شعرية التكرار ودلالته في رواية وطن من زجاج

لياسمينة صالح pdf

                                                               أ . جميات منى

                                       جامعة سيدي بلعباس (الجزائر)

Abstract:

This article examines the poetic repetition in novel( waten  men zojaj)  Algerian writer Yasmina Saleh, one of the characteristics of stylistic known to the new novel, which has been able to rebuild the text novelist again, change of writing style classic, came to language distinct and different at the same time, we have tried to follow linguistic redundancy in the novel, and detected levels of linguistic and aesthetic aspects and poetic, and devise significance Avatar and technical dimensions    .                                                                  

    تمهــيد:

استطاعت الرواية الجديدة خلال فترة وجيزة أن تفرض وجودها ،وتؤسس كيانها الخاص بها والذي نجده يقف في موقع يُعارض الرواية الكلاسيكية ،فحدث أن التفت إليها النقد وراح يتهافت على دراستها وتتبع حركية بنائها السردي ،غير أن أكثر الأشياء التي لمسها النقد في الرواية الجديدة هو شغفها وولعها بمزايا الشعر ،وحرصها على حضوره داخل بنيتها ،ومن منطلق رفضها لواقعية الرواية الكلاسيكية راحت  تلون لغتها بنفحات الشعر، وتقترض منه خصائصه الفنية ،وتقنياته الأسلوبية والبلاغية  وكان من بين هذه الخصائص هو التكرار.

التكرار بوصفه ظاهرة أسلوبية:    

        عرف التكرار في الدرس الأسلوبي عناية بالغة الأهمية ،ورغم أن الاختلاف يبدو واضحا حول تبني مصطلح  واحد له ،إذ " ترجحت لكثرتها بين التكرار والترديد( عبد الله صولة) والترداد ( محمد السرغيني) والضرب واستصحاب الدال المعجل والمؤجل ( جوزيف شريم ) والتكرار النمطي والشكلي ( محمد عبد المطلب)"(1) لكن هذا الاختلاف والتباين في التسميات وعدم الأخذ بمصطلح وحيد لمفهوم التكرار ،لا ينفي حدوث الاتفاق حول دور التكرار والتأكيد على قيمته البلاغية والفنية في النسيج اللغوي للنص الأدبي ،حيث" يمثل التكرار اللغوي بؤرة دلالية مهمة في النص الأدبي"(2) ، ذلك أن التكرار " يستطيع أن يغني المعنى ويرفعه إلى مرتبة الأصالة"(3)

 يُعد التكرار ظاهرة أسلوبية تنبني على خاصية إعادة تراكيب لغوية متنوعة ومتباينة، حيث تتمثل مهمة التكرار في أنه "يعيد توظيف النظام اللغوي في جاهزيته، ويحاول إعادة إنتاجه من خلال نصوص جديدة"(4)، ما يساعد على إبراز الطاقة الشعرية للغة التي تعتمد في بنائها على تكثيف الدلالة الإيحائية، وتوليد القيمة الجمالية إذ إن "تكرار الأصوات والكلمات والتراكيب، ليس ضروريا لتؤدي الجمل وظيفتها المعنوية والتداولية، ولكنه "شرط كمال" أو "محسن" أو "لعب لغوي" ومع ذلك، فإنه يقوم بدور كبير في الخطاب الشعري، أو ما يشبهه من أنواع الخطاب الأخرى الإقناعية "(5)،وهنا يصبح التكرار ذا فاعلية لغوية تبعث على الإحساس بالمتعة الفنية، لأن النظر إلى التكرار - عندئذ- لا يكون على أساس اعتباره مجرد تكرار يستدعيه السياق اللغوي للنص فقط؛ بل على أنه ظاهرة "تحمل دلالة وحضورها ليس عابرا، بل مقصودا يراد من ورائه تحقيق أهداف نصية (لغوية بالأساس)"(6) .

