ملامح التجديد في منهج البحث البلاغي عند عبد القاهر الجرجانيpdf

 د/ فاتح حمبلي

جامعة العربي بن مهيدي أم البواقي

 Trat Renouveau rhétorique, le cas d’Abdelkahir El Georgeani

Résumé :

    Cette premier-paris a pour objet de porter un éclairage diachronique sur l’évolution du mouvement méthodologique de la rhétorique. L’effort  de recherche au niveau du renouveau déployé par Abdelkahir El Georgeani  est louable et mérite d’être traité aux fins d’une explicitation épistémologique de nature à révolutionner le discours dans une composante fondamentale, vecteur de communication majeure. L’aspect dominant de cette étude allie la rigueur scientifique principielle et l’esthétique sémantique, formalisant ainsi une théorie lectorale des textes littéraires.

شهدت البلاغة العربية تطورا باهرا، عبر محطات زمنية مختلفة؛ كان ذلك بفضل النضج والرقي الذي مسّ التفكير البلاغي عند العرب؛ فقبل الجاحظ كانت الدراسات البلاغية لا تعدو اللمسات البيانية في إعجاز القرآن، إلا أنه، لها مالها من الدقة، والقوة في تأسيس البلاغة العربية ، من خلال كونها العتبة أو المهاد التأسيسي،  وقد ورد في كتب النقاد والبلاغيين العرب، أن من أسباب نشأة البلاغة، تأثر الموروث البلاغي العربي، بالتراث الأجنبي؛ وبخاصة التأثر بكتابي أرسطوطاليس "فن الشعر" و "فن الخطابة"؛ وعلى إثر هذا داخل طبيعة التفكير البلاغي العربي أيضا، ومنهج البحث البلاغي، شيء من الفكر اليوناني؛ عند المتكلمين عامة، والمعتزلة خاصة؛ وقد حاول الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، والحيوان، وغيرهما، أن يؤسس لنظرية في البيان، وقد بلغ البحث البلاغي قمة الازدهار عند المعتزلة، في رحاب فكر الزمحشري البلاغي، في كتابه الكشاف، ومن بعده خضع للتهذيب والصقل والتطوير؛ عند ابن المعتز، و المبرد، وغيرهم من معتزلة القرن السادس الهجري.

 ولا مشاحّة في ما قدمه أهل السنة من جهود في الدرس البلاغي، فهذا عبد القاهر الجرجاني، صاحب دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة، يؤسس للبلاغة العربية من منطلق تفكير أصولي، ووعي نقدي وبلاغي راق، فكوّن نظرية بلاغية ، تتمثل في نظرية النظم، وهي نظرية قديمة زمنيا، معاصرة آنيا- أي في عصرنا الحالي - ؛ ذلك أن الناقد والبلاغي المعاصر العربي، وربما الغربي أيضا، اطّلع عليها، ودعم بها مواقفه، وشكّل منها النظريات الجديدة، كما استفاد من المنهج المتميز للجرجاني، في بحثه النقدي والبلاغي ، وقد زعم هذا الناقد المعاصر، أنه قام بعملية تطوير وتحويل هذه البلاغة إلى بلاغة جديدة، في منهج البحث، والمصطلح، وقد خضعت إلى أسلبة، فسمية بالأسلوبية. فكيف كان البحث البلاغي ومناهجه قبل عبد القاهر الجرجاني، وعنده؟ وهل جدّد الجرجاني في منهج بحثه البلاغي؟ وإن جدّد، فإلى أي مدى وفّق في بحثه، وتشكيله النظرية النقدية والبلاغية؟.

   مناهج البحث البلاغي قبل عبد القاهر الجرجاني:

عرف البحث البلاغي قبل عبد القاهر الجرجاني عدة مناهج مختلفة، ومتنوعة منها المنهج التجميعي، والمنهج الانطباعي، والمنهج التقنيني، وغيرها من المناهج الأخرى المتفرعة عنها، وكان لكل منهج رواده من البلاغيين والنقاد، غير أن السمة الغالبة على هذه المناهج هي التفكك في أدواتها، وإجراءاتها، وغياب وحدة الرؤية في مباحثها، وطرائق تناولها للدرس البلاغي على وجه العموم.

  1/ المنهج التجميعي:

هو منهج يقوم بتجميع المادة البلاغية وتصنيفها، ويكون الجهد الحقيقي للمؤلف في مثل هذا المنهج هو جمع المادة، وتبويبها وقد أخذ هذا المنهج عدة صور في مؤلفات البلاغيين، فأحيانا كان يتمثل في تجميع مجموعة من الأمثلة التي تمثل فنون البلاغة المختلفة وتصنيفيها حسب الفنون التي تندرج تحتها دون دراسة أو تحليل، وأحيانا أخرى كان يتمثل في صورة تتبع أمثلة بلاغية لفن بلاغي معين في القرآن الكريم، وأحيانا ثالثة كان يتمثل في صورة تجميع أراء البلاغيين السابقين أي أن الإطار الذي يجمع هذه الصور هو أنها تجميع للمادة البلاغية وتبويبها على نحو خاص فقط.

