العنف في المدرسة: نتاج مدرسي أم إنعكاس للعنف المجتمعي
pdf

 

 

 

أ. زينة بن حسان

طالبة دكتوراه جامعة باجي مختارعنابة (الجزائر)

أ.د: ابراهيم بلعادي

جامعة 08 ماي 1945 قالمة (الجزائر)

الملخص:

     تناولنا في هذا المقال موضوع العنف في المدرسة، من خلال طرحين أساسيين: الطرح الأول يفسر هذه الممارسات على أنها وليدة خصوصيات النسق التربوي، من خلال السياسة التربوية، آلية عمل المدرسة، بعض الممارسات غير التربوية للفاعلين التربويين، طبيعة العلاقات التربوية. بالمقابل يقوم الطرح الثاني على أساس أن المؤسسة التربوية ليست رهينة لما يحدث داخلها، وليست معزولة عن محيطها، وأن العنف الذي تعيشه المدرسة هو إعادة إنتاج لما هو خارجي ( التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، العنف المجتمعي، التنشئة الاجتماعية...الخ). انطلاقا من هذه المقاربات والطرحات نطرح التساؤل الآتي: هل العنف في المدرسة هو نتاج لممارسات مدرسية أم هو إعادة إنتاج للعنف المجتمعي؟

الكلمات المفتاحية:العنف، العنف في المدرسة، إعادة إنتاج العنف المجتمعي

Abstract:

In this article, we deal with the issue of violence in school in terms of two explaining approaches : According to the first approach, violent conduct in school is due to the characteristics of the educational system inherited in the educational policy, school rules and the way it works, certain non-educational practices of educational actors and the nature of the educational relations.

The second approach on the other hand, argues that the educational institution is not isolated from its environment and that violence practiced in schools is not but a reproduction of outside factors (socio-economic disparities, social violence, socialization etc…).

Based on these two approaches, the following question is raised: Is school violence stemming from the school itself or is it a reproduction of the social violence?

Key words: violence – school violence – reproduction of societal violence.

Résumé :

Cet article traite la violence a l’école a travers deux approches. La première considère le phénomène comme étant le produit du système éducatif a travers la politique de l’éducation, les mécanismes de fonctionnement de l’école, les pratiques non pédagogiques des acteurs éducatifs, la nature de la relation éducative…En contre partie la deuxième approche considère que l’école n’est pas isolée de son environnement et que la violence qu’elle connait est une reproduction de ce qui se passe a l’extérieur (Disparités socio-économiques, violence sociétale, socialisation…) A partir de la découle la question centrale de cet article a savoir : La violence a l’école est-elle un produit de l’école elle-même ou une reproduction de la violence de la société .

Mots-clés:Violence, violence à l'école , Reproduction de la violence sociétale

* تمهيد:

توضح القراءة النقدية لمختلف الكتابات والأدبيات الاجتماعية منها أو النفسية، اختلاف الرؤى والتفسيرات التي تناولت ظاهرة العنف المدرسي بين طرحين أساسيين :

يندرج الطرح الأول ضمن التيارات النقدية للمدرسة، ويعتبر العنف في المدرسة من إنتاج المدرسة نفسها والبيئة المدرسية، فالنظام التربوي يتضمن عنفا حتى وإن كان رمزيا مفروض من طرف السلطة المدرسية الممثلة لهذا النظام. وبالتالي لم يعد يُنظر إلى المدرسة كفضاء محايد يمكن أن ينحصر مجالها فقط في إنتاج المعرفة، بل تغيرت مكانتها في المجتمع، وأصبح العنف يُنتَج ويعاد إنتاجه داخل هذا الفضاء، ويتم تصريفه خارجها أيضا.

أما الطرح الثاني فينطلق من تحليل ظاهرة العنف المدرسي كجزء لا ينفصل عن غيره من الظواهر الاجتماعية الأخرى في الحياة الاجتماعية، باعتبار العنف المدرسي امتداد للعنف الممارس في المجتمع سواء في الأسرة، الإعلام، الملاعب، لتصبح المدرسة حسب هذه الرؤية ضحية وليست مسؤولة عن العنف. وأن العنف انتقل من المجتمع إلى المدرسة.

فالمدرسـة باعتبارها جزء لا يتجزأ من النسـق الاجتماعي الكلّي، سلامتـها واستقرارها يرمز إلى سلامة واستقرار المجتمع، كما أنها مرآة عاكسة للحياة الاجتماعية بمختلف مظاهرها، سلوكاتها وثقافتها، فقد شهدت انتشارا واسعا وخطيرا لظاهرة العنف التي وجدت طريقها إلى المدرسة كممارسات ينقلها التلاميذ والفاعلون التربويون من المؤسسات الاجتماعية الأخرى كالأسرة، وسائل الإعلام، مرورا بالشارع...

أولا: العنف من إنتاج المدرسة: يقوم هذا الاتجاه أو الطرح على أن المدرسة مسؤولة على تفشي سلوكات العنف، فالتلميذ يأتي إلى المدرسة ليجد بيئة مدرسية بمواصفات معينة وممارسات خاصة، تجعله عنيفا بغض النظر عن ما يحمله من سمات شخصية وانتماءات اجتماعية، اقتصادية وثقافية.

وحسب هذا الاتجاه فإن البيئة المدرسية لها خصوصيات معينة تجعلها عاملا مشجعا لإنتاج العنف. لقد اعتبر أحمد أوزي أن هذه الظاهرة ليست سوى تعبيرا عن انفجاروضع تربوي غير سليم ، وضع يفتقر إلى أسس موضوعية تلبي حاجات المتعلم . فالمقررات الدراسية وأساليب التدريس وغياب قنوات الاتصال بين المدرسةومنافذ الشغل كلها عوامل خلقت وضعا مزمنا في المؤسسة التعليمية.(1)

فحالات العنف عندالتلاميذ ليست إلا مظهرالفشل المؤسسة التعليمية في القيام بدورها، وفشل التلاميذ فيالتكيف مع برامجها وأنشطتها وأساليبها، التي لا تتوافق مع قدرات التلاميذ وطموحاتهم ورغباتهم .