وحيث أن لكل ظاهرة لغوية عناصر جمالية تحدد قيمتها الفنية وتصنع أهميتها وبالتالي وظيفتها داخل النص الأدبي، فإن اكتشاف العناصر الجمالية لظاهرة التكرار، لا يكون إلا انطلاقا من تلمس جمالية العبارة، أو "الكلمة مكررة خارج كل سحر وكل ممارسة، كما لو أنها طبيعية، أو كما أن هذه الكلمة تعود كل مرة بمعجزة لتكون ملائمة"(7)، لأن الغاية من تكرار الكلمات أو العبارات هو إعادة إنتاج وتوليد دلالات جديدة.

ومما لا شك فيه، أن التكرار إذ يلقى اهتماما كبيرا من قبل الدرس البلاغي والأسلوبي؛ فلأنه "يخدم اللغة ويعكس أحوالها ويسجل مراحل نموها"(8)، ويرصد حركيتها ليعطيها الحرية في التعبير عن نظامها اللغوي الفريد الذي يسعى إلى استثمار كل طاقات الأداء وتجاوز القوانين الثابتة، وبما أن الروائي الجديد يهدف إلى رسم عالم لغوي بديل عن العالم الواقعي، لكنه عالم يحاول أن يستلهم كل عناصر ووظائف اللغة في تمثلها الشعري والجمالي، فإنه تبقى الرواية "الأقدر على تمثل وظائف التكرار ومزاياه التي تجعل اللغة لغة"(9) ، ذلك لأن الرواية تعبر -دائما- عن عالم أرحب يستوعب الذات الإنسانية بهمومها واضطراباتها وتوتراتها، لكن بلغة قادرة على الانفتاح على كل مظاهر التنوع والتعدد في وظائفها البلاغية، ومميزاتها الفنية الفريدة، لدرجة يصبح فيها "الهدف الرئيسي للخطاب هو الاتكاء على اللغة لتكون عنصرا رئيسيا من عناصر الجذب الروائي، لأن الحدث يتضاءل كثيرا أمام اللغة، وهو حدث لا يلفت الانتباه ولا يستثير اللذة الأدبية الروائية المنشودة"(10)، وحيث أن "التكرار يسهم بشكل كبير في الدور التعبيري في الرواية"(11)؛ فإنه ما من شك بأن استثماره داخل الخطاب الروائي، سيزيد من إثراء النص والتكثيف في لغته لإضفاء الجمالية التي تتبدى -غالبا- من رغبة الرواية الملحة في محاورة عناصر أسلوبية وشكلية، هي بالأساس للشعر وجعلها جزءا مهما من البناء العام للجنس الروائي.

مستويات التكرار في روايةوطن من زجاج:

إن القارئ لرواية (وطن من زجاج) يلاحظ أن الكاتبة قد جعلت من الرواية فضاءا لتكثيف ممكناتها التعبيرية، ومساءلة نظام اللغة الشعري حتى تجلو لنا نصا سرديا يحاكي الواقع ،ويرسم معالمه بشكل تباغت فيه قوانين اللغة النثرية، ففيما يتعلق الأمر بظاهرة التكرار؛ فإن القارئ سيجد نفسه أمام مستويين من مستويات التكرار، والتي كانت الناقدة نازك الملائكة(12)، قد أشارت إليهما أثناء دراستها لظاهرة التكرار، وقد قامت الكاتبة ياسمينة صالح باستثمارهما في البنية اللغوية للخطاب الروائي.

على مستوى الكلمة:

تكرار كلمة الخوف:

يعتبر تكرار الكلمة من بين الأشكال التي تجسد حضور ظاهرة التكرار في خطاب رواية (وطن من زجاج) ،ويبدو أن اختيار الكاتبة الحديث عن موضوع أزمة الإرهاب، وما يعكسه من هموم ومشاكل نفسية تُلقي بأثرها على الإنسان قد ساعدها على تبني ألفاظ تتكرر على طول المقاطع السردية ،وهذا من قبيل كلمة (الخوف).