        ومن صور البحث التجميعي ما قام به الشريف الرضى المتوفى سنة406هـ ؛ حيث عمد إلى تجميع أمثلة لفن بلاغي أو أكثر من القرآن الكريم في كتابه "تلخيص البيان في مجازات القرآن"(1). ففي هذا الكتاب تتبع الشريف الرضى سور القرآن سورة سورة حسب ترتيبها في المصحف، مستخرجا من كل سورة ما فيها من صور بلاغية مجازية، والسور التي لم يكن يجد فيها شيئا من المجاز. ففي السور التي فيها المجاز يقف عندها ويحللها، ويسمي هذه الصور المجازية استعارة، ومصطلح استعارة عنده يتسع ليشمل كل الصور البيانية، ولا يقتصر على مفهومها الاصطلاحي المعروف " من أنها الكلام المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي"(2)، على الرغم من أن هذا المفهوم قد استقر لمصطلح الاستعارة قبل الشريف الرضى بوقت طويل، ولكن الرضى ظل يستعمل الاستعارة بمفهومها اللغوي العام. فمثلا في قول تعالى: )هو الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناءا(. يقول: " هذه استعارة لأنه سبحانه شبه الأرض في الامتهاد بالفراش والسماء في الارتفاع بالبناء"(3) وواضح أن هذه الصورة تشبيه، وليست استعارة لأن المشبه والمشبه به مذكوران في الجانبين.

كما يعد بعض صور المجاز المرسل استعارة حيث يقول في تحليله لقوله تعالى:)وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة(. هذه استعارة، والمراد بالوجوه، أرباب الوجوه، ومثال ذلك قوله تعالى:  )وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة(. والدليل على ما قلنا إضافته سبحانه النظر إليه والنظر إنما يصح من أربابها لا منها"(4).

وواضح أن العلاقة هنا بين المعنى الحقيقي لكلمة الوجوه والمعنى المجازي المستعملة فيه الكلمة هو الجزئية وهو إحدى علاقات المجاز المرسل، وليست علاقة المشابهة.

ومن صور النهج التجميعي ما أورده ابن المعتز في كتابه " البديع" حيث عمد إلى تجميع الأمثلة البلاغية التي تندرج تحت كل فن من الفنون البلاغية، التي تناولها في كتابه "البديع" و " محاسن الكلام" وهو في العادة يبدأ بتعريف الفن الذي يعرض له، وفي بعض الأحيان لا يهتم بتعريفه، ثم يأخذ في حشد الأمثلة، والنماذج الجيدة لهذا الفن من القرآن الكريم، وحديث الرسولrوكلام الصحابة، وكلام غيرهم من العرب، وشعر القدماء، وأخيرا كلام المحدثين، وشعرهم فإذا ما فرغ من تلك الأمثلة الجيدة. عاد فذكر مجموعة من الأمثلة، والنماذج المعيبة من الشعر، والنثر لم يوفق أصحابها فيها في استخدام الفن الذي تعرضوا له، وهذا في فنون البديع.أما في " محاسن الكلام" فيورد الأمثلة الجيدة فقط، ويكتفي ابن المعتز في الأمثلة الجيدة والمعيبة، بحشد الأمثلة دون دراسة أو تحليل يبين سر الجمال في الأمثلة الجيدة، وسبب العيب في الأمثلة المعيبة؛ فهو مثلا حين يورد في باب الاستعارة قول امرئ القيس:

وليل كموج البحر أرخى سدوله       ***       علي بأنواع الهمـوم ليبتلي

فقلــت لـه لمــا تمــطي بصلبــه       ***        وأردف أعجازا وناء بكلكل

يعلق عليه بقوله:" هذا كله من الاستعارة لأن الليل لا صلب له ولا عجز"(5) فاكتفاء ابن المعتز بإيراد هذه التعليقات الهامشية لا ينفي جهده الأساسي في الكتاب وهو تجميع الأمثلة، والنماذج، وتصنيفيها تحت الفنون التي تندرج تحتها.

 ومن صور التجميع للآراء البلاغية، ما قام به أبو الهلال العسكري في كتابه "الصناعتين"، حيث جمع آراء سابقيه من البلاغيين كقدامة بن جعفر، والرماني، والجاحظ، وغيرهم. وقد عدد الدكتور إحسان عباس اثني عشرة موضعا كأمثلة. ينقل فيها أبو هلال  عن قدامة، والآمدي، وابن طباطبا، والصاحب بن عباد، والقاضي الجرجاني، وابن قتيبة، وغيرهم من البلاغيين والنقاد، ولم يشر إليهم، وعلق على هذا بقوله:" وهذه أمثلة وحسب، ولو كنا نتصدى لتحقيق كتاب الصناعتين في غير هذا المقام لرددنا ما فيه إلى مصادره، ولهذا السبب لا نرى لهذا الكتاب في تاريخ النقد أية قيمة جديدة، لأن صاحبه لم يضف إلى الآراء السابقة أي شيء من لدنه"(6)، ولئن كان أبو هلال ينقل عن غيره أقوالا تكاد تكون حرفية، فإننا لا نعدم أن نجد له بعض الانتقادات القليلة التي كان يعقب بها على آراء بعض البلاغيين؛ من ذلك رأي قدامة بن جعفر في المعاضلة حيث قال في نقد الشعر: " لا أعرف المعاضلة إلا فاحش الاستعارة مثل قول أوس:

وذات هدم عار نواشرها    ***   تصمت بالماء تولبا جدعا

فسمى الصبي تولبا والتولب ولد الحمار(7)، وأبو هلال يورد رأي قدامة هذا ويعلق عليه بقوله:" وهذا غلط من قدامة كبير لأن المعاضلة في أصل الكلام إنما هي ركوب الشيء بعضه بعضا، وسمي الكلام به إذا لم ينضد نضدا مستويا، وأركب بعض ألفاظه رقاب بعض وتداخلت أجزاؤه"(8)، ومما يضيف قيمة إلى هذا الكتاب أن أبا هلال أحسن اختيار أمثلة كما أحسن تبويب مادته فهو على حد قول الدكتور إبراهيم سلامة: "رجل منهجي يجري في تأليفه على خطة، وإذا رسم خطة إلتزمها فكل المظاهر الأدبية خاضعة لمقاييس وقواعد يجب أن تخضع لها"(9)، في الوقت نفسه  يرى أن أبا هلال: " قليل في باب الأصالة وأنه قرأ لكل من كتب قبله في البلاغة والنقد وكتب ما قرأ في غير تصرف كبير"(10)

2/ المنهج الانطباعي:

ساد هذا المنهج عند كثير من البلاغيين العرب، وكان جهد أصحابه هو إصدار أحكام عاطفية غير موضوعية، تتسم بالتعميم غير العلمي، وقد ظهرت بوادر هذا المنهج جلية في كتب الجاحظ، الذي كان مدفوعا في أحكامه بالحماسة للعروبة، واللغة العربية، ودفاعه عنها ضد هجمات الشعوبيين فهو يرى أن : " البديع مقصور على العرب ومن أجله فاقت لغتهم على كل لغة وأربت على كل لسان"(11)، "فإن كان الشعوبيون، قد تعصبوا على العرب وسلبوهم مواهبهم، فلم يكن الجاحظ أقل منهم ميلا إلى الهوى وإسرافا في التعصب، ولقد أدى به هذا الهوى إلى أن يناقض نفسه وأن يهدم في آخر ما حاول تأييده في أوله"(12)، ومن صور هذا المنهج الانطباعي إصدار أحكام عاطفية، باستحسان صورة بلاغية، أو بيت من الشعر دون تبرير هذا الاستحسان، ومن مثل هذا استحسانه لبعض صور البديع التي أوردها في مؤلفاته من نحو قوله: " من هذا البديع المستحسن قول خالد بن مرثد:(13)

سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد   ***     كفعل أبي قابوس حزما ونائـلا

           ساق الغمام الغر من كـل بلدة    ***     إليك فأضحى حــول بيتك نازلا

وقد يكون هذا الاستحسان لصورة بلاغية، إنما لرأي من الآراء البلاغية التي يوردها ويعبر عن استحسانه لها، دون تعليل لهذا الاستحسان من مثل ما رواه عن الإمام بن محمد من قوله:" يكفي من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء فهم الناطق وألا يؤتي الناطق من سوء فهم السامع " وتعليقه على هذا بقوله: " أما أنا فاستحسن هذا القول جدا"(14)، فكل هذه الأحكام وما أشبهها صور من ذلك المنهج دائما، وإنما كانت تتناثر في كتبه ملامح منه مختلطة بملامح مناهج أخرى في البحث البلاغي بشكل عام.

  3/ المنهج التقنيني:

يهتم هذا المنهج بالقانون والقاعدة البلاغية على حساب التذوق الفني والتحليل الأدبي، والذي تحولت البلاغة في إطاره إلى مجموعة من القواعد والتعريفات والتقسيمات الجامدة، فتقهقر النص الأدبي وتحوله إلى مجرد شاهد على القاعدة، أو مثال على قسم من أقسامها، ويتضح مدى تأثير المنطق الأرسطي على هذا المنهج، حيث ولع أصحابه بالتعريفات الجامعة المانعة، والحرص على التقسيم المنطقي العقلي، والشغف بالتعريفات والتشعبات الكثيرة للموضوع الواحد، وأخيرا إقحام مباحث منطقية خالصة على البحث البلاغي، وقد برز هذا المنهج في أجلى صوره في مؤلفات أبي يعقوب السكاكي وشارحي مفتاحه، وإن كنا نجد بداياته الأولى في كتاب " نقد الشعر" لقدامة بن جعفر، وغيره، والعجيب أن هذا المنهج التقنيني ما زال يسيطر على الدرس البلاغي في مدارسنا إلى اليوم، وأضحى طريقة بيداغوجية يلتزم بها في تحليل النص الأدبي الأستاذ والتلميذ على حد سواء، والأمثلة على تطبيقات المنهج التقنيني كثيرة تعج بها كتب البلاغة العربية، ويكفي أن نسوق مثالا على ذلك من مفتاح السكاكي لزيادة البيان، يقول السكاكي في التشبيه والكناية: " إذا شبهت قائلا خدها وردة فهل تصنع شيئا سوى أن تلزم الخد ما تعرفه يستلزم الحمرة الصافية، فيتوصل بذلك إلى وصف الخد بها، أو هل إذا كنيت قائلا فلان جم الرماد تثبت شيئا، غير أن تثبت لفلان كثرة الرماد المستتبعة للقرى توصلا بذلك إلى اتصاف فرن بالمضايفة عند سماعك"(15)، وهكذا يتحول الدرس البلاغي عند السكاكي، إلى منطق استدلالي لا نبض ولا روح فيه، وتفتقد البلاغة بذلك، الحس المرهف والذوق الرفيع، على نحو ما سنجده عند عبد القاهر الجرجاني.