ويمكن تفصيل المؤشرات المتعلقة بالعوامل المدرسية فيما يأتي:

1-المنهج الدراسي: على الرغم من التطورات الهامة التي يعرفها النظام التربوي، خاصة التطورات المتعلقة بالمنهج الدراسي، إلا أنه يعرف العديد من النقائص والسلبيات، منها عدم ارتباط ما يتعلمه التلميذ في المدرسة جوهرياً بمحتويات الدروس والمقررات (المنهج المعلن) بل يرتبط بعملية ترويض التلميذ على قيم ومعايير محددة تتمثل في قيم الطاعة، واستهلاك التحيّزات الاجتماعية والقيمية والأيديولوجية السائدة في المجتمع وفقاً للمنهج الخفي والمستتر المعتمد. وحسب هذه الرؤية فإن المدرسة وفقاً لمناهجها الخفية لا تهدف إلى تحقيق المساواة بين التلاميذ بل تهدف إلى ترسيخ مبدأ اللاتكافؤ بينهم؛ وهنا لابد من الحذر من المنهج الخفي بما يغرسه من قيم سلبية تتمثل في قيم الطاعة والخضوع وإضعاف روح الإبداع في نفوس التلاميذ حيث تكون المدرسة أداة لإعادة إنتاج الواقع بكل سلبياته واختناقاته لصالح النخبة المهيمنة.(2)

لقد أصبحت المناهج الدراسية مصدرا خصبا من مصادر العنف، خاصة العنف الرمزي وذلك عندما يتم فرضها بطريقة تعسفية. ونتيجة لذلك فإن معظم محتويات تلك المناهج لا تلبي احتياجات المتعلمين ولا تلائم استعداداتهم وقابليتهم، هذا ما يؤدي إلى تذمر التلاميذ وثورتهم. فقد بينت العديد من الدراسات أن الكثير من المشكلات المدرسية كالهروب والعنف، مرتبطة أساسا بالمناهج والبرامج التربوية التي لا تلبي رغبات وحاجات التلاميذ ولا تأخذ بعين الاعتبار خصوصيتهم، وخصوصية البيئة التي ينتمون إليها. بالإضافة إلى اعتماد المدرسين على طرق ومناهج تقليدية، كطريقة التلقين والتي غالبا ما ترتبط بالعنف والعقاب المادي والمعنوي، فالتلقين كثيرا ما يمارس من خلال علاقة تسلطية، تحدث ردة فعل عنيفة. كذلك اعتماد المنهج التعليمي على الكم وإغفال الجانب الكيفي ( النوعي)، حيث تركز جهود الأساتذة في كثير من الحالات على إتمام البرنامج الدراسي دون الاهتمام باستيعاب التلاميذ والفهم.

وفي انتقاده للمناهج والمقررات الدراسية في المدرسة العربية عامة، واليمنية خاصة يقول مبارك سالمين مستندا لتحليل إيفان إيلتش (Ivan Illitch) " إن مناهجنا في الغالب لا تشجع المتعلم ولا تحرضه على التفكير الحر، لكنها تلقنه، وتتعسفه أحيانا على الأقل، مستعينة بالهالة القدسية التي تتمتع بها المدرسة. ونفوذها الرمزي كفضاء له من الاحترام وما ترسخ عبر أجيال طويلة. وعبر هذه الهالة والنفوذ ينبثق العنف الرمزي الذي يكتنف الثقافة المدرسية والنشاط التربوي برمته"(3)، وهو ما يتوافق مع المقاربة التي انطلق منها بورديو وباسرونBourdieu et Passeron عن تضمن النشاط التربوي للعنف الرمزي في الوسط المدرسي، خاصة وأن كل من بورديو و إيلتش ينتميان للاتجاه النقدي للمدرسة.

من جهته كتب علي وطفة، عن مظاهر التسلط في الأنظمة التربوية العربية بما فيها المدرسة يقول:" إن التسلط التربوي يؤدي إلى إنتاج الشخصية السلبية، التي تعتريها روح الهزيمة والضعف والقصور، وهو يشكل الإطار العام لعملية تشريط تربوي سلبية تبدأ في إطار الأسرة وتنتهي في أحضان المؤسسات التربوية المختلفة"(4).

إن المدرسة العربية تقوم على تكريس السلطة الخاصة بالنظام الأبوي، وتعمل على إعادة إنتاج علاقات التسلط التي تترك آثارا سلبية على سلوكات وشخصية الآخرين من تلاميذ وفاعلين تربويين، فتكرس الخضوع والتسلط، وأساليب الشدة والردع. يقول خلدون حسن النقيب:" إن المدرسة العربية تسعى إلى تلقين الطالب مبدأ الطاعة العمياء، والمحافظة على قيم المجتمع ومعاييره التي تعزز وضعيته الراهنة. فجزء كبير مما يتعلمه الطالب ليس له علاقة بمحتويات الكتب والدروس، وإنما هو سعي لتلقين الطالب الطاعة وجعل التلميذ يستهلك سلبيا كل التجهيزات القيمية والإيديولوجية التي يزخر بها أي مجتمع" (5).

والمنهج الدراسي لا يّفرض على التلميذ فقط، بل نجده كذلك مفروضا على الأساتذة، فأحيانا نجده غير مناسب لاتجاهاتهم وقناعاتهم، مما يقلل من حماسهم ويضعف رضاهم عن مهنتهم، ولما لا قد يدفعهم للعنف.(6)

2-التقييم المدرسي: إن غياب التقييم الهادف والموضوعي يؤدي إلىالعنف خاصة من طرف التلاميذ.وعن مشكلة القياس والتقييم فقد توصل استطلاع للرأي حول العنف في المدارس إلى أن 51،86% من المستجوبين يعتقدون أنهم لا يحصلون على العلامات التي يستحقونها، وهو ما يولد لديهم الإحساس بالظلم، والتمييز المفروضين من الأستاذ(7)، وهذا ما يتسبب في وقوع صراع مع التلميذ، الذي يعتقد أنه ضحية سوء تقييم مدرسي.

وتعتبر الامتحانات من بين الطرق المعتمدة في مدارسنا لتقييم التلاميذ، يستعملها الأستاذ كوسيلة لفرض قوته وسيطرته، وبذلك فالامتحانات بطريقة تنفيذها تمارس عنفا رمزيا في حق التلاميذ. يقول أحمد خواجة: " والامتحان بالنسبة للمدرس يمثل سلطته داخل المنظومة المدرسية، لذا نراه يحمل تصورات مشابهة للخطاب _بصورته الحالية_ نزاهته، موضوعية التقييم...."(8).ليتحول بذلك التقييم التربوي إلى آلية من آليات العنف الرمزي.

3- طبيعة العلاقات داخل المؤسسة التربويةتمارس المدرسة وظائف تربوية تعليمية متنوعة، تقوم أساسا على تنظيم وتوجيه العلاقات التربوية بين أطراف العملية التعليمية من تلاميذ، وفاعلين تربويين.

وتتمثل العلاقات التربوية في العلاقات بينالأساتذة والتلاميذ، بين الإداريين والتلاميذ، وكذلك بين التلاميذ.