تقول الكاتبة:

 " كان إحساسي متشابكا، مختلطا بين الخوف والدهشة.. بين الخوف والشوق .. بين الخوف واللهفة.. كان الخوف هو الشئ الوحيد الذي ظل يلاحقني في كل حالاتي .. الخوف من الخوف نفسه. الخوف من اللا خوف أيضا . من ألا أخاف حين يجب أن أخاف.. أليس هذا ما لقنه لي الوطن ؟ الخوف والخوف والكثير من الخوف ؟ من ذا الذي يجرؤ على القول إنه تعلم من الوطن شيئا آخر غير الخوف؟ حتى حين نشعر برغبة في الحلم نخاف . حين نضحك نخاف . تقول عجائزنا عن لا وعي" اللهم اجعل ضحكنا خيرا!"هو الخوف من الضحك والحلم والفرح. الخوف أن تأتي مصيبة مهمتها معاقبة كل من حلم وتفاءل وضحك ومرح وأحب"(13).

 إن الإصرار على تكرار لفظة الخوف في هذا المقطع السردي بشكل ملفت للانتباه، يجعل من التكرار يحدث وقعا انفعاليا ووجدانيا في نسيج اللغة ليترجم عمق الشعور الإنساني المرير، بحيث يصبح الخوف هاجسا يؤرق الإنسان ،ويأتي التكرار  ليصور "الظلال الخفية في الحياة الروحية من خلال رصد الوضع النفسي البالغ الدقة،وحركة التحول في المشاعر " (14)،فحتى عبارة ( اللهم اجعل ضحكنا خيرا) تعمل على إضاءة المعنى وتوجيهه نحو فكرة الخوف، واللغة في هذا المقطع السردي تُدخل القارئ في جو نفسي يصور عذاب الذات الإنسانية ويوحي بعمق الشتات والقلق ،و الضياع الظاهر في تركيز الكاتبة على كلمة الخوف والاهتمام بتكرارها بشكل ملفت للانتباه في السياق اللغوي ،وهنا يقوم التكرار بوظيفة تأثيرية ،أين " يلقي في ضمير القارئ وأفقه هزة ومفاجأة وتطريبا"(15)،لأنه سيدعوه إلى إدراك التكرار بوصفه حاملا للمعنى العام للخطاب الروائي، والمعبر عن الحس" الوجداني الواصف لذات مؤرقة ومتوجعة لما يحدث في الجزائر المبتلية بالقتل والموت المجاني ،فتسرب النصوص السردية في نسق حكائي ما يلبث أن يتداخل مع نسق غنائي تفيض على حوافه اللغة المجازية عن بنية أخيولة تتطوح في امداء الخيال المجنح ،أو تتكسر على خيبات واقع مؤلم"(16).

تكرار كلمة الموت:

يشكل الموت جزءا أساسيا في تشكيل موضوع رواية وطن من زجاج، لهذا فإن تكرار كلمة الموت سيعمل على تكثيف الدلالة الإيحائية، وتحريك ذهن القارئ نحو اكتشاف المعنى المنشود من وراء ظاهرة التكرار.

تقول الكاتبة:

 "رحل النذير إذن . مات هكذا .. مات لأنه رفض العيش طويلا داخل هذا الهباء اليومي . مات لأجل أن يعيش هؤلاء الخونة الذين ساوموه على حياته وأحلامه وراحة باله.مات دون أن يتزوج، دون أن يحقق حلم الأبوة كما كان يتمنى في سره. مات بسيطا كالفقراء، وعاريا كالأولياء الصالحين.. مات تاركا أما تبكيه بصمت وأختا تنظر إلى الآخرين بحثا عن إجابة لأسئلة الكون وأخا صغيرا يشعر باليتم من جديد! "(17).

إن المتأمل لهذا المقطع السردي ،يلمس ذلك التدفق الشعوري الذي يصنعه تكرار لفظة (مات) لأن الغرض من هذا التكرار هو تحميل اللغة دلالات نفسية ،وانفعالية تعبر عن موقف الإنسان من تلقيه للموت بشكله المجسد في الرواية وتأتي كلمة مات في كل مرة لتحمل معنى خاص ودلالة عاطفية ومعينة وهذا ما يظهر في :

 - كلمة مات الأولى                 الخيبة والحسرة من تلقي فعل الموت.

- كلمة مات الثانية                  عدم القدرة على استيعاب الواقع بأحداثه المريرة.

