مساءلة التاريخ في الشعر الجزائري المعاصرpdf

        د/ أحمد قيطون

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

الملخص:

 الشعر مسكون دائما بالتاريخ إذ لا يمكن للشاعر أن يذهب بعيدا عن ملابساته، لأن فيه نقاطا مضيئة غيرت الواقع بكل أشكاله، وهذا ما جعله ينتقي من الأحداث التاريخية ما يراه دالا ومناسبا. فليس الماضي كل ما مضى. الماضي نقطة مضيئة في ساحة معتمة شاسعة، وأن ترتبط كمبدع بالماضي هو أن تبحث عن هذه النقطة المضيئة كما كتب يقول أدونيس.

هذا ما تحاول هذه المقالة أن تلامسه، أي كيف يشكل التاريخ والشعر نصا يحمل هموم الأمة ؟ وما نصيب الشعر الجزائري المعاصر من هذه القضية؟ .

Abstract :

 History permanently contained in poetry .The poet can not deny that fact and  can not act without reference to its manifestations ,since it includes some shining elements that transformed reality in its diverse forms .That fact makes him be selective regarding the historical events that he feels appropriate and expressive.Past is not former events.Past is a shinning point in a dark wide space,the creative producer means that you search for the shinning point as was was written by the poet Adounis.

This  article deals with the fact that poetry and history function in parrallel to produce a text that reflects the conditions of the nations . I will deal at the same time with the position of the modern algerian poerty towards poetry and history and the way how they ,together,reflect the societal state.

 يشكل التاريخ بالنسبة للشاعر المادة الخام، والمصدر الأساسي لنصوصه لما يحتويه من مواقف وأحداث متشابهة. فإذا رجعنا إلى الشاعر العربي القديم وجدناه يقدس هذا الفعل أو هذا الكلام الشعري لما فيه من تاريخ لمراحل حياته، لذا غدت المقولة الشهيرة، الشعر ديوان العرب ففيه يسجل الشاعر أمجاد قبيلته، وفيه يفتخر ويصور عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها. لذا يشكل الشعر والتاريخ ثنائيتين متلازمتين  لا يمكن لأحدهما التخلي عن الآخر، إذا أرادا الاستمرار والخلود في الذاكرة.

        فالتاريخ <<يعد مصدرا للتجارب البشرية، استمد منه كثير من الأدباء موضوعات لابدعاتهم…والأديب .. إنما يختار من التجربة التي تصلح للتعبير عن مشكلة انسانية أو اجتماعية تشغله أو تشغل عصره أو تشغل الإنسان في ذاته>>

[1].

        وهو يحمل في طياته نماذج من شخصيات كان لها أثرا بارزا في تغيير المواقف في شتى الميادين الحياتية، أو في صنع المواقف، لذا التف الشعراء المعاصرون، حول هذه النماذج لتكون صلة وصل بين ماضيهم وحاضرهم من خلال استكناه تجاربهم وتوظيفها توظيفا فنيا يخدم تجاربهم المعاصرة. <<فالشاعر يختار من شخصيات التاريخ ما يوافق طبيعة الأفكار والقضايا والهموم التي يريد أن ينقلها إلى المتلقي >>[2]. فليس كل التاريخ صالحا لتكون أحداثه متشابهة لأحداث العصر. لذا فالإنتقائية هي خاصية أساسية من خصائص تعامل الشاعر مع التاريخ، <<هذا التاريخ يبقى بعيدا عن أن يكون رمزا فنيا، ما لم يستطع  الشاعر شحن هذا التاريخ بمشاعر تثير في الذهن تجارب راهنة، وما لم يستطع الشاعر ربطه بالحاضر وبالتجربة المعاصرة>>[3]، فللتجربة الشعورية دور مهم في عملية التواصل بين الشاعر والتاريخ وبين الشاعر والمتلقي وإلا كان الاستدعاء الذي -لا يختلف عنه الرمز الديني- مجرد اشارات عابرة في النص الشعري.

        فالشاعر المحدث يجد في المصادر التاريخية ما يقنع به النص المعاصر، بقناعات توحي إلى وشائج العلاقة بين الحاضر والماضي بحيث يؤدي هذا القناع وظائف متغايرة و أدورا مختلفة ويحقق غايات وأهدافا متباينة[4].