أ- علاقة التلميذ بالمدرس:  تمثل العلاقة التربوية بين المدرس والتلميذ حجر الزاوية في العملية التربوية، تهدف أساسا إلى خلق تواصل ايجابي بينه وبين التلاميذ، فكيف يمكن أن يؤثر هذا النوع من العلاقات التربوية على ظاهرة العنف في المدرسة؟

     يحدث ذلك من خلال اقتصار العلاقات التربوية على البعد المعرفي العلمي المحض، وافتقارها إلى العلاقات التربويةالإنسانية.وهو الأمر الذي يوضحه المفتش  التربوي صافي الدين البداليبقوله:"إن التمييز بين المتعلمين وممارسة الإقصاء داخل المؤسسة أو الفصل  يؤدي  إلى ردود  أفعال  متفاوتة من تلميذ  إلى آخر، وذلك حسب الوقعالنفسي على التلميذ، ومن ثم  يبدأ عنف التلاميذ على  الأستاذ أوالإدارة  أو البنية التحتية للمؤسسات أو على بعضهم البعض. كما إن العلاقات القائمة على القمع والكبت والرفض(le rejet)، وعدم الاعتراف بالمتعلم كذات معنوية لها الحق في التعبير عن ذاتها، كل ذلك يؤدي إلى ترسيخ فكرة وجود التلميذ في المدرسة بمحض القوة لا بمحض الفعل"(9). ففي الغالب تقوم العلاقات التربوية على عنصر الإكراه والتسلط، ولا يتم الاعتراف بالتلميذ كمكون من مكونات العملية التعليمية مما يخلق جو تربوي يتميز بالكراهية والنفور من المدرسة.

وفي نفس السياق توصل المفتش التربوي عبد العزيز قريش، فيدراسة قام بها حول العلاقات الاجتماعية في المؤسسة التربوية ، إلى أن طبيعة العلاقة التربوية بين الفاعلين التربويين والتلميذ علاقة سلطوية بالدرجة الأولى، فضلا عن كونها علاقة تتسم بطابع الفوضى واللامبالاة. أما العلاقة بين التلاميذ والتلميذات فيما بينهم فإنها متوترة شيئا ما حيث بلغت نسبتها 55،71% مقابل 44،28% للعلاقة العادية، وهو ما يؤكد أن المؤسسة التعليمية متوترة في ذاتها، مما يجعلها منبتا خصبا للعنف (10).هذا العنف والتعسف الذي يمارسه الأستاذ قد يتطور إلى رد فعل ضدالمؤسسة وإدارتها.

ومن جهة أخرى، يؤكد ذ. صافي الدين أن التدبير الخاطئ للعلاقاتالبيداغوجية من طرف المدرس يتسبب في العنف داخل المؤسسة « لأنه في هذهالحالة، يعتبر الأستاذ نفسه هو المالك للمعرفة وعلى المتعلم التلقيوالطاعة والخنوع. ومن هنا ينطلق تمرد المتعلم على الأستاذ وممارسةالأستاذ للعنف للتحكم في المتعلم (11).

 إن سيطرة المعلم على الجانب المعرفي ورفضه كل أنواع الحوار والمناقشة مع التلاميذ، مستبدلا ذلك بالتلقين والحفظ الآلي، كلها مظاهر تشكل تسلط تربوي في المدرسة تولد رد فعل عنيف عند المتعلمين.

   فتكيف التلاميذ في الوسط المدرسي يتوقف إلى درجة كبيرة على المعلم، ويقول في هذا السياق عبد العزيز القوصي: " المعلم الماهر المحب لعمله و تلاميذه، يمكنه أن يخلق الجو الذي ينمو فيه الطفل نموا يتفق مع طبيعته من ناحية، ومع حاجات المجتمع من ناحية أخرى"(12).

   فالمعلم كما يرى إيفان إليتش يجمع بين وظائف ثلاث: سجان وواعظ ومعالج، فهو المسؤول عن الضبط الاجتماعي داخل الصف، وهو الذي يسهر على اللوائح والقوانين، ويحرص على أن يلتزم ويلزم الآخرين بها (13).

     وترجع أسباب استخدام أسلوب التسلط مع التلاميذ عند بعض المدرسين، إلى النظرة التي يحملها المدرس عن طبيعة العلاقة بينه وبين التلاميذ، حيث تتحدد هذه النظرة في وجود فارق بين التلميذ والمدرس يترتب عليه وجود علاقة تسلطية يفرض من خلالها آرائه بالقوة على التلاميذ مستمدا قوته هذه من شرعية السلطة المدرسية، فيتحول بذلك عنف الأستاذ إلى نشاط مبرر على التلميذ تقبله. أو قد يرجع إلى النظرة السلبية للتلميذ غير السوي، كل ذلك يؤدي إلى وجود الاتجاه التسلطي. والذي يؤثر بدوره على شخصية التلاميذ وسلوكاتهم، فقد يخلق جوا من التوتر والصراع داخل القسم مما يدفع بالتلاميذ إلى ممارسة السلوكيات العنيفة والتطاول على النظام المدرسي.

كما قد تسوء العلاقة التربوية بين الطرفين لجهل المعلم غير المؤهل علميا وبيداغوجيا، والذي لا يعي حقيقة التلاميذ وخصائصهم البيولوجية، الانفعالية والعقلية، فيسيء فهمهم كما أن قلة خبرة المعلم تجعله يفهم الشغب الذي يمارسه التلميذ على أنه تحدي منه، فيواجهه بسلوك خاطئ، كأن يقوم بعملية نقله إلى قسم آخر، أو يحرمه من بعض الامتيازات، أو يعرضه للإهانة والاستهزاء.

في هذا الصدد يقول سكنر Skinner:" إذا كان المعلم ضعيفا فقد يهاجمه التلميذ بشكل مباشر. وهو قد يتصرف بوقاحة وقد يتحدى المعلم ويكون فظا، كذلك قد يصبح سلوكه اللفظي قذرا. إن الاعتداء الجسدي على المعلمين ظاهرة شائعة هذه الأيام. وإن تخريب ممتلكات المدرسة شكل آخر من أشكال الضبط الذي تزداد خطورته يوما بعد يوم" (14).

كما أن الظروف المزرية التي يعيشها المعلم اقتصاديا، اجتماعيا وصحيا، تؤثر على علاقته بالتلميذ داخل القسم. فقد أظهر استطلاع الرأي السابق أن 14،81% من التلاميذ المستجوبين ليست لديهم رغبة في الالتحاق بسلك التعليم، وذلك بسبب ظروف هذا القطاع، مما أدى إلى اهتزاز مكانة المعلم(15).