- كلمة مات الثالثة                  عدم جدوى الحياة في وجود القتلة.

- كلمة مات الرابعة                 فقدان الرغبة في الأمل والحلم والفرح.

- كلمة مات الخامسة               الصدمة في تلقي الموت دون سبب مقنع.

- كلمة مات السادسة              حجم الضياع والفراغ الذي يخلفه فعل الموت.

تكرار كلمة الحب:

وفي مقابل الموت، يحضر الحب كبديل آخر ليعوض ذلك الشعور الفظيع بالمرارة والأسى على ما خلفه الموت، ويعيد صقل إحساس جديد، وهنا تعمل الكاتبة على تكرار كلمة الحب بصيغة الفعل المضارع(أحبك).

تقول الكاتبة:

  "أن أحبك لهي لعنة أخرى تصيبني.. أن أحبك لهو انتحار جميل أعي جيدا أنني أمارسه بكامل عقلي.. أن أحبك يعني أنني أتمرد على منطق" الغيلان" وأتحرر من عقدة الـ "قداسة التي لوثوها أمام عيني .. أن أحبك يعني أنني أولد ثانية بموجب قناعاتي أنا، وبموجب ما أحمله من رؤى لست بحاجة إلى شرعية مزيفة ولا إلى انقلاب عسكري دموي لأصدقها ولأدافع عنها" (18).

 إن تكرار لفظة أحبك في هذا المقطع السردي ،جاءت لتبث روح التغيير والتأثير ،ذلك أن الإلحاح على إعادة كلمة أحبك في كل مرة ،ليس لمجرد تحقيق حضور ظاهرة التكرار اللغوي في الرواية  ،والذي يصبح في بعض الأحيان ذا وظيفة تنميقية تعمل على تزيين الكلام ؛بل هو أمر " يستدعيه السياق النفسي والجمالي والهندسي معا"(19)،فرغبة الكاتبة في تحريك ذهن القارئ نحو إدراك قيم الحب الروحية والنفسية، وإيقاظ شعوره بقدرة الحب على تحفيز الإنسان لرفض الواقع المؤلم  وتغييره، والبحث فيه عن قيم الجمال والخير هو ماجعل الكاتبة توظف لفظة أحبك بتقنية التكرار، وهنا " يجهد النص في سعي دائب  لخلق جو نفسي خاص إيحائي حركي ،وذلك باستخدام تقنية التكرار ،ولكن دون الإساءة إلى النص لغويا، لأن الهم هو توليد الصور عبر هذه اللغة"(20).

تقول الكاتبة:

 " يقترب نحوي مبتسما، ويمد يده مصافحا بحرارة تجعلك تشعر بالحب نحوه. بحب غريب.. حب لا يجبرك على مقاسمته ذاكرتك.حب لا علاقة له بالأسئلة ولا بالواجب ولا بالبذلة الزرقاء ولا بالبذلة المدنية. حب بسيط وصادق ومدني"(21).

ففي هذا المقطع السردي تتكرر لفظة ( حب) لتؤكد على قيمة الحب في ذات الإنسان ،وتبعث في اللغة مساحة من الجمال، يتلمس من خلالها القارئ  عناصر الجمال في الحب، في بساطته وصدقه وخلوه من مبدأ المصالح والسببية ،وما إصرار الكاتبة على تكرار كلمة حب ،إلا لتعلي من شأن الحب وتؤكد قيمته الحقيقية لا المزيفة ،ليصبح التكرار هنا ذا وظيفة تأكيدية .

تكرار كلمة الوطن:

ربما كان لتكرار الوطن في المتن السردي لرواية وطن من زجاج أثر كبيرا في توجيه القارئ نحو معنى الرواية ،   فالوطن هو- بالأساس- موضوع الرواية ،ولفظة الوطن تأتي منذ البداية في العنوان ،أما عن تكرارها في المتن، فنجد أن الكاتبة قد وظفتها بتقنية التكرار بشكل صارت فيه " كتنسيق للإيقاع وفق تنظيمات عن طريق التساوي أو الترتيب"(22).