        فالشاعر يتعامل مع التاريخ بمظاهره المتعددة، كما يتعامل مع معجم اللغة فيحاول أن يفرغ مثلا الشخصية مما تحمله من دلالات قديمة ويملأها بدلالات معاصرة.

        إن الشاعر فيما هو يخلق رمزا تاريخيا فإنه يبقى على الدلالتين الأولى والمتمثلة في الحقيقة التاريخية التي تحملها هذه الشخصية أو هذه الحادثة، والتي تحولت إلى اصطلاح أو هو المعنى الظاهر والبسيط للقارئ العادي، أو بعبارة أخرى الشخصية التاريخية مجردة من سياقها النصي، أما الثانية فهي المعاني الجديدة، أو الخلق الجديد، والذي يحاول الشاعر من خلاله أن يربط الحاضر بالماضي للاستشراف المستقبل، وإن كانت هذه الرؤية خاصة برؤية كل شاعر نحو تراثه بشتى أنواعه، فالشاعر وحده الذي يعطي للرموز التراثية قيمة من خلال هذا التوظيف الفني أو <<ربما تناظرت الدلالتان    -القديمة والحديثة- في السياق الشعري الجديد إلى حد التنافر أو التعارض والتعاكس، فيكشف الرمز التاريخي... عن غايات بعيدة، ويعبر عن تجربة إنسانية واسعة، حاضرة وأزلية، بحسب طاقة الشاعر التعبيرية وقدرته البيانية على صهر رموزه ضمن سياق التجربة الكلية لأمتة>>[5] فالسياق هو خاصية رئيسية من خصائص الرمز، وفقدانه يؤدي إلى فقدان رمزية الشيء الموظف سواء أكان دينا أم تاريخا أم أدبا أم تصوفا.

        <<فالمعول الأساسي في استعمال التاريخ رمزا، هو قدرة الشاعر على شحن هذا الرمز بما يخدم التجربة الراهنة، وتلوين هذه التجربة بالمشاعر التي يريد الشاعر أن يبلغها للمتلقي، لا أن يكون التاريخ مجرد ذكر لأسماء ولحوادث فقط تهدف إلى التذكير بماض ما...>> [6].

        إن  نجاح العملية الشعرية وهي تستنجد بالتاريخ  كرمز كبير موقوف على مدى تحكم الشاعر  في لغته الشعرية، التي بها يحيل التاريخ بلباسه القديم إلى واقع معاصر وجديد، فالشاعر أمام نصين متنافرين، الخطاب التاريخي الذي أساسه الواقع، والاحتكام للعقل، والخطاب الشعري الذي أساسه العواطف والانفعالات والرؤى الخاصة، فعندما يوظف الشاعر إحدى الشخصيات التراثية داخل بنية قصيدته الحديثة محاولا التوفيق بينها وبين واقعه المعاصر الذي يريد التعبير عنه، فإنه في حقيقة الأمر يحاول التوفيق بين نوعين مختلفين من الخطاب "الخطاب التاريخي" و "الخطاب الشعري"[7] .

        هكذا إذن يحاول الشعراء أن يتخذوا من الشخصيات والأحداث التاريخية، رموزا وأقنعة يتسترون خلفها هم ومن حولهم من البشر، محاولين رصد يومياتهم وتجاربهم في ملامستها للماضي، لكن برؤية أقل ما يقال عنها، رؤيا محكومة ومشدودة بالوضع المزري للإنسان المعاصر.

        لذا فالشعر مسكون دائما بالتاريخ اذ لا يمكن للشاعر أن يذهب بعيدا عن ملابساته، لأن فيه نقاط مضيئة غيرت الواقع بكل أشكاله، وهذا ما جعل الشاعر ينتخب من الحوادث التاريخية ما يراه دالا ومتناسبا فحسب مع بنية قصيدته <<فليس الماضي كل ما مضى، الماضي نقطة مضيئة، في ساحة معتمة شاسعة، وأن ترتبط كمبدع بالماضي هو أن تبحث عن هذه النقطة المضيئة>>[8].

        لكن هذا البحث يبقى دائما مقرونا بالتجربة الشعورية فلا<<شيء يملي على الشاعر الرمز الذي يزمع التقنع به، أو يحدد له هويته غير تجربته الشعورية، فهي التي تملي عليه ذلك الرمز ونوعه ومصدره الذي يتلمسه فيه، ومدى قدرته على النهوض بالتجربة وملاءمته لها، واندماجه في سياقها>>[9].