إن طريقة معاملة الأساتذة للتلاميذ، لها تأثير كبير على سلوكاتهم، والتي تتنوع بين المعاملة العادلة والمساواة أو بين المعاملة التمييزية و التحيز. هذه الأخيرة لها تأثيرات سلبية على سلوك التلميذ ونفسيته، وقد يكون التمييز بين التلاميذ على أساس الانتماء الاجتماعي والاقتصادي أو على أساس الانتماء الثقافي والعلمي، أو على أساس الجنس وطبيعة السلوكات.

هذا عن الأسباب المتعلقة بالكفاءة العلمية والظروف الاجتماعية والاقتصادية للمدرس، وكذا طريقة معاملته للتلاميذ، لكن هناك عوامل أخرى تؤثر بل وتضرب بعمق العلاقات التربوية، تتمثل في استغلال التلاميذ أو فهمهم الخاطئ لبعض القوانين المتعلقة بالتنظيم المدرسي، كالتعليمة الوزارية التي تمنع المعلم من استعمال الضرب المبرح في تقويم التلاميذ. إشارة إلى أن التلميذ أصبح سيد الموقف بعدما سمحتالقوانين بعدم عقابه البدني، وحتى تأنيبهكما إن الولي وأمام جملة هذه القوانين بات يرفضأية عقوبة تسلط على ابنه، بل ويتحدى قرارات الإدارة ويرفض حتى الاتصال بها كلماوجهت له دعوة للحضور. مما يؤدي إلى تغييبالصورة السلطوية في المدرسة.ولذلك فإن التعليمات والقوانين التي تحكم الحياة المدرسية بدلا أن تطور العلاقة في الوسط التربوي زادتها تعقيدا.

ب-علاقة التلميذ بالإدارة: يعتبر التأطير الإداري ركيزة أساسية إلى جانب التأطير التعليمي، في العلمية التربوية والتعليمية. وقد تشكل علاقة الإدارة بالتلميذ عاملا أساسيا في ممارسة العنف في المدرسة. ولعل ذلك يرجع إلى بعض التصرفات وطرق التعامل التي يتلقاها التلميذ من الإدارة المدرسية. فالتسلط في المعاملة وعدم الاهتمام برغبات وميولات التلاميذ تجعل التلميذ ينفر من المدرسة. من جهة أخرى فإن الإهمال واللامبالاة الإدارية قد تشكل عاملا حاسما في ممارسة التلميذ للعنف.

ج-علاقة التلميذ بزملاء الدراسة: كثيرا ما تتشكل في سن المراهقة جماعات الأصدقاء وزملاء الدراسة، الذين يشكلون مجتمعا يعتبر التلميذ جزء منه، ويعتبر زملاء الدراسة أحد المؤثرات الهامة في تنمية عنف التلاميذ، حيث أن هذه الجماعات تعمل على إشباع الغرائز الملحة التي لم يستطع إشباعها في الأسرة أو المدرسة بطريقة سوية.وقد تأكدت أهمية وتأثير هذا العامل من خلال النظرية النفسية الاجتماعية " عوامل الجماعة " والتي بينت أن للجماعة تأثير كبير على سلوك العنف عند التلاميذ.

يتضح إذن مما سبق أن البيئة المدرسية لها دور في انتشار السلوكات العنيفة عند التلاميذ، سواء تلك المرتبطة بالسياسة التربوية المتبعة ، أو طبيعة العلاقات التربوية السائدة ، أو عوامل أخرى مرتبطة بالمحيط المدرسي ككل. هذه المتغيرات قد تجعل المدرسة عنيفة ، مما يؤثر سلبا على سلوكات المنتمين لها، (التلاميذ والفاعلين التربويين) فيلجؤون للعنف كرد فعل على تسلطها وتعسفها وعنفها، مما يؤكد على أن المدرسة قد تساهم في إنتاج العنف الممارس بداخلها.

هذا ما يتوافق مع ما توصلت إليه بعض الدراسات التي اهتمت بموضوع العنف في المدرسة، كالدراسة التي قام بها مبارك سالمين مبارك بعنوان :" ظاهرة العنف في المدرسة دراسة ميدانية للمدارس الثانوية بمديرية الشعب محافظة عدن- اليمن".حيث طرح الباحث فرضية قائلة بأن ظاهرة العنف سببها المدرسة ذاتها كمؤسسة قائمة على التسلط. وقد اعتمد على عينة مكونة من تلاميذ السنة الثالثة ثانوي والجهاز التعليمي بالثانويات خلال السنة الدراسية 1995_1996، معتمدا على جملة من التقنيات البحثية من بينها الملاحظة، الاستبيان مع التلاميذ، واستمارة مقابلة مع الجهاز التعليمي.

بعد التفسير والمناقشة توصل الباحث إلى تأكيد صحة الفرضية الأولى، مؤكدا على " أن عنف المدرسة وتعسفها يمكن أن يتسببا في عنف مضاد، ما لم يعاد النظر في آلية عمل المدرسة ومقرراتها الدراسية وطرائق التدريس والتقويم فيها"(16).

ثانيا: العنف المدرسي انعكاس للعنف المجتمعي: ينطلق أصحاب هذا الاتجاه من أن المدرسة مؤسسة تربوية واجتماعية في نفس الوقت، وأن العنف الممارس في المدرسة ينتج عن طبيعة الأوضاع التربوية والاجتماعية والاقتصادية المتأزمة، ليتسرب بذلك العنف إلى المدرسة ويصبح ظاهرة تغزو الفضاءات التربوية،وأنه لا يمكن عزل ظاهرة العنف المدرسي عن سياقها الاجتماعي العام.

حسب المقاربة النسقية فإن المؤسسة التعليمية تمثل نسقا مفتوحا على المحيط الخارجي بما يحتويه من أنساق اجتماعية أخرى سواء اجتماعية، واقتصادية أو بيئية. وانطلاقا من هذه المقاربة، فإن ظاهرة العنف المدرسي تعتبر امتدادا للعنف الذي نعيشه في حياتنا.

ويمكن تحديد العوامل البيئية المؤثرة في إنتاج ظاهرة العنف المدرسي في ما يأتي:

1) طبيعة المجتمع: إن العوامل الخارجية للعنف المدرسي ترتبط بطبيعة وخصائص المجتمع الذي تنتمي له المدرسة، كطبيعة المجتمع الأبوي والسلطوي على حد تعبير أحد الباحثين ( يحيى حجازي) والذي يقول : " رغم أن مجتمعنا يمر بمرحلة انتقالية، إلا أننا نرى جذور المجتمع المبني على السلطة الأبوية ما زالت مسيطرة " (17).