تقول الكاتبة:

" يا امرأة بقلب الوطن. بذاكرة الوطن. بضمير الوطن. بحيادية الوطن ازائي"(23) 

تتعلق وظيفة التكرار هنا بإحداث الأثر الجمالي ،حيث تنساب كلمة الوطن على وقع موسيقي يتكرر و" يناغم اللفظ في السياق لفظه وضريبه ،وتتضام الدوال في نسج يلائم السياق النفسي والجمالي والهندسي"(24) فتتوزع كلمة الوطن في نسيج اللغة على تلوين لفظي يثير المتعة ،ويشحذ طاقة اللغة الشعرية.

تقول الكاتبة:

 "أنا الذي وعدني الله بأرض أسكنها وبشارع لا أدخله خوفا من الرصاص وبمكان أجلس فيه سائلا عن صحة الوطن، ومترحما على روح الوطن وباكيا على جثمان الوطن"(25).

إن هذا  المقطع السردي يرصد تقنية التكرار الواضح في لفظة (الوطن) ،ولعل بناء كلمات ( سائلا- مترحما- باكيا) بصيغة اسم الفاعل، وربطها بالتركيب الصوتي لحروف كلمة الوطن، قد جعل من التكرار يحمل دلالة نفسية ،بحيث تُعبر كلمة الوطن عن الحسرة والحزن على حال الوطن، وضياع القيم الفكرية والشعورية التي تشكل إحساسنا بهذا الوطن ،لأنه صار شيئا قابلا لأن يُداس عليه  بكل الطرق،ويُهان الإنسان بداخله.

على مستوى العبارة:

 يأتي تكرار العبارة في رواية (وطن من زجاج) كجزء تكميلي لظاهرة التكرار اللغوي  بعد تكرار الكلمة ،فقد بنت الكاتبة تقنية تكرار العبارة  في نسيج النص السردي على جملة من العبارات ،والجمل ترددت في مساحة المتن الروائي لتجسد من خلالها بعض المواقف والتصورات ،ومنها عبارة " لاأعرفكيف".

تقول الكاتبة:

  " كنت أراهم يتشبثون بالفراغ، يصرخون وفجأة ينقطع صراخهم. فلا أعرف كيف أنقذهم. لا أعرف كيف أجرهم سريعا إلى الشط ولا أعرف كيف أعيد الحياة إليهم"(26).

 يعكس التكرار في هذا المقطع السردي اضطراب الذات وعجزها أمام فعل الموت ،وهذا العجز قد جعل من عبارة (لا أعرف كيف) تتكرر لتعبر عن حدة الصراع مع الذات اليائسة والمستسلمة للموت ،والتي لم تجد أمامها سوى الرضى بالنهاية المحتومة التي يحددها الموت.

تقول الكاتبة:

 " فهل كثير علي أن آتيك فارغا مني وخاليا من الكلمات؟هل كثير علي أن أجلس بجوارك وأتكلم كمن يواصل حوارا بدأه قبل ألف عام؟هل كثير علي أن أجئ إليك لأبقى صامتا في حضورك.. لأبدو أقل ذنبا مما أظن.. هل كثير علي أن أجئ إليك لأسأل :كيف هي الحياة معك؟"(27).

 إن تكرار عبارة (هل كثير علي) في هذا المقطع السردي يأتي بشكل ينطبق عليه قول الشاعرة و الناقد نازك الملائكة :" إن العبارة المكررة ينبغي أن تكون من قوة التعبير، وجماله ومن الرسوخ والارتباط بما حولها بحيث تصمد أمام هذه الرتابة"(28)،ذلك أن تكرار عبارة " هل كثير علي" جعلت من اللغة تنساب بتدفق شعري ،وتحقق جمالية في التعبير تنبع من خلال تلاحق الألفاظ فيما بينها وفق تركيب لغوي يسعى لتلمس طاقة الكلمات الدلالية وحتى مجئ العبارة مكررة بصيغة الاستفهام، قد ساهم في إضفاء الجو النفسي القائم على المسائلة الذاتية.