        إن التجربة الشعرية والحالة الشعورية هما اللتان تفرضان مصدر الرمز الذي منه يستقي الشاعر، كي يعبر عن رؤيته الشعرية لواقع ما، فهل تمكن الشاعر الجزائري المعاصر من هذه التقنيات التي تجعله مسايرا لمسار الكتابة الشعرية في العالم العربي، أم أنه بقي مشدودا بحبل التقليد.

 يرى الباحث عثمان حشلاف -في بحثه عن الرمز في نصوص شعراء فترة الاستقلال، وبالأخص شعراء السبعينات ومن خلال استقرائه لمجموعة من النصوص الشعرية التي تعامل شعراءها مع التاريخ- أنه<<لا نكاد  نجد من بين شعراء الجزائر في الفترة التي نبحثها من يرتفع بالرمز التاريخي إلى هذا المستوى من التوظيف والتكثيف والتألق والوعي والاندماج الكلي، وتوحد الرمز بسياقه... لأسباب كثيرة، لعل أقواها جاء نتيجة المسخ الاستعماري المباشر طيلة ما يقرب من قرن ونصف من التدمير>>[10].

        هذا الحكم النقدي من باحث جزائري، يدرك الشأن الشعري الجزائري، وليس حكما من باحث خارج الديار، إلا أن هذا السبب الذي أورده الباحث غير كاف لتبرير ضعف المستوى الفني لشعرائنا في تلك المرحلة فهناك أسباب أخرى كانت عائقا في سبيل تطوير الشعراء لأدواتهم الشعرية منها: [11].

        أولا ازدحام أحداث الثورة ببطولاتها وانتصاراتها  في ذاكرة الشعراء، وهو ما يستدعي التسجيل دون غرض آخر.

        وثانيا: افتقار الساحة الأدبية في الجزائر إلى تراث شعري محلي يستمد منه ويستثير بتجاربه.

        وثالثا: غياب النقد الجدي، والنشر، والطبع، والتشجيع، ولعل السبب الثالث هو من أقوى الأسباب، إذ للنقد دور كبير في توجيه الشعراء نحو المسار الصحيح للإبداع والابتعاد عن طريق التقليد.

        وهذا ما جعل بعض نقادنا يرون أن الساحة الجزائرية كانت خالية من النقد، الأمر الذي دفع بالشعراء إلى استيراد التجربة الجديدة من الشرق

           إذن هذه الأسباب كلها كانت عائقا في وجه تطور القصيدة الجزائرية المعاصرة

 و <<انحصر الإبداع عندنا بعامة والإبداع الشعري بخاصة في ذم السياسة وادانة رموزها وأقانيمها للمستوى ذاته الذي يخدم السياسة والمذبذبين أعني الضحالة والمباشرة.. وإن ارتفع الشعر عن هذا المستوى وقع أسير الاحتذاء والتكرار لكثير من نماذج الشعر العربي بالمشرق، وردد بعض رموزه في غير تمثل صحيح أو فهم عميق لها نتيجة اختلاف الظروف النفسية والسياسية والبيئية بين المشرق والمغرب>>[12].

        ومن الشعراء الذين وقعوا في التقليد والتكرار لأعمال الآخرين نجد الشاعر عبد العالي رزاقي، في كثير من نصوصه الشعرية التي تعامل فيها مع الرموز الأسطورية أو الدينية أو التاريخية، فمن النصوص التي استدعى فيها التاريخ كشاهد على مرحلة، تميزت بالفقر والتهميش نجد نصه الذي عنونه بـ هموم مواطن يدعى عبد العال" وهو العنوان الذي اختاره لديوانه ، هذا الديوان الذي أتى مثقلا بالاستدعاءات الكثيرة والمتنوعة، يقول الشاعر في المقطع العاشر من القصيدة :

    ها أنت تروض كالثيران الإسبانية
    يستهويك اللون الأحمر
    تغريك الألوان الخضراء
    تسجد عل جبينك يألف رائحة الأرض
    إذا ما ثار "أبو ذر الغفاري" ونادى،
    في الناس بإحدى ساحات الاستقلال الوطني
!
   -من أين لك هذي الفيلات الفخمة؟
  فيجيب صداه:

   -من أين لكم هذي السيارات السوداء حدادا
    والحانات الليلية، والغابات الممنوعة
    والطرق المحروسة، والحيوانات المستوردة
    من عرق الفلاحين وسواعد عمال مقهورين؟
[13]

        يحاول الشاعر عبد العالي رزاقي من خلال هذا المقطع أن يعرى واقعا سياسيا طغى على البلاد في فتره معينة من فتراتها وهي ما بعد الاستقلال، إذا انتشرت سلوكات تناقض ما كانت البلاد تسير عليه من نظام اشتراكي.لكن هذا الوصف الشعري - لهذه  الظاهرة الغير أخلاقية-  لم يؤت ثماره ،لأن هذا النص غلبت عليه السمة النثرية، والمباشرة المفضوحة، وهذا يتنافى وجماليات الشعر.

        لقد حاول الشاعر أن <<تكون استلهاماته التاريخية صورة رامزة للواقع المستفز بهموم القضايا السياسية حيث يخبئ الشاعر فيها لون فكره وخطوط رأيه>>[14].

        فهو قد استدعى "أبا ذر الغفاري" ليكون الصوت الذي يتحدث عنه ويمثل أفكاره ورؤاه، لأن أبا ذر الغفاري عايش واقعا غارقا في البؤس والظلم الاجتماعي، حيث كانت مقاليد الحكم في أيدي بني أمية الذين أتوا على كل شيء في البلاد من الاستلاء على الأموال والقصور، وهم بذلك قد تركوا الشعب عرضة للفقر والتهميش فقام أبو ذر يحارب هذه الأوضاع بكلماته علها تلقى أذانا صاغية، وبالتالي يكون قد ساهم في عدم امتلاك فئة معينة للسلطة أو للثروة.

        وهذا ما حاوله الشاعر رزاقي لكن محاولته في بسط أفكاره كانت على حساب شيء محكوم بما يسمى الجمالية، لذا أتى نصه تقريريا مباشرا، خال من البناء الرمزي الذي يعطي للنص الشعري جمالية خاصة سواء أ تعلق الأمر بالبناء الصوري أم الإيقاع.

        << فالقيمة الفنية ..لا تنبع من مصدر القناع أو نوعه، وإنما تكمن في قدرة الشاعر على حسن اختياره، ومهارته في التعامل معه، وأن الأصالة التاريخية للقناع لا تضمن له النجاح>>[15]. 

        فما ينقص الشاعر الجزائري هنا، هو تلك المهارة الفنية، التي يتطلب امتلاكها ممارسات كثيرة للفعل الكتابي، هذا الأخير كان قليلا في تلك المرحلة، -مرحلة ما بعد الاستقلال- حيث جل الشعراء كانوا مبهورين بأعمال شعراء المشرق، مما أثر سلبا على بنية القصيدة الجزائرية وجعلها تابعة بل مقلدة لشقيقتها بالمشرق.

        <<فأصالة الموروث لا تنهض شفيعا لقصور الشاعر أو تقصيره في تمثل التجربة الإبداعية وصياغتها>>[16] .

        هذه الأحكام بالقصور في التعامل الشعري مع الحدث التاريخي لشعراء السبعينات قد أكدها كم من باحث، وحاولنا أن نؤكدها من خلال إعادة قراءة بعض نصوصهم الشعرية.

        فهذا مصطفى محمد الغماري ، يتخذ من الجهد الأموي رمزا للنفاق، فهو كغيره من الشعراء <<وجد في البيت الأموي رموزا عبروا بها عن الاستلاب السياسي في الواقع العربي المعاصر، وعبروا كذلك عن مشاعر القهر والكبت التي تتسم بها بعض أنماط الحكم العربي أو بعض رموزه الحاكمة>>[17] إذ يقول في نص "اعترفات عاشق":

على درب (ليلى)انسفحنا
وتعلم ليلى... بأنا

نحبك يا نار ليلى
ونغتال حبك ظهرا

من الزمن الأموي
ركبنا مطايا الرياح

لنا في المهازل سبق
ركبنا متون السراب

 

روايات عشق بديع
خريف بوجه الربيع

يحبك منا اللسان
ويبكيه منا البيان

عشقنا رموز النفاق
وبعنا الخيول العتاق

وفي الموبقات انطلاق
وقلنا: السباق والتسباق[18]

        لقد استطاع الغماري أن يحقق نوعا من البناء الرمزي في هذه المقطوعة من خلال الألفاظ التي تحيل إلى دلالات معينة فمثلا اسم "ليلى" الذي يدل على "الوطن" الجزائر" وكيف يرسم الشاعر مشاعرنا نحوه واصفا إياها بالنفاق والزيف الذي تعلمناه منذ العهد الأموي.

