجتماعية تهمش و تعنف المرأة و بالتالي " العنف ضد المرأة قد يعود لأسباب اجتماعية تاريخية أساسها أساليب التنشئة الاجتماعية التي تجعل الذكور أكثر سيطرة و تحكما ، كما قد يرتبط بطريقة تفكير الرجل و إيديولوجيته التي ترى أنه لابدّ أن يكون مسيطرا على الأشياء و المؤسسات و المرأة  جسميا و اقتصاديا و سياسيا و نفسيا لا تعود إلى الفروق البيولوجية ، بل تعود إلى ما تسمح به الثقافة و ما يسمح به المجتمع بالنسبة للذكور و الإناث ، و ما يتوقعه المجتمع من الجنسين ، بل إن الذكورة و الأنوثة لا تحدد بالصفات التشريحية و لكن باختلاف الفروق الثقافية و التوقعات الاجتماعية ومن ثم فالأفعال و الممارسات العنفية منطقيا هي محصلة عملية التنشئة الاجتماعية ... حيث تتشكل لدى الأفراد في المجتمع الواحد المعايير التي يلجئون إليها في التعامل لاسيّما أن هذه المعايير هي قواعد غير مكتوبة تحدد السلوك المقبول من غير المقبول "[26] فالطفل الصغير الذي يرى والده يعنف أمه بل والذي يمارس عليه عنف هو الآخر لا يملك في النهاية إلا أن يكتسب هذا السلوك و يعيد ممارسته عندما تسمح له الفرصة بذلك ، و رغم الدور الكبير الذي تلعبه التنشئة الاجتماعي للأفراد في تفسير العنف الموجه للمرأة إلا أنه هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية على غرار ضعف الضبط الاجتماعي والتشريعات والقوانين المجتمعية وعدم مسايرتها للتغير الاجتماعي  والثقافي و التساهل في تطبيق العقوبات على الرجل المعنف للمرأة و  هنا نتحدث على مستوى الممارسة و التطبيق الفعلي للقوانين و ليس التشريع فقط ، كما أن الظروف الاقتصادية و الاجتماعية الصعبة من ضعف القدرة الشرائية للفاعل الاجتماعي  و ارتفاع عدد أفراد الأسرة الذين يعيشون في منزل واحد ( أسرة ممتدة ) ، البطالة ، الانحراف ، الإدمان ، التفكك الأسري ، انتشار ثقافة الإعلام العنيف ، نقص وسائل الترفيه كل هذه  عوامل اجتماعية تفسر بشكل مباشر وغير مباشر العنف الموجه ضد المرأة .

 رابعا - التمثلات الاجتماعية للعنف الموجه نحو المرأة :