ومن ابرز مظاهر استخدام العنف التربوي في المجتمع السلطوي، استخدام العنف في الأسرة من قبل الأخ الكبير أو الأب، باعتباره الأسلوب المناسب والمفضل للتنشئة الأسرية وتربية الأطفال سواء من خلال العقوبات الجسدية كالضرب، أو المعنوية كالتجريح و السخرية و التحقير.

إذن يمثل العنف المجتمعي إحدى العوامل الرئيسية لممارسة العنف داخل المدرسة، بحيث تصبح هذه الأخيرة مصبا للسلوكات العنيفة التي ينقلها سواء التلاميذ أو الفاعلين التربويين من المجتمع الخارجي، فيأتون إلى المدرسة معنفين أو عنيفين محملين بمشاعر الإحباط والانتقام التي يعبرون عنها بسلوكات عنيفة اتجاه المدرسة بكل مكوناتها، في هذا السياق يقول هوربيتس:" إذا كانت البيئة خارج المدرسة عنيفة فإن المدرسة ستكون عنيفة"(18).

أي أن العنف المدرسي هو نتاج للثقافة المجتمعية العنيفة،وأن العنف ينتج العنف. فالتلميذ الذي مورس عليه العنف من قبل أهله والمجتمع المحيط به سيقوم بإسقاط وإفراغ المكبوتات في شكل سلوكات عدوانية تجاه زملائه أو حتى تجاه مدرسيه أو الممتلكات المدرسية.

2) العوامل الأسرية: تعتبر الأسرة المسؤول الأول عن تنشئة الفرد وتكوين نمط شخصيته، فهي :" الإطار العام الذي يغطي جميع الأدوار التي يلعبها الفرد على مسرح الحياة "(19)

ويتوقف تأثير الأسرة على جملة من المعطيات من بينها تركيبتها الداخلية، الجو النفسي السائد بداخلها ومستواها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.

ويمكن التفصيل في المؤشرات المرتبطة بالعوامل الأسرية فيما يأتي:

‌أ.  العنف الأسري: لقد أثبتت العديد من الأبحاث وجود علاقة مباشره بين العنف الأسري والعنف المدرسي. فالطفل الذي تربى في عائله يعتبر فيها التصرف العنيف مقبولا، سيعكس هذا العنف في أول فرصه تتاح له في المدرسة. فالطفل يتعرض إلى أنماط من السلوك العنيف يبدأ بالعنف( الأسري ) وتتسع الحلقة لتشمل العنف ( المدرسي ) ومن ثم تأتي الحلقة الأوسع متمثلة بالعنف ( المجتمعي).

إن اللجوء إلى العنف داخل المدرسة، والتسلط في العملية التربوية يعود إلى عوامل اجتماعية، ونفسية، وثقافية متنوعة تتمثل أساسا في:

Ø ­ الجهل التربوي بتأثير أسلوب العنف، فالوعي التربوي والنفسي بأبعاد هذا الأسلوب ضروري لتجنبه.

Øإن أسلوب التسلط يعد انعكاساً لشخصية الأب والأم والخلفيات التربوية والاجتماعية التي أثرت عليهم في طفولتهم. أي انعكاس لتربية التسلط التي عاشوها بأنفسهم عندما كانوا صغاراً. ‏

Ø   إن ما يعزز استخدام الإكراه والعنف في التربية، الاعتقاد بأنه الأسلوب الأسهل في ضبط النظام والمحافظة على الهدوء، ولا يكلف الكثير من العناء والجهد. ‏

Ø   بعض الأسر تدرك التأثير السلبي للعقوبة الجسدية وتمتنع عن استخدامها، لكن ذلك لا يمنعها من استخدام العقاب المعنوي من خلال اللجوء إلى قاموس من المفردات النابية ضمن إطار التهكم والسخرية والاستهجان اللاذع، فهل تدرك هذه الأسر أن أثر العقوبة المعنوية في النفس أقوى من العقوبة الجسدية بكثير. ‏

Ø إن الظروف الاجتماعية الصعبة التي تحيط بالوالدين في إطار العمل والحياة الاجتماعية، قد تؤدي إلى تكوين شحنات انفعالية يتم تفجيرها وتفريغها في إطار الأسرة، وكل ذلك ينعكس سلباً على حياة الأطفال وعلى نموهم الاجتماعي والنفسي (20)." ف الكسندر F.Alexander مثلايقر بأن اختلال المجتمع يؤثر على الاختلال العائلي الذي ينعكس بدوره على تصرفات الأفراد حيث يقول إن العائلات المعاقة لأسباب طبقية، اقتصادية، دينية أو عرقية...تؤثر في اتجاه تكون الأطفال. كما يبين بأن ضغوطات المجتمع تتحول إلى ضغوطات داخل العائلة وتؤثر على الأطفال ويقول إن الاجتماعي-الثقافي يسبق ويضبط النمو النفسي-الوراثي وإن الدائرة الداخلية للعائلة مصورة في الحقل الخارجي الأوسع وعلاقاتها الداخلية محددة من طرف المؤسسات الثانوية التي تحيط بها." (21).

لقد بينت العديد من الدراسات و الأبحاث أن هناك علاقة بين معاملة الوالدين للأبناء و الاتجاه نحو العنف، فالصراع الأسري و عدم التوافق، يترتب عليه آثارا سلبية قد تهدم الكيان العائلي، ومن ثمة نشوء جيل مضطرب ومشوش فكريا، يعبرون عن رفضهم للأوضاع بارتكاب سلوكات عنيفة. فالاعتداءات والصراعات بين أسرة الطفل تعتبر أحد العوامل وراء ميل الطفل إلى العنف والعدوانية، حيث يبدو له طبيعيا تبادل الضرب و الجرح و الألفاظ التهديدية بين أفراد الأسرة و يبدأ في ممارسة ذلك في كل مواجهاته. مما يؤدي إلى خلق جو من اللاأمن واللااستقرار، فيبحث الطفل عن ملجأ آخر لتأمين تلك الحاجات فيكون الانحراف والعنف وسيلة لتحقيق ذلك.

لقد أرجع استطلاع الرأي المذكور سابقا، العامل الأول للعنف عند التلاميذ إلى الأسرة، حيث أكد أن المتعلم يكتسب أثناء طفولته خبرات عدوانية، من خلال القيود المفروضة عليه من طرف الأسرة، مما ينشئ لديه كراهية ينقلها مع مرور الوقت من الأسرة إلى المدرسة، فيصبح المعلم هو المتنافس الوحيد الذي يفتقده في البيت. كما أن انعدام الأمن والشجار الدائم بين الوالدين له أثر سلبي يفقد التلميذ الثقة بالنفس و بالمدرسة والمدرسين، ويجعلهم هدفا لعنفه وعدوانيته(22).