        فهو بتوجهه الإسلامي وموهبته الشعرية الكبيرة استطاع أن يعزف على وتر الرمز التاريخي، دون أن يحس القارئ بذلك فذكره لجملة

                 (من الزمن الأموي    عشقنا رموز النفاق).

        تحيل القارئ مباشرة إلى الوضع القديم وتربطه بالوضع الجديد لذا <<فإطار الشعر هو إطار تاريخي اجتماعي ولا يمكن للشعر أن ينفصل عن هذا الإطار حتى لو ادعى ذلك، وقد عرفت المسيرة الشعرية الإنسانية، بعض محاولات تمرد الشعر على التاريخ وعلى المجتمع مثل محاولات "الفن للفن، والرومانسية ، وما فوق الواقعية ولكنها في الحقيقة لم تتعد كونها تنويعات وأصداء لفترات تاريخية واجتماعية>>[19] والشيء نفسه نجده متواصلا مع شعراء الجيل الجديد أو شعراء اليتم كما يسميهم الباحث أحمد يوسف[20]، حيث التاريخ حاضر برموزه. فهذا الشاعر: أبوبكر مراد يقول مستدعيا رمزا تاريخيا لطالما مثل للشعراء العرب المعاصرين رمزا الاقتتال الدائر بين الإخوة في الدين. 

     تقاتلوا تفاتلوا
     فكر بلاء في عروقنا
    قديمة...

    واشعلوها فتنة
   بمنطق القبيلة[21]

        لقد واجهت الأمة العربية قديما صراعات داخلية، جعلتها عرضة للتشتت والإنهيار وفريسة سهلة للآخرين، فكانت التكتلات والمعارضات هي السمة الغالبة على تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ الأمة العربية.

        فالشاعر أبو بكر مراد أراد أن يعيد تلك التجربة القاسية في ذاكرتها العربية والإسلامية، لأن التجربة نفسها مازلنا نعيشها بين الفينة والأخرى في أمصار مختلفة من الوطن العربي.

        وكربلاء كمنطقة تقع في العراق دارت فيها<<حرب بين أبي زياد عامل الخليفة الأموي يزيد بن معاوية والحسين بن علي بن أبي طالب آخر الخلفاء الراشدين... ونعلم أن الحسين قتل في تلك المعركة بعد جهاد مرير، وأرسل رأسه مع من بقي حيا من رفاقه إلى الخليفة الأموي في دمشق>>[22].

        فالشاعر تعامل مع الحادثة التاريخية برمزية كبيرة من خلال البناء الفني، الذي لم يشر إلى الدلالات الخفية التي تحملها حادثة كربلاء وإنما أشار إلى الحادثة فقط، وترك المتلقي يسافر في أعماق الذاكرة العربية، ويجوب أقانيهما ليعود محملا بدلالات متعددة ومتنوعة، دلالات تحمل أوراق الهزيمة بعضا منها.

        كما شكلت بعض الأيام التي ورد ذكرها في كتب التاريخ، رمزا في نصوص شعرائنا فلأحداث عبس وذبيان مكان داخل  المتن الجزائري.

   فذاكرة الشعب العليلة
   ما زالت كما كانت
   تعيدها  من جديد
   عبسا وذبيان العقيمة[23]

        هكذا بنبرة درامية يشارك الشاعر الجزائري المعاصر، في التعبير عن المآل الذي وصلت إليه حال الأمة العربية من اقتتال وتناحر في وقت تتحد فيها القوى الأخرى مشكلة حلفا كبيرا وقويا، ولحرب البسوس كذلك علامة داخل الجسد الجزائري الجريح، وما تركته هذه الحروب من مآس كثيرة كتهميش الأفراد والفقر الذي عم البعض.