ارتبطت أولى المقاربات العلمية للتمثل الاجتماعي بمحاولات عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم الذي أثار مصطلح التمثل الجماعي Représentation collective عندما حاول إبراز خصوصية التفكير الجماعي عن التفكير الفردي معتبرا أن التمثل الجماعي إحدى الآليات التي تؤكد أسبقية الاجتماعي عن الفردي ، وقبل هذا أشار امانويل كانط في ثورته المعرفية المرتبطة بأدوات و شروط المعرفة إلى أن أفكارنا و معارفنا هي نتاج اطر و بنيات ذهنية و أن المعرفة النهائية للواقع هي معرفة مستحيلة [27]  و بالتالي " تمثل لشيء ما أو لشخص ما ليس نسخة عن الواقع ، أو الفكر ، أو الجزء الذاتي للموضوع ، أو الجزء الموضوعي في الفرد ، إنه سيرورة بناء العلاقة بينهم ، إذا فكل تمثل بالأساس هو إيجاد العلاقة مع العالم و الأشياء "[28] و بمعنى أوسع فهو يدل على نمط  تفكير اجتماعي عملي موجه نحو فهم المحيط في كل ميادينه والتحكم فيه من خلال تصنيف الموضوعات إلى مجموعات متميزة على أساس خصائص مشتركة تجمعهم كأن نصنف الفاعلين حسب مؤشرات جسمية أو انتماءات اجتماعية أو اقتصادية أو دينية أو أن نطلق أحكاما جماعية من منطلق تصرفات فردية هذا ما جعل التمثلات الاجتماعية تتميز بنوع من الثبات النسبي و لا تتغير إلا بتغير عناصر الواقع و تغير إدراك الفرد لهذه العناصر( تساهم في إعادة تشكيل عناصر الواقع الاجتماعي ) و بالتالي فالتمثلات توجه سلوك الفرد و تحدد استجاباته اتجاه المثيرات الداخلية و الخارجية ، و بالتالي يرتبط التمثل الاجتماعي للعنف من طرف المرأة أو الرجل ترتبط ارتباطا وثيقا بمجموعة القيم التي تم اكتسابها حول الموضوع و المنسوجة بإتقان من طرف كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تعمل ضمن ثقافة معينة على  بناء حاجز قوي مقاوم للتغيير من الصعب اختراقه لذا فالتمثل هو الذي يعمل على جعل سلوكنا يتغير من وضعية اجتماعية إلى أخرى وما العنف الذي تتعرض إليه المرأة إلا عبارة عن الشكل الخارجي و المرئي لمجموعة التمثلات الاجتماعية التي يحملها أطراف العملية العنفية حوله ، أي أنه وراء كل سلوك ظاهري دافع و اتجاه جماعي أدى و دفع إلى حدوثه على الشكل الذي ظهر لنا به ، من هنا تعتبر أي ممارسة عنفية مهما كان شكلها (جسدية ، نفسية ، جنسية ، سوسيوثقافية ، اقتصادية) مشرعنة و مبررة من قبل الطرف الممارس لها و الذي ظهر سلوكه العنفي كترجمة لميول و اتجاه جماعي مشكل مسبقا حول المرأة و مكانتها الاجتماعية و كذا طريقة و لغة التعامل معها و هو سلوك –العنف- في كثير من تجلياته مقبول من طرف المرأة ضحية السلوك العنفي على اعتبار أيضا تمثلها لذاتها و جسدها و مكانتها الاجتماعية و أدوارها المخصصة في إطار التقسيم الاجتماعي للعمل و طبيعة علاقتها بالرجل سواء أكان أبا أو أخا أو زوجا أو ابنا أو شخص خارج محيطها العائلي ، و حتى لو لم تقبل المرأة هذا السلوك فإنها لن تقبل أيضا الثورة عليه ، و هذا ما يبرر الصعوبات التي تواجه دراسة موضوع العنف ضد المرأة من الناحية الإحصائية أين يقف الباحث عاجزا على قياس الظاهرة قياسا دقيقا أو حتى يقترب إلى الدقة ، وبالتالي التمثل الاجتماعي للعنف ضد المرأة يقف حائلا أمام اختصار الظاهرة إلى موضوع قابل للقياس و يوجهنا إلى مقاربة أشكاله و أسبابه و تمثلاته الاجتماعية .

خاتمة :

تعيش المرأة الجزائرية ازدواجية بين الخضوع لممارسات المجتمع التقليدي أو التمرد عليه في محاولة لإكسابه حلة الحداثة التي تحتم عليه أن يحدث قطيعة مع موروثه التاريخي و الثقافي ، و هذه الازدواجية تختلف من امرأة لأخرى حسب درجة اعتمادياتها الاقتصادية على الرجل من جهة وحسب الأسرة التي تنتمي إليها من جهة أخرى ( أسرة ممتدة أو نووية أو في طور الانتقال من الممتدة إلى النووية ) بالإضافة إلى مستوى التعليم الذي حصّلته ، إلا أن الواقع الاجتماعي الملموس أثبت وجود المرأة المستقلة اقتصاديا إلا أنها تتعرض لشتى أشكال العنف بما فيها العنف الاقتصادي الذي يحرمها من عائد عملها كما وُجدت المرأة التي تنتمي لعائلة نووية إلا أنها لا تتمتع بالقدر الذي يتمتع فيه الرجل بحرية اتخاذ القرار، أما المستوى التعليمي العالي فلم يمنع هو الآخر من تعرض المرأة لكافة أشكال العنف ، إذا الإشكال ليس في نظام تقليدي أبوي لأنه حتى و إن مارس أشكال من العنف عليها فإنه دفع عنها أشكالا أخرى من العنف و ليس الحل في نظام يساوي كليا في الحقوق و الواجبات بين الرجل و المرأة لدرجة لا تراعي الاختلافات النفسية و البيولوجية بينهما  و إنما  يكمن في طريقة فهم و تمثل هذه الأنوثة و الذكورة المتجدرة في لا وعي الأفراد و التي ترسم حدودا و أدوارا اجتماعية مسبقة تظهر و كأنها معطى طبيعي مؤسس على ذلك الاختلاف البيولوجي و بالتالي لا يمكن تغير الوضعية التي جعلت المرأة في موقع المهيمن عليه إلا بإحداث ثورة معرفية تقلب موازين القوى المادية و الرمزية بين الجنسين .

المراجع المعتمدة :

01 -القرآن الكريم : سورة النساء ، آية 07

02-المرصد الوطني للمرأة و آخرون : النشرة الإخبارية الوطنية ، التلفزيون الوطني الرسمي الجزائري ، 25/11/2014 ، الساعة 20:00

03-البشير الإبراهيمي : عيون البصائر ، الجزء الرابع ، دون طبعة ، دون سنة                              

04-إبراهيم الحيدري ، النظام الأبوي و إشكالية الجنس عند العرب ، دار الساقي ، بيروت ،الطبعة الأولى ،2003

05-أمل سالم العواودة ، العنف ضد المرأة العاملة في القطاع الصحي ، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع ،دون طبعة، عمان ، 2009

06-بوخريسة بوبكر : المفاهيم والعمليات الأساسية في علم النفس الاجتماعي ، منشورات جامعة باجي مختار ، عنابة الجزائر ، 2006 .