‌ب.     التنشئة الاجتماعية الأسرية: على الرغم من أهمية التنشئة الأسرية للطفل، إلا أنها قد تعتمد أساليب تربوية خاطئة في بناء شخصيته، وتدفعه إلى ممارسة العنف. و من أنماط التنشئة الأسرية التي تؤثر على سلوك العنف عند الطفل: التنشئة التسلطية، أسلوب التذبذب في المعاملة،أسلوب التدليل.

إن هذه الأساليب التربوية الخاطئة لها تأثير بعيد المدى على نشوء وتكيف الطفل المراهق، وقد يرجع إتباع بعض الأسر لهذه الأساليب إلى عدم الوعي بخطورتها، فانخفاض المستوى الثقافي والعلمي للأسرة يجعل التنشئة الاجتماعية تفتقر للموجهات الثقافية والعلمية والفنية التي تسمح بمتابعة التلاميذ وتحقيق التكيف الاجتماعي لهم.

ومن بين الأخطاء التي تمارس في الوسط الأسري وتؤثر على سلوك التلاميذ في المدرسة، ما تنقله الأسرة من تصورات خاطئة عن بعض الأدوار تتعارض مع ما هو موجود في المدرسة. في هذا السياق يقدم مبارك سالمين مثالا عن هذه التصورات، حيث "ترسخ الأسرة بعض التصورات المتصلة بالجنس، وهي في الغالب تصورات ترفع من شأن الذكورة في المجتمعات التقليدية. ومقابل هذه التصورات يصطدم الطلاب بلوائح مدرسية وآفاق حياة جديدة داخل فضاء المدرسة، لا تفرق بين الذكور والإناث في الواجبات والحقوق..."(23).

3) وسائل الإعلام: لقد بينت المقاربة الإعلامية للعنف أن وسائل الإعلام بمختلف أنواعها لها دور بالغ الأهمية في التأثير على شخصية الإنسان، مما يجعلها تنتهج سلوكا دون غيره. إذ أن هناك علاقة قوية بين وسائل الإعلام وسلوك الفرد في كثير من الحالات من خلال ما تنقله يوميا من برامج وأخبار وإعلانات، بحيث يكون للعنف فيها مجالا واسعا، لاسيما تلك البرامج التي تمجد العنف وتعطيه قيمة عليا(24).

إن تأثير العنف اليومي الذي تبثه وسائل الإعلام السمعية-البصرية يظهر في عدة صور (عنف الصورة، حروب ،أفلام العنف، ألعاب الفيديو العنيفة). خاصة في ظل انتشار التكنولوجيات الحديثة، حيث أصبحتوسائل الإعلام من أهم الوسائل تأثيرا على مختلف الفئات وخاصة الأطفال المتمدرسين، فسوء استغلال هذه الوسائل ، يؤثر على تزايد ظاهرة العنف المدرسي، خاصة في ظل غياب الرقابة الأسرية والفجوة الرقمية أو التكنولوجية بين الآباء والأبناء، مما يضعف من مراقبة الأسرة للأبناء وتأثير ذلك على سلوكاتهم. فأغلب الآباء يجهلون الاستعمال والتحكم في هذه التكنولوجيات.

ومن أكثر هذه الوسائل تأثيرا في حياتنا اليومية، التلفزيون الذي أصبح يلعب دوراً أساسياً ومهماً من خلال ما يبثه من برامج منها، ما هو ايجابي ومرغوب فيه ومنها ما هو سلبي مرفوض. هذا التأثير وصل إلى درجة مساهمة التلفزيون في تنشئة وتربية الأطفال والمراهقين جنبا إلى جنب مع الأسرة.

أما التأثيرات السلبية للبرامج العنيفة التي تبثها في سلوكيات الأطفال؛ فقد أكدت الدراسات أن هذه البرامج تصور الأبطال في صور خيالية مليئة بالعنفمن خلال تصويرها للمجرم والسارق على أنه بطل. يختزنها الطفل في مخيلته إلى أن يمارسها في أفعاله، حيث يقلد الشخصيات البطولية خاصة في مواقفهم العنيفة .

كما أوضحت ماري وين، أن العنف الزائد على شاشة التلفزيون يؤدي مباشرة إلى سلوك عدواني عنيف بين الأطفال والمراهقين، وتتضمن هذه البرامج ليس فقط الجرائم والاغتصاب، بل كذلك بعض السلوكات اليومية التي لا تقل أهمية كالضرب والشتم(25).

ما يمكن تأكيده أن وسائل الإعلام لها تأثير على شخصية وسلوكيات الأفراد بالإيجاب أو السلب، ولكن تحت تأثير ظروف وعوامل ذاتية وأخرى بيئية. فتأثير وسائل الإعلام على سلوك الأفراد ليس مستقلا، بل تتفاعل معه مؤثرات أخرى خاصة الوسط الأسري، فإيجابيات أو سلبيات التلفزيون ترتبط بخصائص الأفراد المتلقين للبرامج التلفزيونية، وظروف المجتمع الاقتصادية، السياسية، ثقافة الأسرة، و المستوى المعرفي.

4) الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة في المجتمع :

مهما كانت مسؤولية الأسرة، المدرسة، وسائل الإعلام فلا يجب عزلها عن المحيط العام والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والتي تعتبر عوامل هامة في جنوح الشباب والمراهقين إلى العنف. فتفشي البطالة، تدهور القدرة الشرائية وانخفاض الدخل كلها عوامل تؤدي إلى ضعف التحصن من الآفات الاجتماعية والتورط في أعمال العنف.

لقد اعتبر ” إميل دوركايم  Emile durkheim بأن ” نقص التنظيم الاجتماعي وعدم الانسجام بين الوظائف الاجتماعية المرتبطة بالأفراد والجماعات تسبب انقطاعا مؤقتا في التضامن الاجتماعي، مما يعكس حالة من اللانظامية التي تمهد لخلل اجتماعي يصيب جسم المجتمع، ينتقل تدريجيا إلى الطابع العنيف”(26).

وفي سياق الحديث عن المتغيرات الاجتماعية للعنف، نجد أن أكثر النظريات الاجتماعية التي تتصل بالعنف تعود تاريخيا إلى الطرح القائل بأن المدينة من شأنها أن تدفع بالناس إلى العنف(27). فالضغوطات والمعاناة التي تتسبب عن البيروقراطية والتكنولوجيا من شأنها أن تصبح عبئا ثقيلا على عدد كبير من الأفراد تؤدي بهم إلى سلوكات غير سوية.