    منهج عبد القاهر الجرجاني في البحث البلاغي:

يمكن أن نطلق على هذا المنهج الذي اتبعه عبد القاهر في بحثه البلاغي بالمنهج التحليلي الفني، وهو منهج يمزج بين القاعدة العلمية والذوق الفني، ويزاوج بين النظرية والتطبيق في صورة لا يطغى فيها أحدهما على الآخر طغيانا بينا، وقد بلغ ذروة اكتمال أدوات هذا المنهج في كتابي عبد القاهر" دلائل الإعجاز "و" أسرار البلاغة". ولئن كان البلاغيون قبل عبد القاهر قد سبقوا إلى استخدام المنهج التحليلي الفني كالبقلاني، وغيره، إلا أن تحليلاتهم البلاغية ينقصها ذلك العمق العلمي الذي يطلعنا من تحليلات عبد القاهر، ويعوزها ذلك الإحساس المرهف بالجوانب الفنية، فعبد القاهر ينطلق في بحثه البلاغي من مقولة هي اليوم من ضمن المقولات المعاصرة، وهي أن النص الأدبي، تشكيل لغوي أو بناء لغوي في الدرجة الأولى وعلينا أن ننشد أسرار جماله في تحليل بنائه اللغوي، الذي يرجع إليه وحده ما في النص الأدبي من جمال وروعة، أو من فشل وإخلال، وهذه المقولة الناضجة هي ما عرف في فكر عبد القاهر باسم" نظرية النظم". وقد رصد عبد القاهر جل جهده العلمي وبخاصة في "دلائل الإعجاز" لإرساء دعائم هذه النظرية، وبلورة ملامحها العلمية، ثم اتخذها بعد ذلك منطلقا أساسيا لدراسة البلاغة، وبخاصة قضايا علم المعاني.

وقد ابتدأ عبد القاهر بلورة ملامح نظريته من خلال مناقشته مقولتين شائعتين في النقد والبلاغة، وهما مقولتا اللفظ والمعنى . ترى أولاهما أن قيمة العمل الأدبي تكمن في ألفاظه المجردة من حيث هي كلمات مفردة، وأن هذه الألفاظ تتفاضل فيما بينها وتوصف بالفصاحة، والجمال، والروعة، وبمقدار فصاحة الألفاظ المفردة،  وجمالها، يكون الكلام فصيحا. فيما تذهب المقولة الأخرى إلى أن قيمة العمل الأدبي في ما يحتويه من معان وأفكار؛ فبمقدار نبل هذه المعاني وشرف هذه الأفكار ترتفع قيمة العمل الأدبي، وأنهى عبد القاهر مناقشته للمقولتين برفضهما معا، وخلص إلى أن القيمة الفنية للنص الأدبي إنما تكمن في صياغته ونظمه، وأن النظم هو مناط إبداع الأديب ومظهر عبقريته، فهو يرى أن الألفاظ لا يمكن أن تتفاضل فيما بينها قبل أن توضع في تشكيل لغوي، كما يستحيل وجود تفاضل بين اللفظين في الدلالة، قبل دخولهما في النظـم والتأليف، والمثال  الذي  ساقـــه عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" يكشف عن هذه النظرية الجديدة.

حيث عمد إلى تحليل آية كريمة تحليلا فنيا بارعا، يبين فيه مدى رهافة حاسته الأدبية ونفاذها من ناحية، وعن مدى سعة ثقافته اللغوية وعمقها من ناحية أخرى، والآية المختارة هي قوله تعالى: )وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين(، يقول عبد القاهر معلقا على الآية : إن شككت فتأمل هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذتها من بين أخواتها وأفردتها لأدت من الفصاحة ما تؤديه، وهي في مكانها من الآية قل"ابلعي"، واعتبرها وحدها من غير أن تنظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها، فكيف بالشك في ذلك ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض ثم أمرت ثم في أن كان النداء بـ "يا" ودون "أي" نحـو يا أيتها الأرض، ثم إضافة الماء إلى الكاف دون أن يقال ابلعي الماء، ثم اتبع نداء الأرض وأمرها بما هو من شأنها نداء السماء، وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل "وغيض الماء" وجاء الفعل على صيغة "فعل" للدلالة على أنه لم يغض بأمر آمر وقدرة قادر...افترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالإعجاز روعة، وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها، تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع وحروف تتوالى في النطق أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب...فقد اتضح إذن إيضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ  لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمة مفردة وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة، وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى اللفظة التي تليها... ومما يشهد على ذلك أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر... ومن أعجب ذلك لفظ" الشيء" فإنك تراها مقبولة حسنة في موضع وضعيفة مستكرهة في موضع وان أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى قول عمر بن ربيعة المخزومي:

ومن مالئ عينيه من شيء غيره   ***   إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى

 وإلى قول أبي حية:

إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة   ***   تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا

فإنك تعرف حسنها ومكانها من القبول، ثم انظر إليها في بيت المتنبي:

لو الفلك الدوار أبغضت سعيه   ***   لعوقه شيء عن الدوران

فإنك تراها تقل وتضؤل بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم ... فلو كانت الكلمة، إذا حسنت من حيث هي لفظ، وإذا استحقت المزية والشرف، استحقت ذلك في ذاتها وعلى انفرادها دون أن يكون السبب في ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها في النظم، لما اختلفت بها الحال ولكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبدا"(16).

وينتهي عبد القاهر من مناقشة مقولتي " اللفظ والمعنى" إلى تقرير نظريته في النظم، التي تعني ببساطة، أن ترتيب المعاني في الذهن هو الذي يقتضي ترتيب الألفاظ في العبارة، وأن الجمال الفني رهين حسن النسق أو حسن النظم، فلا اللفظ موضع حكم أدبي ولا المعنى قبل أن يعبر في لفظ، وإنما باجتماعهما في نظم يكونان موضع استحسان أو استهجان، ويؤكد عبد القاهر على ضرورة مراعاة قواعد النحو وأصوله في تأليف العبارة والعمل على تعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها وتحفظ الرسوم التي رسمت فلا تخل بشيء منها(17).

ويرى سيد قطب أن نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني، وإن كانت تكتسي أهمية بالغة في تاريخ البلاغة والنقد الأدبي، بما أضافت من تجديدات على الدرس البلاغي على مستوى المنهج والمضمون، إلا أن صاحبها أغفل في تحليلاته قيمة اللفظ الصوتية مفردا ومجتمعا مع غيره، وهو ما عبر عنه بالإقناع الموسيقي، كما اغفل الظلال الخيالية في كثير من الأحيان، ولهذه الجوانب أهمية خاصة في إبراز بعض جماليات النص الأدبي(18).

1-   منهج عبد القاهر في تحليله لعلم المعاني:

يتطرق عبد القاهر الجرجاني من خلال بسط نظريته في النظم إلى تناول مباحث علم المعاني من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وذكر وحذف، ووصل وفصل وقصر، باعتبار أن النظم عنده ليس سوى معرفة هذه الأبواب، ولا يشغل عبد القاهر نفسه كثيرا بما شغل به البلاغيون بعده أنفسهم به، من حصر واستقصاء الفروع والأقسام التي تندرج تحت كل باب من هذه الأبوابـ حتى تحولت البلاغة في بعض جوانبها لديهم إلى عملية رياضية إحصائية، وإنما شغل نفسه في الدرجة الأولى ببيان القيمة البلاغية لكل باب من هذه الأبواب، واستخلاص المعايير العامة من خلال التحليل الفني للنصوص والأمثلة، فهو حين يتحدث عن الحذف مثلا لا يهتم كثيرا باستقصاء كل مواضع الحذف، ويوجه اهتمامه الأول إلى بيان بلاغة الحذف، والوظيفة التعبيرية التي يؤديها الحذف من الكلام، مكتفيا بالحديث عن حذف المبتدأ، وحذف المفعول، ومركزا على الأغراض الأساسية لحذف كل منها، من خلال تحليله البارع لنماذج الحذف فيهما، ويوضح لنا القيمة البلاغية للحذف، والوظيفة التي يؤديها في الكلام حيث "ما لا ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأبين ما تكون إذا لم تبن"(19)، ومن أمثلة الحذف نسوق مثالا عن حذف المفعول المعلوم على وجه التحديد، لإيهام السامع أن المتكلم لم يذكر الفعل إلا لمجرد إثبات الفعل لفاعله؛ كقول البحتري في مدح الخليفة العباسي المعتز بالله، والتعريض بالمستعين الذي نازعه الخلافة:

شجو حساده وغيظ عداه   ***   أن يرى مبصر ويسمع واع

فالفعلان "يرى" و"يسمع" فعلان متعديان ولهما مفعول يمكن تقديره حيث أن المعنى يرى مبصر محاسنه، ويسمع واع أخباره، ولكن الشاعر حذف المفعول من الموضعين، ليوهم أن مراده مجرد إثبات كل من الفعلين لفاعله وأن فضائل المعتز من الظهور والشيوع، بحيث يكفي في أدائها أن يكون ثمة من يرى ويسمع، لكي يعرفها ويدركها ويقتنع بأنه هو المستحق للخلافة من غير منازع، وكأنه ليس هناك ما هو أغيظ لحساده، وأشجى من مجرد وجود من له عين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولا شك أن ذكر المفعول في مثل هذا الموضع يفسد تماما هذا المعنى البارع الدقيق الذي عبر عنه حيث تنتفي الدلالة على شيوع فضائله وظهورها للجميع، ومن ثم فإن الحذف كما يقول عبد القاهر هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد(20).