        فهذا الزبير دردوخ في "رسالة من مواطن افريقي" يتداخل فيها مع الأجواء البسوسية:

     أنا المواطن البسيط
     أنا الفقير
     أنت الذي عليه دارت الرحى
    رحى الحروب والمجاعة
    فحرب داحس أتت بني خزاعة
!!
    وأنت ما تزال –سيدي- لمجدنا تسوس
!!
    فشعبا العظيم –بفضلكم- أمس سوقها بضاعة
!!
    أنا الذي عليه دارت الرحى...
    رحى الحروب والمجاعة
!![24]

        فالشاعر يتكلم بلسان الشعب الواقع تحت وطأة الحروب، والذي لم يسلم من القتل لم يسلم من الحرمان والقهر والظلم والتبعيات بمختلف أشكالها ، فالتكرار الواضح في هذا المقطع لبعض الجمل ولبعض الألفاظ دلالة على الأثر النفسي الذي تتركه هذه الأحداث على وجدان شاعرنا باعتباره عربيا وباعتباره انسانا يدافع عن القيم الإنسانية فالانتقال من لفظة المتكلم "أنا" إلى لفظة المخاطب "أنت" دلالة على المونولوج الداخلي الذي يقوم به الشاعر بينه وبين نفسه، كما أن تكرار لفظة "الحروب" ثلاثة مرات، وجملة "أنت الذي عليه دارت الرحى" مرتين يوحي بالمعاناة التي يعيشها هذا المجتمع القابع تحت سيطرة هؤلاء الذين لا تهمهم سوى أن ينتصروا هم، ومن بعدهم يأتي الطوفان كما يقال.

        وفي استدعاء آخر للشاعر عمارة بوجمعة، لشخصية جزائرية لطالما تغنى بها الشعراء نظير ما قدمته من نضال وجهاد في مختلف المجالات وهو الأمير عبد القادر مؤسس الدولة الجزائرية، هذا الرمز التاريخي يعيده الشاعر في صفحات ديوانه محنا إلى زمنه زمن الحكمة والشهادة حين يقول في مقطع منه:

    ها أني أضع يدي على حجر القيطنة
    وأحاذي صوتك في مسيرة الركبان
    كي أطلعك على جمرة أسراري
    في الليل
   وفي سبل تبصرها
   تشرف في بسالة الفرسان
   وتنبض في دجى الليل بأحلامها[25]

        لم تكن شخصية الأمير في النص الشعري صورة واضحة بل صورة رمز من خلال العنوان "قمر على حصن الأمير" أو من خلال لفظة "القيطنة المكان الذي ولد فيه الأمير بمدينة معسكر، هكذا <<فالشاعر ينطلق من واقعه، ومن الأحداث والوقائع التاريخية أو السياسية أو الاجتماعية او النفسية أو الثقافية، ولكن هذه الأحداث والوقائع لا تنعكس بصورة حرفية في عمله الشعري، بل تتخذ شكل صور بعيدة في عملية التشكل الشعري إنها تتخذ شكل صورة حلمية...وصور  الحلم في العمل الإبداعي لا تتشكل من باب العبث او اللعب خارج نطاق الجد>>[26].

        وهذا ما نلمسه عند شاعر كتب عن جراحات هذا الوطن المسكون، بلغة وصورالماضي، لكن لا ليعيد الماضي بل ليفضح الحاضر، ففي ديوانه" البذرة واللهب" وفي النص الذي يحمل عنوانه عنوان الديوان، حيث التضاد سمة تغلب على تفاصيل هذا النص، فمن عتبة النص أي من العنوان الذي<<يعتبر علامة جوهرية للمصاحب النصي، رغم اختلاف النقد في صياغة وضعه الاعتباري، فهو تارة جزء من النص، أي المتوالية اللسانية الأولى فيه، وهو تارة أخرى مكون خارجي، أي العنصر الأكثر خارجية ضمن المصاحبات النصية المؤطرة للعمل>>[27].

         ونحن نحاول أن نجعله المتوالية اللسانية الأولى في النص لأن العنوان مشكل من لفظتين يربطها حرف عطف دال على الجمع، البذرة واللهب، وبدورهما تشكل اللفظتان النواة أو المركز الذي تدور حوله الجمل الشعرية المشكلة لرؤيا الشاعر فالعنوان قد شكله الناشر-بطلب من الشاعر- بلونين-الأول باللون الأخضر-البذرة- وهذا يستدعي قراءتين، قراءة اللفظة –البذرة-وقراءة اللون الذي كتبت به، و الشيء نفسه مع اللهب حيث كتب بلون أحمر، كما كتب اسم الشاعر وكلمة شعر باللون الأبيض.