07-بركات حليم : النظام الاجتماعي و علاقته بمشكلة المرأة العربية في المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، العدد 34 ، ديسمبر 1981

08-بيار بورديو : الهيمنة الذكورية ، المنظمة العربية للترجمة ( ترجمة سلمان قعفراني ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 2009

09-جاجان جمعة الخالدي ورشيد أحمد البرواري : الإحتراق النفسي لدى المرأة ، دار جرير للنشر و التوزيع ، الطبعة الأولى ، عمان الاردن ، 2013

10- حطب زهير و عباس مكي : السلطة الأبوية و الشباب ، معهد الإنماء العربي ، بيروت ، دون تاريخ

11-حيرش جمال : التمثلات الاجتماعية : أسس المقاربة النظرية و آفاق البحث في الحقل السيكوسوسيولوجي ، المجلة الجزائرية للدراسات السوسيولوجية ، سداسية محكمة تصدر عن جامعة جيجل ، العدد الأول ، الجزائر ، 2006

12-كريمة هادف : حق المرأة في الميراث بين إنصاف الشرع و ظلم العرف ، جريدة الفجرالجزائرية ، العدد 4338 ، السنة 15 ، 2015 .

13-محمد السويدي : من مشكلات الأسرة النازحة في الوسط الحضري ، مجلة المجاهد ، عدد 1314 ، سبتمبر 1985

14-محمد حمداوي : المرأة بين الأسرة و المجتمع ، الازدواجية و العنف المعنوي ، الملتقى الوطني حول المرأة "نساء" وجهات نظر مختلفة و تعددية أفكار، وزارة التضامن ، 1998

15-مسعود كسال : مشكلة الطلاق في المجتمع الجزائري ، ديوان المطبعات الجامعية ، الجزائر ، دون طبعة ، 1996

16-مديحة أحمد عبادة و خالد كاظم أبو دوج : العنف ضد المرأة دراسات ميدانية حول العنف الجسدي و العنف الجنسي ،الطبعة الاولى، دار الفجر للنشر و التوزيع ،القاهرة، 2008 .

17- مصمودي زين الدين : مدخل نقدي لتفسير ظاهرة العنف من خلال التنشئة الاجتماعية بين تبريرات الواقع و الأنموذج المعياري ، في العنف و المجتمع ، دار الهدى للنشر و الطباعة و التوزيع ، الجزائر ، 2003

18- عبد الرحمان العيسوي : علم النفس الجنائي ، أسسه و تطبيقاته العلمية ، الدار الجامعية ، بيروت ، دون طبعة ، 1990 .

19-عدي الهواري : الاستعمار الفرنسي سياسة التفكيك الاقتصادي و الاجتماعي 1830- 1960 ، ترجمة جوزف عبد الله ، دار الحداثة ، بيروت ، 1983.

 20- قنيفة نورة : الشباب و العنف ...أو معادلة الذكورة و الضعف الأنثوي ..العنف الجنسي نموذجا ...، مداخلات الملتقى الوطني حول الشباب و العنف في المجتمع الجزائري ، منشورات جامعة جيجل ، 2012 .

21- organisation internationale du travail et conseil international des infirmier; directives générales sur la violence au travail dans les secteur de la santé , première édition , imprimé en suisse maquette p.a.o , genéve , 2002

 22- عادل مجاهد شرجبي : العنف العائلي ضد المرأة ،تحليل العلاقات ، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر اليمني لمناهضة العنف ضد المرأة ، صنعاء ، اليمن ، مارس ، 2004على الموقع www.aman.org/studies نظر يوم 15/01/2014  على الساعة 14:30



[1] : المرصد الوطني للمرأة و آخرون : النشرة الإخبارية الوطنية ، التلفزيون الوطني الرسمي الجزائري ، 25/11/2014 ، الساعة 20:00

[2]مسعود كسال : مشكلة الطلاق في المجتمع الجزائري ، ديوان المطبعات الجامعية ، الجزائر ، دون طبعة ، 1996 ، ص15

[3]محمد حمداوي : المرأة بين الأسرة و المجتمع ، الازدواجية و العنف المعنوي ، الملتقى الوطني حول المرأة "نساء" وجهات نظر مختلفة و تعددية أفكار، وزارة التضامن ، 1998 ، ص 25