 2/ منهج عبد القاهر في مباحث علم البيان:

رصد عبد القاهر كتابه "أسرار البلاغة" كله لدراسة مباحث علم البيان كما تناول بعض مباحثه أيضا في كتاب" دلائل الإعجاز" بل إن بابا كاملا من أبواب علم البيان وهو باب الكناية لم يعرض له عبد القاهر في " أسرار البلاغة " مكتفيا بتناوله في " دلائل الإعجاز"، ووجه جل اهتمامه إلى التشبيه والاستعارة حيث افتن كما لم يفعل أحد قبله ولا بعده، في تعمق بلاغتهما وما يمتلكانه من طاقات فنية، وتعبيرية بالغة الغنى، والتنوع، أما في "دلائل الإعجاز" فإن معظم ما تناوله عبد القاهر من مباحث علم البيان، كان هدفه من التدليل على نظريته في النظم، ليست محصورة في علم المعاني، وإنما تمتد لتشمل الصورة البيانية أيضا، التي حاول أن يثبت أن جمالها الفني، لا يرجع إلى مجرد ما فيها من استعارة، ومجاز، وإنما هو راجع قبل ذلك إلى طريقة تأليف هذه الاستعارة وصياغتها، ونظمها، ومن الأمثلة التي اختارها لبيان جمال الاستعارة قول الشاعر:

           ولمـا قضينا مــن منى كل حاجة    ***   ومسح بالأركان مـن هـو ماسح

   وشدت على هدم المهارى رحالنا   ***   ولم ينظر الغادي الذي هو رائح

           أخذنا بأطــراف الأحــاديث بينـنا    ***   وسالت بأعناق المــطي الأباطح

يرى عبد القاهر أن الاستعارة في قول الشاعر" وسالت بأعناق المطي الأباطح" هي من ذلك النوع الخاص النادر الذي لا تجده إلا في كلام الفحول حيث أراد الشاعر أنها سارت سيرا حثيثا  في غاية السرعة، وكانت سرعة في لين وسلامة كأنها كانت سيولا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها(22)، ولكنه لا يرى روعة الاستعارة في مجرد " أن جعل المطي في سرعة سيرها وسهولتها كالماء، يجري في الأباطح، فإن هذا تشبيه معروف، وإنما سر هذه الروعة يرجع إلى النظم البارع، وذلك التأليف الدقيق، حيث استند الفعل سال للأباطح ثم عداه بالباء التي أدخلها على أعناق المطي ولم يقل بالمطي ولو قال سالت في المطي الأباطح لم يكن شيئا (23).

وفي كتاب " أسرار البلاغة " نجد عبد القاهر يتتبع فروع علم البيان بتعمق، وسعة أكبر، حيث تناول التشبيه والاستعارة مبينا ظروبهما، وصورهما، وجوانب بلاغتهما المتنوعة، من خلال بحثه للنصوص الأدبية، كما ابتدع بعضها من ضروب التشبيه؛ كمبحث التمثيل الذي هو ضرب من التشبيه وقد خصه عبد القاهر بدراسة بالغة العمق، والبراعة، وحباه بالكثير من عنايته، حتى استوى مبحثا من أهم مباحث علم البيان، وأنضجها ويفرق عبد القاهر بين التمثيل، وسواه من صور التشبيه، بأن التمثيل ما كان وجه الشبه فيه عقليا، وكان هيئة منتزعة من تعدد أو على حد قوله: " هو ما انتزع من عدة أمور ليجمع بعضها إلى بعض ثم يستخرج من مجموعها الشبه فيكون سبيله سبيل الشيئين، يمزج أحدهما بالآخر، حتى تحدث صورة غير ما كان لهما في حال الإفراد"(24).

ويضرب عبد القاهر أمثلة كثيرة للتمثيل، ويحللها تحليلا أدبيا مرهفا، ويوضح من خلاله مفهوم التمثيل عنده، ففي قوله تعالى: )مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، كمثل الحمار يحمل أسفارا.(يرى عبد القاهر أن التشبيه منتزع من عدة أمور امتزجت، وتضامنت حتى أصبحت شيئا واحدا، فهو منتزع من أحوال الحمار، وهو أن يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمار العقول، ثم لا يحس ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينهما وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدلالة عليه بسبيل، فليس له مما يحمل سوى أنه ينقل عليه، ويكد جنبيه، فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة ونتيجة لأشياء ألفت وقورن بعضها إلى بعض(25).