 لقد حاول الشاعر أن ينطلق في التعبير عن رؤاه الشعرية من خلال هذه الثنائية الضدية، في اللفظ واللون –إذ البذرة رمز الحياة والاستمرار والتناسل، أما اللهب فهو رمز الفناء، والدمار والخراب، والموت، لهذا فهو استدعى في نصه المركزي هذا ،  شخصيات تاريخية عدة، أراد أن يستتر خلفها ليعرى الواقع الذي ينكس عليه حياته، الواقع الجزائري الذي مثَّله العنوان ذي الألفاظ المتناقضة.

        إذ يقول في مقاطع متفرقة من النص الذي يعد أطول نص في الديوان:

     رأيت ناسا خارجين من غياهب الزقاق
     منددين ساخطين حاملين راية العراق
     المجد للعرب
     للقدس والعراق
     وحينما توغل الطوفان
     وفرطت بغددا في بغداد
     وابتلعت سفينة الفرات سندباد
     وانطفأ المصباح
     وأدرك الصباح شهرزاد[28]

        لقد اعتمد الشاعر في هذا المقطع على استدعاء كم من شخصية بطريقة مباشرة وغير مباشرة وأحداث كان لها أثر على تغيير مجرى العالم، فالطوفان الذي أتى على جيل بأكمله ليبين الخطابا التي اقترفوها، يولد بعده جيل ربما بخطايا أقل، والشاعر يرمز للاحتلال هنا بالطوفان الذي يأتى على كل شيء، ليتبعه بعد ذلك موت السندباد، رمز الحرية والمغامرة، هذه الشخصية الجوالة، لم تسلم هذه المرة من الاحتلال، هذه الأحداث كلها وكأنها حلم أو حكاية حكتها شهرزاد لتنجو من السفاح شهريار.

         وفي مقطع آخر يقول:

    وجدتي معلقا...ممزق الأزرار
    فصحت يا أبا لهب...
    أيتها العجوز يا حمالة الحطب
    أمالكم سوى السياط[29]

        يحاول الشاعر من خلال هذا الاستدعاء لهاتين الشخصيتين -أبو لهب وزوجته- أن يرتقي بنفسه إلى مصاف الأنبياء حيث التعذيب والتهميش والتنكيل هي المحطات التي توقف عندها كثير الأنبياء. والشعراء يحاولون أن تكون لهم التجربة التي كانت للأنبياء، حيث التغيير والثورة على الواقع هي طموحاتهم التي يناضلون من أجلها.

        ثم يواصل مستدعيا من يحقق له رؤياه فيقول:

    وصاحت السيارة انقدوه
    ياأيها العزيز:

    قد تستعين بالفتى لنكمل الطريق
    قد نحتمي بظله من سخط الحريق
    فصاح أخرجوه
    من جبه العميق[30]
    ثم يواصل

   أحب أن أظل مثل طائر الفينيق
    مرفرفا طليق
    أموت في حرائقي
    ومن رماد خفقتي وجمرتي أفيق[31]

        إن هذا التعدد في الاستدعاء في النص الواحد يستدعي من الشاعر مقدرة فنية كبيرة حتى يستطيع التواصل بين هذه الشخصيات المختلفة والتي تعمل جميعها في نص واحد، من أجل إظهار رؤيا الشاعر، كما <<يقتضي من الشاعر أنسنة الرموز فهي بوضعيتها التاريخية المعروفة اكتسبت معنى في الذاكرة الإنسانية، لكنها حين توظف رمزيا في القصيدة لا تصير مرتهنة بإطارها التاريخي فقط، بل تتسع لتصبح حالة>>[32].

        هذه الحالة تكمن قيمتها <<في لحظة التجربة ذاتها وليست راجحة لا إلى صفة الديمومة التي لهذه الرموز ولا إلى قدمها>>[33].