 بهذا يمكننا القول بأن ظاهرة التكرار اللغوي في خطاب رواية وطن من زجاج ،جاءت كتنسيق جمالي للغة الروائية، حيث ساهمت بشكل كبير في تزويد اللغة بطاقة إيحائية، ودلالية تنم عن رغبة الروائية في الاتكاء على شحنة الكلمات والعبارات التي تتكرر لتثري المعنى من جهة، وتعمل من جهة أخرى  على إضفاء الجمالية على النسيج اللغوي، فكان للتكرار اللغوي في رواية وطن من زجاج أثر بالغ الأهمية، حيث أعطى للغة بعدا انفعاليا ووجدانيا، وبالتالي قد رسم جزءا من معالمها الجمالية التأثيرية.

الهوامش



1.   سليم الشريطي." تكرار في النقد العربي الحديث- قضايا الشعر المعاصر لنازك الملائكة-" .مجلة كتابات معاصرة ،بيروت- لبنان،المجلد:16،عدد:64،(2007)،ص:105.

 2.   ناصر يعقوب. اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية (1970-2000). ( 1970- 2000).المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت- لبنان ،الطبعة الأولى ؛2004،ص:211.

3.      نازك الملائكة.  قضايا الشعر المعاصر . دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السادسة؛ 1981، ص:263.

 4.      خمري، حسين. نظرية النص- من بنية المعنى إلى سميائية الدال- منشورات الاختلاف ،الجزائر ،الطبعة الأولى؛ 2007،ص:275

 5.      محمد مفتاح .تحليل الخطاب الشعري( إستراتجية التناص). المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء،بيروت ،الطبعة الثالثة؛1992 ،ص:39.

 6.   خالد سليكى." من النقد المعياري إلى التحليل اللساني- الشعرية البنيوية نموذجا-" .مجلة عالم الفكر،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،دولة الكويت،المجلد:23،عدد:01-02 ،(1994).ص:411.

 7.      رولان بارت.لذة النص ، ترجمة: منذر عياشي ، مركز الإنماء الحضاري ، حلب- سوريا،  الطبعة الأولى؛199،ص:79.

 8.      نازك  الملائكة.قضايا الشعر المعاصر. دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة السادسة؛ 1981، ص:276.

 9.   صلاح صالح.سرد الآخر - الأنا والآخر عبر اللغة السردية-  المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء- المغرب ، الطبعة الأولى؛2003،ص:09.

 10.  سليمان حسين. الطريق إلى النص - مقالات في الرواية العربية - منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق؛ 1997، ص:81.

 11.  ناصر يعقوب.اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية ( 1970- 2000)،ص:211.

 12.  ينظر: نازك الملائكة. قضايا الشعر المعاصر.ص:263-266.

 13.  ياسمينة صالح .وطن من زجاج.منشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى؛ 2006، ص:153-152

14.  ناصر يعقوب. اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية(1970- 2000  ). ص:218.

15.  سليم الشريطي." تكرار في النقد العربي الحديث- قضايا الشعر المعاصر لنازك الملائكة-" .مجلة كتابات معاصرة،ص:110.

16.  عبد الله أبو هيف. الإبداع السردي الجزائري. منشورات وزارة الثقافة، الجزائر، 2007، ص:351.

17.   الرواية،ص:143.

 18.  المصدر نفسه،ص:116.

19.  ينظر: نازك الملائكة. قضايا الشعر المعاصر.ص:284.

 20.  سليمان حسين. الطريق إلى النص- مقالات في الرواية العربية-  ص:81.

 21.   الرواية،ص:08.

 22.  ناصر يعقوب. اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية(1970- 2000  ). ص:210.

 23.  المصدر السابق، ص: 109.

 24.  سليم الشريطي." تكرار في النقد العربي الحديث- قضايا الشعر المعاصر لنازك الملائكة-" مجلة كتابات معاصرة .ص:112.

 25.   الرواية،ص:125- 126.

 26.  المصدر نفسه،ص: 37.

 27.  المصدر نفسه ،ص: 150.

 28.  نازك الملائكة. قضايا الشعر المعاصر.ص:285- 286.