ويمضي عبد القاهر بمثل هذا الأسلوب الفذ، في البحث والتحليل، يعالج جوانب التمثيل، ويركز على بيان وظيفته البلاغية، والدور التعبيري الذي يؤديه، فيتناول مجموعة من نماذج التمثيل، مبينا أثر التمثيل في الكشف عن المعنى وإبانته، وإبرازه في أروع صورة، وبعد أن يحلل هذه الصور تحليلا فنيا، يحاول استخلاص العلة الفنية العامة للتأثير النفسي للتمثيل، فيقرر أن لهذا أسبابا وعللا، أولها وأظهرها أن النفوس في العادة تأنس للانتقال من خفي إلى جلي، ومن مجهول إلى معلوم، ومن العقلي إلى الحسي، لأن العلم المستفاد عن طريق الحواس أكثر وضوحا ودقة، ورسوخا، من العلم المستفاد عن طريق العقل والتفكير، ومن ثمة فإن الإدراك عن طريق الحواس كما يقرر عبد القاهر" أمس بها رخما، وأقوى لديها ذمما، وأقدم بها صحبة، وآكد عندها حرمة، وإذا نقلتها...عن المدرك بالعقل المحض بالفكرة في القلب إلى ما يدرك بالحواس أو يعلم بالطبع، فأنت كمن يتوسل إليها للغريب بالحميم، وللجديد بالحبيب القديم"(26)، ثم يخوض عبد القاهر أثناء التحليل في قضايا سيكولوجية كقضية الأنس والغربة، والعيان والمشاهدة، والخلاف والوفاق، والسهولة والتعقيد، وأثر كل منها على النفس، ويتعرض لشرح الإدراك وقيامه على المعلومات التي ترد عن طريق الحس أولا، ثم ازدياد ثروته بعد ذلك من طريق الروية والتأمل، ويميز بين إدراك الشيء جملة وإدراكه تفصيلا، وهنا يكون قريبا من نظرية الجاشتالت؛ وهي نظرية نفسية وتربوية تعتمد في المدارس كأحدث الطرائق البيداغوجية في التعليم خاصة في تعلم نصوص القراءة(27).

ومن أبرز السمات في نظرية النظم عند عبد القاهر، هو حرصه على الذوق الجمالي والحس الفني في المتعة الأدبية، وهو يقول مثلا عن الاستعارة، والتخيل، وهذا موضع في غاية اللطف لا يبين إلا إذا كان التصفح للكلام حساسا، يعرف وحي الشعر، وخفي حركته التي هي كالهمس و كمسرى النفس في النفس(28).

2-   منهج عبد القاهر في علم البديع :

كان علم البديع أقل علوم البلاغة حظا من اهتمام عبد القاهر وعنايته، فإذا كان قد أفرد لكل من علمي المعاني والبيان كتابا مستقلا، فإن مباحث علم البديع لم تحظ بأكثر من صفحات معدودة في كتابه، تناول فيها فنين اثنين فقط من فنون البديع الكثيرة، وهما التجنيس والسجع، وقد اكتفى بتقديم منهــج جديد في دراستهما، وتناولهما،  ولعل عبد القاهر وجد أن الفنون الأساسية التي انحصرت فيما بعد تحت عنوان البديع، قد قلت بحثا و دراسة منذ اكتشفها ابن المعتز و قدامة بن جعفر، وأن الذين تناولوها من بعدهما قد ضلوا طريق التناول السليم؛ حيث لم يعنوا ببيان وظيفتهما البيانية والبلاغية، و من ثم رأى عبد القاهر أن ما تحتاجه هذه الفنون هو طرح منهج جديد لدراستها، فاكتفى بطرح هذا المنهج من خلال معالجته للفنين السابقين، أولهما التجنيس وثانيهما السجع، وقد ركز عبد القاهر في دراسته لهما على الوظيفة التعبيرية، والأثر النفسي لهما من ناحية، وعلى تلاؤمهما وانسجامهما مع النظم من ناحية أخرى، فالمحسن البديعي لا ينبغي أن يكون هدفا في ذاته، ولا ينبغي أن يكون حلية شكلية تضاف إلى صورة، وإنما لابد أن يكون له دور في نقل المعنى وإيضاحه وان ينسجم في الوقت نفسه مع البناء العام للتركيب البلاغي، ولا يكون على حساب هذا البناء، وقد اختار عبد القاهر فنين بديعيين وهما التجنيس والسجع، وقد اتفق البلاغيون على أن التحسين فيهما يرجع إلى اللفظ فقط، وقد اختارهما ليبرهن من خلالهما على صحة نظريته في النظم، التي تنفي أن يكون للفظ في حد ذاته أي أثر في تحسين الكلام وبلاغته، وإنما الأثر كله للنظم، وللتأليف والصياغة، ومن ثم فإنه يقارن بين بعض صور المتكلف الغث من مثل قول أبي تمام:

ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت   ***   فيه الظنون مذهبا أم مذهب

وبعض صوره البارعة الجيدة من مثل قول أبي الفتح البستي:

ناظراه فيما جنى ناظراه   ***   أو دعاني متيما أو دعاني

ويقرر أن استهجانه الأول واستحسانه للثاني لم يكن يرجع إلى اللفظ، ولكن لأنك رأيت الفائدة ضعفت في الأول وقويت في الثاني، وذلك أنك رأيت أن أبا تمام لم يزدك بمذهب ومذهب، على أن أسمعك حروفا مكررة لا تجد لها فائدة-إن وجدت- إلا متكلفة متمحلة، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظ كأنه يخدعك عن الفائدة، وقد أعطاها، ويوهمك أنه لم يزدك وقد أحسن الزيادة ووفاها(29).