إن الإنسان هو الكائن الذي يؤثر ويتأثر اجتماعيا، يتأثر بمجتمعه وثقافته وكل ما يحيط به، ويكتسب الفرد قيم ومعايير مجتمعه، التي تحدد السلوك المقبول وغير المقبول اجتماعيا. لذلك فإن العنف يمثل سلوكا اجتماعيا يتم تعلمه تحت تأثير البيئة الاجتماعية، وهو ما كشفت عنه التحليلات والمقاربات الاجتماعية للعنف. فأي فاعل قادر على فعل العنف وبنفس القدر قادر على عدم فعله، وفعله هذا مشروط ليس فقط بالقدرة على الفعل بل موجه ومحدود أيضا بالظروف التي تسمح بالفعل العنفي أو لا تسمح به، فالفعل العنفي في المجتمع هو نتاج لحالات من التوتر(28).

" فهو ظاهرة اجتماعية تجد تفسيرها في التاريخ الإنساني ذاته، ومما لا ريب فيه أن الفرد أو الجماعة يكتسبان السلوك العنيف واللاعنيف من خلال الثقافة التي توجه المجتمع وتحكمه أو لا تحكمه من خلال أدوات الضبط العنفي ومعايير السلوك وقيم السياسة "(29).

وقد استعرض "Sellin" عدد من الدراسات، انتهى فيها إلى أن الكساد الاقتصادي وفترات البطالة تدفع إلى زيادة الجرائم ضد الممتلكات وخاصة تلك المتضمنة للعنف(30). كما أن سوء الأحوال الاقتصادية تؤدي إلى الإصابة باليأس والرغبة في الانتقام كرد فعل للفقر.

كما كشفت بعض التقارير التي قدمها المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الجزائري، عن الوضعية الاقتصادية للأسرة الجزائرية، مرفقة بإحصائيات وملاحظات ميدانية على أن هناك علاقة بين مؤشرات الأزمة الاقتصادية »البطالة، الفقر، الدخل المنخفض، عدم تلبية الحاجات المادية كالغذاء واللباس«  وتأدية الأسرة لوظائفها ورعاية أبنائها.

والمؤسسة التربوية باعتبارها جزء من المجتمع فهي تتأثر بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي السائد فيه، بل وتعمل على إعادة إنتاج هذه الظروف داخل جدران المدرسة. ومن بين مؤشرات هذا التأثير إنتاج اللامساواة، واللاعدالة في التعامل مع التلاميذ والذي يتولد عنه عنفا آخر في المدرسة.

فالتلاميذ المنتمين لطبقات ميسورة ماديا فإنهم يمتلكون رأس مال ثقافي مميز، على عكس التلاميذ الفقراء الذين يتميزون بالضعف الثقافي الذي ينتج عنه الرسوب المدرسي، الفشل المدرسي والانقطاع عن الدراسة وكراهية المدرسة وكذلك يدفعهم إلى الانحراف وممارسة العنف، " إذا شعر شخص ما بفقدان الارتباط العاطفي مع شخص أو مؤسسة فإنه يميل إلى نزع الشرعية القانونية التي تفرضها هذه المؤسسة أو هذا الشخص"(31) مما يؤكد أن المدرسة تساهم في إعادة إنتاج التفاوتات المادية والاجتماعية وخلق حالة من الصراع والتمييز واللامساواة بين التلاميذ داخل المؤسسة التربوية، والتي بدورها تدفع بالتلاميذ إلى ردود أفعال سلبية كممارسة العنف.

لكن هذا لا يعني دائما ارتباط السلوك العدواني العنيف بالمستوى الاقتصادي المنخفض للأسرة، بل يمكن أن يظهر العنف في أوساط تلاميذ من عائلات ذات مستوى اقتصادي مرتفع، ذلك لأن توفر العنصر المادي وانشغال الوالدين عن متابعة الأبناء من شأنه أن يسهل انحراف الأبناء واللجوء إلى السلوك العنيف، "فالظاهرة لا تقتصر على الشرائح المستضعفة، فجميع الطبقات بما فيها المثقفة و الميسورة تواجه تداعيات العنف ...حيث يؤكد تقرير لجنة السكان والاحتياجات الاجتماعية أن حتى ما يعرف بالأحياء الراقية تعاني من وطأة الانحراف "(32). حيث يتولد لدى الطفل في هذه الأوساط النزعة الفردانية والأنانية.

إن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تؤثر في سلوكات أفراد المجتمع، بما فيهم المنتمين للمدرسة، باعتبارها جزء لا يتجزأ من المجتمع تتأثر به وتؤثر فيه إيجابا وسلبا.

5)العوامل السياسية: لقد حدد بعض الباحثين العوامل السياسية للعنف المدرسي في النقاط الآتية:(33).

_ انتشار ظاهرة العنف السياسي، عالميا، إقليميا ومحليا هيأ المناخ لانتشار ثقافة العنف في المدارس.

_ غياب العدالة يثير مشاعر السخط والإحباط والتي غالبا ما تؤدي إلى انتشار العنف.

_الشعور بعدم التكافؤ واللانتماء.

_ ضعف المقررات والبرامج المدرسية في تنمية قيمة الانتماء للمدرسة والمجتمع.

من هنا يتضح أن العنف في المؤسسات التربوية ليس فقط وليد الظروف المتدهورة للقطاع التربوي عامة، وإنما هو كذلك وليد طبيعي للظروف الاجتماعية، الاقتصادية وكذلك السياسية، ذلك لأن السياسة التربوية مرتبطة بالسياسة العامة وتتأثر بأيديولوجية النظام السياسي السائد في المجتمع، من حيث مبادئ ومحتوى المناهج والبرامج الدراسية للنظام التربوي. لذلك هناك من يرى أن جوهر المشكلة سياسي محض وليس تربوي (34).

خاتمة : في الختام يمكن القول أن كل من التلميذ، الأستاذ والإداري مكونات فاعلة في الوسط المدرسي، تؤثر فيهم البيئة المدرسية، لكن هذا لا يعني أنها العامل الوحيد المؤثر، باعتبار أن هؤلاء الأطراف قبل أن ينتقلوا إلى الفضاء المدرسي، فإنهم أفرادا ينتمون إلى بيئة خارجية يوجد بينها وبينهم علاقة تفاعل وتأثير متبادل. "فاكتساب العنف يمكن أن يبدأ من خلال المؤثرات الاجتماعية ( نمط التنشئة، طبيعة الوسط الأسري، تأثير جماعة الأقران، الوسائل الإعلامية) "(35).