[4]عدي الهواري : الاستعمار الفرنسي سياسة التفكيك الاقتصادي و الاجتماعي 1830- 1960 ، ترجمة جوزف عبد الله ، دار الحداثة ، بيروت ، 1983 ، ص 14

[5]بركات حليم : النظام الاجتماعي و علاقته بمشكلة المرأة العربية في المستقبل العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، العدد 34 ، ديسمبر 1981 ، ص51 

[6]البشير الإبراهيمي : عيون البصائر ، الجزء الرابع ، دون طبعة ، دون سنة ، ص 339

[7] بيار بورديو : الهيمنة الذكورية ، المنظمة العربية للترجمة ( ترجمة سلمان قعفراني ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الأولى ، بيروت ، 2009  ص 18

 8 حطب زهير و عباس مكي : السلطة الأبوية و الشباب ، معهد الإنماء العربي ، بيروت ، دون تاريخ ، ص 8

[9]محمد السويدي : من مشكلات الأسرة النازحة في الوسط الحضري ، مجلة المجاهد ، عدد 1314 ، سبتمبر 1985 ، ص 45

[10]- organisation internationale du travail et conseil internationale des infirmier; directives générales sur la violence au travail dans les secteur de la santé , première édition , imprimé en suisse maquette p.a.o , genéve , 2002 ,p 3

[11]  عادل مجاهد شرجبي : العنف العائلي ضد المرأة ،تحليل العلاقات ، ورقة عمل مقدمة إلى المؤتمر اليمني لمناهضة العنف ضد المرأة ، صنعاء ، اليمن ، مارس ، 2004على الموقع www.aman.org/studies نظر يوم 15/01/2014  على الساعة 14:30

[12]organisation internationale du travail et conseil internationale des infirmier, opcit   ,p 5

[13]مديحة أحمد عبادة و خالد كاظم أبو دوج : العنف ضد المرأة دراسات ميدانية حول العنف الجسدي و العنف الجنسي ،الطبعة الاولى، دار الفجر للنشر و التوزيع ،القاهرة، 2008 ، ص 212

[14]- قنيفة نورة : الشباب و العنف ...أو معادلة الذكورة و الضعف الأنثوي ..العنف الجنسي نموذجا ...، مداخلات الملتقى الوطني حول الشباب و العنف في المجتمع الجزائري ، منشورات جامعة جيجل ، 2012 ، ص 174.

[15]أمل سالم العواودة ، العنف ضد المرأة العاملة في القطاع الصحي ، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع ،دون طبعة، عمان ، 2009 ، ص 72

[16]مديحة أحمد عبادة و خالد كاظم أبو دوج  ، مرجع سبق ذكره ، ص 212

[17]organisation internationale du travail et conseil international des infirmier , opcit  , p 4

[18]   أمل سالم العواودة ، مرجعسبق ذكره ، ص 11

[19]جاجان جمعة الخالدي ورشيد أحمد البرواري : الاحتراق النفسي لدى المرأة ، دار جرير للنشر و التوزيع ، الطبعة الأولى ، عمان الاردن ، 2013 ، ص 103

[20]عبد الرحمان العيسوي : علم النفس الجنائي ، أسسه و تطبيقاته العلمية ، الدار الجامعية ، بيروت ، دون طبعة ، 1990 ، ص 144

[21] أمل سالم العواودة ، مرجع سبق ذكره ، ص 30

[22]  إبراهيم الحيدري ، النظام الأبوي و إشكالية الجنس عند العرب ، دار الساقي ، بيروت ،الطبعة الأولى ،2003 ، ص 13

[23] أمل سالم العواودة ، مرجع سبق ذكره ، ص 44                   

[24] القرآن الكريم ، سورة النساء ، الآية 07

[25]كريمة هادف : حق المرأة في الميراث بين إنصاف الشرع و ظلم العرف ، جريدة الفجرالجزائرية ، العدد 4338 ، السنة 15 ، 2015 .

[26]  مصمودي زين الدين : مدخل نقدي لتفسير ظاهرة العنف من خلال التنشئة الاجتماعية بين تبريرات الواقع و الأنموذج المعياري ، في العنف و المجتمع ، دار الهدى للنشر و الطباعة و التوزيع ، الجزائر ، 2003 ، ص 44

[27]  حيرش جمال : التمثلات الاجتماعية : أسس المقاربة النظرية و آفاق البحث في الحقل السيكوسوسيولوجي ، المجلة الجزائرية للدراسات السوسيولوجية ، سداسية محكمة تصدر عن جامعة جيجل ، العدد الأول ، الجزائر ، 2006 ، ص 122، 123 ، 125

[28]بوخريسة بوبكر : المفاهيم والعمليات الأساسية في علم النفس الاجتماعي ، منشورات جامعة باجي مختار ، عنابة الجزائر ، 2006 ، ص257