  خلاصة القول:

يمكن القول إن البحث البلاغي قد تجددت مباحثه على يد عبد القاهر الجرجاني، واكتمل نضجه دراسة ومنهجا بفضل جهوده الفريدة من خلال نظريته في النظم؛ حيث لم يستطع البلاغيون اللاحقون أن يضيفوا إليها شيئا مهما، إنهم لم يستطيعوا حتى أن يحتفظوا للبلاغة بالمستوى الذي أوصلها إليه عبد القاهر، فبعده ظل البحث البلاغي يراوح مكانه، حيث طغت على مناهجه القواعد والتقنيات المنطقية الصارمة، إلى حد تحويل البلاغة من جمال فني إلى منطق ذهني لا نبض ولا روح فيه، وافتقد بذلك الدرس البلاغي ذلك الحس المرهف، وذلك الذوق الرفيع، فعلى يد السكاكي وغيره من البلاغيين العرب تحول البحث البلاغي إلى علم تقنيني جاف، وأصبح كما يقول الدكتور" بدوي طبانة " قواعد تحفظ ولا يقاس عليها، وفقدت البلاغة قدرتها على تذوق البلاغة وعلى تكوين البلغاء والنقاد، وإن استطاعت أن تكون طبقات من البلاغيين يقفو بعضها أثار بعض، وهي في أكثر الأحيان، صورة حائلة لأصل مشوه(30)، وحتى كتب البلاغة التي مازالت تؤلف في أيامنا هذه لأغراض تعليمية، ظلت تدور هي الأخرى في فلك التقنين والتقعيد الجافين، فما أحوجنا اليوم أن نعود إلى المنهج الذي وضعه عبد القاهر الجرجاني، للاستفادة منه في دراسة علوم البلاغة و تدريسها للطلاب، فالحق يقال إن منهج عبد القاهر في تناوله لمباحث البلاغة العربية، وفق رؤية تحليلية علمية وتذوق فني رفيع، يرقى إلى أن يتبنى في جامعاتنا كإستراتيجية في البحث العلمي و كمقارنة في التعليم .

المصادر و المراجع :

1- الشريف الرضى، أبو الحسن محمد بن الطاهر . تلخيص البيان في مجازات القرآن . تحقيق الأستاذ محمد عبد الغني . مكتبة الحلبي . القاهرة .1955 م . ص . 115

2- الجازم علي و أمين مصطفى . البلاغة الواضحة . دار المعارف . القاهرة . ص 77 .

3- الشريف الرضى . المصدر نفسه ،ص 364 . 365 .

4- المصدر نفسه . ص 367 .

5- ابن المعتز عبد الله . البديع . تحقيق الأستاذ محمد عبد المنعم خفاجي . مكتبة الحلبي . القاهرة . 1945 م . ص 24 . 25 .

6- إحسان عباس . تاريخ النقد الأدبي عند العرب . دار الأمانة و مؤسسة الرسالة . بيروت . 1971 م . ص 356 .357 .

7- المرجع نفسه.

8- العسكري أبو هلال . كتاب الصناعتين . تحقيق الأستاذين علي محمد البحاوي و محمد أبو الفضل إبراهيم . ط 2 . مكتبة الحلبي . القاهرة . 1971 م . ص 169 .

9- سلامة إبراهيم. بلاغة أرسطو بين العرب واليونان.ط2. مكتبة الأنجلومصرية.1952م.ص285.

10-سلامة إبراهيم. المرجع نفسه.ص287.

11- الجاحظ" أبو عثمان عمر بن بحر". البيان والتبيين. تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون. لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة.1950م.ص81.

12-الجاحظ. كتاب الحيوان. تحقيق عبد السلام هارون. مكتبة. الحلبي. القاهرة. 1947م. ج3. ص8.

13- الجاحظ . البيان والتبيين. ج1.ص87.

14- الجرجاني عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تصحيح الشيخين محمد عبده ومحمد الشنقيطي. طبعة دار المنار. القاهرة.ص35.36.

15- الجرجاني عبد القاهر. المصدر نفسه.ص37.

16- المصدر نفسه.ص61.

17- المصدر نفسه.ص106.

18- سيد قطب. النقد الأدبي مناهجه وأصوله. دار الشروق. القاهرة. ص126.

19- الجرجاني عبد القاهر.أسرار البلاغة.ط2.دار المنار. القاهرة.ص81.80.

20- الجرجاني عبد القاهر. دلائل الإعجاز.ص57.58.

21- شوقي ضيف. البلاغة تطور وتاريخ.ط2.دار المعارف.مصر.ص189.

22- الجرجاني عبد القاهر.أسرار البلاغة.ص81.

23- المصدر نفسه.ص102.

24-الجرجاني عبد القاهر. دلائل الإعجاز.ص37.

25- المصدر نفسه.ص102.

26-الجرجاني عبد القاهر.أسرار البلاغة.ص81.

27- سيد قطب. المرجع السابق.ص200.

28-الجرجاني عبد القاهر.أسرار البلاغة.ص266.

29- المصر نفسه.ص03.

30- بدوي طبانة. البيان العربي.مكتبة الأنجلو مصرية.القاهرة.1968م.ص336.337.