إن العنف الممارس في المدرسة هو من جهة، امتداد للعنف الممارس في الأسرة، الشارع، وسائل الإعلام...الخ، مما يؤكد على أن العنف المدرسي هو انعكاس للعنف المجتمعي بمختلف أنواعه، ومن جهة أخرى، فإنه نتاج لبعض الممارسات التربوية للمدرسة بمختلف عناصرها ( طرقها البيداغوجية، علاقاتها التربوية، سياستها وممارساتها التربوية). فهو بذلكظاهرة مركبة، نشأت عن اجتماع وتضافر جملة من العناصر والأسباب،مما يتطلب منا تبني مقاربة شمولية متداخلة التخصصات للإلمام بالظاهرة من مختلف جوانبها وتجنب التصورات الجزئية.

الهوامش:

1)  المصطفى المصدوقي، العنف المدرسي عنوان فشل المشروع التربوي،www.startimes.com/f.aspx?t=15038262. . بتاريخ، 18 أكتوبر 2014.

2)   صابر جيدوري،رأسمالية المدرسة في عالم متغير: الوظيفة الاستلابية للعنف الرمزي، في:

http://syrianswa.org/ar/article/2012/01يوم 18 ديسمبر 2012.

3)   مبارك سالمين، ظاهرة العنف في المدرسة، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، الجمهورية اليمنية، ط 2، 2005، ص 58.

4)   علي وطفة، مظاهر التسلط في الثقافة والتربية العربية المعاصرة، المستقبل العربي، العدد 247، 1999، ص 62.

5)  خلدون حسن النقيب، المشكل التربوي والثورة الصامتة، دراسة في سوسيولوجيا الثقافة، المستقبل العربي، السنة 16، العدد 174، أوت 1993، ص 68. نقلا عن علي وطفة، مظاهر التسلط في الثقافة والتربية العربية المعاصرة، مرجع سبق ذكره، ص 62.

6)  أحمد فريجة، العنف المدرسي: دراسة تحليلية في سياقاته المدرسية، مجلة العلوم الإنسانية، العدد رقم 24، جامعة محمد خيضر، بسكرة، مارس 2012، ص 77.

7)   ع. زهيرة، العنف في المدارس ناتج عن انتقال كراهية التلميذ من الأب نحو المعلم ، الخبر، عدد 4566، 30 نوفمبر 2005، ص12.

8)  أحمد خوجة، الثقافة المدرسية والعنف، بحث كفاءة غير منشور، مكتبة كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس ، رقم T3600، ص 91. نقلا عن مبارك سالمين، مرجع سبق ذكره، ص 126.

9)   وحيد رحيم، العنف المدرسي الوجه الآخر للعنف، في: ـhttp://www.startimes.com/f.aspx?t=32034098. بتاريخ 19_01_2013

10)    عبد العزيز قريش، البعد الاجتماعي في العنف المدرسي من خلال المؤسسة التعليمية"، في:

www.alwatanvioce.com/pulpit-php.3/12/2006.ص ص1-2.

11)    المصطفى المصدوقي، مرجع سبق ذكره.

12)    عبد المنعم الزيادي، بين الطفولة والمراهقة ،الشركة العربية للطباعة و النشر، القاهرة، ط1، 1957، ص42.

13)    صابر جيدوري،مرجع سبق ذكره.

14)    جمال الخطيب، تعديل السلوك القوانين والإجراءات، ط1، عمان ، 1987، ص 142

15)    ع. زهيرة، مرجع سبق ذكره، ص12.

16)    مبارك سالمين مبارك، مرجع سبق ذكره، ص 129

17)    يحيا حجازي و جواد دويك، العنف المدرسي، في:

www.pcc-ier.org/school violence-htm.11/9/2005

18)    المرجع السابق، ص 5.

19)    ترافيز هيرشي، أسباب جنوح الأحداث، ترجمة محمد سلامة غباري، المكتب الجامعي الحديث، الاسكندرية، ط2، 1989، ص 182.

20)  سهام الخاطر ، جدلية العنف التربوي بين الأسرة والمدرسة، الحوار المتمدن،العدد: 749 2004 / 2 / 19 المحور: حقوق الاطفال والشبيبة. في: http://manaratalelm.ifrance.com/education/sujets%20educatifs.html. بتاريخ 26_04_2015

21)  بلعادي ابراهيم: "الإعاقة العقلية:عناصر تفكيرية في السوسيولوجيا" ، مجلة البحوث والدراسات الانساتية، منشورات جامعة سكيكدة، عدد06، نوفمبر2010، ص124.

22)    ع.زهيرة، مرجع سبق ذكره، ص12.

23)    مبارك سالمين، مرجع سبق ذكره، ص 137

24)  زين الدين مصمودي، مدخل نقدي لتفسير ظاهرة العنف من خلال: التنشئة الاجتماعية بين تبريرات الواقع والأنموذج المعياري، مداخلة في الملتقى الدولي الأول حول العنف و المجتمع، جامعة محمد خيضر بسكرة، 9/10 مارس 2003، ص52.

25)  محمد السيد حسونة وآخرون، العنف في المدرسة الثانوية: مشكلة تعرقل مسيرة التعليم والتربية، الجزء 3، المكتب الجامعي الحديث، الاسكندرية، مصر، 2012، ص 20.

26)    فريدريك معتوق، معجم العلوم الاجتماعية، بيروت للنشر والطباعة، 1998، ص 40.

27)    Michaud Yves," La violence ", que sais je, 5 emeed, paris, 1999, pp125-128.

28)  علي سموك، إشكالية العنف في المجال المدرسي الجزائري، مداخلة في أعمال الملتقى الوطني حول الجريمة والانحراف، جامعة عنابة، 26/11/2001، ص1.

29)    خليل أحمد، المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع ، دار الحداثة للطباعة و النشر و التوزيع، بيروت، ط1، 1984 ، ص155.

30)    عبد الرحمن العيسوي، سيكولوجية الانحراف والجنوح و الجريمة، دار الراتب الجامعية، بيروت، لبنان، ط1،2001، ص52.

31)    ترافيز هيرشي ، مرجع سبق ذكره، ص 182.

32)    غ. فاروق، الكناس يدق ناقوس الخطر، الخبر، 10 ماي 2003، ص 12.

33)    محمدالسيد حسونة وآخرون، مرجع سبق ذكره، ص 69.

34)    علي سموك، إشكالية العنف في المجال المدرسي الجزائري، مداخلة في أعمال الملتقى الوطني حول الجريمة والانحراف، مرجع سبق ذكره، ص9.

35)    مبارك سالمين، مرجع سبق ذكره، ص 14