        هكذا إذن كان تعامل الشاعر الجزائري المعاصر مع ثراته التاريخي فمرة يسير على جنباته ومرة أخرى يغوص في أعماقه ليستخرج ما لم يستخرجه غيره من دلالات كانت غائبة عنه، لذا <<فقد تدرج الشعراء الجزائريون في التعامل مع الرمز، حسب الظروف السياسية والحالات النفسية التي عاشوها، فإن الرموز التي كانت تستخدم في مرحلة الثورة، لم تعد تستخدم في مرحلة الاستقلال>>[34].

        وهذا شيء طبيعي نظرا لطبيعة التجربة التي يمر بها كل جيل شعري، هذا الأخير المسكون بهواجس ورؤى من العالم ومن حوله، لذا كان اختياره للرمز بأنواعه المختلفة مشروطا بمدى تلاؤم هذا الرمز مع التجربة الشعرية والشعورية التي يمر بها الشاعر، فجيل الثورة بحكم الوضع الاستعماري الذي أتى على كل شيء كان مطالبا بأن ينتج نصوصا تعبر على الراهن، نصوص تقول أحلامه وآلامه و بلغة الأحلام والآلام.


الهوامش:

[1] ينظر محمد  مندور، الأدب وفنونه ، نقلا عن عبد المجيد عبد العزيز، التجربة الشعرية عند المتوكل طه، ص105.

[2] علي عشري زايد، استدعاء الشخصيات التراثية، ص120.

[3] ينظر غسان غنيم، الرمز في الشعر الفلسطيني، ص30.

[4] ينظر، عبد الرحمن بسيسو، قصيدة  القناع، ص12.

[5] عثمان حشلاف، الرمز والدلالة في شعر المغرب العربي المعاصر، ص65.

[6] غسان غنيم، الرمز في الشعر الفلسطيني، ص32.

[7] أحمد مجاهد ، أشكال التناص الشعري، ص359.

[8] أدونيس، الثابت والمتحول،  ص313.

[9] محمد علي كندي، الرمز والقناع، ص92.

[10] عثمان حشلاف، الرمز والدلالة في شعر المغرب العربي المعاصر، ص85.

[11] ينظر: عمر أزراج، الحضور مقالات في الأدب والحياة، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1983، ص21- 24.

[12] عثمان حشلاف، الرمز والدلالة في شعر المغرب العربي المعاصر،  ص85.

[13]عبد العالي رزاقي ، هموم مواطن يدعى عبد العال، ص113- 114.

[14] رجاء عبد، لغة الشعر منشأة المعارف، القاهرة، 1985، ص127.

[15] محمد علي كندي، الرمز والقناع، ص92.

[16] محمد فتوح، واقع القصيدة العربية، ص165، نقلا عن المرجع نفسه، ص92.

[17] كاميليا عبد الفتاح، القصيدة العربية المعاصرة، ص540.

[18] مصطفى محمد الغماري حديث الشمس والذاكرة، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1986، ص28-29.

[19] حسين خمري، الظاهرة الشعرية العربية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001-، ص86.

[20] ينظر أحمد يوسف يتم النص والجينيالوجيا الضائعة.

[21] أبو بكر مراد، أوراق الهزيمة، دار الشهاب، باتنة، 1990، ص29.

[22] أنطوان معلوف المدخل إلى مأساة والفلسفة المأساوية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1982، ص39.

[23] أبو بكر مراد، أوراق الهزيمة، ص31.

[24] الزبير دردوخ، عناقيد المحبة، ص79-80.

[25] عمارة بوجمعة، وردة الأهوال، منشورات Graphique scan، د.ط، د.ت، ص 43.

[26] أحمد الطريسي، النص الشعري بين الرؤية البيانية والرؤيا الإشارية، الدار المصرية السعودية ، القاهرة، د.ط/ 2004، ص121.

[27] نبيل منصر، الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال، للنشر المغرب، ط1/ 2007، ص40.

[28] نور الدين درويش، البذرة واللهب، دار أمواج للنشر، سكيكدة، ط1، 2004، ص50.

[29] المصدر السابق، ص54.

[30] نفسه، ص57.

[31] نفسه، ص58.

[32] كاميليا عبد الفتاح، القصيدة العربية المعاصرة، ص539.

[33] عز الدين اسماعيل ، الشعر العربي المعاصر، ص199- 200.

[34] شلتاغ عبود، حركة الشعر الجر في  الجزائر، ص181.